الخثلان
الخثلان
من الفائدة 252
19 جمادى الأولى 1440 عدد الزيارات 90

لطائف الفوائد / من الفائدة 252

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس الدرس السادس عشر، في هذا العام الهجري في يوم الأثنين الخامس عشر من شهر جمادى الأولى من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، نبدأ أولاً بالتعليق على لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (252) (حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات) :

 

فائدة: حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فجاءها ونظر إليها، وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه، قال: فوعزتك لا يسمعع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال: ارجع إليها فانظر إليها، قال: فرجع إليها، فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد! قال: اذهب إلى النار، فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فإذا هي يركب بعضها بعضاً، فرجع إليه، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد".

نعم، هذا الحديث العظيم أصله في الصحيحين، من حديث أبي هريرة وحديث أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات". وهنا في هذا الحديث بين -عليه الصلاة والسلام-؛ وهو حديث أخرجه أبو داوود والترمذي والنسائي بسند صحيح، بيَّن فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله لما خلق الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة، فلما رآها وما أعد الله لأهلها قال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر الله بها فحفت بالمكاره، ومعنى حفت بالمكاره: أي أن من أراد دخول الجنة فعليه أن يفعل ما تكرهه نفسه من الطاعات، وأن يصبر عن ما تحبه نفسه من الشهوات المحرمة، وأن يتحمل مشاق العبادات، هذا معنى كونها حفت بالمكاره، فمثلاً الصلاة؛ المحافظة عليها مع الجماعة في المسجد خمس مرات في اليوم والليلة، يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى اكراه النفس على ذلك، خاصة صلاة الفجر، كون الإنسان يقوم من فراشه، ويترك هذا المكان الدافيء ويترك الراحة، ويذهب ويسير في الطريق وهو في هذه الأيام شديد البرودة، ويأتي للمسجد ويصلي خلف الإمام، كل يوم، كل يوم ليس مرة واحدة، كل يوم، لاشك أن هذا يحتاج إلى اكراه النفس، ولهذا قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾[البقرة: 45]. الصوم؛ كونه يصوم من بعد طلوع الفجر إلى أن تغرب الشمس، ويصوم عن الأكل وعن الشرب وعن الشهوة ويتحمل ذلك، هذا يحتاج إلى اكراه النفس، كذلك أيضاً الزكاة، كونه يخرج المال المحبوب إلى نفسه، ويعطيه الفقراء والمساكين، يحتاج إلى اكراه النفس، الجح؛ كونه يذهب للحج ويسافر، ويتنقل بين المشاعر، ويطوف في الزحام، ويسعى في الزحام، ويرمي الجمرات في الزحام، أيضاً يحتاج إلى اكراه النفس وهكذا، وأيضاً صبره عن المعاصي، خاصة إذا كان في بيئة الوصول للمعاصي فيها ميسر، فكونه يصبر عن هذه المعاصي أيضاً يحتاج إلى اكراه النفس، فطريق الجنة إذاً محفوف بالمكاره، ليس طريقاً ممهداً وسهلاً، إنما يحتاج إلى اكراه النفس، ولهذا قال -عز وجل-: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾[النازعات: 40]. يحتاج إلى أن ينهى نفسه عن الهوى، وذلك بإكراهها، وأيضاً من سلك طريق الإستقامة لابد من أن يبتلى، لأن دعوى الإيمان سهلة، كل يدعي أنه مؤمن وأنه قوي الإيمان وأنه صادق مع الله، لكن عندما تأتي الإبتلاءات هذا هو المحك، لهذا قال -عز وجل-: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾[العنكبوت: 2،3]. وقال -عز وجل-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾[الحج: 11]. بعض الناس يدعي الإستقامة، يدعي الإيمان، يدعي الصدق مع الله، لكن ما إن تحصل له مصيبة أو فتنة أو ابتلاء إلا وسرعان ما ينتكس، بل بعضهم إذا رآى أحداً يسخر منه ومن استقامته انتكس، فهذا ضعيف الإيمان، وهذا ليس صادقاً في إيمانه، وليس صادقاً في استقامته، فهذا معنى كون الجنة حفت بالمكاره، قال: (اذهب إلى النار فانظر إليها وما أعددت لأهلها، فذهب جبريل إليها فإذا هي يركب بعضها بعضا، فرجع إليه، وقال: فوعرتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفت بالشهوات، فرجع جبريل إلى الله وقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد)، لأن طريق النار يوافق هوى النفس، فهي محفوفة بالشهوات، والمقصود بالشهوات كما قال النووي -رحمه الله- وغيره: المقصود بها الشهوات المحرمة، كالزنا وشرب الخمر والغيبة واستعمال المعازف ونحو ذلك. أما الشهوات المباحة فإنها لا تدخل، لأنها مباحة، لكن يكره الإكثار منها مخافة أن تجر إلى المحرمة، أو أنها تشغل عن الطاعات، فمن أطلق لنفسه هواها واتبع طريق الشهوات المحرمة، فإن هذا هو طريق النار، نسأل الله العافية، يطلق لنفسه الزمام وتقوده للهلاك، هذا هو طريق النار، فمن كان مستغرقاً في الشهوات المحرمة من الخمر والزنا ونحو ذلك، هذا هو طريق النار، وهذا معنى قوله: "وحفت النار بالشهوات"، ولكن النفس إذا روضت على تحمل المكاره، فإنها سرعان ما ترتاض وسرعان ما تنقاد، ويصبح فعل الطاعات سهلاً ميسراً، وهذا معنى التيسير لليسرى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5،6،7]. فكثير من أهل الاستقامة والخير لا يجدون صعوبة في المحافظة على الصلوات الخمس مع الجماعة في المسجد، ينهض من فرشه، يقوم الليل، يصلي صلاة الفجر، لا يجد أي صعوبة، لأنه قد روض نفسه، ولهذا قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾[البقرة: 45]. هكذا أيضاً صيام النوافل، ما يجدون صعوبة في صيام النوافل، لا يجدون صعوبة في بذل الأموال في سبل الخير، فهذا من التوفيق، الذي يوفقه الله -عز وجل- لبعض عباده المتقين، أنهم لا يجدون صعوبة في فعل الطاعات، وفي الكف عن المعاصي، لأنهم قد روضوا أنفسهم فانقادت لهم، والنفس إذا روضت فإنها ترتاض، كما قال الشاعر:

والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على  *    حب الرضاع وإن تفطمه ينفطِمِ

إذاً هذا الحديث العظيم يدل على أن الجنة قد حفت بالمكاره، وأن النار قد حفت بالشهوات، ولذلك ينبغي أن يُخضع الواقع للشريعة، لا أن تُخضَع الشريعة للواقع، يُخضَع واقع الناس لشريعة الله -عز وجل-، حتى وإن كان فيه صعوبة، وإن كان فيه مشقة في تطبيق بعض الأحكام الشرعية، لا أن تُلَّف أعناق النصوص لتتوافق مع الواقع، فإن طريق الجنة محفوف بالمكاره، قد يجد الناس صعوبة في تطبيق بعض الأحكام، وهذا يتفق مع قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "حفت الجنة بالمكاره"، وإن كان الحرج مرفوع عن الأمة، وإن كان الحرج مرفوع عن الأمة، لكن بعض الناس يبالغ في قضية رفع الحرج، فيميع كثيراً من الأحكام الشرعية بحجة التيسير على الناس، وبحجة أن الشريعة مبناها على اليسر والسهولة، نقول صحيح، الشريعة مبناها على اليسر والسهولة ورفع الحرج، لكن أيضاً طريق الجنة محفوف بالمكاره، لابد من الصبر، ولابد من التحمل في تطبيق الأحكام والواجبات الشرعية، والصبر أيضاً عن الشهوات المحرمة.

وقفة مع قول الله -عز وجل-: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]:

الهداية ثمرة لمجاهدة النفس، فإذا أردت الهداية جاهد نفسك تأتيك الهداية، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، فبعض الناس يقول إذا قيل له افعل كذا، قال الله يهديني أو ادع لي بالهداية، نقول جاهد نفسك تأتيك الهداية، أما أن تريد الهداية وأنت لم تجاهد نفسك، كيف تأتيك الهداية! ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، فمجاهدة النفس وحملها على المكاره، هذا من أسباب حصول الهداية.

 

* * *

فائدة: كيف يجازى الكافر بأعماله الحسنة؟

عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها". وقد أجمع العلماء على أن الكافر لا ثواب له في الآخرة، ولا يجازى فيها بشيء من عمله في الدنيا متقرباً إلى الله -تعالى-، وصرح في هذا الحديث بأنه يطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات، أي: بما فعله متقرباً به إلى الله -تعالى-، مما لا يفتقر في صحته إلى النية، كصلة الرحم والصدقة والضيافة وتسهيل الخيرات ونحوها.

"إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة"، المؤمن يجزى على حسناته في الدنيا والآخرة، وقد يدخر الجزاء له في الآخرة، فإن الجزاء إنما يكون في الآخرة، لكن مع ذلك قد يُجزى في الدنيا على بعض الأعمال، والله -تعالى- يقول في الحديث القدسي: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). وأما الكافر قال: "فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها"، هذا حديث صحيح رواه مسلم، الكافر لا ثواب له في الآخرة، وقد أجمع العلماء على ذلك، ما حكاه النووي هنا، وأيضاً ذكر الإجماع القاضي عياض؛ قال: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذاباً من بعض، ودليل هذا قول الله -تعالى-: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. لكن من تمام عدل الله -عز وجل-، أن الكافر يجازى على ما عمله في الدنيا متقرباً به إلى الله، مما لا يفتقر إلى النية، يجازى على ذلك في الدنيا، وكما مثَّل النووي قال: كصلة الرحم، صلة الرحم لا تفتقر إلى النية، فلو أن الكافر وصل رحمه يجزى على ذلك في الدنيا، الصدقة؛ لو تصدق هذه لا تحتاج إلى نية، يجزى على ذلك في الدنيا، الضيافة، تسهيل الخيرات، مساعدة المحتاجين، الإحسان للفقراء والمساكين، فهذه الأعمال الخيرية عموماً، المقدمة للمجتمع، هذه إذا عملها الكافر فإنه يجزى عليها في الدنيا، وهذا أمر نجده في الواقع، ولذلك نجد بعض الكفار الأغنياء، يتسابقون على تقديم الأعمال الخيرية للمجتمع، ويجدون أن تجارتهم تزداد بذلك، وأنه يقال إذا أردت أن تنمو تجارتك فأنفق منها في سبل الخير، هذا أمر معروف عندهم، ولعل السر في ذلك والله أعلم هو ما ذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث، أن الكافر يطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، ولكن هذا مقيد بما لا يفتقر للنية، أما ما يفتقر للنية كالصلاة، فالصلاة لا تصح من كافر، والصوم؛ الصوم لا يصح من كافر، الحج؛ لا يصح من كافر، فهذه لا تصح منه أصلاً ولا تنعقد، لكن المراد في الحديث هنا؛ المراد الحسنات أو الأعمال الصالحة التي لا تفتقر إلى نية، التي لا تفتقر إلى نية، فهذه يطعم بها في الدنيا، وهذا من تمام عدل الله -عز وجل-، ولكن إذا أسلم الكافر فإنه يسلم على ما أسلف من خير، أي يحسب له ما عمله في حال كفره، ويثاب عليه، ويدل لذلك حديث حكيم بن حزام -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله، أرأيت أشياءً كنت أتحنثُّ بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، هل لي فيها من أجر؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أسلمت على ما أسلفت من خير" [متفق عليه]. يعني أنك تثاب على ذلك، فإذا أسلم الكافر فيحسب له ما كان عمله لله -تعالى- في حال كفره، وهذا من رحمة الله -عز وجل- بعباده، إذاً الكافر في الآخرة يجعل الله أعماله هباءً منثورا، في الدنيا يُجزى على ما عمله لله من حسنات لا تفتقر إلى نية، وأما المؤمن فإنه ينال خيري الدنيا والآخرة، يجزى عليها في الدنيا والآخرة، لكن الجزاء في الأصل في الآخرة وقد يجزى على بعضها في الدنيا.

 

* * *

فائدة: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾

روي أن ملك الموت مر على سليمان -عليه السلام-، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، يديم النظر إليه، فقال الرجل: من هذا؟! ملك الموت! كأنه يريدني، يا نبي الله! مر الريح أن تحملني وتلقيني ببلاد الهند، ففعل، ثم قال الملك لسليمان -عليه السلام-: كان دوام نظري إليه تعجباً منه، حيث كنت أمرت بأن أقبض روحه بالهند وهو عندك!. وهذه القصة وإن كانت من أخبار بني اسرائيل إلا أن معناها صحيح، ويؤيده قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34].

