الخثلان
الخثلان
الدرس الثاني
11 جمادى الأولى 1440 عدد الزيارات 448

كتاب الأدب من صحيح البخاري

الدرس الثاني

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد: فأسأل الله -تعالى- أن يرزقنا الفقه في الدين، والتوفيق لما يحب ويرضى، هذا هو الدرس الثاني في شرح كتاب الأدب من صحيح البخاري، في هذا اليوم الثلاثاء التاسع من شهر جمادى الأولى من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، وكنا قد وصلنا إلى (باب صلة الوالد المشرك):

...[انقطع الصوت]...

..وصاحبهما في الدنيا معروفا، طيب؛ فإن قال قائل كيف نجمع بين هذا؛ بين قولنا إنه لا بأس بصلة غير المسلم والبر به والإحسان إليه، وبين ما هو متقرر من النصوص من عقيدة البراء من الكافرين، فكيف نجمع بين هذا وهذا؟! فالجواب أنه لا تعارض، فالكافر يجب بغضه ولا تجوز مودته، لقول الله -تعالى-: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]. كل من كفر بالله فقد حاد الله وحاد رسوله، فلا تجوز مودته ومحبته، ولكن لا يمنع هذا من الإحسان إليه، فيمكن أن تحسن إلى شخص بالمال وبالصلة ونحو ذلك، لكنك لا تحبه وتكره ما هو عليه من الكفر، فهذا ليس بممتنع، إذاً الإحسان للكافر شيء والبراء من الكافر شيء آخر، فلا تعارض بينهما.

* * *

 

  • باب صلة المرأة أمها ولها زوج

 

[قال الليث حدثني هشام عن عروة عن أسماء قال قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع ابنها فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها قال نعم صلي أمك] نعم؛ هو الحديث السابق برواية أخرى، وبوَّب عليه البخاري بهذا التبويب؛ باب صلة المرأة أمها ولها زوج، وكما يقال فقه البخاري في تراجمه، ومراد البخاري من ذلك؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أباح لأسماء أن تصل أمها، ولم يشترط في ذلك مشاورة زوجها، فدل ذلك على أن المرأة يجوز لها أن تتصرف في مالها بدون إذن الزوج، وفي هذا رد على من قال من العلماء أن المرأة ليس لها أن تتصرف في مالها إلا بإذن زوجها، كأن البخاري يريد أن يرد عليهم بهذا، ويقول المرأة يجوز لها أن تتصرف في مالها من غير إذن الزوج، هذا هو مراد البخاري من هذه الترجمة.

 

[حدثنا يحيى حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه فقال يعني النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة] نعم، هذه قصة هرقل، وهرقل هو ملك الروم، وكان رجلاً عاقلاً عالماً؛ يعني عنده علم، وعند عقل أيضاً، لما أتاه كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوته للإسلام قال: إئتوني بمن كان هاهنا -يعني في الشام- من العرب، وكان في ذلك الوقت يوجد أبو سفيان، فأُوتي به، ودعى بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: أنا أقربهم نسباً يعني أقرب العرب نسباً، فقال: إني سائل هذا أسئلة فإن كذبني  فكذبوه، يبدو أن أبو سفيان كان معه مجموعة من العرب، قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا عني كذباً لكذبت!، وهذا يدل أنه حتى المشركين في الجاهلية يأنفون من الكذب، ويرونه عيباً ومنقصةً ومذمةً، فسأل هرقل أبا سفيان عشرة أسئلة، السؤال الأول قال: كيف نسبه فيكم؟ قال قلت: هو ذو نسب، من أكابر قريش.

السؤال الثاني قال: هل هذا القول قاله أحد قبله؟ قلت: لا.

السؤال الثالث: هل كان من آبائه ملك؟ قال قلت: لا.

السؤال الرابع قال: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال قلت: بل ضعفاؤهم.

السؤال الخامس قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قال قلت: بل يزيدون.

السؤال السادس قال: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال قلت: لا.

السؤال السابع قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا.

السؤال الثامن قال: فهل يغدر؟ قال قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، -لأنه كان هذا وقت صلح الحديبية، الفترة التي ما بعد صلح الحديبية-.

قال: ولم تمكنني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة، -يعني كأنه يعرِّف النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول نحن في مدة ما ندري ماذا يفعل يغدر أم لا يغدر، ما استطاع يقول إلا هذا.

السؤال التاسع قال: هل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: كيف قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينهم سجال، ينال منا وننال منه.

السؤال العاشر قال: قلت فما يأمركم؟ -هذا هو الذي أورده البخاري هنا- قال: يقول اعبدوا الله وحده لا شريك له، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة.

هذه عشرة أسئلة، سألها هرقل أبا سفيان فأجاب عنها، ثم قال هرقل: قل للترجمان؛ قل له: سألتك عن مسألة فذكرت أنه ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل أحد قال بهذا القول قبله؟ فذكرت أن لا، فقلت لو كان أحد قال بهذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ قلت لا، قلت لو كان من آبائه من ملك؛ قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت لا، قال: فلم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله!، -انظر يعني إلى عقله!-، قال وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفائهم؟ فذكرت أن ضعفائهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، يقول هرقل: وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون! وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، هذا كلام هرقل!، وسألتك هل يغدر؟ فقلت لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، قال هرقل: فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين!، وكنت أعلم أنه خارجٌ نبي ولم أكن أظن أنه منكم، لأنهم كانوا يحتقرون العرب، يعني الروم يرون أن لهم حضارة وكانت لهم الدولة والقوة، فكانوا يحتقرون العرب ما يعدونهم شيئاً، مجرد قبائل مجتمعة، ولا يرونهم شيئاً، فيرون الحضارة هي كانت في ذلك الوقت للروم وللفرس، فيقول كنت أعلم بأنه سيخرج نبي وما كنت أظن أنه فيكم؛ أنه سيخرج منكم! فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقائه، تجشمت: يعني تكلفت لقائه على مشقة، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ثم دعا بكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا فيه؛ بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبدالله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. الأريسيين: هم الزرَّاعون، والمراد: عليك إثم رعاياك، لأن أكثر رعاياه كانوا أهل زراعة، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم.

