الخثلان
الخثلان
من الفائدة 234
21 ربيع الأول 1440 عدد الزيارات 45

لطائف الفوائد / من الفائدة 234

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا.

هذا هو الدرس الثالث عشر والأخير في هذا الفصل الدراسي من هذا العام الهجري، في هذا اليوم الأثنين الثامن عشر من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، ونبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (234) في حكم مدح الرجل في وجهه:

 

فائدة: حكم مدح الرجل في وجهه

عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدحة، فقال: "أهلكتم -أو قطعتم- ظهر الرجل".

قال النووي -رحمه الله-: (يكره المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة، إلا إن كان الممدوح عنده كمال إيمان ويقين، ورياضة نفس، ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن، ولا يغتر بذلك، ولا تلعب به نفسه، فليس بحرام ولا مكروه، أما إن خيف عليه شيء من هذه الأمور، كره مدحه في وجهه كراهة شديدة).

نعم، في هذا الحديث يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سمع رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدحة، يعني يبالغ في مدحه، قال: "أهلكتم -أو قطعتم- ظهر الرجل". وذلك لأن مدح الإنسان في وجهه خاصة إذا كان فيه مبالغة في الإطراء من أسباب حصول العجب، وأن الإنسان يعجب بنفسه، ومن أسباب حصول الغرور، فيؤدي هذا إلى هذه؛ أن يتخلق هذا الإنسان بتلك الأخلاق السيئة، من العجب والغرور والكبر والإعتداد بالنفس ونحو ذلك، وهذه الأخلاق السيئة لها أثرها السيء على ذلك الإنسان في عبادته لربه وفي تعامله للآخرين، وجاء في إحدى روايات مسلم في هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أهلكتم -أو قطعتم- ظهر الرجل إن كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلاناً والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا، إن كان يعلم ذلك كذا كذا".

ولهذا فينبغي عندما يمدح إنسان آخر أن يقول هذه العبارة أو هذه الجملة؛ أن يقول (أحسب فلانا كذا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً)، هذه العبارة ربما تخرجه من الحرج، بأنه يحسبه كذا وكذا ولابد أن يكون صادقاً في حسبانه، يكون صادق في حسبانه بأنه كذا وكذا، وجاء في صحيح مسلم عن همام بن الحارث أن رجلاً جعل يمدح عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فعمد المقداد ابن الأسود فجثى على ركبتيه، وكان ضخماً، وجعل يحثو في وجهه الحصباء فقال له عثمان: ما شأنك؟ قال المقداد: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب"، فحمل المقداد هذا الحديث على ظاهره، وجعل يحثو في وجه ذلك المداح التراب، وهذا قول لبعض أهل العلم أن هذا الحديث يحمل على ظاهره، وأن المداح ينبغي أن يحثى في وجهه التراب حقيقةً، وقال بعض أهل العلم: أن المراد بقوله (احثوا في وجوه المداحين التراب) أي: خيبوهم فلا تعطوهم شيئاً لمدحهم، وهذا هو الأظهر في معنى الحديث، وإن كان المعنى الأول محتملاً، وحمله عليه المقداد -رضي الله عنه-، وهذه الأحاديث فيها النهي عن المدح والإطراء في الوجه، لكن في المقابل جاءت أحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أنه مدح بعض الصحابة في وجوههم، فمدح أبا بكر -رضي الله عنه- عدة مرات، ومن ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر أبواب الجنة؛ إن كان من أهل الصدقة يدعى من باب الصدقة، وإن كان من باب الجهاد يدعى من باب الجهاد، وإن كان من باب الصيام يدعى من باب الريان، ذكر عدة أبواب، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هل على الإنسان من ضرورة أن يدخل من تلك الأبواب كلها؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا وأرجو أن تكون منهم"، وأرجو أن تكون منهم، وهذا مدح له، وقال لعمر -رض الله عنه-: "ما رآك الشيطان سالكاً فجَّاً إلا سلك فجَّاً غير فجك"، وقال عن عثمان: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"، وقال لعلي: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي"، وقال عن أبي عبيدة: "إن لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة"، إلى غير ذلك من الأحاديث التي فيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يمدح بعض أصحابه، فكيف نجمع بين هذه الأحاديث؛ الأحاديث التي فيها ذم المدح والإطراء في الوجه وبين الأحاديث التي فيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مدح بعض أصحابه؟

