الخثلان
الخثلان
الدرس الأول
6 جمادى الأولى 1440 عدد الزيارات 664

كتاب الأدب من صحيح البخاري

الدرس الأول

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين.

أما بعد: فنستأنف هذا الدرس بعد فترة التوقف في أيام الإختبارات والإجازة، وسنبدأ بكتاب جديد، كنا قد انتيهنا من دورة فقه وحساب الفرائض، وإن شاء الله نبدأ الآن بكتاب الأدب من صحيح البخاري، وقبل أن نبدأ أُذكِّر الجميع بأهمية طلب العلم، وأنه لا يعدله شيء لمن صحَّت نيَّته، وأن إقبال الإنسان على حلق العلم ومجالس العلم قد يكون أمارة على أنه أريد به الخير، وأن مجالس العلم تدخل في مجالس الذكر التي تحفها الملائكة، قد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن لله ملائكة سيارة تلتمس مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلس ذكر قالوا: هلمُّوا إلى حاجتكم". فتأتي الملائكة وتحف الجالسين في مجلس ذكر، ومجالس العلم هي من مجالس الذكر كما ذكر ذلك الحافظ بن حجر وغيره، وفي آخر الحديث يقول الله -تعالى-: "(أُشهدكم أني قد غفرت لهم) فتقول الملائكة: إن معهم فلاناً ليس منهم ولكنه أتى لحاجة وجلس! فيقول الله: (هم القوم لا يشقى بهم جليس)". فلو لم يحصِّل المسلم من مجالس العلم إلا هذا لكفى، "ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلأى الجنة". فعلى طالب العلم أن يحرص على حلقات العلم ودروس العلم، وقد ذكر الشاطبي -رحمه الله- أن لطلب العلم طريقين:

الطريقة الأولى: أخذ العلم عن أهله، وذلك بحضور الحلقات والدروس ونحو ذلك، وهذه أنفع الطريقين، وهي المأثورة عن السلف.

الطريقة الثانية: هي بطريقة البحث والإجتهاد والقراءة والحفظ، وهذه أيضاً طريقة مفيدة لكن الأولى أنفع.

والأحسن هو الجمع بين الطريقتين، والعلم لا يأتي للإنسان دفعة واحدة، إنما يأتي شيئاً فشيئاً، ويحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى جلد، ويحتاج إلى تحمل، ويحتاج أيضاً إلى إخلاص في طلب العلم.

وقد اخترنا كتاب الأدب من صحيح البخاري، صحيح البخاري هذا الكتاب العظيم الذي هو أصح كتاب بعد القرآن، وقد تلقته الأمة مع صحيح مسلم؛ تلقت هذين الكتابين بالقبول، فالأصل أن جميع الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم أو أحدهما أنها صحيحة، هذا هو الأصل، وكتاب البخاري مقدم على مسلم، صحيح البخاري مقدم على مسلم عند المحققين من أهل العلم، لأن شروط البخاري أشد، فمثلاً البخاري يشترط اللقيا، بينما مسلم يشترط المعاصرة ولو لم يلقى الراوي، وإنما يكتفي بالمعاصرة، البخاري أشد يشترط اللقيا؛ أن يكون الراوي لقي هذا الراوي، فالبخاري أشد في شروطه، وقصة تأليف البخاري لهذا أو جمع البخاري لأحاديث الصحيح بدأت سبحان الله من فكرة ألقاها اسحاق بن راهويه في حلقة علم، قال: (لو أن أحدكم جمع ما صح من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في كتاب!)، قال البخاري: (فوقعت هذه الكلمة في نفسي). منذ ذلك الحين استحسن البخاري هذه الفكرة، وبدأ بجمع أحاديث الصحيح، وكان قبل أن يكتب أي حديث في كتابه يتوضأ ويصلي ركعتين ويستخير الله -عز وجل-، هل يدخل هذا الحديث في صحيح البخاري أو لا، وكان في غاية الورع وعفة اللسان، كان يقول: (أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني أغتبت أحداً أبدا). ويعلق على هذا الحافظ الذهبي فيقول: (صدق رحمه الله)، من تأمل في كلامه حتى في الجرح والتعديل للرواة رأى عنده الورع الشديد، أحياناً يقول فيه نظر، يتحرج أنه يقدح في الراوي، مع أن القدح في الرواة يعني أجازه العلماء وأنه لا بأس به لخدمة السنة، لكن مع ذلك كان شديد الورع، فيقول فيه نظر فيه كذا، رحمه الله تعالى وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

هذا الكتاب -كتاب صحيح البخاري- ينبغي لطالب العلم أن يُعنى به، وإن تيسر أن يحفظه وإلا على الأقل يستظهر أحاديثه، ونحن سنأخذ كتاب الأدب في هذا الفصل الدراسي، وأيضاً الفصل الدراسي القادم إن شاء الله -تعالى-، فلعلنا إن شاء الله خلال فصلين دراسيين ننتهي من شرح هذا الكتاب بإذن الله -عز وجل-، وإن تيسر حفظ هذه الأحاديث كان ذلك حسناً خاصة أن أكثرها معلوم لديكم، يعني أكثرها من الأحاديث المتداولة في الخطب والمواعظ والمحاضرات ونحو ذلك.

 

قال المؤلف -رحمه الله-: [كتاب الأدب].

الأدب معناه: استعمال ما يُحمد قولاً وفعلاً.