قال أبو سفيان: فلما فرغ من قراءة الكتاب، كثر الصخب عنده وارتفعت الأصوات، وأُخرجنا، قال فقلت لأصحابي: لقد أُمر أمر ابن أبي كبشة، كانوا يسمون النبي -عليه الصلاة والسلام- ابن أبي كبشة، يقولون أن أبوه من الرضاع الذي هو زوج حليمة السعدية يسمى أبو كبشة، أُمر أمر: يعني عظم وكبر، يعني أبو سفيان رأى ملك الروم يعظم النبي -عليه الصلاة والسلام-، يقول يعني هذا رجل عظيم، أمر أمره، إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقناً أنه سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام، قال: فأذن هرقل لعظماء الروم، يعني عقد هرقل اجتماعاً مع كبار الدولة، كبار دولة الروم، في دسكرةٍ: بناء كالقصر، ثم أمر بأبوابها فغلِّقت، ثم قال: يا معشر الروم، يقوله هرقل لهم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي، انظر إلى كمال عقله وفهمه وعلمه، فحاصوا حيصة حمر الوحوش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان، قال ردوهم علي، وقال إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت ما رأيت، وهو لم يختبر كان يقوله صادقًا، ما كان يختبرهم أصلاً، فسجدوا له ورضوا عنه، كانوا تحيتهم له السجود، هرقل يعني بهذه المحاورة بينه وبين أبي سفيان، تيقن بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو رسول الله، وأن ما جاء به هو الدين الحق، وأن هذا الدين سيظهر، ولذلك قال سيملك موضع قدمي هاتين، وأراد أن يسلم لكن تعارض عنده أمر الدنيا والآخرة، إن أسلم لن تتركه الروم ملكاً، فعرض عليهم أن يسلموا وأن يبقى هو ملك، فما تقبلوا الأمر، حاصوا حيصةً، فآثر الدنيا على الآخرة، ورضي بأن يبقى على ملكه ولم يسلم، سبحان الله لم يوفق، مع علمه بالحق إلا أنه لم يوفق للهدى، وإلا عنده عقل وعلم وحلم لكنه آثر الدنيا على الآخرة، لكن طبعاً سيترتب على هذا أنه لن يستمر ملكاً للروم، والملك له سكرة، لا يمكن أن يتركها بسهولة، ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ[آل عمران: 26]، فآثر الدنيا على الآخرة، في المقابل كسرى ملك الفرس لما أتى كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كان رجلاً أحمق، أخذ الكتاب ومزقه، فدعى عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يمزق الله ملكه، فمزق الله ملكه، ولم يقم للفرس قائمة إلى الآن، دولة فارس لم يقم لها قائمة إلى الآن، النجاشي كان رجلاً عاقلاً عالماً عادلاً، عادلاً، ولذلك اختاره النبي -عليه الصلاة والسلام- لهجرة الصحابة إليه بسبب عدله، كان لا يُظلم عنده أحد، لما أتاه كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعاه الصحابة للإسلام، وفقه الله -تعالى- لرأي يسلم ويبقى ملكاً، وهو أنه يسلم ويخفي إسلامه، فأسلم وأخفى إسلامه واستمر ملكاً على الحبشة، لاحظ كيف أن الله وفق النجاشي ولم يوفق هرقل، فالنجاشي استمر في ملكه وأيضاً أسلم، فنال الحسنيين، يعني نال الدنيا والآخرة، أسلم وهذا فيما يتعلق بالآخرة، في الدنيا استمر أيضاً على ملكه لكنه كان مخفياً لإسلامه، ولذلك لما مات قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للصحابة؛ إنه قد مات اليوم رجلٌ صالح، فدعا الصحابة وصلى بهم عليه صلاة الغائب، ولعل ذلك والله أعلم أقول لعل من أسباب ذلك أن الرجل أكرم صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذب عنهم، ولما أتاه كفار قريش لم يقبل أن يسلم الصحابة إليهم، وأسلم وحسن إسلامه لكنه كتم إسلامه، فوفقه الله -تعالى- لأن يبقى في ملكه وفي الوقت نفسه يكون مسلماً، لكن النجاشي هل يعتبر صحابي؟ ليس صحابياً، لأن الصحابي هو من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- ومات على ذلك، هو ما لقي النبي -عليه الصلاة والسلام- هو كان في الحبشة، والنبي -عليه الصلاة والسلام- في المدينة، لكنه أسلم في عصره، فلذلك عدَّه بعض أهل العلم من التابعين، ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء من التابعين، لأنه لم يلقى النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنه لقي الصحابة، والذي يلقى الصحابي يعتبر تابعياً، فينطبق عليه تعريف التابعي ولا ينطبق عليه تعريف الصحابي.