هنا النووي -رحمه الله- ذكر الجمع بين هذه الأحاديث فقال: (يكره المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة) لمن خيف عليه مفسدة: يعني كالعجب والغرور ونحو ذلك، (إلا إن كان الممدوح عنده كمال إيمان ويقين، ورياضة نفس، ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن، ولا يغتر بذلك، ولا تلعب به نفسه، فليس بحرام ولا مكروه، أما إن خيف عليه شيء من هذه الأمور، كره مدحه في وجهه كراهة شديدة)، فإن كان مثلاً هذا الممدوح إنسان معروف بالعلم والتقوى والورع، ولا يخشى عليه أصلاً، وعنده أن مادحه وذامه سواء، لا يخشى عليه من العجب بالمدح، هنا لا بأس بمدحه، وكما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع بعض أصحابه، أما إذا كان الممدوح يخشى عليه من العجب ومن الغرور ونحو ذلك، فهذا يكره كراهةً شديدة، ومما يدخل في المدح التشجيع؛ يعني المدح الذي على سبيل التشجيع لمن لا يخشى عليه العجب ولا الغرور، هذا من الأمور الحسنة، كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يشجع أصحابه، كان يشجع أصحابه ويضفي عليهم الألقاب الحسنة، فهذا لا يضر لكن بشرط ألا يخشى على الممدوح العجب ولا الغرور، وأن يكون المادح صادقاً في مدحه، هذا أيضاً قيد آخر؛ أن يكون المادح صادقاً في مدحه، ويكون الممدوح ممن يستحق ذلك المدح، أما إذا كان الممدوح فاجراً فقد ورد النهي عن مدحه، كما جاء في حديث بريدة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم عز وجل" [رواه أبو داوود وأحمد وهو حديث صحيح بمجموع طرقه]، وعلى ذلك فالذين يعني يمدحون ويكيلون الإطراء والمدح لأهل الفجور والفسق هؤلاء وقعوا في المخالفة الشرعية، وهذا مخالف لما أوصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- من أنه لا يمدح هؤلاء، لا يجوز أن يمدح هؤلاء ما داموا مجاهرين بفسقهم وفجورهم، "لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم عز وجل".

* * *

فائدة: كيفية اكتساب خلق الصبر

الصبر مدرسة عظيمة للمسلم، يحتاج إليه في مكابدة مصاعب الحياة، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. وحتى تكتسب النفس هذا الخلق العظيم، لابد من تمرينها وتدريبها عليه، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: "ما أعطي أحد عطاءً خيراً ولا أوسع من الصبر".

نعم، خلق الصبر خلقٌ عظيم، تكرر في القرآن الكريم في أكثر من تسعين موضعاً، وهو مدرسة عظيمة للمسلم يحتاج إليه في مكابدة مصاعب ومتاعب هذه الحياة الدنيا، فإن الإنسان خلق في كبد، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، ولا يمكن أن تصفو له الحياة، لا يمكن!، ولذلك هو بحاجة إلى الصبر، وهذا الحديث الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما أعطي أحد عطاءً خيراً ولا أوسع من الصبر"، جاء في قصة رواها مسلم في صحيحه عن أبي سعيد -رضي الله عنه-؛ أن أناساً من الأنصار سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفذ ما عنده، فقال: "ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم" ونصحهم؛ قال: "ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغني يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً ولا أوسع من الصبر".

