الخثلان
الخثلان
كونوا قوامين بالقسط
7 ربيع الآخر 1440 عدد الزيارات 160

كونوا قوامين بالقسط

 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أوجب العدل في كل الأحوال، وحرم الظلم في الدماء والأعراض والحقوق والأموال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كامل الأوصاف وواسع النوال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي فاق البشر في العدل والفضل والإفضال، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه، خير صحب وأشرف آل.

أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ يُطِعِ وَمَن اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70،71].

عباد الله؛ الحديث في هذه الخطبة عن أمر قد تواطئت على حسنه الشرائع الإلهية، والعقول الحكيمة، والفطر السوية، الحديث عن العدل، العدل الذي حبه مستقر في الفطر، فكل نفس تنشرح لمظاهر العدل، لقد دلت الأدلة الشرعية وسنن الله في الأولين والآخرين على أن العدل دعامة بقاء الأمم، وباسط ظلال الأمن، ورافع أبنية العز والمجد، ولا يكون شيء من ذلك بدونه، القسط والعدل هو غاية الرسالات السماوية ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25]، على العدل قامت السماوات والأرض.

عباد الله؛ إن أمة الإسلام هي أمة الحق والعدل نصبها ربها قوامة على الأمم في الدنيا، شاهدة عليهم في الأخرى، خير أمة أخرجت للناس، أمة أمرها ربها بإقامة العدل في كتابه، فقال -عز وجل-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: 58]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: 90].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: 135]، قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: يأمر الله -تعالى- عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط؛ أي بالعدل، فلا يعدل عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، (شهداء لله) كقوله: (وأقيموا الشهادة لله) أي: ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، (ولو على أنفسكم) أي: اشهد بالحق ولو عاد ضرر الشهادة عليك، وإن سُئلت عن الأمر فقل الحق فيه وإن كان مضرته عليك، (أو الوالدين والأقربين) أي: وإن كانت الشهادة على والديك أو على قرابتك فلا تراعيهم فيها، بل إشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد وهو مقدم على كل أحد، وقول الله -تعالى-: (إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما) أي: لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما.

سبحان الله؛ منهج إسلامي قويم، أمر بالعدل حتى مع النفس ومع الوالدين والقرابة والأغنياء والفقراء، لا تتدخل العواطف في أن تحرف ميزان العدل، فلا تحيف مع الغني لكونه غنياً تتقرب إليه بذلك، ولا تحيف مع الفقير لكونه فقيراً رحمةً وشفقةً به، فالله -تعالى- أولى بهما منك ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾.

عباد الله؛ ولا عدل ولا أتمَّ ولا أصدق ولا أوفى من عدل شريعة الله -عز وجل-، فهي مبنية على المصالح بعيدة عن أهواء الناس وعوائد الضلال ﴿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشورى: 15]. إن الإسلام صدق كله وعدل كله، صدق وحكمة وعدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: 115].

عباد الله؛ إن من يحرص على العدل، ويتحرى العدل في أقواله وفي أفعاله وفي حكمه وفي تصرفاته فليس بصاحب هوى، بل هو مقسط منصف يحرص على العدل ويتحرى العدل ويحب العدل، فإنه بذلك يكون من المقسطين الذين أخبر الله -تعالى- بأنه يحبهم، أخبر الله -تعالى- في القرآن العظيم في ثلاثة مواضع منه أنه يحب المقسطين، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ووردت هذه في سورة المائدة وفي سورة الحجرات وفي سورة الممتحنة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وتكرر الإشادة بالمقسطين وأن الله يحبهم دليل على عظيم شأن العدل وتحريه والحرص عليه، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذي يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا" [رواه مسلم]. العدل مطلوب في كل شيء ومع كل أحد حتى مع الأعداء، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ [المائدة: 8]، (لا يجرمنكم) أي: لا يحملنكم، (شنآن قوم) أي: بغض قوم، (على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).

بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- عبدالله بن رواحه إلى خيبر ليخرص على اليهود الثمار والزروع ويضمنهم ما للمسلمين فيها، فأراد اليهود أن يعطوه رشوة فأبى وقال لهم: لقد جئتكم من أحب الناس إلي -يعني رسول الله صلى الله عليه سلم- ولأنتم أبغض الناس إلي ولكن لا يحملني بغضي لكم وحبي إياه على ألا أعدل فيكم، فقال اليهود: على هذا قامت السماوات والأرض.

عباد الله؛ ومن أبرز مجالات العدل: العدل في الكلمة، فعلى المسلم أن يتحرى العدل في كلامه، وأن يكون منصفاً متجرداً بعيداً عن الهوى والتعصب، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ [الأنعام: 152]، إن بعض الناس عندما يتكلم يجور في كلامه، ويكون بعيداً عن العدل والإنصاف إما لرغبة أو لرهبة أو لحمية أو عصبية أو عنصرية أو غير ذلك.