هذه القصة ذكرها بعض المفسرين، وممن ذكرها ابن مسعود وغيره، وهي قصة عجيبة وإن كانت من قصص وأخبار بني اسرائيل، إلا أنه ورد في شرعنا ما يدل على صحة معناها، وذلك أن ملك الموت كان فيما مضى يأتي على صورة إنسان، عندما يريد قبض روح أحد يأتي على صورة إنسان، ولذلك لما أتى موسى؛ أتاه على صورة إنسان، قال: ماذا تريد؟ قال: أنا ملك الموت، فلطمه موسى ففقأ عينه، فرجع ملك الموت إلى الله وقال: أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت، فقال الله له: قل: ضع يدك على جلد ثور ولك بكل شعرةٍ سنة، فأتى وأخبره بذلك فقال: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: الآن إذاً. وهذا الحديث في الصحيحين، فكان الموت يأتيهم يعني على صورة رجل، وكانوا يفزعون من ذلك، هنا في عهد سليمان روي أن ملك الموت مر على سليمان في مجلسه، فجعل ينظر إلى رجل من جلساء سليمان -عليه الصلاة والسلام-، ويديم النظر إليه، وكانوا إذا استوحشوا من رجل خافوا، ظنوا أنه ملك الموت، فقال الرجل: من هذا؟! أخشى أن يكون ملك الموت!، فقال سليمان: ماذا تريد؟ قال: مر الريح أن تحملني وأن تلقيني في أقصى الدنيا يعني في بلاد الهند، كانت في وقته أقصى الدنيا الهند، وسليمان سخر الله -تعالى- له الريح، ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: 36]. فأمر سليمان الريح بأن تلقي هذا الرجل في بلاد الهند، فقال الملك لسليمان: كان دوام نظري إليه تعجباً، حيث كنت أمرت بأن أقبض روحه في بلاد الهند وأنا أراه الآن عندك!، فسبحان الله، وهذا مصداق قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]. وإذا كانت لا تدري نفسٌ بأي أرض تموت، فإنها لا تدري بأي زمن تموت من باب أولى، لأن التحكم في المكان أسهل من التحكم في الزمان، فإذا كانت لا تدري بأي أرض تموت، فلا تدري بأي زمن تموت من باب أولى، فالإنسان لا يدري بأي أرض يموت، ولا يدري بأي زمن يموت، وهذا يستدعي من الإنسان الإستعداد للدار الآخرة، فنحن الآن في هذه الدنيا في دار التكليف والإختبار والإمتحان، ولا ندري متى تحين ساعة النقلة إلى عالم الآخرة، ومن مات فقد قامت قيامته، وقد دلت الأدلة المتواترة على إثبات نعيم القبر وعذابه، ولكن ظاهر الأدلة أن الميت لا يحس بمرور الزمن، ولهذا ذكر الله -تعالى- هذا عن أصحاب الكهف، الذين لبثوا ثلاثمائة وتسع سنين، أماتهم الله -تعالى- ثم بعثهم، بعد ثلاثمائه وتسع سنين، قال كم لبثتم؟! ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19]. أيضاً الرجل الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: 259]. أيضاً ما ذكره الله -تعالى-، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46]. ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 52]. مجموع هذه الأدلة يدل على أن الإنسان لا يحس بمرور الزمن بعد موته، يعني فترة البرزخ، وإن كان ينعم أو يعذب، أرأيت النائم قد يرى ما يسره أو ما يجزنه، لكن هل يحس بمرور الزمن؟ لا يشعر بمرور الزمن، ولذلك يتفاجأ الإنسان بقيام الساعة، ولهذا يا اخواني ما بيننا وبين قيام الساعة إلا الموت، يعني القيامة قريبة جداً منا، ما بيننا وبينها إلا الموت، لأن الإنسان لا يشعر بمرور الزمن، بعد موته، وإن كان كما يؤكد عليها كثيراً هذا لا ينفي إثبات عذاب القبر أو نعيمه، نعيم القبر أو عذابه هذا دلت له الأدلة المتواترة، لكن الكلام عن مرور الزمن، فالإنسان قد يصبح وما خطر بباله الموت، ولا بنسبة واحد بالمائة، يصاب بنوبة قلبية أو بحادث سيارة أو نحو ذلك، ثم يمسي مع الأموات، إذا أمسى مع الأموات ما يحس بمرور الزمن، يتفاجأ بقيام الساعة، ما بيننا وبين قيام الساعة شيء كثير، الساعة قريبة منا جدا، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾[القمر: 1]. ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾[الأنبياء: 1]. يعني من تفكر في هذا المعنى، الحقيقة هذا يزهده في الدنيا، ويعينه ويشحذ همته لأن يستعد للدار الآخرة، لأن القيامة قريبةٌ منا، ما يفصل بيننا وبينها إلا الموت، فإذاً ما تدري نفس بأي أرض تموت، ولا تدري نفس بأي زمن تموت، وإذا كان الإنسان لا يدري بأي زمن ولا بأي أرض يموت، هذا يستدعي أن يكون مستعداً للدار الآخرة.

