الخثلان
الخثلان
من الفائدة 240
6 جمادى الأولى 1440 عدد الزيارات 199

لطائف الفوائد / من الفائدة 240

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا.

نستأنف الدرس بعد توقفه فترة الإختبارات وإجازة منتصف الفصل أو إجازة منتصف العام، وهذا هو الدرس الرابع عشر، في هذا اليوم الأثنين غرة شهر جمادى الأولى من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، قبل أن أبدأ جرت العادة أننا عند استئناف الدروس نذكر نبذة مختصرة في فضل العلم وآداب طالب العلم، فأقول إن العلم الشرعي هو العلم الذي وردت النصوص بالثناء عليه وعلى أهله، فإذا وجدت كلمة علم في القرآن أو السنة فالمقصود به علم الشريعة، ولا يراد بذلك العلوم الدنيوية، ولا يراد بذلك علم الطب أو الهندسة أو الكيمياء أوالفيزياء أو غير ذلك من علوم الدنيا، وذلك لأن هذا العلم هو ميراث الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا علوماً دنيوية إنما ورثوا علوم الشريعة، والعلوم الدنيوية تبقى على الأصل وهي أنها مباحة، وقد يؤجر الإنسان إذا أحسن النية في نفع المسلمين، لكن العلم الذي وردت النصوص بالثناء عليه وعلى أهله هو علم الشريعة، وهو الذي لا يعدله شيء لمن صحت نيته كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-، والإنسان مهما كان عليه من القوة في العبادة لا يمكن أن يعبد الله كما يحب الله إلا عن طريق العلم، ولهذا عظمت منزلة العلماء، وقال الإمام الشافعي: (إذا لم يكن العلماء أولياء الله فما لله من ولي) يعني يريد أنهم هم الأصل، العلماء العاملون الربانيون هم الأصل أنهم الأحق بنيل ولاية الله -عز وجل-، التي قال الله عنها: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62،63]. وقد استشهد الله -تعالى- بالعلماء على أجل وأعظم مشهود وهو التوحيد، وذكر ثلاث شهادات فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]. هذه الشهادات الثلاث على التوحيد أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط، ذكر أولاً شهادته -جل وعلا- وهي أعظم شهادة، فإنها شهادة الذات للذات، هو شهد -جل وعلا- بأنه لا إله إلا هو ولا خالق إلا هو، لو كان هناك خالق غير الله أين هو! لماذا لا يعلن عن نفسه ويقول أنا الإله أنا الخالق لكم! لا يوجد أحد قال أنا الخالق لهذا الكون إلا الله -عز وجل- وحده، لو كان هناك إله غير الله إن كان لا يعلم فلا يستحق أن يكون إلهاً، وإن كان يعلم وهو عاجز أن يعلن عن نفسه فهو لا يستحق أن يكون إلهاً، فتعين أن لا إله إلا الله، هذه شهادة الذات للذات وهي أعظم شهادة، الشهادة الثانية شهادة الملائكة وهي شهادة عظيمة، شهدوا بأنه لا إله إلا هو، الشهادة الثالثة وهي موضع الشاهد معنا شهادة طائفة من البشر، ليس جميع البشر وإنما طائفة من البشر، وهم أولوا العلم، وهذا يقتضي التزكية العظيمة لهم، ويقتضي أيضاً عدالتهم، لأنه لا يستشهد إلا بالعدول، الله -تعالى- استشهد بهم، وهذا يدل على تعديلهم وعلى تزكيتهم من الله -عز وجل-، لو لم يرد في شرف العلماء إلا هذه الآية لكفى، وقال -عز وجل-: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. لا يمكن أن يستوون، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" [متفق عليه]. إذا وجدت من نفسك الحرص والإقبال على التفقه في دين الله -عز وجل- فهذه قد تكون أمارة إن شاء الله على أنه أريد بك الخير.