والأدب يكون مع الله ويكون مع الخلق، ومراد المصنف بالأدب هنا؛ القسم الثاني، بدليل أن الأحاديث التي أوردها إنما هي في الأدب مع الناس، والإنسان في عبادته لربه لا يكفي أن يُعنى بالشعائر التعبدية فيما بينه وبين الله، من الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر العبادات، بل لابد أيضاً أن يُحسن تعامله مع الآخرين، ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قيل له: يا رسول الله إن فلانة تكثر من صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها!، يعني هذه المرأة أحسنت الشعائر التعبدية فيما بينها وبين الله، الصلاة ما شاء الله كثيرة الصلاة، كثيرة الصيام النافلة، كثيرة الصدقة، وربما لها أعمال صالحة أيضاً أخرى، لكن عندها جانب الأخلاق سيء، تؤذي جيرانها بلسانها، ماذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها؟! قال: "هي في النار"، قالوا: وإن فلانة ليست بكثيرة صلاة ولا صيام غير أنها تتصدق بأثوار من أقط وتحسن إلى جيرانها! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "هي في الجنة". فلاحظ هنا أن المرأة الأولى عندها خلل في قضية التعامل مع الآخرين، عندها سوء خلق، عندها مشكلة في التعامل، وإن كان عندها كثيرة صلاة وصيام وزكاة وعبادة لكن عندها مشكلة في التعامل مع الآخرين، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "هي في النار". طبعاً هذا عند أهل السنة والجماعة من نصوص الوعيد، ليس معنى ذلك أنها تكفر، لكن معنى ذلك أنها مرتكبة لكبيرة من الكبائر، وإلا عند أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة إذا دخل النار لا يخلد فيها، المرأة الثانية عندها شيء من التوازن، وإن كانت أقل من الأولى في الشعائر التعبدية لكن عندها نوع من التوازن، فهي تحسن إلى جيرانها، فالجانب الإحسان إلى الناس أحسنت هذا الجانب وأتقنته، وأيضاً أتت يعني بالحد الأدنى من الصلاة والصيام، وكانت أيضاً كثيرة الصدقة، ومع ذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "هي في الجنة". وهذا يدل على أن العبادة ليست فقط خاصة بالشعائر التعبدية بين الإنسان وبين ربه، بل تشمل أيضاً علاقاته مع الآخرين، علاقته مع والديه؛ إذا عقَّ والديه فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، علاقته مع أرحامه؛ إذا قطع أرحامه أيضاً ارتكب كبيرة من الكبائر، علاقته مع جيرانه؛ إذا أساء إلى جيرانه ارتكب كبيرة من الكبائر، إذاً العلاقات هنا مهمة، ورتب الشارع عليها جزاءً إن أحسن، جزاءً له إن أحسن، وجزاءً عليه إن أساء كما سيأتي، فهذا يبين لنا أن مفهوم العبادة في الإسلام أنه مفهوم شامل، ولا يقتصر فقط على الشعائر التعبدية فيما بين العبد وبين ربه، بعض الناس قد يكون بطبعه عنده غلظة في الطبع، وعنده حدَّة، وعنده غضب، سرغة غضب وشدة غضب، فنقول إن هذا لا يُعذر، عليه أن يُهذِّب هذه الأخلاق السيئة، ولهذا جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- يبدو أن هذا الرجل كان سريع وشديد الغضب قال: (يا رسول الله أوصني! قال: "لا تغضب" قال: أوصني! قال: "لا تغضب" فردد مراراً قال: "لا تغضب") [رواه البخاري]. هذا يدل على أن ترك الغضب مستطاع، وإلا لو كان غير مستطاع لقال هذا الرجل: يا رسول الله أن خُلِقت سريع الغضب وشديد الغضب!، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تغضب"، فمن يرى من نفسه سوء خلق أو غلطة أو حدة في الطبع؛ عليه أن يُعنى بتهذيب هذه الأخلاق، فإن الأخلاق يمكن تهذيبها وترويضها، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما العلم بالتعلم، يمكن للإنسان أن يصبح حليماً، وأن يصبح كريماً، وأن يصبح حسن الخلق بمجاهدته لنفسه أولاً ثم مع مرور الوقت تصبح هذه أخلاقاً راسخةً له، ولهذا أرباب الأخلاق والسلوك يعرِّفون الخُلُق بأنه:

هيئةٌ راسخةٌ في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر.

هذا هو تعريف الخلق؛ هيئةٌ راسخةٌ في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، فإن كان الخلق كريماً صدرت عنها الأفعال بسهولة ويسر، وإن كان الخلق سيئاً كذلك، وهذه الأخلاق قد تكون هبة من الله، وقد تكون مكتسبة، قد تكون جبلَّة وهبة من الله -عز وجل-؛ وأعني بذلك الأخلاق الكريمة، قد هبة وجبلة من الله وقد تكون مكتسبة، ولذلك الأشج بن عبد القيس لما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة" قال: يا رسول الله أجبلت عليهما أم تخلقت بهما! قال: "بل جبلت عليهما" قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحبه الله ورسوله.

بعض الناس قد يولد حليماً كريم الخلق سخيَّاً شجاعاً، وبعض الناس ليس كذلك، فالذي لا يوهب هذه الأخلاق الكريمة عليه أن يسعى إلى اكتسابها، وهكذا أيضاً لو جُبل على أخلاق سيئة؛ كشدة الغضب وسرعة الغضب والعصبية والنرفزة ونحو ذلك، يمكن أن يُهذب هذه الأخلاق السيئة، ويروض نفسه على تركها بالتدريج شيئاً فشيئاً، فهذا الكتاب -كتاب الأدب- يُعني بالحديث عن هذه الأخلاق، سواء كانت الأخلاق الكريمة فيحث على التخلق بها، أو الأخلاق الذميمة فيحث على تركها واجتنابها، والمصنف بدأ أولاً بحق الوالدين ثم بحق الأرحام ثم أتبعه ببقية الحقوق، نبدأ بكلام المؤلف -رحمه الله-:

قال الإمام أحمد بن اسماعيل البخاري في صحيحه المسمى (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه) (كتاب الأدب):

 

  • باب قول الله -تعالى-: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾.

 

[حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة قال الوليد بن عيزار أخبرني قال سمعت أبا عمرو الشيباني يقول أخبرنا صاحب هذه الدار وأومأ بيده إلى دار عبد الله قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله قال الصلاة على وقتها قال ثم أي قال بر الوالدين قال ثم أي قال الجهاد في سبيل الله قال حدثني بهن ولو استزدته لزادني] نعم، قال: باب البر والصلة، والبر إذا أطلق فالمقصود به بر الوالدين، والصلة صلة الرحم، وبر الوالدين هو نوع من صلة الرحم، لكنها صلة متأكدة، ولذلك فإنها توصف بالبر، لأنها صلة متأكدة ليست كصلة بقية الأرحام، قال: وقول الله -تعالى-: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، وهذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، نزلت في سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- لما أسلم، فإن أمه حلفت ألا تكلمه حتى يكفر بدينه، وقالت: زعمت أن الله أوصاك ببر والديك فأنا أمك وأنا آمرك بهذا.

