الخثلان
الخثلان
(باب الهدي والأضاحي)
21 جمادى الأولى 1440 عدد الزيارات 387

شرح متن التسهيل / باب الهدي والأضاحي

 

(قبل أن نبدأ في الدرس فقط تنبيه؛ الدرس الماضي كانت عبارة المؤلف [معقولة يمناه]، يبدو أنها تصحيف، الصواب [يُسراه] [ونحر البعير في اللبة قائماً معقولة يسراه] وليس يمناه، فالبعير تُعقل يده اليسرى وليس اليمنى).

ننتقل بعد ذلك إلى (بابُ الهَديِ والأضَاحِي)، وهذا الباب بعض الفقهاء يذكره بعد كتاب الحج، وبعضهم يذكره بعد الذكاة والصيد، كما صنع المؤلف -رحمه الله-، ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن كثير من الفقهاء يذكرونه بعد كتاب الحج، باعتبار أن فيه الأضاحي وما يتعلق بأحكام الأضاحي، وهذه لها ارتباط بالحج، لأنها تكون في أيام الحج، لكن طائفة من الفقهاء ومنهم المؤلف رأوا أن هذه متعلقة بالذبح، ولذلك يذكرونها بعد الذكاة، ولا مشاحة في الاصطلاح.

قال المؤلف -رحمه الله-: [بابُ الهَديِ]:

الهَدْي: بسكون الدال؛ يقال: (الهَدْي) ويقال: (الهَدِي) بكسر الدال، الهدْي والهدِي، بسكون الدال وكسرها، لغتان، وهو: ما يُهدى للحرم تقرباً إلى الله -تعالى-.

وهو على ثلاثة أنواع:

  • واجبٌ من أجل النسك كهدي التمتع والقران.
  • وواجب من أجل الإخلال بشيء من أعمال النسك، كالهدي الذي يجب لترك واجب من واجبات الحج أو العمرة، أو لفعل محظور.
  • والثالث هدي التطوع، وهذا هو المقصود في هذا الباب، لأن الأول والثاني تقدم الكلام عنهما في كتاب الحج.

والأضَاحِي: جمع أضحية، وهي ما يذبح في أيام النحر تقرباً إلى الله -تعالى-.

والهدي والأضحية والعقيقة أيضاً مختصة ببهيمة الأنعام، المذكورة في سورة الأنعام في قول الله -تعالى-: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الأنعام: 143]. والمقصود بالأزواج الثمانية: الضأن والمعز والإبل والبقر، ذكرها وأنثاها، الضأن والمعز والإبل والبقر؛ هذه أربعة، ذكر وأنثى تصبح ثمانية، ثمانية أزواج، فالهدي والأضحية والعقيقة مختصة بهذه الأزواج الثمانية، وأفضلها بالنسبة للهدي والأضحية: الإبل، ثم البقر، إن أُخرِج كاملاً، ثم الغنم، أما إذا لم يُخرَج كاملاً؛ يعني كان سبع بدنة أو سبع بقرة؛ فالغنم أفضل، الشاة أفضل، والأفضل من كل جنس من هذه البهائم؛ اختلف العلماء في أفضلها:

  • فقال بعضهم إن الأفضل ما كان أسمن، ما كان أسمن، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، إذا وجدت شاة سمينة وشاة ليست سمينة يقولون السمينة أفضل.
  • وذهب بعض العلماء إلى أن الأفضل ما كان أغلى ثمناً، وقد اختار هذا القول الإمام ابن تيمية -رحمه الله-، وهو الأقرب، لأنه لا يكون أغلى ثمناً إلا إذا كان أطيب لحماً في الغالب، يكون أغلى إلا إذا كان أطيب لحمًا في الغالب، ولهذا قال ابن تيمية -رحمه الله-: (الأجر على قدر القيمة مطلقاً). فمثلاً في الأغنام ربما تجد مثلاً بربري سمين وتجد مثلاً نعيمي ليس سميناً، لكن قيمة النعيمي ضعف قيمة البربري، فأيهما أفضل؟ النعيمي أفضل، لكن على المذهب؟ البربري أفضل.

واضح الفرق بين القولين!؟ فهنا لما ذكرنا مثال، يتضح رجحان القول بأن الأغلى ثمناً أنه هو الأفضل.

وبذل الأموال في ذبح الهدي والأضحية من أفضل الأعمال الصالحة، قال ابن تيمية -رحمه الله-: (إن أجلَّ العبادات البدنية الصلاة، وأجل العبادات المالية النحر، ولهذا جمع الله بينهما فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: 2]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 162]).

قال المؤلف -رحمه الله-: [تُسَنُّ التَّضْحِيَةُ، مِنْ صلاةِ عيدِ النَّحرِ إلَى آخِرِ يَومَي التَّشرِيقِ] تسن التضحية؛ قول المؤلف: (تسن التضحية) يشير المؤلف إلى أن الأضحية سنةٌ مؤكدة، وليست واجبة، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وذهب بعض العلماء إلى وجوبها على القادر، وهذا هو مذهب الحنفية، ورواية عند الحنابلة، اختارها ابن تيمية -رحمه الله-، يعني اتفق الجميع على المشروعية لكن الفرق بين القولين هو في الوجوب، وأدلة المشروعية كثيرة، منها قول الله -تعالى-: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: 2]، وأيضاً النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحى بكبشين أملحين أقرنين، وأيضاً قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "من وجد سعةً فلم يضحي فلا يقربن مصلانا"، هذا الحديث رواه ابن ماجه لكنه ضعيف من جهة الإسناد، وإلا لو كان صحيحاً لكان حجةً للقول بالوجوب، وأما الجمهور فقالوا: إن هذه الأدلة تدل على الاستحباب، وليس على الوجوب، ومما يدل لذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أم سلمة: "إذا دخلت هذه العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا" [رواه مسلم]. طيب؛ من يذكر لنا وجه الدلالة من هذا الحديث على عدم وجوب الأضحية؟! إرجاع التضحية إلى إرادة الإنسان؛ "وأراد أحدكم أن يضحي"، يعني إذا لم يرد فله أن يأخذ من شعره وأظفاره، فهذا دليل على أن الأضحية ليست واجبة، والقول الراجح هو قول الجمهور، أن الأضحية ليست واجبة لكنها سنة مؤكدة جداً.