ومن أعظم آداب طالب العلم: الإخلاص لله -عز وجل- في طلبه للعلم، سئل الإمام أحمد كيف يكون الإخلاص في طلب العلم؟ قال: (أن ينوي رفع الجهل عن نفسه). فلا يريد بهذا العلم رياءً ولا سمعةً ولا ليقال هو عالم ولا ليقال هو قارئ، فإن هذه النية السيئة تجعل صاحبها من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن يطلب العلم للتفقه في دين الله، ولرفع الجهل عن نفسه، ولرفع الجهل عن غيره، وأما قضية التشريك في النية بين أن يريد بهذا العلم وجه الله، ويريد عرضاً دنيوياً، كأن يدخل كلية شرعية يريد طلب العلم الشرعي ويريد أيضاً نيل الشهادة، فهذه اختلف فيها العلماء والصحيح أنه لا بأس بها، وإن كان طبعاً تخليص النية أفضل لكنها لا تؤثر ولا تقدح في النية، وهذا له أدلة كثيرة، هذا القول له أدلة كثيرة منها؛ قول الله -تعالى-: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]. نزلت هذه الآية في أناس من الصحابة أرادوا أن يحجوا ويتاجروا، يعني يجمعوا بين حج وتجارة، فتحرَّجوا فأنزل الله الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ إلى آخر الآية، فهنا بين الله -تعالى- أنه ليس عليهم جناح في الجمع بين الحج وأمر دنيوي، وهذا هو معنى التشريك في النية، أيضاً قول الله -تعالى- عن نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أمرهم بعبادة ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10]، ثم ذكر منافع دنيوية ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 11،12]، أيضاً قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" [متفق عله]، مع أن الجهاد في سبيل الله مطلوب فيه إخلاص النية، وهذا قاله من باب التشجيع حتى يتشجع هذا المقاتل في سبيل الله لأجل أن ياخذ السلب.

ثانياً؛ من آداب طالب العلم: أن يعمل بعلمه، فيظهر أثر العلم عليه في عبادته وفي أخلاقه وفي سمته وفي سلوكه وفي تعامله مع الآخرين، وإلا مالفائدة من هذا العلم! إذا لم يظهر أثر العلم على صاحبه فلا فائدة من هذا العلم، بل يكون هذا العلم حجة على صاحبه يوم القيامة، إذا كان مثلاً طالب العلم لا يصلي صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد، إذاً مالفائدة من هذا العلم الذي يتعلمه! أو أنه يقع في بعض الكبائر أو نحو ذلك، لابد أن يظهر أثر العلم على طالب العلم.

أيضاً من آداب طالب العلم: الصبر، كما قال يحيى بن أبي كثير: (لا يُستطاع العلم براحة الجسد)، وهذا الأثر عن يحيى أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في باب مواقيت الصلاة، وتعجب بعض الشراح كيف أخرجه مسلم في باب مواقيت الصلاة، قالوا لعل الإمام مسلم تعب في جمع طرقها -طرق أحاديث مواقيت الصلاة وأسانيدها- ثم أتى بهذا الأثر (لا يُستطاع العلم براحة الجسد). العلم يحتاج إلى صبر إلى تحمل، يحتاج إلى جلد، وقد كان السلف الصالح يرتحلون في سبيل طلب العلم، صنف في ذلك مصنفات، بل لو قرأت تراجم كثير من العلماء السابقين لوجدتهم ارتحلوا، تجد عندما تقرأ في تراجم العلماء ارتحل إلى بلاد كذا وكذا وكذا، قلَّ أن تجد عالماً كبيراً لم يرتحل، والرحلة في ذلك الوقت ليست كالرحلة في وقتنا الحاضر، إذا ارتحل انقطع عن أهله وعن أسرته وعن والديه وعن زوجته وعن أولاده وعن بلده، ينقطع تماماً، ما فيه وسائل اتصالات، لا يدرون عنه، لا يدرون عنه مدة طويلة، ليست شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين، مدة طويلة، كل ذلك يتغرب لأجل طلب العلم، وهناك من ارتحل من أجل سماع حديث واحد فقط، مثل جابر بن عبدالله ارتحل من المدينة إلى الشام من أجل سماع حديث واحد، هذه القصة ذكرها البخاري في صحيحه معلقاً فيها بصيغة الجزم، أبو أيوب الأنصاري ارتحل من المدينة إلى مصر من أجل سماع حديث واحد فقط، فالعلم يحتاج إلى صبر، يعني بعض الإخوة يقول والله الدرس في المكان الفلاني بعيد، طيب أنت تأتي بسيارة والحمد لله؛ والسيارة مكيفة؛ لن ترتحل، مجرد فقط أنك تحرك السيارة إلى أن تصل إلى مكان إلقاء الدرس أو حلقة العلم، والحضور في المسجد أفضل من المتابعة عبر أجهزة التقنية الحديثة، وإن كان متابعة الدروس عبر أجهزة التقنية الحديثة هذه تأتي في المرتبة الثانية، لكن بعض الإخوة يعتمد على الدروس عبر أجهزة التقنية الحديثة، هذا يفوته أجر حضور الدرس، لأن هذا الأجر أجر عظيم، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بأن لله ملائكة سيارة تلتمس مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكر قالوا: هلموا إلى حاجتكم، وفي آخر الحديث أن الله -تعالى- يقول: (أشهدكم أني قد غفرت لهم)، فتقول الملائكة: أن معهم فلاناً ليس منهم وإنما أتى لحاجة فجلس، فيقول الله: (هم القوم لا يشقى بهم جليس) [متفق عليه]. وقد ذكر الحافظ بن حجر وغيره أن مجالس العلم تدخل في مجالس الذكر، هذا إنما يتأتَّى لمن حضر الدرس، يأتي في المرتبة الثانية من يعني لا تتيسر ظروفه للحضور في المسجد هنا يتابع عبر وسائل التقنية الحديثة، لكن الحضور أفضل لأجل أن ينال هذا الأجر ومغفرة الذنوب.