الشاهد من قصة هرقل هي قوله: (يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة)، قوله: (والصلة) فيه إشارة إلى الأمر بصلة الرحم.

* * *

 

 

  • باب صلة الأخ المشرك.

 

[حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا عبد الله بن دينار قال سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول رأى عمر حلة سيراء تباع فقال يا رسول الله ابتع هذه والبسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفود قال إنما يلبس هذه من لا خلاق له فأتي النبي صلى الله عليه وسلم منها بحلل فأرسل إلى عمر بحلة فقال كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت قال إني لم أعطكها لتلبسها ولكن تبيعها أو تكسوها فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم] نعم، رأى عمر حلةً سيراء: الحلة هي إزار ورداء، معنى حلة يعني إزار ورداء، سيراء: يعني ذات خطوط، وكانت من الحرير، والمقصود بالحرير هو الحرير الطبيعي الذي يخرج من دود القز، أما الحرير الصناعي لا يعتبر حريراً بالمعنى الشرعي، وإن سماه الناس حريراً، ولذلك لا بأس بلبسه للرجال والنساء، الأمر فيه واسع، لكن الحرير الطبيعي الذي يخرج من دود القز هذا لا يجوز للرجال لبسه، ويجوز للنساء، فهنا رأى عمر هذه الحلة تباع وهي من الحرير، قال: قلت يا رسول الله ابتع هذه! يعني: اشتر هذه الحلة والبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفود، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة يلبس أحسن ملابسه، ويتجمل، فأشار عمر بأن يشتري هذه الحلة لكي يلبسها يوم الجمعة، وهذا يدل على أنه يستحب للإنسان أن يلبس يوم الجمعة أفضل ملابسه، وكذلك أيضاً في يوم العيد، والله -تعالى- يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، يعني عند كل صلاة، ويتأكد ذلك في الجمعة والأعياد، وهذا يرجع للأعراف، فما عده الناس في عرفهم من الزينة شُرع لبسه، فمثلاً عندنا هنا في المملكة يعتبر لبس المشلح من الزينة، ولذلك يلبس في المناسبات المهمة، كذلك أيضاً ينبغي لبسه في يوم الجمعة، خاصة لطلبة العلم ومن يقتدى بهم، فهنا يعني لاحظ فهم عمر؛ قال: البسها يوم الجمعة، فهم عمر أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يحرص على أن يلبس أحسن ملابسه يوم الجمعة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما يلبس هذه من لا خلاق له" يعني لكونها من الحرير، والحرير لا يجوز لبسه للرجال، فأُتي النبي -صلى الله عليه وسلم- منها بحلل، فأرسل إلى عمر بحلة، عمر استغرب قال: يا رسول كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟! قال: "لم أعطكها لتلبسها"، ولكن لتستفيد منها، "تبيعها أو تكسوها فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم"، وهو أخوه من أمه، واسمه عثمان بن حكيم، ثم أسلم، لكن كان في ذلك الوقت كان مشركاً، فدل هذا على أنه تشرع صلة القريب غير المسلم، عمر هنا أرسل هذه الحلة إلى أخ له مشرك، وأقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، فدل هذا على أنها تشرع صلة القريب غير المسلم، وأيضاً من فوائد هذا الحديث أنه يجوز للإنسان أن يبيع ما يمكن أن يستخدم في الحلال أو في الحرام، بشرط ألا يعلم بأن هذا المشتري سيستخدمه في الحرام، فإنه -عليه الصلاة والسلام- أعطى عمر هذا الحرير، وقال: "إنما أعطيتك لتبيعها"، فعمر سيبيعها، إذا باعها على إنسان قد يستخدمها هذا المشتري استخداماً سيئاً، قد يلبسه وهو رجل، لكن هي تستخدم في الحلال وفي الحرام، ممكن أن تستخدم في الحلال فتلبسها امرأة، أو في الحرام فيلبسها رجل، أو يبيعها على مشرك فيكون هذا أيضاً من قسم الحلال، ويعني يستفاد من هذا أنه يجوز بيع ما يمكن أنه يستخدم في الحلال والحرام بشرط ألا يعلم البائع بأن المشتري سيستخدمه في الحرام، فمثلاً لو كان عند شخص محل بيع هواتف جوالة، يقول يأتي أُناس ويشترون مني، ما أدري هل يستخدمونها استخداماً جائزاً أو استخداماً محرماً؟! فنقول الأصل أنه يجوز أن تبيعها، إلا إذا علمت بأن هذا الشخص بعينه سيستخدم هذا الجهاز استخداماً محرماً؛ فلا يجوز لك أن تبيعه إياه.

السكين يجوز بيعها، الأصل جواز بيعها، إلا إذا علمت بأن هذا الإنسان سيستخدمها استخداماً محرماً، في قتل أحد مثلاً أو نحو ذلك، ومثل ذلك المسدس والأسلحة، وكذلك كل ما يمكن أن يستخدم في الحلال وفي الحرام، كل ما يمكن أن يستخدم في الحلال وفي الحرام الأصل جواز بيعه، إلا إذا علمت بأن المشتري سيستخدمه في الحرام؛ فإنه لا يجوز بيعه عليه.

* * *

 

  • باب فضل صلة الرحم.