قال: [مِنْ صلاةِ عيدِ النَّحرِ إلَى آخِرِ يَومَي التَّشرِيقِ] هذا هو وقت الأضحية، أنها تبدأ من بعد صلاة عيد النحر، وهذا يدل على أن الأضحية مرتبطة بصلاة العيد، أنها مرتبطة بصلاة العيد، والمقصود بصلاة العيد يعني صلاة العيد في البلد، فإذا تعددت صلاة العيد في البلد، فيقول الفقهاء العبرة بالأسبق صلاةً، يعني هنا مثلاً في الرياض فيه عدة مصليات للعيد، وتصلى أيضاً في عدد من الجوامع، فيبدأ وقتها بالأسبق صلاةً، وأما من ذبح قبل العيد فإنها لا تجزىء، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاةً مكانها".

وأما انتهاء وقت الأضحية فيقول المؤلف: [إلَى آخِرِ يَومَي التَّشرِيقِ] أيام التشريق؛ ما هي أيام التشريق؟ الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، المؤلف يقول: إلى آخر يومي التشريق؛ يعني إلى آخر الثاني عشر، فعلى هذا تكون أيام الذبح كم يوم؟ ثلاثة، على قول المؤلف ثلاثة، يوم العيد ويومان بعده، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، أنها ليست أربعة أيام، ثلاثة أيام؛ يوم العيد ويومان بعده، قالوا: إن هذا هو المأثور عن الصحابة، وقد روي عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة -رضي الله عنهم-، قالوا ولم يُعلَم لهم مخالف، والقول الثاني: أن انتهاء وقت الذبح بغروب شمس آخر أيام التشريق، وهذا القول هو مذهب الشافعية ورواية عند الحنابلة، اختاره ابن تيمية وابن القيم، وهو الذي عليه الفتوى الآن، فتوى مشايخنا على هذا القول، واستدلوا أولاً؛ استدل أصحاب هذا القول بما يروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كل أيام التشريق ذبح"، وهذا الحديث أخرجه أحمد وابن حبان لكنه ضعيف، ولهذا قال ابن القيم؛ قال: (إنه منقطع، لا يثبت وصله). وقال البيهقي: (الصحيح أنه مرسل). قال ابن القيم -رحمه الله-: ولأن الثلاثة -يعني ثلاثة أيام التشريق- تختص بكونها أيام منى، وأيام التشريق، ويحرم صيامها، فهي إخوةٌ في هذه الأحكام، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله -عز وجل-" [رواه مسلم]). وأيضاً جاء في حديث عائشة وابن عمر: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي). قالوا فأيام التشريق إخوةٌ في هذه الأحكام، فكيف تفترق في جواز الذبح بغير نص ولا إجماع، يعني الرمي إلى آخر أيام التشريق، التكبير إلى آخر أيام التشريق، جميع الأحكام، تحريم الصيام إلى آخر أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدي، ايش معنى الذبح أخرجتموه من هذا الحكم!!؟، فهذه وجهة أصحاب هذا القول، وهذا كما ترون يعني استدلال قوي، وهذا هو القول الراجح أن نهاية وقت الذبح بغروب شمس آخر أيام التشريق، هذا هو القول الراجح، وعليه تكون أيام الذبح كم يوم؟ أربعة أيام، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، لكن مع ذلك القول الذي قرره المؤلف قولٌ له قوته ووجاهته، لأنه روي عن خمسة من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف، يعني يكون كالإجماع من الصحابة، فالخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، ولذلك ينبغي للإنسان ألا يتأخر إلى يوم الثالث عشر، إذا أراد أن يضحي؛ يضحي في الأيام الثلاثة، لأن الخلاف في نهاية وقت الذبح خلاف قوي بين أهل العلم.

قال: [بِبَدَنَةٍ لَهَا خَمْسُ سِنِينَ] ببدنة لها خمس سنين، قول المؤلف (ببدنة) هذا في بيان ما يجزئ في الأضحية جنساً وسنَّاً، وفيه اشارة لشروط الأضحية:

مرَّ معنا الشرط الأول؛ الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام؛ الإبل أو البقر أو الغنم، وتكلمنا عن هذا.

والشرط الثاني: أن تكون في وقت الذبح الذي أشرنا إليه، قلنا أنه على القول الراجح من بعد صلاة عيد النحر إلى غروب شمس آخر أيام التشريق.

والشرط الثالث: أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعاً، وهذا ما أشار إليه المؤلف هنا، قال: ببدنة لها خمس سنين،فالسن المعتبرة في الإبل خمس سنين، [ثُمَّ بِبَقرةٍ لَهَا سَنَتَانِ] فالسن المعتبرة في البقر سنتان، [ثُمَّ بِمَعزٍ لَهُ سَنةٌ، أو ضَأنٍ لهُ ستّةُ أشهرٍ] وقد نقل النووي الإجماع على ذلك، فهذا هو السن المعتبر، ولاحظ هنا الاختلاف في السن المعتبر هنا في الذبح، والسن في الزكاة، فالزكاة في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض ما له سنة، ست وثلاثين بنت لبون، لاحظ أعلى سن في الزكاة الجذعة، ثم الحقَّة، يعني ما له أربع سنين، أعلى سن ما له أربع سنين، وهي الحقَّة، هنا يبدأ بداية الذبح إذا تم خمس سنين، فلاحظ الفرق بين الزكاة وبين الذبح، ولله -تعالى- الحكمة في ذلك، إذا هذه هي السن المعتبرة شرعاً.