أيضاً من آداب طالب العلم: أن يظهر أثر العلم عليه في الدعوة إلى الله -عز وجل-، ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108]، لابد أن يكون لطالب العلم أثر، أثر في أسرته، أثر على جيرانه، على زملائه، في مجتمعه، بالقدر الذي يحسن، فكم الآن عدد طلاب العلم الذين يتخرجون كل سنة! أو ربما نقول كل فصل دراسي! يتخرج بالمئات ربما بالألوف، ما أثرهم في المجتمع؟ لازال أثرهم ضعيفاً، فلو أن كل طالب علم استشعر مسؤوليته وقام بالدعوة إلى الله -عز وجل- على بصيرة وحكمة وبالموعظة الحسنة لحصل خيرٌ كثير، وينبغي أولاً أن يكون طالب العلم قدوة، قدوة لغيره، فمثلاً في المسجد الذي يصلي فيه يُعرف في الحي ويكون قدوة، وتكون علاقته مع الجيران طيبة، أما أنه ما يعرف في الحي ويصلي في طرف الصف أو ربما يقضي الصلاة، كيف سيكون مؤثراً!، ولا يحقر الإنسان نفسه، النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "بلغوا عني ولو آية"، ولو آية!. قال أهل العلم: أن معنى قول الله -عز وجل- ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ قالوا المقصود بالبصيرة هنا: أن يغلب على ظنك أن ما تدعو إليه من شرع الله، فإذا غلب على ظنك بالدليل أنه من شرع الله فهذه هي الدعوة إلى الله على بصيرة، لكن ينبغي أن يهتم طالب العلم يعني يحمل هم الدعوة إلى الله -عز وجل- وتبصير الناس في أمور دينهم.

ونكتفي بهذا القدر في هذه المقدمة، ونسأل الله -تعالى- للجميع الإعانة والتوفيق، نبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (240) (من أعلام النبوة) :

 

فائدة: من أعلام النبوة

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه". (هذا خبر عن تغير الزمان، وما يحدث فيه من المحن والبلاء والفتن).

وقال الحافظ العراقي: (وهذا إن لم يكن قد وقع فهو واقع لا محالة، وليس يلزم أن يكون في كل البلدان، ولا في كل الأزمنة، ولا لجميع الناس، بل يصدق هذا بأن يتفق لبعضهم في بعض الأقطار، وقد ذكر ابن عبد البر، والقاضي عياض أن ذلك قد وقع).

نعم، هذا الحديث حديث عظيم، يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه". أي أنه يتمنى الموت، يتمنى أن لو كان قد مات، وذلك بسبب كثرة الفتن والمحن والبلاء، وذلك إما أن يكون بسبب كثرة المنكرات في المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، وعجزه عن تغييرها، بحيث يصبح وكأنه غريب في هذا المجتمع، فيتمنى أن لو كان قد مات واستراح من هذه الدنيا، عندما يرى قبر إنسان مات يتمنى أنه لو كان قد مات وكان كصاحب هذا القبر، أو أنه يصاب ببلاء في بدنه أو في ماله أو في أهله ولا يتحمل، فيتمنى أن لو كان مكان صاحب هذا القبر ومات واستراح من هذا البلاء، وقال ابن بطال -رحمه الله- وهو أحد الشراح لصحيح البخاري، قال: (تغبُّط أهل القبور وتمني الموت عند ظهور الفتن، إنما هو لخوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله، وظهور المعاصي والمنكر، وليس هذا عامَّاً في حق كل أحد إنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم -يعني غير أهل الخير- فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه، وإن لم يكن في ذلك شيء مما يتعلق بدينه، ففي إحدى روايات مسلم "ليس به الدين ما به إلا البلاء"). وهذا هو المعنى الذي أشرت إليه، يعني أنَّ تمني أن يكون مكان صاحب هذا القبر إما أن يكون أناس من أهل الخير والصلاح، فيرى كثرة المنكرات في المجتمع فيتمنى أن لو كان قد مات واستراح، أو أن لا يكون كذلك لكن يبتلى إما في بدنه أو في ماله أو في أهله أو بأية مصيبة، فعندما يرى صاحب القبر يتمنى أن لو كان قد مات واستراح، وهذا كما قال الحافظ العراقي يقول: لا يلزم أن يكون في كل البلدان ولا في كل الأزمنة، ولا لجميع الناس، بل قد يكون في بعض البلدان، وفي بعض الأزمنة، ولبعض الناس.