 

[حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة قال أخبرني ابن عثمان قال سمعت موسى بن طلحة عن أبي أيوب قال قيل يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة وحدثني عبد الرحمن بن بشر حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة حدثنا ابن عثمان بن عبد الله بن موهب وأبوه عثمان بن عبد الله أنهما سمعا موسى بن طلحة عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال القوم ما له ما له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربٌ ما له فقال النبي صلى الله عليه وسلم تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ذرها قال كأنه كان على راحلته] نعم، هذا الرجل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ فبعض الحاضرين قالوا: ما له ما له، يعني ما له يسأل هذا السؤال! النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "أربٌ"، يعني له حاجة، كيف تقولون ما له! له حاجة كبيرة وهذا السؤال عظيم، ثم أجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سؤاله قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم"، فدل ذلك على أن صلة الرحم من أسباب دخول الجنة، والرحم المقصود بها القرابة، يعني أقارب الإنسان، سواء من جهة أبيه أو من جهة أمه، فتشرع صلتهم، لكن صلة الرحم قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة، وسبق معنا في دروس سابقة أن ذكرنا القول الراجح في ضابط وجوب صلة الرحم، فمن يذكر لنا هذا الضابط؟

نقول المحارم وهم: كل قريب له قدِّر أن أحدهما أنثى والآخر ذكر لما حل له أن يتزوج به، كل قريب لو قدِّر أن أحدهما -يعني هذا القريب مع هذا الشخص - أحدهما ذكر والآخر أنثى لما حل له أن يتزوج به، هذا هو القول الراجح، وأُخذ هذا من قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "لا يُجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها"، فنهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، لأن ذلك يؤدي إلى قطيعة الرحم، لكنه لم ينهى عن الجمع بين بنتي الأعمام، يعني لو كان له بنت عم وبنت عم؛ يجوز أن يجمع بينهما، مع أن هذا قد يؤدي إلى قطيعة الرحم، ولم ينهى عن الجمع بين بنتي الخالين، مع أن هذا قد يؤدي إلى قطيعة الرحم، ولو كان صلة الرحم واجبة لنهى عن ذلك، فهذا هو القول الراجح، وعلى ذلك فالأرحام الذين تجب صلتهم: الوالدان، وتسمى صلة الوالدين ماذا؟ برًّا، تسمى بر الوالدين، لأنها متأكدة، وأيضاً الأبناء والبنات وإن نزلوا، والأجداد والجدات وإن علوا، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات. هؤلاء هم الأقارب الذين تجب صلتهم.

طيب؛ أبناء الأعمام هل تجب صلتهم؟

لا تجب وإنما تستحب، لو كان لك ابن عم يستحب لك أن تصله لكن ما يجب، لو أنك لم تصله ليس عليك إثم، ابن خال أيضاً لا تجب وإنما تستحب، ابن خالة لا تجب وإنما تستحب، خذ هذه الفائدة، يعني هذه الفائدة عزيزة، فهؤلاء هم الأرحام الذين تجب صلتهم، هذا هو الضابط في الأرحام الذين تجب صلتهم.

طيب؛ من كان بينه وبين غيره رضاع، هل تجب صلته؟

لا تجب مطلقاً، حتى أمه من الرضاع لا تجب، لأنه ليس بينه وبينها قرابة، وإنما رضاع، لا تجب، لكن المروءة تقتضي أن يصلها، أخته من الرضاع، أخوه من الرضاع، أبوه من الرضاع، لا تجب صلتهم وإنما يعني المروءة تقتضي ذلك، تقتضي ذلك المروءة لكن ليس لذلك علاقة بصلة الرحم.

طيب؛ ما ضابط صلة الرحم؟

ضابط صلة الرحم؛ العُرف، والقاعدة أن كل ما أمر به الشارع وليس له حدٌّ في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف، ما عده الناس في عرفهم صلة رحم فهو من صلة الرحم، ومن ذلك مثلاً الزيارة، الهدية، المساعدة سواء كانت مساعدة مالية أو مساعدة بجهد أو مساعدة بجاه أو أية صورة من صور المساعدة، التواصل معه دائماً، التواصل بالزيارة والهاتف والرسائل ونحو ذلك، والناس في عرفها تفرق بين الواصل والقاطع، فإذا أرادوا أن يثنوا على شخص قالوا فلان واصل لرحمه، وفلان قاطع، فلان ما فيه خير قاطع لرحمه، وفلان يُذكر بصلة الرحم، فالناس تفرق بين الواصل وبين القاطع، يمكن في الوقت الحاضر الإفادة من وسائل التقنية الحديثة في تعزيز صلة الرحم، وذلك عن طريق مثلاً؛ يعني على سبيل المثال الواتساب، يمكن يوضع مجموعات لهؤلاء الأرحام، ويُتواصل معهم بالسلام والتحية والصلة والسؤال عنهم، وتهنئتهم مثلاً في المناسبات، والسؤال عنهم إذا فقدهم، يعني هذه تعتبر بمثابة المجالس، لكنها مجالس الكترونية، وينبغي أن تنضبط بالضوابط الشرعية، لا يكون فيها غيبة، ولا يكون فيها أمور محرمة، وأن يُنتفع بها في تعزيز صلة الرحم بين الأقارب، هناك يعني مجموعات توضع لبعض الأقارب والأرحام، والدخول فيها يعتبر نوعاً من صلة الرحم، لأن بعض الناس تجده يعرض عن هذه المجموعات، ويقول أنها مضيعة للوقت وأنها كذا وأنها ..، وهذا غير صحيح، بعضها فيه فائدة، إذا كان لك أقارب وأرحام الأحسن أن تدخل معهم، وأن تُدخل السرور عليهم، وتصلهم بالرحم والسلام والتحية والتهنئة وصلة الرحم وإرسال المقاطع المفيدة ونحو ذلك، فهذا يدخل في صلة الرحم، هذا يدخل في صلة الرحم، أيضاً حتى الجيران ينبغي أن يكون لهم مجموعة وأيضاً يكون بينهم تواصل، تواصل بالسلام والتحية والتهنئة والسؤال عن من اُفتقد أو غاب أو مرض ونحو ذلك، هذا أيضاً يدخل في الإحسان للجيران، فيمكن أن تُوظَّف وسائل التقنية الحديثة في تعزيز الإحسان للجيران، وفي تعزيز صلة الرحم بين الأرحام، وهذا من الجوانب الإيجابية لوسائل التقنية الحديثة، هي لها جوانب إيجابية وجوانب سلبية، فهذه من الجوانب الإيجابية التي ينبغي توظيفها في هذه الأمور التي حث الشارع عليها.