ثم ذكر المؤلف بعد ذلك الشرط الرابع: وهو السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، ما هي العيوب المانعة من الإجزاء؟ بينها المؤلف؛ قال: [لا مُبِيِّنَةِ عَوَرٍ] العوراء البين عورها، والعيوب المانعة من الإجزاء جاءت في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي"، وهذا الحديث حديث صحيح أخرجه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد بسند صحيح، فالعيب الأول: العوراء البين عورها، مبينة العور، وهي التي خسفت عينها أو برزت، فإن كان على عينها بياض ولم تذهب أجزأت، لأنه ليس عورًا بيِّنًا، وإذا كانت العوراء لا تجزئ، فالعمياء لا تجزئ من باب أولى، هذا هو العيب الأول.

الثاني: قال: [وَمَرَضٍ] ومرض بيِّن، لو أن المؤلف قال: بيِّن، كما قال في العور لكان أحسن، لأنه في حديث البراء قال: "المريضة البين مرضها"، والمرض البين هو المرض المفسد لحمها، كالجرب مثلاً ونحو ذلك، وقد ذكر الخِرقي أن المريضة البين مرضها هي التي لا يرجى برؤها، قال: لأن ذلك يُنقص لحمها، وتعقبه الموفق بن قدامة في المغني، تعرفون المغني هو شرح للخِرقي، تعقبه الموفق في المغني فقال: الذي في الحديث المريضة البين مرضها، وهو الذي يبين أثره عليها لأن ذلك ينقص لحمها ويفسده، وهو أولى مما ذكره الخرقي، لأنه تقييد للمطلق وتخصيص للعموم بغير دليل، يعني قول الخرقي أنه التي لا يرجى برؤها، فإذا كان المرض الظاهر يفسد اللحم وينقصه فلا معنى للخصوص مع عموم اللفظ والمعنى، وما ذكره الموفق بن قدامه هو الراجح، أن المقصود عموم المرض البين، لا يختص ذلك بالمرض الذي لا يرجى برؤه، إنما أي مرض يتسبب في إنقاص لحمها فهو مانع من الإجزاء، أما إذا كان المرض ليس بيِّنًا ولا يتسبب في إنقاص لحمها فلا يمنع، هذا هو المانع الثاني.

المانع الثالث: قال: [وعَرَجٍ] أيضاً لو أن المؤلف قال: البين ضلعها أو البين عرجها، لكان أحسن، -إذا كان يقصد ما بعدها صحيح هذا يزيل الإشكال-، إذاً المقصود بالعرج يعني التي بان عرجها، التي بان عرجها، وذلك بأن لا تطيق المشي مع الصحيحات، فإذاً التي لا تطيق المشي مع الصحيحات ينقص لحمها، أما إذا كان عرجها ليس بيِّنًا، وتطيق المشي مع الصحيحات فهذا لا يضر ولا يمنع من الإجزاء، وإذا كانت العرجاء لا تجزئ فالكسيرة لا تجزئ من باب أولى، فإذًا أضفنا للعوراء العمياء، نريد أن نحصي العيوب: العوراء أضفنا لها العمياء، وأضفنا للعرجاء الكسيرة. قال: [وعَجَفٍ] العجف معناه: الضعف، والهزال، فالعجفاء هي الهزيلة التي ذهب مخ عظمها، لأنه مع الهزال يذهب المخ؛ مخ العظم، ولهذا قال الموفق: لأنه لا مخ فيها وإنما هي عظام مجتمعة، فهذه الهزيلة تكون ضعيفة البنية، كريهة المنظر، فلا تجزئ، هذه العجفاء التي لا مخ فيها، يعني لا مخ في عظامها، وإنما هي كما قال الموفق مجرد عظام مجتمعة، فهذه لا تجزئ، فأصبحت الآن العيوب كم عيب؟ ستة، نعدها مرة ثانية:

العوراء، والعمياء، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها أو عرجها، والكسيرة، والعجفاء، هذه الستة؛ ستة عيوب هذه مانعة من الإجزاء بالإجماع، وبالنص أيضاً؛ حديث البراء، وأما ما عداها فمحل خلاف، ومن ذلك ما ذكره المؤلف بقوله: [وعَضَبٍ بأنْ ذَهبَ أكثرُ أُذُنِهِ أَو قَرْنِهِ] العضباء التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها، اختلف العلماء هل تجزئ أو لا تجزئ، وسبب الخلاف هو الخلاف في ثبوت حديث علي -رضي الله عنه-، قال: (نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أن يُضحَّى بأعضب القرن والأذن)، وهذا الحديث أخرجه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد، يعني أخرجه الخمسة، أخرجوه من طريق قتادة عن جري بن كليب عن علي مرفوعاً بهذا الحديث، وجري بن كليب قال عنه أبو حاتم أنه لا يُحتج به، ولم يوثقه سوى العجلي وابن حبان، وقد تفرد به أيضًا، تفرد به، فهو ضعيف، فهذا الحديث ضعيفٌ لا يثبت من جهة الصناعة الحديثية، ولهذا قال ابن مفلح في الفروع؛ قال: (يتوجه احتمال أن يجوز أعضب الأذن والقرن مطلقاً، لأن في صحة الخبر نظرًا).

إذًا القول الأول هو المذهب وهو الذي قرره المؤلف؛ أن أعضب الأذن والقرن، يعني الذي ذهب أكثر أذنه وقرنه لا يجزئ، دليلهم حديث علي -رضي الله عنه-: (نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أن يضحى بأعضب الأذن والقرن).