وابن عبد البر والقاضي عياض ذكرا أن ذلك قد وقع، ونحن الآن في وقتنا الحاضر أيضاً نراه وقع في بعض البلدان الآن، وقع؛ أن الإنسان يعني يمر بالقبر وبسبب اضطراب الأمن وغلبة أهل الباطل وغلبة أهل الشر، وأيضاً مع المصائب التي عليه في بدنه وأهله وماله يتمنى أن لو كان قد مات واستراح، فهذا من أعلام النبوة، من أعلام النبوة أن هذا لابد أن يكون، لابد أن يقع قبل قيام الساعة.

 

* * *

فائدة: العاجز عن بعض أعمال العبادة قد يكتب له الأجر كاملاً

عن أبي موسى -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً".

يدخل في هذا الحديث أن من فعل العبادة على وجه ناقص وهو يعجز عن فعلها على الوجه الأكمل، فإن الله يكمل له بنيته ما كان يفعله لو قدر عليه، فإن العجز عن مكملات العبادات نوع مرض.

نعم، هذا الحديث حديث أبي موسى في الصحيحين، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً"، وهذا إنما يكون لمن له أعمال صالحة يحافظ عليها، له نوافل يحافظ عليها، وتركها بسبب المرض أو بسبب السفر فيكتب أجرها له كاملاً، مثال ذلك رجل يقول الليل مثلاً يصلي كل ليلة إحدى عشرة ركعة، وفي ذات ليلة لم يتمكن بسبب مرضه، يكتب له الأجر كاملاً كأنه صلاها، أو أنه في تلك الليلة سافر ولم يصلها، يكتب له الأجر كاملاً، لكن هذا في حق من كان محافظاً ومداوماً على هذه النوافل، أما من لم يكن مداوماً عليها تارة يأتي بها وتارة لا يأتي لها، لا يكتب له شيء لو تركها لمرض أو سفر، وهذا يدل على فضل المداومة على العمل الصالح، فاجعل لك نوافل تحافظ وتداوم عليها، تستفيد عدة فوائد:

الفائدة الأولى: أن هذا أحب العمل إلى الله، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل".

ثانياً: أنه يكون كثيراً مع مرور الوقت، فإن القليل مع القليل يكون كثيراً، لو افترضنا مثلاً ركعتي الضحى كل يوم تصلي ركعتي الضحى، على ذلك في السنة كم ركعة! أكثر من سبعمائة ركعة، فالقليل مع القليل يكون كثير.

الفائدة الثالثة: هي الفائدة التي دل عليها حديث أبي موسى؛ أنه إذا عرض لك عارض من مرض أو سفر، كتب لك الأجر كاملاً كأنك صليتها، مثلاً من عادتك أنك تصلي التراويح لكن في إحدى ليالي رمضان سافرت ما صليت تلك الليلة، يكتب لك الأجر كاملاً، أما من لم يكن من عادته؛ ليس من عادته، يعني إن نشط صلى وإن ما نشط ما صلى، تارة يأتي بهذا العمل الصالح، تارة لا يأتي به، لا يكتب له الأجر فيما لو مرض أو سافر أو عرض له عارض.

أيضاً هنا الشيخ عبدالرحمن السعدي -رحمه الله- يقول: (أنه يدخل في معنى المرض من فعل العبادة على وجه ناقص، وهو يعجز عن فعلها على الوجه الأكمل، فإن فإن الله يكمل له بنيته ما كان يفعله لو قدر عليه، فإن العجز عن مكملات العبادات نوع مرض). يعني مثلاً شخص من عادته أنه يصلي قائماً، لكنه بسبب عجزه مع تقدم السن أصبح يصلي قاعداً، يكتب له الأجر كاملاً وكأنه صلى قائماً، لأن هذا العجز هو نوع مرض، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: " إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً". رجل من عادته أنه يصوم رمضان، وفي تلك السنة عجز عن صيام رمضان، إما لكبر أو لمرض لا يرجى برؤه، وأطعم عن كل يوم مسكيناً، فهنا يكتب له الأجر كاملاً كأنه صام رمضان، مع أنه لم يصمه، وهذا من رحمة الله -عز وجل- بعباده، وهذا يدل على أولاً أن الإنسان ينبغي أن يحرص على المحافظة على الفرائض، وعلى أن يكون له نوافل يحافظ ويداوم عليها، يعني كل واحد منا ينبغي أن يجعل له نوافل، نوافل من صلوات، نوافل من صدقات، نوافل من صيام، نوافل من أذكار، يحافظ عليها، أهم شيء المحافظة عليها، لا يجعلها الإنسان يعني على حسب مزاجه، إن وجد نفسه متهيء وتحمس أتى بها وإلا تركها! لا، هذا تفوته هذه الفوائد التي ذكرناها، يلزم نفسه بها، نوافل يحافظ عليها، كل يوم ما يتركها إلا لعارض إما مرض أو سفر أو محو ذلك، فإذا تركها لهذه العوارض كتب له الأجر كاملاً.