الصبر معناه في اللغة: الحبس، فهذه المادة؛ الصاد والباء والراء تدور حول معنى الحبس، وعناه شرعاً: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن الأفعال المحرمة، هذه حقيقة الصبر، إذا قيل إنسان صابر أو صبور معنى ذلك أنه حبس نفسه عن أن تجزع، ولسانه عن التشكي والتسخط، وحبس جوارحه عن الأفعال المحرمة، فيكون بهذا صبوراً، والصبر مرتبط بكثير من مكارم الأخلاق، فإن كان الصبر عن شهوة الفرج سمي ماذا؟ عفَّة، ما هي العفة؟ العفة هي الصبر عن شهوة الفرج المحرمة طبعاً، إن كان الصبر عن شهوة الفرج المحرمة سمي عفة، وإن كان الصبر عن فضول العيش سمي زهداً، وضده الحرص، وإن كان الصبر عن إظهار ما لا يحسن إظهاره من الكلام سمي كتمان سر، وإن كان الصبر عن إجابة داعي الغضب سمي حلماً، وإن كان الصبر عن داع العجلة سمي وقاراً وثباتاً، وإن كان الصبر عن داع الهرب والفرار سمي شجاعة، وضده الجبن، وإن كان الصبر عن داع الإنتقام سمي عفواً وصفحاً، وإن كان الصبر عن الإمساك والبخل سمي كرماً وجوداً، وإن كان الصبر عن العجل والكسل سمي كيساً، فالصبر إذاً مرتبطٌ بمكارم الأخلاق، فعلى الإنسان أن يدرب نفسه على الصبر، وأن يكون صبوراً، صبوراً على طاعة الله، وصبوراً عن معصية الله، وصبوراً على أقدار الله المؤلمة التي يقدرها على العبد، وهذه أقسام الصبر الثلاثة، يصبر نفسه على طاعة الله؛ فمثلاً صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد تحتاج إلى صبر، كون الإنسان ينهض من فراشه ويقوم ويصلي مع الجماعة في المسجد ويترك لذة النوم والراحة، هذا يحتاج إلى صبر، الصبر عن المعاصي، الصبر عن النظر المحرم مثلاً، أو عن الكلام المحرم، يحتاج إلى صبر، كذلك الصبر على ما يقدره الله -تعالى- على العبد من المصائب، وهذا واجب، واجب على الإنسان أن يصبر، وأما الرضا فإنه مستحب، الرضا ليس واجباً على القول الراجح وإنما هو مستحب، لكن الصبر واجب، وضد الصبر الجزع، تجد بعض الناس عنده جزع، ما إن تأته أدنى مصيبة إلا وهو جزوع، يتسخط ويتبرم ويتشكى ويعترض على القضاء والقدر ويسب ويشتم، هذا جزع! هذا هو الجزع، الواجب هو الصبر، أن الإنسان يصبر ويصبر نفسه، وبعض الناس يصبر نفسه في أمور الدنيا ولا أصبر منه، لكن في أمور الآخرة وفي أمور الطاعة تجد عنده جزعاً وضعفاً، ولذلك تجد دائماً أنه يبحث عن الرخص، فالصبر إذاً مدرسة للمسلم، على المسلم أن يدرب نفسه على الصبر، والله -تعالى- يقول: ﴿وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]، الله -تعالى- يحب العبد إذا كان صابراً، ويكون معه معيَّةً خاصة بالتأييد والنصرة.

* * *

فائدة: من ثمار الدعاء للأخ المسلم بظهر الغيب

تأمل هذا الحديث العظيم! عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا وعلى رأسه ملك يقول: آمين ولك بمثل". ولاشك أن دعاء تؤمن عليه الملائكة حري بالإجابة، وقد يكون دعاؤك لغيرك سبباً لإجابة دعائك لنفسك.

نعم، الدعاء للمسلم بظهر الغيب من أسباب إجابة الدعاء للإنسان نفسه ولأخيه المسلم، ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في هذا الحديث العظيم: "ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا وعلى رأسه ملك يقول: آمين ولك بمثل"، فالملك يؤمِّن على دعاء المسلم لأخيه، ولاشك أن دعاء تؤمن عليه الملائكة حري بالإجابة، ودعاء المسلم لإخوانه المسلمين على قسمين: دعاءٌ عام؛ كأن يقول اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات مثلاً. ودعاءٌ خاص؛ بأن يسمي أناساً بأشخاصهم ويدعو لهم.

قال الإمام أحمد لابن الشافعي: (ستة أدعو لهم عند السحر منهم أبوك)، فينبغي أن يدعو المسلم على هذين الضربين؛ يدعو للمسلمين دعاءً عاماً، ويخص أناساً من أحبابه يسميهم بأسمائهم، ويدعو لهم بالمغفرة وبالرحمة وبما يحب أن يدعا له به، فإنه إذا فعل ذلك يقول الملك: (آمين ولك بمثل)، وقد أخبر الله -تعالى- عن الملائكة أنهم يدعون للمؤمنين، وأخبر عن حملة العرش وهم من أعظم الملائكة، قال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: 7]، وأيضاً الملائكة عندما يأتي الإنسان للمسجد ينتظر الصلاة تدعو له الملائكة، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى تقضى الصلاة، وهي تدعو له، فالملائكة تدعو للمؤمنين وتؤمِّن على من دعا لأخوانه المؤمنين، ولذلك ينبغي أن يحرص المسلم على الدعاء لأخوانه المؤمنين، بعض الناس يغفل عن هذه المسألة دائماً يدعو لنفسه يخص نفسه بالدعاء، لكن ينسى الدعاء لأخوانه المؤمنين، فنقول ينبغي أن تدعو لأخوانك المؤمنين لأنك إذا دعوت لهم؛ الملك يؤمن على دعائك، وقد يكون هذا الدعاء سبباً لإجابة دعائك لنفسك، فادع لهم دعاءً عاماً وادع لمن تحب دعاءً خاصاً، وأيضاً من الأدعية التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم الدعاء بإعزاز الدين، وإظهار الدين وإظهار السنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه من المعاني العظيمة، ذكر في ترجمة الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- أنه في بداية دعوته ذهب إلى مكة ووقف عند الملتزم، الملتزم أين هو؟ ما بين باب الكعبة والحجر الأسود، ويقال أن الدعاء في هذا الموضع مستجاب، وقف في ذلك المكان ودعا بأن الله -تعالى- يعز هذا الدين ويظهر التوحيد والسنة في هذه البلاد، وينصر هذه الدعوة التي قام بها، ولعل الله -تعالى- استجاب له فحصل خيرٌ عظيم من دعوة هذا الإمام المجدد -رحمه الله تعالى-.