القول الثاني أنه يجزئ مع الكراهة، تجزئ الأضحية بأعضب الأذن والقرن مع الكراهة، قالوا لأن حديث علي لا يثبت، وليس هناك دليل يدل على عدم الإجزاء، وحديث البراء بن عازب "أربعٌ لا تجوز في الأضاحي" سيق على سبيل الحصر، فإنه -عليه الصلاة والسلام- كان موجودًا وأشار بيده، فقال "أربع لا تجوز في الأضاحي" بيده، فهو على سبيل الحصر، كأنه قال إن هذه هي العيوب المانعة من الإجزاء، وعلى ذلك فيكون هذا العيب مكروهاً وليس مانعاً من الإجزاء، هذا هو القول الثاني، وهو القول الراجح، قد رجحه الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- في رسالته في أحكام الأضحية، وأيضاً صاحب الإنصاف المرداوي قال: (إن المعنى يقتضي ذلك -يعني الإجزاء- لأن القرن لا يؤكل والأذن لا يُقصد أكلها غالباً، فهي كقطع الذنب وأولى بالإجزاء). وعلى هذا فعلى القول الراجح أن العضباء التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها أنها تجزئ مع الكراهة، وإنما قلنا مع الكراهة لأن ذهاب أكثر الأذن والقرن نقص فيها، ولخلاف العلماء في الإجزاء.

هناك عيوبٌ لم يذكرها المؤلف أيضًا، نعرِّج عليها:

الهتماء، الهتماء وهي التي ذهبت ثناياها من أصلها، يعني سقطت أسنانها أو بعض أسنانها، تسمى الهتماء، هذه لا تجزئ على المذهب عند الحنابلة، والقول الثاني أنها تجزئ مع الكراهة، وهذا هو القول الراجح، لأنه ليس هناك دليل ظاهر يدل على عدم الإجزاء.

الجدَّاء: أي التي نشف ضرعها، أيضًا لا تجزئ على المذهب عند الحنابلة، والقول الثاني أنها تجزئ، لأنه ليس هناك دليل يدل على عدم الإجزاء، والأصل هو الإجزاء، ولأن نشوف الضرع لا يُنقص من لحمها، ولا من خلقتها، واللبن غير مقصود في الأضحية، إنما المقصود هو اللحم، وعلى ذلك فالقول الراجح هو أن الجداء تجزئ، يعني القول بالكراهة محل نظر، ما فيه دليل يدل على الكراهة، لأنه ليس فيها نقص أصلاً، ما فيها نقص، واللبن  غير مقصود أصلا في الأضحية.

بقي عندنا مقطوع الألية، مقطوع الألية، يقال: الأَلية، بفتح الهمزة، كما قال ابن منظور في لسان العرب؛ قال: (الأَلية) بفتح الهمزة، وهي العجيزة للناس، ويقال: ألية الشاة، وألية الإنسان، يعني المؤخرة أو العجيزة، مقطوع الألية هذا أكثر ما يكون في الأغنام المستوردة، لأنه عندهم إذا قُطعت ألية الخروف أو الشاة يقولون أنه يسمن، سبحان الله! يعني يسمن ويكون الشحم يرتد للظهر وبقية أجزاء الحيوان، فيتعمدون قطع الألية لأجل السمن وطيب اللحم، مقطوع الألية بحثت هذا الموضوع هيئة كبار العلماء عام 1417 للهجرة، برئاسة شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-، وأصدرت الهيئة قرارًا بأن مقطوع الألية لا يجزئ، في الهدي ولا في الأضحية ولا في العقيقة، وعللوا ذلك قالوا لأن الألية عضوٌ كامل مقصود، فصار مقطوعها أولى بعدم الإجزاء من مقطوع القرن والأذن، نحن قلنا أن مقطوع الأذن والقرن أنه يجزئ على القول الراجح، لكن يمكن أن يعلل بتعليل آخر، وقد علل به الشيخ بن عثيمين -رحمه الله-، وهو أن الألية ذات قيمة مرادة ومقصودة، ذات قيمة مرادة ومقصودة، فهي -مقطوع الألية- أولى بعدم الإجزاء من العرجاء، أو من العجفاء، أو من العوراء، وعلى هذا فمقطوع الألية لا يجزئ، طيب؛ الخروف الأسترالي المستورد يجزئ أو لا يجزئ؟ الآن يباع في السوق أغنام استرالية، هذا هو الظاهر أن هذه الأغنام الاسترالية أنها ليس لها ألية في الأصل، وأنها ليست مقطوعة الألية، فإذا كان ليس لها ألية في الأصل فإنها تجزئ، ولذلك نحن نقول نفرق بين ما كان مقطوع الألية فلا يجزئ، وما كان ليس له ألية في الأصل وإنما له ذيل كذي المعز مثلاً هذا يجزئ، ويُرجع في ذلك لأرباب الأغنام، يقال هل هذا مقطوع الألية أو أنه ليس له ألية أصلًا، فإذا كان ليس له ألية من أصل خلقته فإنه يجزئ.

ننتقل لبعض العيوب التي تجزئ معها:

ذكرها الفقهاء من باب التنبيه، قالوا: تجزئ البتراء التي لا ذنب لها خلقةً، هذه تسمى البتراء، فهذه تجزئ، وتجزئ الصمعاء، الصمعاء وهي صغيرة الأذن، وتجزئ الجمَّاء وهي التي لم يخلق لها قرن، طيب؛ الخصي يجزئ أو لا يجزئ؟ الخصى هل هو نقص في الحيوان؟ الخصى لا يعتبر نقصًا ولا عيبًا في الحيوان، بل بعضهم يعتبره كمال، لأنهم يقولون أن الخروف إذا خصي يطيب لحمه، ولهذا ضحى النبي -صلى الله عليه وسلم- بكبشين موجوئين -يعني خصيين-، وهذا يدل على أن الخصي إذاً يجزئ، الخصي يجزئ في الأضحية، بل ربما يقال أنه يستحب لأنه مرغوب عند أرباب المواشي، ويطيب لحمها، الخروف الخصي أو الجمل الخصي أو الثور الخصي تجد أن لحمه يطيب، ويكون مرغوباً عند أرباب المواشي، فإذًا الخصى لا يعتبر عيبًا، بل يعتبرونه كمالاً.