* * *

فائدة: من فوائد الذكر

من فوائد الذكر: أنه يورث العبد ذكر الله تعالى له، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾[البقرة: 152]. ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يروي عن ربه -تبارك وتعالى-: "من يذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن يذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم".

الذكر سبق أن تكلمنا عن فضله، وذكرنا مقولة أبي العباس ابن تيمية -رحمه الله-، وأن كثيراً من أهل العلم أعدُّوه أفضل الأعمال، لما سئل عن أفضل الأعمال قال: إن هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، لكن مما هو كالمجمع عليه بين العلماء؛ أن ملازمة ذكر الله -عز وجل- أنها من أفضل الأعمال، وهو مع كونه من أفضل الأعمال هو من أيسرها وأسهلها، وقد ذكر ابن القيم له أكثر من مئة فائدة في كتابه القيم، من يعرف اسم هذا الكتاب؟ الوابل الصيب، أنصح بقراءته، كتاب عظيم (الوابل الصيب من الكلم الطيب) للإمام ابن القيم، ذكر أن فيه أكثر من مئة فائدة، ومن هذه الفوائد هذه الفائدة التي ذكرها -رحمه الله-، وهو أن ذكر الله -عز وجل- يورث ذكر الله -تعالى- للعبد، كما قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، الله تعالى -منزه- عن النسيان، لكن المقصود بهذا الذكر أنه مزيد خاصية وشرف وفضل للذاكر عند ربه -عز وجل-، وإلا الله -تعالى- مطلع عليه، الله -تعالى- لا ينسى، فهو منزه عن ذلك كله، لكنها مزيد خاصية شرف وفضل للإنسان في أن الله -تعالى- يذكره، فإن الله -تعالى- يذكره -جل وعلا- ذكراً على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، يعني كونك أنت أيها الإنسان الضعيف الفقير المسكين، يذكرك الله -تعالى- خالق هذا الكون كله، من فوق سبع سماوات، لو لم يكن من فائدة للذكر إلا هذه الفائدة لكفى، فكيف وللذكر فوائد عظيمة!، والذكر هو أيضاً من أسباب نيل محبة الله -عز وجل-، ومن أسباب حصول رقة القلوب، ولهذا جاء رجل إلى حسن البصري قال: يا أبا سعيد أجد قسوة في قلبي! أرى الناس يبكون وما أستطيع أبكي! عندي قسوة في القلب مالعلاج؟! فقال له الحسن -رحمه الله-: (أذب قسوة قلبك بكثرة ذكر الله). وهذا جواب عظيم، لأن قسوة القلب إنما تكون عندما يتعلق الإنسان بالمادة وبالدنيا يقسو القلب، لكن عندما يكثر من ذكر الله ويتعلق بالله -عز وجل- هذه القسوة تبدأ تقل شيئاً فشيئاً إلى أن تذهب، ويرق القلب، وتحصل له طمأنينة، ولهذا تجد هذا من نفسك في الأوقات التي تكثر منك فيها النوافل؛ مثل مثلاً العشر الأواخر من رمضان وغيرها تحس بهذا، تحس بنوع من الخشوع ورقة القلب ونحو ذلك، بسبب أنك أكثرت من العبادة ومن ذكر الله -عز وجل-، فإذاً أعظم ما يكون من العلاج لقسوة القلب الإكثار من ذكر الله -عز وجل-، أكثِر ذكر الله -سبحانه وتعالى- تزول قسوة قلبك، وتجد الخشوع وتجد الطمأنينة، وتجد حلاوة الإيمان، وتجد أيضاً فوائد عظيمة لا تخطر على البال للذكر، ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت". ولما جاءه رجل وقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فمرني بشيء أتشبث به؟ قال: "لا يزال لسانك رطباً بذكر الله عز وجل". فينبغي أن يحرص المسلم على الإكثار من الذكر، وبخاصة أذكار الصباح والمساء يحرص عليها لأن الله -تعالى- أكد عليها، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39]، قبل طلوع الشمس يشمل صلاة الفجر وأذكار الصباح، وقبل الغروب صلاة العصر وأذكار المساء، فينبغي أن يحرص عليها؛ على أذكار الصباح والمساء على وجه الخصوص.

 

* * *

فائدة : النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا

عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عاد رجلاً من المسلمين، وقد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟" فقال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا)، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "سبحان الله! لا تطيقه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". قال: فدعا الله له فشفاه.

وفي هذا الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا، ومن ذلك قول بعض العامة: (يا الله عذاب الدنيا ولا عذاب الآخرة).