وهذه الآية ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ في أي سورة؟ في سورة العنكبوت، ابن بطال قال: (إن هذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص)، ابن بطال أحد شراح البخاري وكثيراً ما ينقل عنه الحافظ ابن حجر، كنت نقلت بعض الفوائد من شرح ابن بطال، ثم لما رجعت للفتح وجدتها كلها؛ كلها نقلها ابن حجر، فيكاد يكون ابن حجر ضم شرح ابن بطال للفتح، ابن بطال قال: أن هذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، ولكن قال: إنها في لقمان، لكن هذه الآية ليست في لقمان، هذه الآية في العنكبوت، التي في لقمان: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾، هذه الآية التي في سورة لقمان، فهذه الآية المذكورة هنا في سورة العنكبوت، وأما التي نزلة في شأن أم سعد فهي في سورة لقمان، ثم ساق المصنف بسنده حديث عبدالله بن مسعود، وإذا قيل عبدالله فالمقصود به ابن مسعود؛ قال: (سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أي العمل أحب إلى الله -عز وجل-؟) وهذا سؤال عظيم من هذا الصحابي الجليل، الذي هو من أكبر فقهاء الصحابة، أي العمل أحب إلى الله؟!، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الصلاة على وقتها"، فبين أنها أحب عمل إلى الله، فأحب العبادات إلى الله وأحب الأعمال إلى الله الصلاة، ومما يؤكد هذا أن الصلاة فرضت على نحو خاص، ليس كفرضية بقية الفرائض، فإن بقية الفرائض من الزكاة والصيام والحج وغيرها؛ تفرض من الله -تعالى- على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- بواسطة جبريل، أما الصلاة فأُسري أولاً بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به حتى جاوز السبع الطباق، وبلغ سدرة المنتهى، ووصل إلى أعلى مكان وصله البشر، أعلى مكان وصله البشر، وكلمه الله -عز وجل-، كلمه مباشرة من غير واسطة كما كلم موسى، لكنه لم يرى الله، ولهذا لما سأله أبو ذر قال: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: "نورٌ أنَّى أراه" [رواه مسلم]. الإنسان بتكوينه البشري المحدود لا يتحمل رؤية الله -عز وجل-، ولهذا لما سأل موسى ربه الرؤية؛ قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ مجرد تجلي ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ الجبل على ضخامته وعظمته جعله دكا، وموسى لم يتحمل أيضاً خر صعقاً ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]. لكن الله -عز وجل- يمكِّن المؤمنين في الجنة من رؤيته -جل وعلا- ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22،23]. فكلمه الله -تعالى- وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاةً في اليوم والليلة، النبي -صلى الله عليه وسلم- كان عظيم الأدب وشديد الحياء من ربه، قبِل، وتصوروا لو أنها استمرت خمسين صلاة في أربع وعشرين ساعة، معنى ذلك كل نصف ساعة تقريباً صلاة، فمن رحمة الله بهذه الأمة أن قيض موسى فسأله قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: "خمسين صلاة في اليوم والليلة" قال: إني جربت الناس قبلك، وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف!، وحط عنه عشراً ثم عشراً ثم عشراً ثم عشراً ثم خسماً، ثم قال موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف! فقال: "إني قد استحييت من ربي"، فنادى منادٍ: (أن أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، هي خمسٌ في الفعل خمسون في الميزان). فدل هذا على فضل الصلاة وعظيم شأنها من وجوه:

الوجه الأول: أن الله -تعالى- فرضها على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- مباشرة من غير واسطة.

الوجه الثاني: أنها فرضت في أعلى مقام ومكان وصله البشر، فوق السماء السابعة.

الوجه الثالث: أنها فرضت أول ما فرضت خمسين صلاةً في اليوم والليلة، وهذا يدل على محبة الله -عز وجل- لهذا النوع من التعبد، إذ أن خمسين صلاةً في أربع وعشرين ساعة تستغرق وقتاً كثيراً من الإنسان، فلولا أن الله -تعالى- يحب هذه العبادة ما فرضها خمسين صلاة في اليوم والليلة.

الوجه الرابع: أنها لما خُففت إنما خُففت فقط في الفعل، ولم تخفف في الأجر والثواب، فهذه الصلوات الخمس التي نصليها أجرها أجر خمسين صلاة، ثم بعد ذلك يأتي التضعيف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة.

ولذلك كانت هذه العبادة هي أحب العمل إلى الله، ولهذا فهم هذا المعنى كثير من السلف فكانوا يحرصون على أن يكثروا من الصلاة، وقد ذُكر في ترجمة الإمام أحمد أنه كان يصلي لله -تعالى- في اليوم والليلة تطوعاً من غير الفريضة ثلاثمائة ركعة، ولما ضعف بسبب المحنة التي وقعت له أصبح يصلي مئة وخمسين ركعة، والحافظ عبدالغني المقدسي صاحب عمدة الأحكام كان يقتدي بالإمام أحمد في هذا، كان يصلي ثلاثمائة ركعة، لعلمهم بأنها أحب عبادة إلى الله، فإذا استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل إلا في أوقات النهي، إلا في أوقات النهي، ولهذا عندما تأتي المسجد الجامع يوم الجمعة ما أفضل عمل تشتغل به؟ الصلاة، ركعتين ركعتين، مثنى مثنى مثنى مثنى إلى وقت النهي يعني قُبيل الزوال بنحو عشر دقائق تقف، وهذا مأثور عن السلف، أُثر عن الأوزاعي أنه دخل المسجد الجامع يقولون أحصينا له ستاً وثلاثين ركعة قبل دخول الخطيب، قبل الزوال يعني، لعلمهم بأنها أحب عبادة إلى الله، فإذا استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل، هي أحب عبادة إلى الله، لأنها تتضمن الذكر بجميع أنواعه، القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، والخضوع لله -عز وجل- والركوع، والخضوع لله -تعالى- بالسجود، وجميع أنواع التعبد تجدها في هذه العبادة، فهي أحب عمل إلى الله -عز وجل-، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحافظ على أربعين ركعة، يحافظ عليها كل يوم، لا ينقص عنها وقد يزيد عليها، ما هي هذه الأربعون ركعة؟ مرت معنا في دروس سابقة يمكن درس الأثنين الأخوة الذين حضروا معنا؛ أربعون ركعة، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحافظ عليها كل يوم، لا ينقص عنها وقد يزيد عليها، الفرائض كم ركعة؟ سبع عشرة ركعة، والسنن الرواتب إثنتى عشرة ركعة، سبع عشرة زائد إثنتي عشرة كم؟ تسعة وعشرين، وإحدى عشرة ركعة الوتر، إحدى عشرة زائد تسعة وعشرين؛ أربعين، هذه الأربعون ينبغي لنا أن نحافظ عليها، وأن نزيد عليها، لكن لا تنقص صلاتك في اليوم والليلة عن أربعين ركعة، أما سبع عشرة ركعة فهي فرض، وأيضاً ما زاد على ذلك إلى أربعين متأكد، وإن زدت على أربعين كان أفضل وكان خيراً، فكان -عليه الصلاة والسلام- كل يوم لا تنقص صلاته عن أربعين ركعة، إذاً هذا هو الأول.