هذه إذًا خلاصة مختصرة في العيوب، وهي خلاصة مفيدة لطالب العلم، إذًا العيوب المانعة من الإجزاء هي العيوب الستة فقط، ما عداها لا تمنع من الإجزاء، وإنما بعضها قد يعني فقط توجب الكراهة، فإذا ضبطت هذه العيوب الستة تقول غيرها فقط يوجب الكراهة، طيب؛ ما يسمى بالطِّلوع؟! وهذه أكثر ما تكون في الأغنام النجدية، الطلوع التي على شكل نتوءات أو خراج أو نحوه، هل تمنع من الإجزاء؟ لا تمنع من الإجزاء، لكن الأولى ألا يضحى بها، الأولى ألا يضحى بها، كلما كان الحيوان أكمل خلقة وأبعد عن العيوب كلما كان أفضل.

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [البَدَنَةُ والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ] البدنة والبقرة عن سبعة أشخاص، سواء في الهدي، أو في الضحية، وذلك لقول جابر -رضي الله عنه-: (أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في واحد منهما) [رواه مسلم]. وأيضًا جاء في حديث جابر: (نحرنا في عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة). نحن قلنا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، يعني سُبع بدنة أو سُبع بقرة، فيجوز الإشتراك إذاً في الواحدة من الإبل إلى سبعة أشخاص، وفي الواحدة من البقر إلى سبعة أشخاص، لكن هل يجوز الإشتراك في الغنم؟

نقول الإشتراك في الغنم ينقسم إلى قسمين، عموما الإشتراك ينقسم إلى قسمين:

نحن قلنا الواحدة من الإبل تجزئ عن سبعة والواحدة من البقرة عن سبعة، طيب؛ سُبع البدنة أو سبع البقرة والواحدة من الغنم الإشتراك فيها على قسمين:

القسم الأول: إشتراك في الملك، وذلك بأن يشترك شخصان فأكثر في ملك أضحية ويضحيَّا بها، أن يشتريان هذه الأضحية، يشتريان خروفاً، يشتريان شاةً، فهذا لا يجوز ولا يجزئ، إلا في الإبل والبقر إلى سبعة أشخاص، وذلك لأن الأضحية عبادة وقربة إلى الله، فلا يجوز إيقاعها ولا التعبد بها إلا على الوجه المشروع، ولو كان التشريك في الملك جائزاً في الأضحية والهدي في غير الإبل والبقر، لفعله الصحابة -رضي الله عنهم-، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، وفيهم فقراء كثيرون قد لا يستطيعون الأضحية كاملة، ومع ذلك لم ينقل عن صحابي واحد أنه فعل ذلك، مع توافر الدواعي لذلك، وعلى هذا فلا يجوز الإشتراك في واحدة من الغنم في الملك، ولا في سُبع بدنة ولا سُبع بقرة.

القسم الثاني: الإشتراك في الثواب، بأن يكون مالك الأضحية واحدًا، ويشرك معه غيره من المسلمين في ثوابها، فهذا جائز، مهما كثر الأشخاص، وفضل الله واسع، والنبي -صلى الله عليه وسلم- (كان يضحي بكبشين أحدهما عنه وعن أهله، والآخر عن من لم يضحي من أمته). فإذا ضحى الإنسان اشترى مثلاً خروفاً أو اشترى شاةً، وأشرك معه في ثواب هذه الأضحية من شاء من الأحياء والأموات فلا بأس، من غير حد بعدد معين، له أن يشرك معه ما شاء من الأحياء والأموات.

إذاً عندنا اشتراك في الملك هذا في الإبل والبقر إلى سبعة، أما الغنم فلا يصح، اشتراك في الثواب وذلك بأن الإنسان يشرك معه في ثوابها، هذا جائز ولا حصر له، له أن يشرك من شاء من الأحياء والأموات.

طيب؛ أخوان في بيت واحد وقالا نريد أن نشتري خروفًا بألف ريال، أنت تدفع خمسمائة وأنا خمسمائة هل يصح؟

لا يصح.

طيب؛ زوج وزوجته؟ أرادا أن يشتركا في شراء خروف يضحيان به يصح؟

لا يصح.

طيب؛ لو اشترك أخوان أو أخوة في شراء أضحية ليضحيا بها عن شخص واحد كأبيهما أو أمهما يصح أو لا يصح؟

يصح، لأن الأضحية هنا ليست عن أكثر من شخص إنما هي عن شخص واحد، هي عن شخص واحد وهو الأب أو الأم، فلو قال مثلاً هؤلاء الأخوة نحن نشترك في شراء خروف لنضحي به عن أبينا أو عن أمنا، فلا بأس، لأن الأضحية إنما وقعت عن شخص واحد.

إذاً هذا هو قاعدة الإشتراك، الإشتراك بما يكون في الملك أو يكون في الثواب، في الملك في الإبل والبقر إلى سبعة، ولا يصح في الغنم، وأما الثواب فهو جائز من غير أن يحد بعدد معين.