نعم في هذه القصة عاد النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً من أصحابه، وقد مرض مرضاً وخفت بحيث أصبح مثل الفرخ، يعني من ضعفه وهزاله، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "هل كنت تدعو بشيء؟" قال: نعم، كنت أقول: (اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجل  لي به في الدنيا)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- متعجباً: "سبحان الله!" كيف يعني تدعو بهذا الدعاء "لا تطيقه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- عذره بجهله فدعا الله له فشفاه، وهذا فيه النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا، ومن ذلك قول بعض العامة: (يا الله عذاب الدنيا ولا عذاب الآخرة)، هذه مقولة منكرة، إذا قلت يا الله عذاب الدنيا ولا عذاب الآخرة، معنى ذلك تدعو أن الله -تعالى- يجعل لك العذاب في الدنيا، فيحصل مثل ما حصل لهذا الرجل، وإنما المشروع أن يقول: (اللهم آتني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقني عذاب النار)، هذا هو المشروع، فتسأل الله خيري الدنيا والآخرة، ومن ذلك أيضاً أن يتمنى الإنسان لقاء العدو، هذا قد ورد النهي عنه، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية". لأن الإنسان قد لا يثبت، قد يجبن قد يفر، ومن ذلك أن يتمنى الإنسان أنواعاً من البلاء، يقول لو حصل لي البلاء فأنا سأصبر وسكذا..، والسلامة لا يعدلها شيء، لا تدري قد تصبر وقد تفتتن في دينك، فالسلامة لا يعدلها شيء، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "إذا سمعتم بالدجال" أو قال: "من سمع بالدجال فلينأى عنه" [رواه مسلم]. "من سمع بالدجال فلينأى" يعني ليبتعد عنه، ولا يقول أنا عندي إيمان، وأنا أعرف أنه المسيح الدجال، وأنه كذاب، وأنا لن أُفتتن، ما تدري! قد تفتتن!، ولذلك فالمطلوب من المسلم أن يبتعد عنه مواطن الفتن، كما أن المطلوب منه أن يبتعد عن المسيح الدجال، أيضاً مطلوب منه أن يبتعد عن مواطن الفتن، كم من إنسان كان مستقيماً صالحاً، ودخل في موقع يناقش شبهات، ثم وقعت في قلبه هذه الشبهات وانحرف وضل، هو دخل وفي باله أنه إنسان عنده حصانة وعنده علم وعنده تقوى وأنه لن يتأثر، لكن الواقع أنه تأثر، رأيتم ورأينا أناس كثير من هذا النوع، إنسان مستقيم ثم سمعت بأن فلان انحرف، إما بلوثة يعني في أمور متعلقة بالعقيدة والمنهج أو نحو ذلك، من أسباب ذلك هو هذا؛ أن الإنسان يأتي مغتراً ويدخل مواطن الفتن، فتقع الشبه في قلبه، ويصعب خلاصها منه، أو أيضاً يقع في فتنة شهوة، يقول أنا عندي حصانة، وعندي قوة إيمان، وعندي كذا ولن أُفتن، ثم إذا به يُفتتن، ولهذا فالمطلوب من المسلم أن يبتعد عن مواطن الفتن، مواطن فتن الشبهات وفتن الشهوات، سواء كان ذلك في الدخول في المواقع عبر الإنترنت، أو كان ذلك عبر المجالسة أيضاً، فإذا وجدت أيضاً شخصاً أو أشخاصاً عنده لوثة في فكره ومنهجه؛ فابتعد عنه، لا تجالسه، لأنك إذا جالسته قد يؤثر عليك فيسحبك ويجرك، وهكذا أيضاً لو خشيت على أن يفتتنك من جهة الشهوات، فهذه قاعدة عظيمة للمسلم، أنه يبتعد عن مواطن الفتن، وأنه يسأل الله دائماً السلامة والعافية، ويسأل الله خيري الدنيا والآخرة، ولا يتمنى لقاء العدو، ولا يدعو بتعجيل العقوبة له في الدنيا، هذه ينبغي أن يجعلها المسلم مبادئ له في الحياة يسير عليها، لأنه بإذن الله -تعالى- تحصنه من هذه الشرور والفتن.

 

* * *

فائدة : مستقر أرواح المؤمنين والشهداء

أرواح المؤمنين بعد مماتهم تكون في الجنة على شكل طائر تسرح فيها حيث شاءت، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه". وهذا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح فيها، وترى ما فيها من النضرة، وما أعده الله لها من الكرامة، وأما أرواح الشهداء فتكون في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين.