* * *

فائدة : الإنسان يرى مقعده من الجنة أو النار

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يدخل أحد الجنة، إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً، ولا يدخل النار أحد، إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة".

دلت الأدلة على أن لكل إنسان مقعدين، مقعد في الجنة ومقعد في النار، فإذا دخل أهل الجنة الجنة؛ أُورثوا مقاعد أهل النار، وهذا معنى قول الله -تعالى-: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزمر: 74]، يعني أرض الجنة، فيأخذون مقاعد أهل النار، وأيضاً معنى قول الله -تعالى- ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]، الجنة التي خصصت له، والجنة؛ جنة أيضاً التي كانت لأحد من أهل النار، وأيضاً تكفل الله -تعالى- بأن الجنة والنار أن يملؤهما، "ولكليكما عليَّ ملؤها"، أما النار فإن الله -تعالى- يقول لها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ فتقول ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ [ق: 30]، فيضع الرب -عز وجل- قدمه عليها فينزوي بعضها على بعض حتى تقول: يا ربي قطِ قطِ، يعني: حسبي حسبي، وهذا أمر لا ندرك حقيقته ولا كيفيته، لكن نؤمن بأن ما قاله نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حق، وأما الجنة فإن الله ينشئ خلقاً حتى تمتليء، فوعد الله -عز وجل- بملء الجنة وأيضاً بملء النار، ولكل إنسان مقعد من الجنة ومقعد من النار، فإذا أُدخِل الإنسان الجنة أُري مقعده من النار، يقال انظر هذا مقعدك من النار لو أنك أسأت ليزداد شكراً بنعمة الله عليه، وإذا أُدخل إنسان النار يرى مقعده من الجنة لو أحسن، فيقال لو أنك أحسنت هذا مقعدك من الجنة، فيزداد بذلك حسرات وحسرات، فأهل الجنة ينعمون بنعيم الجنة وينعمون أيضاً بالنجاة من النار، وأهل النار يزدادون حسرات على حسراتهم، حسرات بالعذاب الذي هم فيه وعلى فوات مقعده من الجنة، وجاء في بعض الروايات كما في البخاري وغيره أن هذا يقال للإنسان في قبره، أنه يرى مقعده من الجنة ومقعده من النار وهو في القبر، ولا يمتنع أن يكون ذلك في القبر وبعد دخوله الجنة أيضاً أو بعد دخول أهل النار النار، المقصود أن هذا من الأمور التي يطلع الله -عز وجل- عليه أهل الجنة وأهل النار، أهل الجنة كل واحد يريه مقعده من النار لو أساء، وكل واحد في النار يريه مقعده من الجنة لو أحسن.

 

* * *

فائدة : أنواع التفسير

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (التفسير على أربعة أوجه: تفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله).

نعم؛ أنواع التفسير أربعة، تفسير القرآن على أربعة أنواع:

  • تفسير لا يعذر أحد في فهمه، يعني مثلاً ذكر الجنة، ذكر النار، ذكر الآخرة، ذكر الموت، فبعض الآيات واضحة في معانيها، معنى مثلاً (الحمد لله رب العالمين) هل أحد يعذر في فهمها! معناها واضح وظاهر.
  • القسم الثاني: تفسير تعرفه العرب من كلامها، مثال ذلك؛ قول الله -تعالى-: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: 71،72،73]، فقوله (للمقوين) هذا لا يعرف إلا من كلام العرب، ما معنى كلمة (المقوين) عند العرب وفي لغة العرب؟ مسافرين؛ المقوين: المسافرين، هذه يعني ليس كل أحد يعرف معناها لكن يعرف من كلام العرب.
  • وتفسير يعلمه العلماء: مثال ذلك؛ قول الله -تعالى-: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]، (واردها) يعني وارد جهنم، ما معنى وارد جهنم؟ هذا يعرفه العلماء بما علموا من السنة من أن المقصود بذلك: المرور على الصراط، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- فسَّر الورود بأنه المرور على الصراط، وذلك أن الصراط يكون منصوباً على متن جهنم، وجميع البشر يمرون عليه، جميعهم بما فيهم الأنبياء، ولكن الله -تعالى- ينجي المتقين، ولهذا قال: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71،72]، فمعنى الورود؛ هذا الورود لا يعلمه إلا العلماء، ومعناه: المرور على الصراط.

- وتفسير لا يعلمه إلا الله -عز وجل-: وذلك كالحروف المقطعة في أوائل السور، ﴿الم﴾، ﴿الر﴾، ﴿المص﴾، ما معنى هذه الحروف؟! هذه لا يعلمها إلا الله -عز وجل-، وإن كان العلماء كلام كثير في تفسيرها وفي تأويلها، وأن المقصود بذلك الإشارة إلى أن هذا القرآن مكون من هذه الحروف، لكن معناها على وجه الحقيقة لا يعلمه إلا الله -عز وجل-، ومثل ذلك كيفية الصفات، لا يعلمها إلا الله، ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]، كيف استوى! كيفية الاستواء! لا نعلم حقيقته وكيفيته وإنما نعلم معناه فقط، الله -تعالى- ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ كيف يسمع؟! كيف يبصر؟! لا نعلم حقيقة ذلك وكيفيته، لكن نعلم معناه، معناه واضح لنا، معنى السمع واضح ومعنى البصر واضح، معنى الإستواء واضح، لكن كيفية ذلك لا نعرفه، لا يعرفه إلا الله -عز وجل-، لله استواء على الوجه اللائق به، لله سمع على الوجه اللائق به، لله بصر على الوجه اللائق به، وهكذا.

فهذه هي أقسام التفسير.

* * *

فائدة : من أحاديث الفتن

عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- قال: (كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم" قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دخن" قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر" قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها" قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، فقال: "هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا" قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك").

نعم، هذا الحديث حديث عظيم، وأصل في باب الفتن، حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- اهتم بأحاديث الفتن، ولهذا قال: (كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني)، ولهذا خصه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن أعلمه بأسماء المنافقين، وكان بعض الصحابة لهم اهتمامات، فمثلاً جابر بن عبدالله اهتم بالحج، ونقل صفة حجة النبي -عليه الصلاة والسلام- وضبطها، عدي بن حاتم اهتم بماذا؟ بالصيد، ولذلك معظم أحاديث الصيد يرويها عدي بن حاتم، وهكذا، وبعضهم جمع هذا كله مثل أبي هريرة -رضي الله عنه-، يعني جمع الأحاديث في جميع المجالات -رضي الله تعالى- عنهم أجمعين، حذيفة بن اليمان، تخصص في هذا النوع من الأحاديث، قال: (قلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير -يعني الإسلام-، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم") ثم قال: (قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دخن") وهذا يدل على أن يعني أحوال الناس تختلف، تارة يعلو الخير والحق، وتارة يعلو الباطل، وسنة الله -عز وجل- هي المدافعة؛ مدافعة الخير للشر، ويبقى الصراع بين الخير والشر والحق والباطل مستمراً وقائماً إلى قيام الساعة، فلاحظ هنا تغير الأحوال؛ كيف أنها أولاً كان الناس في شر ثم أتى الله بهذا الخير، ثم حصل بعده شر ثم أتى بعد هذا الشر خير، هذا يدل على أن الأحوال متقلبة ليست ثابته، لكن هذا الخير قال: "فيه دخن"! (قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر") يعني يأتون بحق وباطل، (قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها") دعاة: يعني لهم نشاط في الدعوة، لكن في الدعوة إلى الباطل والدعوة إلى الشر.