الثاني قال: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قال: "ثم بر الوالدين"، وبر الوالدين سيأتي الكلام عنه في الأبواب الآتية، فهو من أفضل الأعمال الصالحة وأعظمها أجراً وثواباً، قال ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". وانظر كيف قدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، وذلك لأن بر الوالدين هو في الحقيقة؛ هو نوع من الجهاد، هو نوع من الجهاد، هو جهاد خاص، جهاد من نوع خاص، خاصة عند كبرهما، فإنه عند كبر الوالدين قد تضيق أنفسهما، ويكونان سريعان الغضب، وقد لا يتحمل الولد كثيراً من أفعالهما أو تصرفاتهما، هو بحاجة إلى صبر وبحاجة إلى جهاد، هو يحتاج إلى جهاد، إذاً جهاد من نوع خاص، ثم أيضاً هو متكرر مطلوب منه كل يوم، فلذلك كان مقدماً على الجهاد في سبيل الله -عز وجل-، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يذهب للجهاد في سبيل الله الذي هو فرض كفاية إلا بإذن والديه، كما سيأتي في الحديث الآتي.

هناك بعض المسائل والأحكام ستأتي في الأحاديث الآتية إن شاء الله -تعالى-.

* * *

 

 

  • باب من أحق الناس بحسن الصحبة.

 

[حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال ثم أمك قال ثم من قال ثم أمك قال ثم من قال ثم أبوك وقال ابن شبرمة ويحيى بن أيوب حدثنا أبو زرعة مثله] نعم، هذا الحديث يبين فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- عظيم حق الأم، وأن حق الأم أعظم من حق الأب، ولذلك جعل للأم ثلاثة حقوق وللأب حقاً واحداً، قال: (من أحق الناس بحسن صحابتي؟) وفي رواية (بحسن صحبتي)، يقال (الصحابة والصحبة) وهما بمعنىً واحد، وإنما كان حق الأم آكد لكونها تتحمل من المشاق أكثر من الأب، فإنها تحمل هذا الولد سواء كان ابناً أو بنتاً وتعاني ما تعاني من الحمل وصعوبته، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾، ثم أيضاً تعاني عند وضعه ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ ثم بعد وضعه كذلك إرضاعه والقيام عليه، فهي تقوم بمهام أصعب من الأب، ولذلك كان حقها آكد، ولهذا قال الله -تعالى-: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]، فسوَّى بينهما في الوصاية (ووصينا الإنسان بوالديه)، وخص الأم بمزيد من الحق قال (حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين) يعني إن حقها بناء على ذلك متأكد، فحق الأم إذاً آكد من حق الأب، وروي أن أبا الأسود الدؤلي تنازع مع إمرأته في ابن بينهما، ابن له منها، فأتت إلى والِ البصرة زياد فقالت: (أصلح الله الأمير، هذا الابن بطني وعاؤه، وحجري فناؤه، وثديي سقاؤه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، حتى إذا استوفى فصاله، وكملت خصاله، وأمَّلت نفعه، ورجوت رفعه، أراد أن يأخذه مني كُرهاً). أبو الأسود الدؤلي معروف من الأدباء ومن النحويين، أتى أيضاً بكلام مسجوع، وقال: (أصلح الله الأمير، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه،.. -ثم جعل يسترسل-) ، فقال له الأمير: (دعك من هذا السجع وردَّ إليها هذا الابن). هذه من اللطائف التي ذكرها بعض الشراح.

فإذاً هذا الحديث يدل على عظيم حق الوالدين، وأن حق الأم آكد من حق الأب، لكن إذا تعارض حق الأم والأب!؟ فإن كانت الأم ليست في حبال الأب، بأن كانت مطلقة، فحق الأم آكد، فلو أمره أبوه بأمر وأمرته أمه بأمر يقدم أمر الأم على الأب، أما لو كانت الأم في حبال أبيه، فهي زوجته، وهي مأمورةٌ بطاعته وهو سيدها وولي أمرها، فإذا كانت هي مأمورة بطاعته فمن باب أولى أن ما تأمر به تبعٌ لأمره، وعلى ذلك فحق الأب هنا آكد، إذا كانت الأم في حبال الأب فحق الأب آكد لأنها هي مأمورةٌ بطاعته أصلاً، فإذا أمرت الابن بأمر وأمره الأب بأمر فيقدم أمر الأب لأنها هي مأمورةٌ بأمر الأب، وهو ولي أمرها وهو سيدها، فانتبه لهذه المسألة الدقيقة!، هذه من المسائل التي قلَّ من ينتبه لها، صحيح أن حق الأم آكد لكن إذا لم تكن في حبال الأب، أما إذا كانت في حباله وزوجته فلا، حق الأب آكد، فلو أمرته الأم بأمر وأمره الأب بأمر يقدم أمر الأب على أمر الأم، لأنها هي أصلاً مأمورةٌ بطاعة الأب الذي هو زوجها.

* * *

 

  • باب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين.

 

[حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان وشعبة قالا حدثنا حبيب قال ح وحدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن حبيب عن أبي العباس عن عبد الله بن عمرو قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أجاهد قال لك أبوان قال نعم قال ففيهما فجاهد] نعم، قال بابٌ لا يجاهد إلا بإذن الأبوين، وذلك فيما إذا كان الجهاد فرض كفاية، فلا يجوز للإنسان أن يخرج للجهاد إلا بإذن الوالدين، ثم ساق المصنف هذا الحديث؛ حديث عبدالله بن عمرو: جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله أجاهد، قال: "لك أبوان؟" قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد". أي: ابلغ جهدك في برهما وفي الإحسان إليهما، فإن ذلك يقوم مقام قتال العدو، ومر معنا في الحديث السابق أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل بر الوالدين مقدماً في الفضل على الجهاد في سبيل الله، ونستفيد من هذا الحديث:

أولاً: عظيم شأن بر الوالدين وأنه مقدم على الجهاد في سبيل الله.

ثانياً: أنه لا يجوز للابن أن يذهب للجهاد إلا بإذن والديه، إلا في الحالات التي يكون فيها الجهاد فرض عين -هذه مستثناة-.

* * *

  • باب لا يسب الرجل والديه.