 نعم؛ الإنسان إذا مات فإنه بعد دفنه في قبره، تعاد له روحه، ويأتيه الملكان ويسألانه؛ من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا النبي الذي بعث فيكم؟، ويسمع قرع نعال المشيعين للجنازة، وأنه ليسمع قرع نعالهم، ثم بعد ذلك الروح تصعد، إن كان من أهل الجنة صعدت الروح للجنة، وكانت كما ورد في هذا الحديث، تكون على شكل طائر يسرح في الجنة، "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" [رواه أحمد بسند صحيح]. قوله "حتى يرجعه الله إلى جسده" دليل على أن الروح انفصلت عن الجسد وصعدت، وأما إذا كان من أهل النار فإنها تكون في سجين تُعذَّب، وقد دلت الأدلة الصحيحة المتواترة على إثبات نعيم القبر وعذابه، قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: (إن قول الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: 169،170]، قال: إن هذا ليس خاصاً بالشهداء وإنما يشمل جميع أرواح المؤمنين، فهم أحياء عند ربهم يرزقون، ويكونون على شكل طائر، لكن الله -تعالى- ذكر ذلك في الشهداء لأن بعض النفوس تجزع لقتلهم، وإلا هذا ليس خاصاً بالشهداء وإنما يشمل جميع أرواح المؤمنين، وإن كان الشهداء لهم مزية، ولهذا قال هنا ابن كثير قال: إن أرواح الشهداء تكون في حواصل طير خضر، بينما أرواح المؤمنين تكون في حواصل طير، فأرواح الشهداء بالنسبة لأرواح المؤمنين كالكواكب بالنسبة لبقية أرواح المؤمنين، هذه المسائل أيها الإخوة إنما تعلم عن طريق الوحي، العقل البشري ليس له مجال للإجتهاد فيها، هذا فيما يتعلق بالروح، أما البدن ما مصير بدن الإنسان؟ يبلى، كما قال -عليه الصلاة والسلام- كما في صحيح مسلم وغيره، أنه يبلى جسد ابن آدام فلا يبقى منه إلا عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة، الجسد أول ما يوضع في القبر ينتفخ البطن، ثم بعد ذلك تأتيه الديدان وتنهشه، تنهش اللحم ولا يبقى إلا العظام، ثم بعد ذلك تبلى العظام، ولا يبقى من جسده إلا عجب الذنب، ما هو عجب الذنب؟ العصعص؛ آخر العمود الفقري، وهو صغير جداً لا يرى بالعين المجردة، ومنه يركب الخلق يوم القيامة، إلا الأنبياء ومن شاء الله من الصديقين والشهداء فلا تأكل الأرض أجسادهم، وبذلك يُعلم أن زيارة القبور الغرض الأساسي منها ما هو؟ الاعتبار والاتعاض، زوروا القبور .. لماذا؟ فإنها تذكر الآخرة، أما ما يفعله بعض الناس من أنهم يذهبون إلى قبور أقاربهم، اعتقاداً منهم بأن هذا أُنس وبر وصلة هذا غير صحيح، إذا كان سيذهب لأجل اعتبار ويدعو لقريبه وبقية من في المقبرة وأموات المسلمين؛ هذا مشروع وسنَّة، أما إذا كان قصده البر بهذا الميت فهذا غير صحيح، الميت أصلاً روحه صعدت، الميت ليس موجود الآن في هذه الحفرة، روحه صعدت الآن، كما هنا في هذا الحديث: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه"، فهو الآن لا يدري عنك، وأما ما روي من حديث أن الميت إذا زاره الإنسان أنه يرد عليه السلام و.. هذا حديث ضعيف لا يصح، لا يصح من جهة الصناعة الحديثية، نجد بعض العامة عندهم غلو في هذه المسألة، بل أخبرني أحد الإخوة بأن شخصاً يزور قبر أبيه يومياً، يعتقد أن هذا من البر به، لو جعل هذا الجهد في الدعاء له لكان أنفع، الدعاء له بالإجماع "أو ولد صالح يدعو له"، العمرة، الحج، الصدقة، الوقف، هذه تنفعه، بالنص والإجماع، أما تردده كل يوم فيعتقد أن هذا من البر به؛ فهذا ليس عليه دليل، هذه مسألة تحتاج إلى دليل، أما ما روي أن الأرواح تتقابل كلها ضعيفة لا يثبت في هذا شيء، لا يثبت في هذا شيء، الإنسان الميت مشغول بنفسه، وأن الأموات يعلمون عن الأحياء هذا كله غير صحيح، ولذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- أعظم البشر يقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، الأموات لا يدرون عن أعمال الأحياء، هذه أمور ليس في العقل البشري فيها مجال للإجتهاد، تُعلم عن طريق الوحي، وما روي في ذلك أن الأموات يعلمون بالأحياء، وأن الأرواح تتقابل، أو أن الميت ترد عليه روحه، كل ذلك ضعيف لا يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا يُرشد الناس يقال زيارة القبور مشروعة للرجال، لكن بقصد الإعتبار وأيضاً الدعاء، أما أنك تعتقد أن هذا من البر بقريبك الميت هذا لا دليل عليه، بر به بالدعاء له، بالصدقة عنه، بالعمرة، بالحج، بالوقف، بإكرام صديقه، هذه هي الأمور التي تنفع الميت.