 

* * *

فائدة : حقيقة الدنيا

عن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن مطعم ابن آدم جعل مثلاً للدنيا، وإن قزحه وملحه، فانظروا إلى ما يصير". (معنى قزحه: وضع فيه التوابل).

نعم، هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد، ورواه عبدالله بن أحمد في الزوائد مسند الإمام أحمد، وأيضاً ابن حبان، وسنده جيد، يقول: "مطعم ابن آدم جعل مثلاً للدنيا"، عندما يتناول الإنسان هذا الطعام الشهي اللذيذ، ماذا تكون نهايته؟ يضع على هذا الطعام التوابل، ويضع عليه الأشياء التي تحسنه، ماذا تكون نهاية هذا الطعام؟! تكون نهايته هذا الذي يخرج من الإنسان، هذا البراز، هكذا الدنيا تماماً، هكذا الدنيا تماماً، فالدنيا ببهارجها وزخارفها وزينتها تخدع الإنسان، ولكنها متاع الغرور، لا تساوي عند الله شيئاً، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾[فاطر: 5]. تأمل قول الله: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا)، وهذا فيه إشارة إلى أن الحياة الدنيا تغر، تغر من لا يعرفها، تغر من ينخدع بها، وتخدع من لا يعرفها، وكما يقول بعض السلف: (الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا). بعض الناس يعيش في غفلة، وفي لهو، تمر به الأيام والليالي والشهور والأعوام، ثم لا ينتبه حتى يأتيه الموت، فيندم ندماً عظيماً حين لا ينفع الندم، حياة الإنسان فرصة واحدة غير قابلة للتعويض، إن نجحت في هذا الإختبار العظيم الذي نحن فيه الآن؛ سعدت السعادة الأبدية، وإن فشلت فيه؛ خسرت الخسارة الأبدية، يعني أمور الدنيا مثلاً أمور التجارة، الدراسة، ونحو ذلك، هذه لو خسرت فيها أو فشلت فيها هذه قابلة للتعويض، قد تخسر صفقة تجارية لكن تربح فيما بعد، قد لا يوفق الإنسان في دراسته؛ يرسب ويفشل، لكن ينجح في مجالات أخرى، لكن حياتك هي فرصة واحدة، فرصة واحدة! ليست مجالاً للمغامرة، فإن نجحت في هذا الإختبار العظيم سعدت السعادة الأبدية، وإن فشلت خسرت كل شيء حتى نفسك، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون: 103]. ولذلك مهما حقق الإنسان من نجاحات في هذه الدنيا، من مال وجاه ومنصب وثراء؛ قل ما شئت! إذا فشل في علاقته مع ربه يبقى في النهاية فاشل!، هذه النجاحات كلها ليس لها قيمة، ليس لها قيمة!، لكن في المقابل إذا نجح الإنسان في علاقته مع ربه، مهما حصل له من تعثرات في الحياة ومن مصاعب ومصائب، يبقى في النهاية أنه فائز، ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71]. هذه المعاني ينبغي ألا يغفل عنها الإنسان، وأن يكون مستحضراً لها، وأن يحاسب نفسه من حين لآخر، ويرى هذه الدنيا على حقيقتها، وأنها متاع الغرور، وأنها كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها، فانظر إلى هذا المثل العجيب الذي ذُكر في هذا الحديث: "مطعم ابن آدم جعل مثلاً للدنيا"، انظر إلى مطعمه كيف يملحه ويجعل عليه التوابل، ويجعل عليه النكهات، ويجعل عليه المحسنات، ثم انظر نهايته ماذا يكون!، هكذا الدنيا تماماً، فهي متاع الغرور، ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20].

  

* * *

ولعلنا نكتفي بهذا القدر في لطائف الفوائد، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.