* * *

  • باب إثم القاطع

 

[حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب أن محمد بن جبير بن مطعم قال إن جبير بن مطعم أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل الجنة قاطع] نعم، هذا الحديث أيضاً رواه مسلم، وهذا يدل على الوعيد الشديد في حق قاطع الرحم، وعيد عليه بعدم دخول الجنة، وهذا يدل على أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، لأن ضابط الكبيرة هي كل ما ورد فيه حد في الدنيا ووعيد في الآخرة، من لعنة أو غضب أو سخط أو نار أو نفي إيمان أو نفي دخول الجنة، فهنا فيه نفي دخول الجنة، فعلى هذا تكون قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، ويكون قاطع الرحم فاسقاً، لكن مالمقصود هنا بعدم دخول الجنة؟ وكيف نوفق بين هذا وبين معتقد أهل السنة والجماعة في أن مرتكب الكبيرة أنه لا يخلد في النار؟! فمن يجيب عن هذا السؤال؟ هذا سؤال في العقيدة، هذا أحد الأقوال أنه لا يدخل الجنة ابتداءً، نقول: هذا الحديث من نصوص الوعيد، ونصوص الوعيد تمر على ظاهرها، ولكن دل مجموع النصوص على أن مرتكب الكبيرة سواء كانت قطيعة رحم أم غيرها على أنه في الدنيا مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي الآخرة تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، لكنه لا يخلد في النار، إن دخل النار لا يخلد في النار، وعلى هذا فإما أن يقال أن هذا من نصوص الوعيد، أو يقال إنما المعنى لا يدخل الجنة ابتداءً لكن قد يدخلها بعد ذلك، بكل حال لا يخلد في النار مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج الذين قالوا أن مرتكب الكبيرة كافر، وقالوا أنه يخلد في النار، وخلافاً للمعتزلة الذين قالوا أن مرتكب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين منزلتين، وفي الآخرة مخلدٌ في النار، وخلافاً للمرجئة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب، أهل السنة والجماعة وسط بين هذه الفرق، فقالوا أن مرتكب الكبيرة مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته في الدنيا، وفي الآخرة تحت مشيئة الله، لكنه لا يخلد في النار، وعلى ذلك فقاطع الرحم نقول هو فاسقٌ بقطيعة الرحم لكن يبقى مسلماً، يبقى في دائرة الإسلام، وفي الآخرة هو تحت مشيئة الله -عز وجل-.

* * *

 

  • باب من بُسط له في الرزق بصلة الرحم

 

[حدثني إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن معن قال حدثني أبي عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه].

[حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه] دلَّ هذا الحديث على فضل صلة الرحم، وعلى أن لها ثواباً معجَّلاً في الدنيا قبل الآخرة، وهذا الثواب هو أنه يبسط له في الرزق ويُنسأ له في الأثر، ومعنى ينسأ له في الأثر: أي أنه يمد له في عمره، يمد له في عمره، وما أخبر به -عليه الصلاة والسلام- حق، لكن كيف نوفق بين هذا وبين ما نراه في الواقع من أُناس معروفين بصلة الرحم ولكنهم فقراء!؟ وأيضاً أُناس معروفين بصلة الرحم ويموتون وهم صغار وشباب!؟ فلم نرى طولاً في أعمارهم ولم نرى بسطاً في رزقهم يعني في الظاهر! كيف نوفق بين هذا الواقع الذي نراه وبين هذا الخبر الذي أخبر به من لا ينطق عن الهوى -صلى الله عليه وسلم-؟! هذا أحد الأجوبة أن المقصود ببسط الرزق وطول العمر: البركة، بسط البركة في الرزق والبركة في العمر، هذا أحد الأقوال، للعلماء جوابان عن هذا السؤال:

الجواب الأول: أن المراد بذلك البركة، فالمقصود ببسط الرزق: البركة في الرزق، وطول العمر: يعني البركة في العمر، فيكون رزق هذا الواصل مباركاً، ينتفع به في دنياه وآخرته، ويكون عمره أيضاً مباركاً، بحيث يوفق لكثير من الطاعات في هذا العمر، وإن كان ليس طويلاً.