نحن قلنا إذاً الجسد يبلى، ما يبقى منه إلا عجب الذنب، الأنبياء بالإجماع وبالنص أيضاً أن أجسادهم تبقى، الصديقون والشهداء ليسوا جميعهم، بعضهم تبلى أجسادهم وبعضهم تبقى، حسب ما تقتضيه حكمة الله -عز وجل-، لو مثلاً وُجد أن الأرض أكلت هذا الإنسان الذي قُتل في سبيل الله؛ ليس دليل على أنه ليس شهيداً، فإذاً الذي ورد فيه النص والإجماع إنما هم أجساد الأنبياء فقط، لكن هناك بعض الصديقين والشهداء لا تأكل الأرض أجسادهم.

 

* * *

فائدة : في كل ليلة ساعة إجابة

عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- قال: (سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة").

نعم، هذا الحديث حديث عظيم، أخرجه مسلم في صحيحه، يخبر فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن في الليلة ساعة اجابة، بأن في الليل ساعة إجابة، لا يوافقها مسلم يدعو الله شيئاً من خيري الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، مثل ساعة الإجابة يوم الجمعة، لكن المقصود بالساعة هنا ليست الساعة المعروفة التي هي ستون دقيقة، وإنما المقصود لحظات يُستجاب فيها الدعاء، في كل ليلة، في كل ليلة لحظات تستجاب فيها الدعاء، وأرجى أوقات الليل موافقة لهذه الساعة آخر الليل، يعني قُبيل أذان الفجر، قُبيل أذان الفجر بلحظات هذه احرص عليها، احرص على الدعاء فيها، هذه أرجى ما تكون موافقة لساعة الإجابة، يعني كذا قال بعض أهل العلم، يقولون إن أرجى ذلك هو آخر الليل قُبيل أذان الفجر، وهذا يدل على أنه يشرع للمسلم أن يكثر من الدعاء في الليل رجاء موافقة هذه الساعة، وبخاصة في آخر الليل، في آخر الليل وإذا اجتمع أن يكون ذلك في السجود في الثلث الأخير من الليل، ووافق ذلك ساعة الإجابة، كان حريَّاً بأن يستجاب الدعاء، كان حريَّاً بأن يستجاب دعاء المسلم، وهنا قوله: "يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة"، فيه إشارة إلا أنه ينبغي أن يسأل المسلم ربه خيري الدنيا والآخرة، فيجمع بين خيري الدنيا والآخرة، أما الآخرة فالجنة التي هي أعظم النعيم، وأما الدنيا يسأل الله -تعالى- أيضاً أن يؤتيه في الدنيا حسنة، والحسنة تعني السعادة، أن يعيش سعيداً في هذه الدنيا، ولهذا أثنى الله -تعالى- على من دعا فقال: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]، إذا جمع بين خيري الدنيا والآخرة فهذا أفضل، فهناك من يدعو بأمور الدنيا فقط، وهناك من يدعو بأمور الآخرة فقط، وهناك من يجمع بين خيري الدنيا والآخرة، أما من يدعو بأمور الدنيا فقط فهؤلاء قد ذمهم الله -تعالى- فقال فمنهم: ﴿مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ[البقرة: 200]، كان هناك بعض الأعراب في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- يدعون بأمور الدنيا فقط، يقول اللهم اجعل هذا العام عام خصب وعام مطر وعام كذا..، فذمهم الله -تعالى-، أما من يدعو بأمور الآخرة فقط فهذا طيب لكن الأكمل والأحسن منه أن يدعو بخيري الدنيا والآخرة، ولهذا أثنى الله -تعالى- على من دعا بذلك: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]، فيدعو الله -تعالى- بخيري الدنيا والآخرة، والدعا بخير الدنيا ليس فيه منافاة مع الزهد في الدنيا، لأن حصول الخير للإنسان في الدنيا يعينه على طاعة الله -عز وجل-، إذا دعا الله -تعالى- مثلاً بأن يبارك له في وقته وفي صحته وفي ماله وفي ولده؛ إذا بارك الله له في هذه الأشياء عانه ذلك على طاعة الله -عز وجل-، الإنسان مثلاً إذا كان مبتلى بالأمراض والأسقام هذه قد تعيقه عن كثير من أمور الطاعة، فإذا دعا الله -تعالى- بأن يبارك له في سمعه وبصره وصحته مثلاً، أو يبارك له في ماله، أو يبارك له في وقته، يعني هذه مما يعينه على القيام بطاعة الله -عز وجل-.

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

* * *