 

[حدثنا أحمد بن يونس حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه قال يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه] نعم، من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، أولاً: إذا كان اللعن مباشراً فهذا لاشك أنه من أكبر الكبائر، لكن هذا يأباه الطبع السليم، ولذلك لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" قيل: وكيف يلعن الرجل والديه؟!، يعني قالوه على سبيل الإستغراب! لأن الطبع المستقيم يأبى ذلك، والفطرة السوية تأبى ذلك، فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن سب الوالدين قد يكون بطريق غير مباشر، وذلك بأن يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه، فلو قال له: لعنة الله على والديك، قال: بل لعنة الله على والديك أنت!، فمعنى ذلك يعني كأنه هو سب والديه، فوقع في كبيرة من كبائر الذنوب بل من أكبر كبائر الذنوب، إذاً سب الوالدين سواء كان مباشراً أو كان بطريق التسبب من أكبر كبائر الذنوب، قال ابن بطال -رحمه الله-: (هذا الحديث أصلٌ في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد ذلك المحرم). فسد الذرائع قاعدة معتبرة عند أهل العلم، فمن أدلتها هذا الحديث، فمن سب أبا رجل فقد يسب أباه هو، سب والديه قد يسب والديه، وأيضاً يدل لذلك قول الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]، مع أن سب آلهة المشركين جائزة، لكن إذا كان ذلك يفضي إلى سب الله -عز وجل- كان ذلك ممنوعاً منه، إذاً هذا الحديث أصلٌ في سد الذرائع، أيضاً أخذ العلماء من هذا الحديث فائدة وهي: المنع من تعاطي الأمر المباح إذا أدى إلى أمر محرم، إذا أدى إلى أمر محرم، قالوا ومن ذلك بيع الثوب الحرير، ممن يتحقق أنه يلبسه، والعصير ممن يتحقق أنه يتخذه خمراً، وعلى ذلك بيع الأشياء التي تستخدم في الحلال وفي الحرام؛ هل يجوز؟! شيء يستخدم في الحلال وفي الحرام مثل الجوالات مثلاً! إنسان عنده محل جوالات وهذا المشتري للجوال قد يستخدمه في الحلال وقد يستخدمه في الحرام!؟

نقول هذا فيه تفصيل:

إن علمت أن المشتري سيستخدم هذا الشيء في الحرام لم يجز، وإذا علمت أنه يستخدمه في الحلال جاز، وإذا لم تعلم فإن ذلك يجوز، وسيأتي إن شاء الله مزيد توضيح لهذه المسألة في قصة عمر في بيع الحرير في حديث قادم إن شاء الله.

أيضاً من فوائد هذا الحديث: العمل بالغالب، لأن الذي يسب أبا الرجل قد يسب أبا الآخر وقد لا يسبه، لكن الغالب أنه يسبه؛ فمنع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يسب الإنسان والدي إنسان آخر، لأن هذا قد يتسبب في سبه لوالديه هو، على أن المسلم ينبغي أن يكون بعيداً عن السباب، المسلم ليس بالسباب، ليس المسلم بالسباب، وسباب المسلم فسوق، والسب من كبائر الذنوب، محرم ومن كبائر الذنوب، لعن المؤمن كقتله، إلا على سبيل المقابلة فيجوز، ما معنى إلا على سبيل المقابلة؟! إذا ابتدأ إنسان وسبك يجوز لك أن تسبه مثل ما سبك ولكن لا تزيد، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "المستبَّان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتدِ المظلوم" [رواه مسلم]. يعني إثم المستابين جميعه على البادئ، وهذا يدل على أن المعتدى عليه لا إثم عليه ما لم يعتدِ، فلو أنه سبه فسبه بمثل ما سبه؛ الإثم كله على البادئ الأول، الثاني دافع عن نفسه، لو قال: لعنك الله!، قال: بل لعنك الله أنت، الإثم على من؟ على الأول، الثاني ما عليه إثم، لكن لو أنه لما قال: لعنك الله، قال: بل لعنك الله ولعن والديك! هنا اعتدى، هنا يأثم، على أن المسلم ينبغي أن يكون بعيداً عن هذا، لكن نحن نبين أحكاماً شرعية، المستبان ما قالا فعلى البادئ، كل الإثم على البادئ ما لم يعتدِ المظلوم.

أيضاً ذكر الحافظ ابن حجر من فوائد هذا الحديث قال: فيه مراجعة الطالب لشيخه فيما يقول ومما يشكل عليه، ووجه ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"، راجع بعض الصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: كيف يلعن والديه؟ فبين ذلك أن هذا قد يكون بطريق التسبب.

* * *

 

  • باب إجابة دعاء من بر والديه.

 

[حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة قال أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها فقال أحدهم اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي وإنه ناء بي الشجر فما أتيت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء وقال الثاني اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء فطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فسعيت حتى جمعت مائة دينار فلقيتها بها فلما قعدت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه فقمت عنها اللهم فإن كنت تعلم أني قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها ففرج لهم فرجة وقال الآخر اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز فلما قضى عمله قال أعطني حقي فعرضت عليه حقه فتركه ورغب عنه فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها فجاءني فقال اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي فقلت اذهب إلى ذلك البقر وراعيها فقال اتق الله ولا تهزأ بي فقلت إني لا أهزأ بك فخذ ذلك البقر وراعيها فأخذه فانطلق بها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج ما بقي ففرج الله عنهم] هذا الباب قال المصنف -رحمه الله-: باب إجابة دعاء من بر والديه، وأخذ هذا من أن أحد هؤلاء الثلاثة بر بوالديه براً عظيماً، ودعا الله -تعالى- بأن تنفرج عنهم هذه الصخرة وأجاب الله دعوته فانفرجت الصخرة قليلاً، هذا وجه الدلالة، فهؤلاء الثلاثة دخلوا غاراً في جبل فانطبقت عليهم الصخرة، وقالوا إنه لا ينجيكم إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فكل واحد منكم يبحث عن أفضل عمل صالح أخلص فيه لله.

الأول توسل إلى الله -عز وجل- ببره العظيم بوالديه، إلى هذه الدرجة أنه كان يأتي لهما بغبوقهما -بالحليب-، ويقدمهما على أولاده، وذات يوم أتى وقد ناما، وعنده أطفاله لم يشأ أن يقدم أطفاله على والديه، ولم يشأ أن يوقظ والديه فيزعجهما، فبقي طيلة الليل واقفاً عند رأسيهما باللبن، إلى أن استيقظا فشربا هذا اللبن، وهذا عمل صالح عظيم يدل على عظيم بره بوالديه، قال: (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه)، فاستجاب الله له ففرج عنهم، انفرجت الصخرة قليلاً غير أنهم لا يستطيعون الخروج، وهذا يدل على أن بر الوالدين من أعظم أسباب تفريج الكروب، ومن أعظم أسباب ما يُتوسل به من الأعمال الصالحة.