وقال بعض أهل العلم أن المقصود بذلك: بسط الرزق وطول العمر النسبي، ما معنى النسبي؟ يعني أن هذا الإنسان يُكتب أن رزقه كذا وكذا، وأنه بسبب صلته لرحمه يبسط له في الرزق إلى كذا، في الصحف التي بأيدي الملائكة، وأن فلاناً عمره مثلاً ثلاثون سنة، وبسبب صلته لرحمه يكون عمره أربعين سنة، فيرى الناس أنه واصل لرحمه ومات وعمره أربعين، نقول لو لم يصل رحمه مات قبل ذلك، والمحو والتغيير إنما يكون في الصحف التي بأيدي الملائكة، وأما اللوح المحفوظ فإنه لا يدخله محو ولا تغيير، وإنما يُكتب فيه ما يؤول إليه الأمر، والدليل لهذا؛ من يذكر لنا الدليل؟ قول الله -تعالى-: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ يعني في الصحف التي بأيدي الملائكة ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]، يعني اللوح المحفوظ هذا ما فيه محو، هذا تكون فيه الأمور على مستقرها الأخير، هذا يدل على عظيم قدرة الله وحكمته، فإذاً القول الثاني هو الأقرب والله أعلم، أن المقصود ببسط الرزق وطول العمر: بسط الرزق النسبي، وطول العمر النسبي، فإذا قال قائل إن هذا فلاناً فقير وهو واصل لرحمه!، نقول لو لم يصل رحمه لكان أفقر، طيب؛ فلان بن فلان مات عمره أربعون سنة وهو واصل لرحمه!، نقول لو لم يصل رحمه لمات قبل ذلك، طيب؛ فلان بن فلان قاطع ومع ذلك بُسط له في الرزق!، نقول لو أنه وصل رحمه لبُسط له أكثر من ذلك، فلان بن فلان قاطع ومع ذلك عمره طويل!، نقول لو كان واصلاً لكان عمره أطول من ذلك، فإذاً المقصود بطول العمر وبسط الرزق النسبي، طول العمر النسبي وبسط الرزق النسبي، هذا هو الأقرب وهو أيضاً يتفق مع الآية الكريمة: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]، وأما البركة فلها أسباب أخرى، من أعظم أسباب البركة التقوى، ومنها صلة الرحم، صلة الرحم داخلة في التقوى، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]، فإذاً صلة الرحم هي سبب لطول العمر، وسبب لبسط الرزق، وأيضاً هناك أشياء يدخلها التغيير في الصحف التي بأيدي الملائكة، من يذكر لنا غير صلة الرحم؟ نحن ذكرنا الآن صلة الرحم أنها يدخلها المحو الإثبات، غير صلة الرحم يعني صلة الرحم سبب في المحو والإثبات سواء في الرزق أو في العمر!؟

الدعاء، فمثلاً فلان بن فلان ستحصل له مصيبة، وبسبب دعائه دُفعت عنه هذه المصيبة، فمحي من الصحف التي بأيدي الملائكة، فالدعاء يدفع البلاء، والدعاء أيضاً سبب لحصول الرزق، والدعاء سبب لحصول المطالب، وما يحبه الإنسان، من أمور الدنيا والآخرة، فلا يقول قائل إن الله إذا كان قدَّر لي كذا كيف أدعو! نقول لا، أنت ادعُ والصحف التي بأيدي الملائكة يدخلها المحو والإثبات، فقد مثلاً يكون مكتوباً في الصحف التي بأيدي الملائكة بأن فلان بن فلان ستحصل له مصيبة كذا، وسيحصل له حادث، بسبب دعوةٍ دعاها تُدفع عنه هذه المصيبة، والذي في اللوح المحفوظ يُكتب ما يؤول إليه الأمر في الأخير، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

أيضاً غير الدعاء؟ الصدقة كذلك، الصدقة تدفع البلاء، وأيضاً ورد في الحديث: "داووا مرضاكم بالصدقة". لأن الصدقة نوعٌ من الإحسان للناس، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فهي من أسباب دفع البلاء، ومن أسباب دفع المصائب، ومن أسباب أيضاً الشفاء من الأمراض، وهذا ذكره ابن القيم -رحمه الله-: أن الصدقة لها تأثير في دفع البلاء عن الإنسان، وأن هذا يقر به المؤمن والكافر، والبر والفاجر، لأن الناس قد جربوه ورأوه، فمثلاً فلان بن فلان ستحصل له هذه المصيبة، وبسبب هذه الصدقة تُدفع عنه هذه المصيبة، فهنا يدخل المحو والإثبات في الصحف التي بأيدي الملائكة، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

هنا أيضاً من اللطائف؛ يعني بعض أهل العلم يقول: إن الأسرة التي يكون بين أفرادها تواصل أنها تنمو وتكثر، القبيلة التي أيضاً يكونوا متواصلين يكثرون وتنمو تلك القبيلة وتلك الأسرة، والتي بينهم قطيعة يبدأون في الإنقراض، وهذا قد ورد فيه حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار"، يعمران الديار ويزيدان في الأعمار، رواه أحمد ورجاله ثقاة، وهذا أيضاً يعني يذكره بعض الحكماء، بعض أهل الحكمة والتجارب، يقولون أن القبيلة التي تكثر وتنمو وتزداد هي التي يكون بين أفرادها تواصل، بينما التي تبدأ في الإنقراض ويقل أعدادها التي يكون بينهم قطيعة، والله -تعالى- أعلم وأحكم.