قال: (قلت: صفهم لنا يا رسول الله؟ قال: "هم من جلدتنا -يعني ليسوا أناساً من الخارج وليسوا أناساً غرباء، هم منا وفينا كما يقال- ويتكلمون بألسنتنا") ولذلك على المسلم أن يحذر من هؤلاء الدعاة، دعاة جهنم، الدعاة إلى الباطل، أن يحذر منهم وأن يسأل الله دائماً الثبات، الثبات على الحق والثبات على دينه، خاصة في هذا الزمن الذي نعيشه الآن، والذي كثرت فيه الفتن؛ فتن الشبهات وفتن الشهوات، وانفتح العالم بعضه على بعض، وأصبح العالم كما يقال كالقرية الصغيرة، فالإنسان بحاجة في هذا الوقت إلى الثبات، وبحاجة إلى الدعاء بأن الله -تعالى- يثبته على دينه ويصرف قلبه على طاعته، وبحاجة إلى أن يكثر من قول (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب).

قال: (قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم") وهذه يعني نصيحة عظيمة؛ أن الإنسان يلزم جماعة المسلمين، لا يشذ عن جماعة المسلمين برأي أو بفكر أو بفتنة أو بطريقة، إنما يكون مع جماعة المسلمين، ما دام جماعة المسلمين على الحق، ويلزم إمام المسلمين، ولا يخرج على إمام المسلمين لأن الخروج فيه شر عظيم، وفتح لأبواب عظيمة من الفتن، ولهذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخروج عن السلطان ولو شبراً!، ولو شبراً يعني كناية عن أدنى خروج، فإنه من خرج عن السلطان شبراً فمات؛ مات ميتةً جاهلية، والشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- في مسائل الجاهلية التي خالف فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل الجاهلية؛ قال: (المسألة الثالثة: أن أهل الجاهلية يرون أن الخروج عن السلطان شجاعة وفضيلة، فخالفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، وأمر بالسمع والطاعة، وغلَّظ في هذه المسألة، وأبدى وأعاد). كلام الشيخ (غلَّظ النبي -عليه الصلاة والسلام- وأبدى وأعاد)، لماذا غلظ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبدى وأعاد؟! لأنها مسألة عظيمة، ولأنها أيضاً مسألة حساسة، لأنها تخالف هوى النفوس، خاصة مع وجود الأثرة، فبعض الناس قد لا يصبر، ولهذا النبي -عليه الصلاة والسلام- حسمها، ولم يجعلها راجعة لإجتهاد الإنسان، إنما أمر بالسمع والطاعة، ما لم يؤمر الإنسان بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، لكن إذا كان الإنسان في مجتمع وفيه جماعة المسلمين وإمامهم، فإنه مأمور بأن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، وألا يخرج على السلطان ولو شبراً.

قال: (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها")، يعني إذا كانت المسألة فوضى ومضطربة وليس هناك جماعة للمسلمين ولا إمام، قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك". فهذا خير من أن تقع في تلك الفتن فتقتل مسلماً، أو تقع في فتنةٍ فتبوء بإثم من وقعت فيه بسبب تلك الفتنة، فإنه تحصل فتن عظيمة وإذا دخلها الإنسان قد يتسبب في إراقة دماء، وقد يتسبب في أمور عظيمة، ولهذا فعلى المسلم أن يكون حذراً من الفتن كلها، فتن الشبهات وفتن الشهوات، وأن يسأل الله دائماً الثبات على دينه.

أسأل الله -تعالى- أن يثبتنا جميعاً على الحق، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

* * *

هذا هو الدرس الأخير في هذا الفصل الدراسي، وسيتوقف الدرس خلال فترة الإختبارات والإجازة كالمعتاد، وإن شاء الله يستأنف الدرس في أول يوم أثنين من بداية الفصل الدراسي الثاني، والذي يوافق 1/5 غرة شهر جمادى الأولى إن شاء الله، يستأنف الدرس في التعليق على لطائف الفوائد، وقفنا عند الفائدة رقم (240)، وأيضاً سنستمر في شرح كتاب التسهيل، سنقف إن شاء الله عند (كتاب الأطعمة)، فيعني يتوقف الدرس خلال هذه الفترة وإن شاء الله كالمعتاد من غير حاجة إلى إعلان، طلابنا يعرفون هذا، أن هذا هو نظامنا من ثمانية وعشرين عاما هذه طريقتنا، نتوقف قبيل الإختبارات بإسبوعين تقريباً، ونستأنف من أول أسبوع، هذا الدرس في عمره الثامن والعشرين كانت بدايته عام ألف أربعمائة وإثني عشر للهجرة، ولله الحمد استمر ولم ينقطع، ونسأل الله -تعالى- أن ينفع وأن يبارك فيه، وأن ييسر استمراره كذلك، ونسأل الله -تعالى- لنا ولكم الفقه في الدين والعلم النافع والتوفيق لما يحب ويرضى.

* * *

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1440/3/18