الثاني توسل إلى الله -عز وجل- بعفته عن الزنا مع قدرته عليه، كان له ابنة عم وكان يحبها حباً شديداً كأشد ما يحب الرجال النساء، فأرادها عن نفسها فأبت حتى يأتيها بمئة دينار، فجمع مئة دينار فلما تمكن منها وقعد بين رجليها وعظته بكلمةٍ عظيمة، قال: (يا عبدالله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه)، هذه الكلمة وقعت في قلبه، وهو رجل صالح تقي فقام عنها لله -عز وجل-، مع قدرته عليها وحبه لها واجتهاده في جمع المال حتى تهيأت له هذه الفرصة، لما ذكرته بالله قالت اتق الله قام وتركها، وترك المال الذي أعطاها إياه، أعطاها أيضاً مئة دينار لم يأخذها منها، قال: (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه)، فانفرجت الصخرة قليلاً غير أنهم لا يستطيعون الخروج، فتوسل إلى الله -عز وجل- بعفته عن الزنا مع قيام أسبابه، وهذا من أعظم ما يكون من العمل الصالح، أن الإنسان يترك الوقوع في الفاحشة خوفاً من الله -سبحانه-، كما حصل ليوسف فإن يوسف -عليه الصلاة والسلام- حصلت له فتنة عظيمة، فإنه كان شاباً وكان أعزب وكان غريباً، الغريب لا يعني يستنكف منه مما يستنكف منه غير الغريب، الغريب تجد أنه يتجرأ على فعل أمور لا يتجرأ عليها غير الغريب، لأن غير الغريب عنده قبيلة عنده أناس يعيبون فعله، الغريب ليس عنده هذه الحواجز، أيضاً رقيق، كان رقيقاً، وأيضاً الذي دعاه إلى هذا هي سيدته، وأيضاً كانت امرأةً من أجمل النساء، وأيضاً تزينت له، يعني امرأة جميلة وتزينت له، وأيضاً غلَّقت الأبواب في المكان الخالي الذي لا يراه فيه أحد إلا الله -عز وجل-، يعني هل هناك إغراء وفتنة أعظم من هذا؟! اجتمعت جميع أسباب الفتنة، ولكنه تركها لله -عز وجل- بل فرَّ ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾، ولحقته وقدَّت قميصه من دبر، إلى آخر القصة التي قصها علينا ربنا -عز وجل-، حتى برأه الله -تعالى- مما أُلصق به من التهمة، الشاهد أن يوسف -عليه الصلاة والسلام- ترك ذلك لله -عز وجل-، ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]، فكون الإنسان يعف عن الوقوع في الفواحش مع قدرته عليها، ومع وجود الأسباب الدافعة والداعية إليها ووجود عوامل الفتنة والإثارة، ويترك ذلك لله -عز وجل-، فهذا من أعظم ما يكون من الأعمال الصالحة التي يُتوسل بها إلى الله -عز وجل-، ومن أسباب تفريج الكروب، ولهذا توسل هذا الرجل إلى الله -عز وجل- بهذا العمل الصالح فاستجاب الله له فانفرجت الصخرة قليلاً غير أنهم لا يستطيعون الخروج.

وأما الثالث فقد توسل إلى الله -عز وجل- بأمانته العظيمة، فإنه قد استأجر أجراء وأعطى كل واحد أجره، إلا أجير واحد استأجره بفَرق أرز، لما قضى عمله ذهب وترك حقه، فأخذ هذا الأجر وثمَّره ونمَّاه، حتى أصبح له مال كثير من الرقيق ومن البقر، فأتى ذلك الرجل بعد حين من الدهر، قال يا عبدالله أعطني حقي! قال هو لك ما ترى، من البقر ومن الرقيق ومن الإبل ومن الغنم، قال لا تستهزئ بي، قال والله لا أستهزئ بك، هذا هو أجرك ثمَّرته لك، فأخذه كله ولم يترك لي منه شيئاً، يعني كان ينبغي على الأقل أنه يعطيه منه شيء مقابل أنه ثمره له، أخذه كله ولم يترك له منه شيئاً، قال: (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه)، فاستجاب الله له فانفرجت الصخرة وخرجوا جميعاً يمشون.

فالأول توسل إلى الله -عز وجل- بعظيم بره بوالديه، والثاني توسل إلى الله -تعالى- بعفته عن الزنا خاصة مع القدرة عليه، والثالث توسل إلى الله -تعالى- بأمانته، فاستجاب الله لهم، فدل ذلك على أن هذه الأعمال الصالحة الثلاثة من أسباب تفريج الكروب، وأيضاً من فوائد هذه القصة:

مشروعية التوسل إلى الله -عز وجل- بالأعمال الصالحة، وهذا من أقسام التوسل المشروع، فإن التوسل منه ما هو مشروع ومنه ما هو ممنوع، فمن التوسل المشروع؛ التوسل إلى الله -عز وجل- بالأعمال الصالحة، فمثلاً لو وقعت في كربة، وقعت في ضائقة، انظر ما أفضل عمل عملته لله، تشعر أنك أخلصت فيه لله -تعالى- ثم توسل إلى الله -تعالى- به، قل اللهم إنه حصل كذا وكذا وكذا؛ اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عني ما أنا فيه، قل كما قال هؤلاء الثلاثة، فهذا يدل إذاً على مشروعية التوسل إلى الله -عز وجل- بالأعمال الصالحة عند المضائق.

وأيضاً أخذ العلماء مشروعية التوسل إلى الله -عز وجل- بالأعمال الصالحة عموماً، فمثلاً تقول اللهم بحبي لك وحبي لنبيك اغفر لي مثلاً أو اهدني، أو تدعو الله بما شئت، فتوسلت إلى الله -عز وجل- بحبك لله وحبك لنبيه، أو تتوسل إلى الله -تعالى- بأي عمل صالح، فإذاً التوسل إلى الله -عز وجل- بالأعمال الصالحة هذا توسلٌ مشروع، بل إنه من أسباب تفريج الكربات، خاصة إذا كان هذا العمل الصالح عملاً أخلص فيه الإنسان لله -عز وجل-؛ هذا من أسباب تفريج الكربات.