نرجع لعبارة المؤلف؛ قال: [يَأكلُ ثُلثَهَا، ويُهْدِي ثُلُثَهَا، ويَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهَا] أراد المؤلف -رحمه الله- أن يبين ماذا يُفعل بالهدي أو الأضحية، فقال إنها تقسَّم إلى ثلاثة أقسام، يأكل ثلثًا، ويتصدق بثلث، ويُهدي ثلثًا، وهذا قد رويت فيه بعض الآثار، رويت فيه بعض الآثار، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر -رضي الله عنهما-، ولم يثبت في هذا شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال بعض العلماء إن الأفضل أن يقسمها قسمين، يأكل ويتصدق فقط، لقول الله -تعالى-: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج: 28]. وقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج: 36]. فذكر الله -تعالى- أمرين، ذكر الأكل وذكر الصدقة، ولم يذكر الإهداء، وهذا هو القول الراجح، أنها يؤكل منها ويُتصدق، والأمر في هذا واسع، لكن هذا هو الأقرب والله أعلم، وهو ظاهر القرآن الأكل والصدق، كلوا وأطعموا، لأن القول بأنه يأكل ثلثاً ويهدي ثلثاً ويتصدق بثلث، يحتاج دليل، ما فيه دليل عندنا، ليس عندنا شيء ثابت، إنما هي بعض الآثار عن بعض الصحابة، وربما قالها بعض الصحابة استحساناً، فالأقرب والله أعلم هو أنه يأكل ويتصدق، كلوا وأطعموا.

قال -طبعا هذا في الهدي والأضحية، أما العقيقة سيأتي الكلام عنها- قال: [ويُسنُّ سَوقُ الهَديِ] أي يسن سوق الهدي من بلده أو يشتريه من الطريق فيسوقه إلى مكة، كما فعل ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسوق الهدي من الحل إلى الحرم سنة، النووي -رحمه الله- في المجموع يقول: (إن هذه السنة يقول سنة أعرض عنها أكثر الناس أو كلهم في هذا الزمان) في زمن النووي، فإذا كان هذا في زمن النووي في زمننا يمكن أعرض عنها كل الناس، هل فيه أحد سمعتوا بأحد يسوق الهدي، هذا إن وجد فهو نادر، فهذه سنة يعني تركها كثير من الناس إن لم يكن جميع الناس، قال: [ويُسنُّ سَوقُ الهَديِ وتَقْلِيدُهُ] تقليده: يعني وضع القلادة في عنقه، وذلك بأن يعلق في عنقه إذا سيق هذا الهدي؛ خيوط أو قطع نعال أو جلود أو نحو ذلك، كانت عائشة -رضي الله عنها- تفتل قلائد هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم تشعرها وتقلدها، فالتقليد معنى ذلك أنه يوضع على هذا الحيوان يوضع عليه مثلاً حبل أو يوضع عليه قِرَب أو نعال أو نحو ذلك، ليعرف أنه هدي، والقلائد ذكرها الله -تعالى- في القرآن، في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ [المائدة: 2]. هذه القلائد، هي ..التي تهدى في الحرم ويوضع عليها قلائد، قلادة إما حبل أو مثلاً نعال أ, خيوط أو نحو ذلك ليعرف أنها هدي، هذه تسمى قلائد، طبعاً الحكمة من ذلك لأجل أن تعرف أنها هدي، فلا أحد يتعرض لها، ولأجل أن يأكلها المساكين إذا عطبت، ولأن في ذلك نوعاً من التعظيم لشعائر الله -عز وجل-، وتمييزها إذا اختلطت بغيرها ونحو ذلك.

قال: [ووقوفُهُ بِعَرَفَةَ] الضمير يرجع على الهدي، يعني وقوف الهدي بعرفة، وهذا قد روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، وروي عن عائشة لكن لم يثبت فيه شيء مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، يظهر أن هذا اجتهاد من بعض الصحابة لكن لا يقوى للقول باستحباب ذلك، الأقرب أن هذا ليس مستحباً، إنما المستحب هو التقليد والإشعار، قال: [وإشعَارُ البُدْنِ] الإشعار معناه: شق صفحة سنام البعير، من الشق الأيمن طولاً حتى يسيل الدم، وهو خاص بذوات السنام، يعني خاصٌ بالإبل، وتسمى الشعائر، وبُدن النبي -عليه الصلاة والسلام- أشعرها، وقد ذكرت الشعائر في آية المائدة، في قول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [المائدة: 2]. هذه هي الشعائر، فيأتي لسنام هذه الناقة أو هذا الجمل بالسكين ويشق صفحة سنامها فيسيل الدم، فيعرف بأن هذه مهداة للحرم، فلا أحد يتعرض لها، كانوا في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا رأوا الشعائر أو القلائد عظموها، حتى كفار قريش ما كانوا يتعرضون لها، فيعرفون أن هذه مهداة للحرام، فلا أحد يتعرض لها، هذه هي الشعائر والقلائد، وهذه السنة اندثرت الآن في وقتنا الحاضر، مع أنها مذكورة في القرآن إلا أنها اندثرت، سبحان الله، ﴿ لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ.

قال: [وَيَأكُلُ مِنْ هَديِ التَّطَوُّعِ والمُتْعَةِ والقِرانِ] يعني يستحب أن يأكل المهدي من هدي التطوع، لقول الله -تعالى-: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع أهدى مائة من الإبل، ونحر بيده الشريفة ثلاث وستين، وأمر عليًّا فأكمل البقية، وأمر بأن يؤخذ من كل بدنة قطعة لحم، فجمعت في قدر، وطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها -عليه الصلاة والسلام-، والمتعة: أيضاً هدي التمتع كذلك، لقول الله -تعالى-: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا، والقران أيضاً، هدي القران أيضاً، فكلوا وأطعموا، لكن هذا مستحب وليس واجباً، وأما إذا كان الدم لغير تمتع أو قران أو تطوع، كأن يكون لترك واجب، فإنه لا يأكل منه، فلو أن مثلاً شخصاً تجاوز الميقات بلا احرام؛ قلنا عليك دم، هنا يذبحه ولا يأكل منه، فإذا كان لترك واجب فإنه لا يأكل منه شيئاً، بخلاف هدي التمتع والقران وهدي التطوع، فإن السنة أن يأكل منه.