* * *

 

  • بابٌ من وصل وصله الله

 

[حدثني بشر بن محمد أخبرنا عبد الله أخبرنا معاوية بن أبي مزرد قال سمعت عمي سعيد بن يسار يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى يا رب قال فهو لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾[محمد: 22] ] نعم، إن الله خلق الخلق، في لفظ آخر "لما خلق الخلق"، يعني هل المقصود لما خلق جميع المخلوقات! أو لما خلق السماوات والأرض! أو لما خلق أرواح بني آدم!، الله أعلم، قال الحافظ بن حجر: (يحتمل أن يكون بعد انتهاء خلق أرواح بني آدم عند قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، لما أخرجهم من صلب أبيهم آدم مثل الذر)، فإن الله -عز وجل- لما خلق آدم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر، سبحان الله، انظر إلى عظيم قدرة الرب سبحانه، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 172]، طيب؛ فإن قال قائل: أنا لا أتذكر هذا! ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ﴾، كلنا شهدنا هذا المشهد، كلنا جميعاً؛ كل بني آدم شهد هذا، فإن قال قائل: أنا لا أتذكر! نقول هذا تتذكر ولادتك! إذا كنت لا تتذكر ولادتك القريبة فكيف تريد أن تتذكر هذا! هذا واقع قطعاً، كما أنك مولود هل أنت أتيت من غير ولادة، أنت ولدت، طيب أنت لا تتذكر ولادتك، ولا تتذكر لما كنت في بطن أمك، يعني أشياء كثيرة كنت لا تتذكرها، هكذا أيضاً هذا الإشهاد، فأنت لا تتذكره لكنه متى يظهر! يظهر عند الشدائد، عند الشدة يظهر هذا الإشهاد، يتجه الإنسان بفطرته إلى خالقه، فالإنسان عنده ميل ونزعه إلى التعبد للخالق، فإن استضاء بنور الوحي هُدي، وإن كان بعيداً عن نور الوحي تجد أنه يتخبط، تارة يعبد الأصنام وتارة يعبد الأشجار، والآن كما سمعتم وسمعنا في بلاد الهند يعبدون حتى الفئران والجرذان، ويعبدون البقر، لماذا؟! لأن عندهم هذه الحاجة الفطرية أن فيه رب وفيه خالق، فهو بحاجة إلى التعبد لهذا الرب والخالق، لكنه بعيد عن الوحي، بعيد عن نور الوحي، فيعبد تارة الصنم تارة الشجر تارة البقر وتارة الفأر وتارة الجرذ!، لكن من استضاء بنور الوحي فإنه يعبد الله -عز وجل-، ولهذا لما رأى أحد السلف رجلاً من المتكلمين قالوا: إن هذا فلاناً عنده ألف دليل على وجود الله، قال: لا حاجة لألف دليل، دليل واحد يكفي! قالوا: ما هو؟! قال: لو كنت تسير في الصحراء وحدك ما معك أحد، ووقعت في بئر مظلمة، بئر! مافيه أحد!، فماذا تقول!؟ تقول: يا الله!، حتى الملحد لو حصل له هذا الموقف يقول يا الله، فالإنسان بفطرته يعرف الله -عز وجل-، لأن الله -تعالى- أشهده، يعني حضر هذا المشهد ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾، ولذلك الأنبياء والرسل لم يُبعثوا لتعريف الناس بوجود الله، الناس تعرف الله -تعالى-، حتى الأمم السابقة قوم نوح وعاد وثمود والأمم السابقة، هل كانت تنكر وجود الله؟! ما كانت تنكر وجود الله، كانت تقر بأن الله الخالق الرازق المدبر، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87]، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38]، إذاً ما هي المشكلة عندهم؟ المشكلة عندهم انحراف في العقيدة، جعلوا أصناماً قالوا هذه الأصنام أصنام أُناس صالحين، نريد أن تكون واسطة بيننا وبين الله، هذا هو شركهم!، فأرسل الله الرسل وأنزل الكتب لأجل تصحيح هذا الإنحراف، فيعني قال بعض أهل العلم: إن الله -تعالى- إنما قال ذلك للرحم بعدما أخرج بني آدم من صلب أبيهم آدم مثل الذر، ولا تقل كيف!؟ الله على كل شيء قدير، الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، انظر إلى عظيم قدرته كيف أخرج جميع بني آدم، أخرجهم من صلب أبيهم آدم وجمعهم مثل الذر، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا﴾، انظر إلى العظمة، والقدرة العظيمة البالغة المطلقة للرب -عز وجل-، فهنا يقول الحافظ وبعض أهل العلم: أنه بعد ذلك تكلمت الرحم وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، وهذا محتمل أن يكون بعد الإشهاد، ومحتمل أن يكون بعد خلق الأرواح، ومحتمل أن يكون بعد خلق السماوات والأرض، الله أعلم، كيف تتكلم الرحم! أيضاً نقول الله على كل شيء قدير، لا ندري! نؤمن بذلك كما ورد، الله قادر على أن يجعل الأشياء المعنوية أشياء حسية تتكلم، ولذلك بعدما يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يؤتى بالموت على صورة كبش أملح، يقال: يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟ يقولون: نعم: يقال: يا أهل النار أتعرفون هذا؟ يقولون: نعم، فيذبح في مكان بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، الحديث في الصحيحين، طيب كيف الموت يجعل على صورة كبش!، الله على كل شيء قدير، كيف الرحم تتكلم! الله على كل شيء قدير، نحن نؤمن بذلك لأن الذي أخبرنا بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والله على كل شيء قدير، فنؤمن بها كما وردت، ولا ندري كيفية ذلك، فقامت الرحم وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الله للرحم: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى، قال: فهو لكِ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فاقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ[محمد: 22،23]. فتكفل الله للرحم بأن يصل من وصلها، وأن يقطع من قطعها، يصل من وصلها بأي شيء؟ بكل إحسان وبر وتوفيق، ولذلك الواصل لرحمه من أعظم الناس توفيقاً في حياته، وتجده سعيداً موفقاً، كما بلغة العامة محظوظاً، محظوظ في كثير من أموره، بينما القاطع لرحمه من أتعس الناس ومن أقلهم توفيقاً في حياته، كل ما يأتي باب إذا هو مغلق، أموره متعسرة، لأن الله تكفل بأن يقطع من قطع رحمه، "أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك"، فلو لم يرد في فضل صلة الرحم إلا هذا الحديث لكفى، ولو لم يرد في ذم قطيعة الرحم إلا هذا الحديث لكفى، إن الله تكفل الرحم بأن يصل من وصلها، وأن يقطع من قطعها، وجاء في الحديث الآخر "أن الله كتب في كتاب عنده أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك"، فهذا يدل على فضل صلة الرحم، وعلى أنها من الأعمال الصالحة العظيمة، وعلى ذم قطيعة الرحم وأنها من كبائر الذنوب، لا يمكن أن تجد عاقًّا لوالديه أو قاطعاً لرحمه سعيداً في حياته، أبدًا، هل أحد منكم وجد رجلاً قاطعاً لرحمه أو عاقًّا لوالديه وهو سعيد!، أبداً، ما يمكن تجد، لا يمكن أن تجتمع السعادة مع عقوق الوالدين وقطيعة الرحم، أبداً، لأن الله تكفل بأن يقطع من قطع رحمه، فإذاً صلة الرحم سبب لبسط الرزق، سبب لطول العمر، سبب لأن يصل الله الواصل بأن يوفقه، بأن ييسر له أموره، وفي المقابل قطيعة الرحم سبب لأضداد ذلك، سبب لعدم التوفيق، وأن يقطع الله من قطع رحمه من كل خير وبر وتيسير وتوفيق.