وأيضاً هذا يدل على الإنسان ينبغي أن يجعل له أعمالاً صالحة يعني خبيئة، يجعل له خبيئة من أعمال صالحة يفزع إليها عند الكروب، اجعل لك أعمال صالحة لا يعلم بها أحد من الناس؛ لا والد ولا ولد ولا زوجة ولا أي شخص، افعلها لله -تعالى-، لا يعلم بها أحد، هذا يسميه السلف خبيئة، خبيئة أعمال صالحة، ثم إذا وقعت في كربة توسل إلى الله -عز وجل- بها، أما أن الإنسان إذا بحث ما وجد له أي خبيئة من عمل صالح! فهذا تقصير، لابد أن يجعل الإنسان له خبيئة أعمال صالحة عملها لله -تعالى- لا يعلم بها إلا الله، فانظر إلى هؤلاء الثلاثة كانت لهم خبيئة أعمال صالحة، الأول بره بوالديه، الثاني عفته عن الزنا، الثالث أمانته، فتوسلوا إلى الله -عز وجل- بها عندما حصلت هذه الكربة العظيمة فاستجاب اللهم لهم وانفرجت عنهم الصخرة، فخرجوا جميعاً يمشون.

ولاحظ هنا في دعوتهم أيضاً لما دعوا الله -عز وجل-؛ دعوا الله -تعالى- بأسلوب فيه تواضع، قال (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك) يعني أنا ما أدري! لم يزكي نفسه، لم يستعظم هذا العمل، لم يعجب بعمله، فهو يقول يا ربي أنا ما أدري إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، وهذا أيضاً مما ينبغي للإنسان أن يتأدب به مع ربه، فالإنسان لا يُعجب بأعماله الصالحة، وإذا أراد أن يتوسل إلى الله بعمل صالح يقول يا ربي إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ولا يقول يا ربي أنا فعلت كذا وكذا وكذا فافرج عني، فلاحظ هنا أيضاً أدبهم مع الله -عز وجل-، إن كنت يا ربي فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا مانحن فيه.

* * *

  • بابٌ عقوق الوالدين من الكبائر.

 

[باب عقوق الوالدين من الكبائر قاله عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا سعد بن حفص حدثنا شيبان عن منصور عن المسيب عن وراد عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ومنعا وهات ووأد البنات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال] نعم؛ قال: باب عقوق الوالدين من الكبائر قاله ابن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومراده بذلك حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس"، وهذا أخرجه البخاري في موضع آخره، وهنا يعني ذكره معلقاً ولكن أخرجه موصولاً في موضع آخر، فهذا هو مراد المصنف بقوله (قاله عبدالله بن عمرو) يريد هذا الحديث: "الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس". الحديث الأول حديث المغيرة: "إن الله حرم عليكم" وفي لفط "إن الله حرم عليكم ثلاثاً وكره لكم ثلاثاً"، "حرم عليكم عقوق الأمهات" والمراد بذلك عقوق الوالدين، لكنه ذكر الأمهات لأن عقوق الأمهات أعظم إثماً من عقوق الآباء، لأن الأمهات حقهن آكد من حق الآباء، وهو من أكبر الكبائر، والثاني: "ومنعا وهات" والمراد بقوله ومنعا وهات: أي منع ما أُمر بإعطائه وطلب ما لا يستحق أخذه، هو يمنع مثلاً الزكاة، يمنع ما أُمر بإعطائه لكن يطلب ما لا يستحق، يريد ما لا يستحق، فيكون جموعاً منوعاً، وهذا من أسوء ما تكون من الخصال في الإنسان، أن يكون جموعاً منوعاً، فهو يمنع ما أُمر بإعطائه ويطلب ما لا يستحق أن يأخذه،" ووأد البنات" وأد البنات المقصود بوأد البنات: أي دفنهن وهن أحياء، وكان هذا من عادة بعض أهل الجاهلية، ويقال أن أول من فعل ذلك قيس بن عاصم التميمي، وكان غار عليه بعض أعدائه فأسر ابنته، ثم إن هذا -لما أُسرت ابنته- من أسرها أراد أن يتزوجها فتزوج بها، ثم إنه حصل صلح بينه وبين هؤلاء الذين غاروا عليهم، فخيَّر ابنته أن ترجع إليه أو تبقى عند زوجها، فاختارت زوجها، فغضب أبوها وحلف ألا تولد له بنت إلا دفنها وهي حية، ثم تبعه على ذلك بعض العرب، وقد ذكر الله -تعالى- هذا: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 9]. وأما ما يقوله بعض الكتاب من أن هذا غير صحيح، هذا يعارضه القرآن؛ القرآن ذكر هذا أثبت أن هذا موجوداً، موجوداً عند أهل الجاهلية وأد البنات؛ ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58]، ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾[النحل: 59]، هذا كان موجوداً عندهم، وكان من العرب من يقتلون أولادهم مطلقاً إما خشية إملاق أو لغير ذلك من الأسباب، أو لخشية أن يضيق الرزق عليهم، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: 31]، لكن وأد البنات لم يكن عند جميع العرب وإنما عند بعض قبائل العرب، وأما ما نُسب إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه وأد بنتاً له وأنها كانت تمسح التراب عن لحيته وهو يدفنها فهذا غير صحيح، هذا لم يثبت عن عمر وأكبر بناته حفصة، ولم يرد هذا عن عمر لا بسند صحيح ولا ضعيف، وإنما هذا مكذوب عن عمر، وينبغي التنبه للروايات المروية عن عمر لأن الرافضة يكرهونه، وربما يكذبون عليه بإلصاق بعض الرويات به، فلا يصح هذا عن عمر، لكنه موجود عند بعض أحياء العرب وأد البنات.

"وكره لكم" هنا الكراهة عند الشارع تختلف عن الكراهة في مصطلح الفقهاء، الكراهة في مصطلح الفقهاء ما هي؟ ما معنى الكراهة في اصطلاح الفقهاء؟ من يبين لنا؟ ما يثاب تاركه امتثالاً ولا يعاقب فاعله، هذا التعريف الصحيح للكراهة، لكن في لسان الشارع قد يراد بالكراهة التحريم، ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 38]، مع أن الله ذكر فيها أموراً محرمة، ذكر فيها قتل النفس وذكر فيها الزنا وذكر فيها يعني أموراً محرمة، ومع ذلك قال: ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، فلفظ أو مصطلح الكراهة قد يراد به التحريم، والذي يحدد ذلك هو السياق، فهنا "كره لكم" بعضها على سبيل الكراهة وبعضها على سبيل التحريم،  "قيل وقال" اختلف العلماء في المراد بذلك، فقيل المراد بذلك: كثرة الكلام، لأنه يفضي إلى الوقوع في الخطأ، وقيل المراد بذلك: حكاية وأقاويل الناس والبحث عنها، قال فلان كذا وقال كذا وقيل كذا، وقيل المراد بذلك: حكاية الإختلاف في أمور الدين، والإكثار من ذلك بحيث قد يقع في الزلل، وربما هذه الأمور كلها صحيحة ومرادة، فينبغي للإنسان ألا يكثر من قيل وقال وكثرة النقولات، وكل خبر يسمعه ينقله ويتحدث به، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كفى بالمرء إثماً أن يحدِّث بكل ما سمع".