فيه مسألة مهمة لم يذكرها المؤلف، وهي مسألة تعيين الهدي والأضحية:

يتعين الهدي والأضحية بأن يقول هذا هدي، أو هذه أضحية، أو لله، فإذا عيَّن الهدي أو الأضحية فقد خرج عن ملكه لله -تعالى-، فلا يملك التراجع، يجب عليه أن يذبح هذا الهدي أو هذه الأضحية، فلا يملك التراجع، طيب؛ بما يكون التعيين؟ إذا قال هذا هديٌ أو هذه أضحية، إذا قال هذا هدي أو هذه أضحية أو هذا لله قاصدًا بذلك إنشاء تعيينها؛ فإنها تتعين، ولا يملك التراجع، يجب عليه أن يذبح هديًا أو أضحية، أما إذا قصد الإخبار كأن قال هذه أضحية سأضحي بها؛ فإنها لا تتعين، كذلك تتعين بالإشعار والتقليد، وقد وضحنا معنى الإشعار والتقليد، طيب؛ هل تتعين بالشراء مع النية؟ ذهب واشترى من السوق شاةً أو خروفاً بنية أنه أضحية، أو بنية أنه هدي، هل تعيَّن ولا يملك التراجع ويجب عليه أن يضحي به أو يهديه؟! المذهب عند الحنابلة أنه لا يتعين بالنية مع الشراء، أنه لا يتعين، وقال بعض أهل العلم أنه يتعين بالنية مع الشراء، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة واختاره ابن تيمية -رحمه الله-، أنه يتعين بالنية مع الشراء، والقول الراجح هو ما ذهب إليه الحنابلة، أن الهدي والأضحية لا يتعينان بالنية مع الشراء، قياساً على الصدقة، والوقف، والعتق، فإنه لو اشترى عقاراً يريد أن يوقفه، فهل يصبح وقفاً بالشراء؟! لا يصبح، أو اشترى رقيقاً يريد أن يعتقه، فإنه لا يعتق، أو اشترى سلعةً يريد أن يتصدق بها، فإنه لا يلزمه الصدقة بها، بل لو أخرج من جيبه دراهم يريد أن يتصدق بها لكنه لم يسلمها للفقير؛ فإنه لا يلزمه الصدقة بها، فكذلك أيضًا لو اشترى أضحية؛ اشترى شاةً أو خروفاً، أو اشترى مثلاً بدنة أو بقرة، بنية الأضحية أو الهدي، ولم يتلفظ بذلك، فإنها لا تتعين، فالقول الراجح أنها لا تتعين بالشراء مع النية، إذاً تتعين بماذا؟

تتعين بأن يقول هذه أضحية وهذا هدي، أو يقول هذا لله قاصداً الإنشاء، وبالإشعار والتقليد، أما بالشراء مع النية فعلى القول الراجح أنها لا تتعين، ماذا يترتب على التعيين؟ أنه يلزمه أن يذبحها، أضحية أن هدياً، فلو أتى بهذه الأضحية ووضعها في الحوش، وقال هذه أضحية قاصداً الإنشاء، يجب عليه أن يضحي بها، خلاص أصبحت ليست ملكاً له، ملك لله -عز وجل-، أو قال هذا هدي قاصداً الإنشاء فهنا تعينت، هذا يعبر عنه الفقهاء بقول تعيَّن، تعينت هنا أضحيةً أو تعينت هديًا.