 

[حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان حدثنا عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرحم شجنة من الرحمن فقال الله من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته]

[حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا سليمان بن بلال قال أخبرني معاوية بن أبي مزرد عن يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرحم شجنة فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته] نعم، الرحم شجنةٌ من الرحمن، الشجنة: يعني المقصود هنا الشجنة هي واحد الشجون، والشجون: هي طرق الأودية كما يقال: حديث ذو شجون؛ يعني يدخل بعضه في بعض، إذا تداخل الحديث بعضه في بعض يقال: الحديث ذو شجون، ومعنى أن الرحم شجنة من الرحمن: يعني أصل الشجنة هي عروق الشجر المشتبكة، عروق الشجر المشتبكة، فمعنى أنها شجنة من الرحمن: أي أنها أُخذ اسمها من اسم الرحمن، ويُفسر هذا حديث عبدالرحمن بن عوف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "قال الله: (أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي)"، فالمعنى أنها أخذت اسمها من اسم الرحمن، هذا معنى شجنة من الرحمن، لابد أن يُفهم هذا الحديث على الوجه الصحيح، أنها أخذت اسمها من اسم الرحمن، كما في الحديث "أن الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي"، قال: "شجنة من الرحمن" من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته، كما سبق من وصلك وصلته بكل خير وبر وتوفيق وتيسير، ومن قطعك قطعته من كل خير وبر وتوفيق وتيسير.

* * *

ونكتفي بهذا القدر ونقف عند قول المؤلف: (باب تبل الرحم ببلالها) وبعد الأذان نجيب عما تيسر من الأسئلة، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* * *

هذا سؤال يقول فيه السائل:

هل تجب النفقة على صاحب الرحم الواجب الصلة على غير الوارثين له؟

لا تجب، إنما النفقة تجب على الوارث لقول الله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 233]، فمن كان يرث هذا الإنسان لو مات؛ فيجب عليه أن ينفق عليه إذا احتاج، هذه القاعدة في هذا، إما إذا كان لو مات لم يرثه؛ فلا يجب عليه أن ينفق عليه، لكن يستحب ذلك ويندب له، هذا من جهة وجوب النفقة، وأما من جهة صلة الرحم فهذه على الضابط الذي ذكرنا، ترجع للضابط الذي ذكرنا فهما مسألتان مختلفتان، وجوب النفقة شيء، وصلة الرحم شيء آخر، فوجوب النفقة كما ذكرنا إنما هو على الوارث، وأما صلة الرحم فعلى ما ذكرنا من الضابط، ويظهر أثر الفرق لو رُفعت القضية للقضاء للقاضي، القاضي لا يلزم بدفع النفقة إلا على من كان بينه وبينه توارث، لكن من جهة صلة الرحم؛ يعني إنسان له خالة وهذه الخالة ما لها إلا هذا ابن أختها، فهنا يجب عليه أن يصلها، يجب عليه أن يصلها، لكن من جهة النفقة لا يلزمه أن ينفق عليها، لأنه لا يرثها لو ماتت، إلا أن تكون من ذوات الأرحام، إلا أن يكون ليس لها أحد فيرثها بطريق ذوي الأرحام، فإذا كان لا يرثها لو ماتت لم يلزمه أن ينفق عليها، لكن صلة الرحم في هذه الحال تكون واجبة.

* * *