قال: "وكثرة السؤال"؛ قال الحافظ ابن حجر: (هل هو سؤال المال أو السؤال عن المشكلات والمعضلات أو أعمُّ من ذلك، وأن الأولى حمله على العموم). وهذا هو الصحيح أنه يشمل ذلك، فيشمل أولاً: التكلف في الأسئلة، بأن يسأل الإنسان أسئلة افتراضية ومتكلفة، وقد ورد ذم السؤال عن الغلوطات التي يراد بها إحراج المسؤول، وأيضاً: السؤال وقت نوزل الوحي، أيضاً ورد النهي عنه، ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]، وأيضاً يشمل: سؤال المال من غير حاجة، فإن هذا محرم كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "من سأل أموال الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر"، وقال: "لا تزال المسألة بالعبد حتى يأتي يوم القيامة وليس في جهه مزعة لحم"، وقال: "إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة". فإذاً يشمل ذلك سؤال المال من غير حاجة، ويشمل السؤال الذي فيه تكلف وفيه إكثار أيضاً من المسائل المفترضة فيشمل ذلك.

"وإضاعة المال" إضاعة المال محرمة، وهذا يؤيد ما ذكرنا من أن الكراهة في لسان الشارع قد يقصد بها التحريم، فإضاعة المال معناه: الإسراف في الإنفاق وذلك بأن ينفق المال في غير وجهه المأذون فيه شرعاً، سواء كان في أمور دينية أو دنيوية، لأن المال جعله الله -تعالى- قياماً لمصالح الناس، فلا يجوز إضاعته.

 

[حدثني إسحاق حدثنا خالد الواسطي عن الجريري عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يقولها حتى قلت لا يسكت]

 

[حدثني محمد بن الوليد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال حدثني عبيد الله بن أبي بكر قال سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور]

نعم، هنا قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر"، وهذا يدل على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، وأحسن ما قيل في حد الكبيرة أنها: كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة من لعنةٍ أو غضبٍ أو سخطٍ أو نارٍ أو نفي إيمانٍ أو نفي دخول الجنة ونحو ذلك، هذا هو تعريف الكبيرة، كل معصية فيها حد في الدنيا يعني مثلاً شرب الخمر من الكبائر، الزنا من الكبائر، السرقة من الكبائر، هذه كلها حدود؛ فيها حدود، أو وعيد في الآخرة من لعنة؛ أي معصية تجد فيها لعن الله من فعل كذا أو لعن رسول الله من فعل كذا فهي من الكبائر، أو من لعنة أو غضب أو سخط أو نارٍ؛ من فعل كذا دخل النار، أو نفي إيمان؛ لا يؤمن ..."من جاره بوائقه" مثلاً؛ هذا يدل على أن أذية الجار من كبائر الذنوب، أو نفي دخول الجنة "لا يدخل الجنة نمام" هذا يدل على أن النميمة من كبائر الذنوب، فإذاً هذا هو ضابط الكبيرة، قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" هذه ليست من الكبائر فحسب بل من أكبر الكبائر، الأول: الإشراك بالله وهو أعظم الذنوب، ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا[النساء: 48]، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا[النساء: 116]. وعقوق الوالدين وهو من أكبر كبائر الذنوب كما سبق، (وكان متكئاً فجلس وقال: "ألا وقول الزور وشهادة الزور")، شهادة الزور هو أن الإنسان يشهد عند القاضي شهادةً كاذبة، فيحكم القاضي بموجب شهادته، أو يشهد وهو لا يعلم، فهذا أيضاً يدخل في شهادة الزور، إذا تعمد الكذب في الشهادة هذه شهادة زور، وإذا شهد على ما لا يعلم فهذا أيضاً شهادة زور، فلا يجوز للإنسان أن يشهد إلا على ما يعلم، ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا[يوسف: 81]، أما أن الإنسان يشهد على ما لا يعلم هذه شهادة زور، أو يشهد متعمداً الكذب فهذه شهادة زور، وقول الزور يعني: قول الكذب والباطل، لكن الكذب كما قال الحافظ؛ يقول: إنه ليس كله من الكبائر، بحسب الكذب، فالكذب الذي يترتب عليه مثلاً أكل حقوق، يترتب عليه قذف مسلم، يترتب عليه.. هذا يكون من الكبائر، لكن بعضها قد يكون من الصغائر، ولهذا قال الحافظ: (لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقاً كبيرة وليست كذلك). ومثل ذلك الغيبة أيضاً تختلف بحسب القول المغتاب به، فقد تكون من الكبائر وقد لا تكون، قال: (فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت)، إنما كرر النبي -صلى الله عليه وسلم- شهادة الزور؛ قالوا: لأن الشرك ينبو عنه المسلم والعقوق ينبو عنه الطبع، وأما شهادة الزور فيحصل فيها التساهل والتهاون، فلذلك حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- منها، واهتم بشأنها، فكان متكئاً فجلس وقال: "ألا وقول الزور وشهادة الزور"، وهذا يدل على أن شهادة الزور من كبائر الذنوب، وفي الحديث التالي أيضاً هو بمعنى هذا الحديث؛ من فوائد أيضاً هذا الحديث؛ قالوا: فيه إشفاق التلميذ على شيخه إذا رآه منزعجاً وتمني عدم عضبه، لما يترتب على الغضب من تغير مزاجه، لقوله: (فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت) يعني شفقة عليه، فإنه -عليه الصلاة والسلام- لما ذكر شهادة الزور وقول الزور كان متكئاً فجلس، وجعل يكررها يكررها يكررها، فالصحابة من باب الإشفاق عليه قالوا: (ليته سكت)، شفقةً عليه، وهذا يدل على عظيم شأن شهادة الزور وعظيم إثمها عند الله -عز وجل-، ولو لم يرد في ذمها إلا هذا الحديث لكان كافياً.

* * *

ونكتفي بهذا القدر ونقف عند (باب صلة الوالد المشرك) نفتتح به درسنا القادم إن شاء الله -تعالى-، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* * *