قال: [والعقيقةُ سُنَّةٌ] انتقل المؤلف للكلام عن العقيقة، والعقيقة: هي الذبيحة التي تذبح عن المولود، وهي سنة مؤكدة، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كل غلام مرتهن بعقيقته". وقوله: "كل غلام مرتهن بعقيقته" مرتهن: يعني محبوس عن خير يراد به، وهذا الخير اختلف العلماء فيه، قيل: الشفاعة لوالديه، ولكن ليس على هذا دليل، والصواب عن خير يراد به الله أعلم به، فهي سنة مؤكدة، يقال (عقيقة) ويسميها بعض العامة (تميمة)، ولا بأس بهذه التسمية، لأنها تتمم أخلاق المولود، أخذاً من قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "كل غلام مرتهن بعقيقته"، قال الإمام أحمد: (إن استقرض -يعني لأجل أن يذبح عقيقة عن ولده- رجوت أن الله يخلف عليه، أحيا سنة). وقال ابن منذر: (صدق أحمد إحياء السنن وإتباعها أفضل). يعني حتى لو تسلف أو استقرض كان هذا حسنًا، قال: [عَنِ الغُلامِ شَاتانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ] يعني عن الذكر شاتان، وعن الأنثى شاة واحدة، لأن هذه العقيقة من باب شكر نعمة الله -عز وجل- على هذا المولود، ونعمة الذكر في الأصل أعظم من نعمة الأنثى، وإن كانت الأنثى قد تكون أكثر برًّا وصلة، لكن من حيث الأصل، [يُذبحُ يَومَ السَّابعِ] لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "كل غلامٌ مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويحلق رأسه ويسمى". فتذبح عنه في اليوم السابع، ويوم السابع؛ القاعدة في اعتبار اليوم السابع هو قبل الولادة بيوم من الأسبوع الذي يليها، يعني اليوم السابع ننظر ليوم الولادة بعدها بأسبوع وقبله بيوم، بعدها بأسبوع وقبله بيوم، فمثلاً إذا كانت الولادة يوم الجمعة فتذبح العقيقة متى؟ يوم الخميس، إذا كانت الولادة يوم السبت؛ تذبح يوم الجمعة، إذا كان يوم الأحد؛ تذبح يوم السبت، فيكون إذاً القاعدة في هذا أن اليوم السابع بعد الولادة بأسبوع في اليوم الذي يسبق اليوم المقابل ليوم الولادة من الأسبوع الذي يليه، قال: [فَإن فَاتَ فَفِي الرَّابِعَ عَشَرَ، فَإن فَاتَ ففي إحْدَى وَعِشرينَ] هذا قد روي فيه حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنه ضعيف، لكن ذلك مروي عن عائشة -رضي الله عنها-، أنه إذا فات الذبح في اليوم السابع ففي أربع عشرة، فإن فات ففي إحدى وعشرين، والأمر في هذا واسع، قال الترمذي: (العمل على هذا عند أهل العلم، فهم يستحبون أن يذبح عن الغلام عقيقة يوم السابع، فإن لم يتهيأ ففي الرابع عشر، فإن لم يتهيأ ففي الحادي والعشرين، فعليه عمل أهل العلم)، فإن لم يتهيأ ففي أي وقت، قال: [ولا يُكسَرُ عَظْمُهَا] لا يكسر عظمها وإنما تنزع جدولاً، تفاؤلاً بسلامة المولود، وهذا قد روي عن عائشة -رضي الله عنها-، تفاؤلاً بسلامة المولود، فيعني يطلب مثلاً من الجزار أنه ما يكسر لها عظماً، وإنما تنزع جدولاً، من باب التفاؤل، وقال بعض الفقهاء: إن طبخها أفضل ويخلط بحلو، يقول تفاؤلاً بحلاوة أخلاقه، لكن هذا ليس عليه دليل، وهذا توسع، توسع في التفاؤل، يظهر أن هذا ليس مستحبًا، وعن الذكر تذبح شاتان متكافئتان، وهذا قد ورد النص عليه، شاتان متكافئتان، وذلك تفاؤلاً بتناسب أخلاقه، يعني ما تكون مثلاً شاة سمينة وشاة أقل منها بكثير، تكون متقاربتين، ورد في بعض الروايات شاتان متكافئتان، تفاؤلاً بتناسب أخلاقه، قال: [وحُكْمُهَا كَالأُضْحِيَة] يعني فيما ذكر من الأحكام السابقة، في السن المعتبرة وفي السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء، لكن هل تصح العقيقة من غير الغنم؟ أو أنها لابد أن تكون في الغنم؟ اختلف الفقهاء في ذلك، القول الأول: أنها كالهدي والأضحية، تكون في الإبل والبقر والغنم، وهذا هو المذهب عند الحنابلة. والقول الثاني: أنها لا تجزئ بغير الغنم، قالوا لأن النصوص الواردة في العقيقة إنما وردت بكونها في الغنم، ولم يرد ما يدل على أنها تكون من غيرها، وهذا هو القول الراجح؛ أن العقيقة لا تكون إلا في الغنم، وهذا من الوجوه التي تختلف بها العقيقة عن الهدي والأضحية، فالهدي والأضحية تكون من الإبل والبقر والغنم، أما العقيقة لا تكون إلا من الغنم، أيضًا ماذا يصنع بلحم العقيقة؟ قال بعض العلماء أنه يصنع بها كما يصنع بالهدي والأضحية، على الخلاف هل يأكل ويهدي ويتصدق، أو يأكل ويتصدق، وقال بعض أهل العلم إنه يصنع بلحمها كيف شاء، لأنه لم يرد في هذا شيءٌ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإلى هذا ذهب ابن سيرين، قال ابن سيرين: (اصنع بلحمها كيفما شئت)، وسئل الإمام أحمد عن هذه المسألة فحكى قول ابن سيرين، قال الموفق ابن قدامة في المغني: (وهذا يدل على أن أحمد ذهب إليه)، يعني ذهب إلى قول ابن سيرين، وأيضاً اختار هذا القول شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-، وهو الأقرب؛ أن العقيقة يفعل بها ما يشاء، لم يرد فيها شيء، إن شاء أكلها كلها، وإن شاء تصدق بها كلها، وإن شاء وضع عليها وليمة ودعى لها الأقارب أو الأصدقاء، فيفعل بها ما يشاء، كما قال ابن سيرين: (اصنع بلحمها كيفما شئت)، هذا هو القول الراجح، وقول ابن سيرين، وأيضاً أومأ إليه الإمام أحمد، واختيار شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-؛ أن العقيقة تختلف عن الهدي والأضحية، الهدي والأضحية يأكل ويتصدق على القول الراجح، لكن هنا يفعل بها ما يشاء، لو وضعها في الثلاجة لا بأس، وضع عليها وليمة لا بأس، دعى لها أصدقاء لا بأس، أكل منها، تصدق منها، يفعل بها ما يشاء، المهم أنها تُذبح، تذبح على أنها عقيقة، تقول باسم الله والله أكبر هذه عقيقة عن فلان بن فلان، أما لحمها يفعل به ما يشاء، طيب؛ آخر مسألة معنا:

من لم يُعقَّ عنه هل يعق عن نفسه؟! إنسان أبوه ما عق عنه، فلما كبر يريد هو أن يعق عن نفسه، اختلف العلماء في ذلك: المذهب عند الحنابلة أنه لا عقيقة عليه، سئل الإمام أحمد عن هذا فقال: ذلك على الوالد، أي: لا يعق عن نفسه، لأن السنة إنما هي في حق غيره، وقال عطاء والحسن: يعق عن نفسه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كل غلام مرتهن بعقيقته"، فينبغي أن يشرع في فكاك نفسه من هذا الإرتهان، والراجح القول الأول، وهو أنها مشروعة في حق الوالد فقط، فلا يفعلها غيره، ومما يدل لذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يرد عنه أنه عق عن نفسه، والصحابة أبو بكر وعمر وعثمان؛ يعني هؤلاء أسلموا وهم كبار، ونعلم قطعاً أنه لم يعق عنهم، ولم يرد أنهم عقوا عن أنفسهم، ولو فعلوا ذلك لنقل، لأن هذا مما تتوافر الدواعي لنقله، فهذا كما قال الإمام أحمد: إنما هذا للوالد، فهو الذي يعق عن ولده، إذا لم يعق الوالد عن ولده فتسقط حينئذ، ولا يشرع للولد أن يعق عن نفسه إذا كبر.

هذه أبرز الأحكام والمسائل المتعلقة بهذا، ونكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

* * *