ومن مجالات العدل: العدل في القضاء وفي الحكم بين الناس، فعلى القاضي أن يتحرى العدل في كل شيء حتى في لحظه ولفظه، ووجهه ومجلسه، حتى لا يطمع شريف في حيفه، ولا ييأس ضعيف من عدله، لا يميل مع هوى ولا يتأثر بود ولا ينفعل مع بغض، لا تتبدل التعاملات عنده مجارات لصهر أو نسب ولا لقوة أو ضعف، يحكم بالعدل وبالقسط، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار".

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الولي الحميد، المبدئ المعيد، الفعَّال لما يريد، الذي تفرَّد بكل كمال وجلال وجمال فهو الغني الحميد، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله؛ ومن مجالات العدل: العدل من الوالد من أب أو أم بين أولاده، من بنين وبنات، فمطلوب من الوالدين العدل مع أولادهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم". فلا يجوز للوالد أن يخص أحد أولاده بعطية محضة دون بقية إخوته، وعطية الوالد لولده تنقسم إلى قسمين:

  • عطية محضة؛ فهذه يجب فيها التسوية بين الذكور وأن تعطى الأنثى نصف ما يعطى الذكر، كأن يهب كل واحد منهم عشرة آلاف ريال، فهنا يجب التسوية بين الذكور، وتعطى الإنثى النصف أي خمسة آلاف.
  • والقسم الثاني: عطية حاجة؛ فالعدل فيها أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه بقدر حاجته، فحاجة الذكر تختلف عن حاجة الأنثى، وحاجة الصغير تختلف عن حاجة الكبير.

كما ينبغي العدل في المحبة بين الأولاد، لأن إظهار تخصيص بعض الأولاد على بعض في المحبة يورث الكراهية والحقد على والدهم وعلى أخيهم، كما حصل من أخوة يوسف لما فضَّل يعقوب ابنه يوسف وأخاه بنيامين عليهما في المحبة، وصفوا أباهم بالضلال المبين ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ[يوسف: 8]، ثم همُّوا بأمر فضيع أن يفعلوه ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾، ثم تدرجوا إلى ما هو أقل منه ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾، وحصل منهم ما حصل مما قصه الله -تعالى- علينا في سورة يوسف، وكل ذلك بسبب تفضيل أبيهم ليوسف وأخيه عليهم في المحبة فتسبب ذلك فيما حصل، وفي هذا عبرة عظيمة للآباء والأمهات في أن يعدلوا بين أولادهم، وألا يظهروا محبة بعضهم على بعض، لأن هذا يورث الكراهية لوالدهم ولأخوانهم المفضلين.

والعدل بين الزوجات مطلوب، ومن كانت له زوجتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل، والعدل المطلوب هو العدل في النفقة وفي الكسوة والمبيت، وإن من الناس من يكون عنده أكثر من زوجة ويهمل إحدى زوجتيه أو بعض زوجاته، فتكون كالمعلَّقة لا هي بالزوجة التي تعطى حقوقها ولا هي بالمطلقة، لا يتعاهدها بنفقة ولا مبيت، وهذا قد جار ولم يعدل بين نسائه وهو بهذا ظالم لهذه الزوجة، والظلم عاقبته وخيمة وربما يسلَّط عليه ألوان من البلاء والعقوبات بسبب ظلم تلك المرأة الضعيفة.

ومن مجالات العدل: أن يعدل المدير بين موظفيه فلا يحابي بعض الموظفين على بعض، وإنما يضع قواعد عامة تسري على الجميع، ويتعامل معهم بمقتضى تلك القواعد، لا يشدد على موظفين ويحابي موظفين آخرين، هذا موظف يتأخر في الدوام وكثير الخروج من عمله ولا يحاسب، بينما ذلك موظف ضعيف يؤخذ بأدنى تقصير!، فهذا ليس من العدل وهذا من أسباب عدم استقرار العمل في تلك الدائرة، ولو أن ذلك المدير أو المسؤول عدل بين موظفيه لاستقر أمر العمل وارتفع مستوى الإنتاجية، وأحبه الموظفون وأحبهم، وعملوا بروح الفريق الواحد بسبب شيوع العدل في تلك المنشأة وتلك الدائرة.

ومن مجالات العدل: العدل من المدرِّس بين طلابه، فيجب عليه أن يعدل بينهم فلا يحابي شريفاً لشرفه، ولا يحابي ضعيفاً أو فقيراً لفقره، فإن الله -تعالى- أولى بهما منه ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾، وإنما يتعامل معهما بمقتضى العدل سواء في أثناء التدريس، أو كذلك عند التصحيح، أو في غير ذلك من المجالات يتعامل معهم بمقتضى العدل، والعدل يشمل جميع مجالات الحياة، وعلى العدل قامت السماوات والأرض.

 

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 65]، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم وارضَ اللهم عن صحابته أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يارب العالمين.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم هيئ لأمة الإسلام أمراً رشدا يعز فيه أهل طاعتك ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وترفع فيه أعلام السنة وتقمع فيه البدعة، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الحق وتعينه عليه، يا حي يا قيوم، ياذا الجلال والاكرام.

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

* * *