الخثلان
الخثلان
من الفائدة 228 إلى الفائدة 233
14 ربيع الأول 1440 عدد الزيارات 165

لطائف الفوائد / من الفائدة 228

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا.

هذا هو الدرس الثاني عشر في هذا العام الهجري، يوم الأثنين الحادي عشر من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، ونبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (282) خصلتان يحبهما الله:

 

فائدة: خصلتان يحبهما الله

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة". وخصلتان يحبهما الله جديرة بأن يجاهد المسلم نفسه حتى يتخلق بهما.

نعم، الأشج بن عبدالقيس أتى مع رهط عبد القيس، وعبد القيس منازلهم في الأحساء وما حولها، وكانت تسمى قديماً البحرين، ... وكانت هذه هي منازل آل عبد القيس، فأتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فنزلوا من على دوابهم وتركوها، وأيضاً ثيابهم كانت متسخة أو فيها شيء من الوسخ، أما الأشج بن عبدالقيس فإنه أقام عند رحالهم فجمعها ثم عقل ناقته ولبس أحس ثيابه، ثم أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنك فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة"، لأنه لم يستعجل كما استعجل قومه بل تأنى وبقي عند الرحال وعند الدواب ولبس أحسن الثياب، فلم يكن يستعجل، فهذا دليل على حلمه وعلى أناته، وجاء في بعض الروايات أن الأشج قال يا رسول الله: جبلت عليهما أم تخلقت بهما؟ فقال: "بل جبلت عليهما"، فقال الأشج للنبي -صلى الله عليه وسلم-: الحمد لله الذي جبلني على ما يحبه الله ورسوله.

وهذا فيه إشارة إلى أن الأخلاق منها ما هو فطري ومنها ما هو مكتسب، فالفطري الذي يولد مع الإنسان، فبعض الناس يولد حليماً حكيماً ذا أناة، يولد ببعض الأخلاق الحسنة فتكون فطرية، وبعض الناس يكتسبها اكتساباً، يولد سريع الغضب لكنه يدرب نفسه على الحلم حتى يصبح حليماً، فقد قيل إنما الحلم بالتحلم، يكون أيضاً عنده بخل لكن يروض نفسه على تعاطي الكرم حتى يكون كريماً، يكون عنده عجلة لكنه يروض نفسه على الأناة حتى يكون متأنياً وهكذا، فالأخلاق منها ما هو فطري ومنها ما هو مكتسب، والمطلوب من المسلم إذا لم يوفق لهذه الأخلاق فطرةً أن يسعى لاكتسابها، لهذا جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله أوصني! قال: "لا تغضب"، قال: أوصني! قال: "لا تغضب" قال: أوصني! قال: "لا تغضب"، فردد مراراً قال: "لا تغضب". [رواه البخاري]، ولولا أن ترك الغضب واكتساب صفة الحلم أن ذلك مستطاع لما أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- به، ولقال ذلك الرجل يا رسول الله أنا قد جبلت على سرعة أو شدة الغضب، لكن قوله النبي -صلى الله عليه وسلم- له: "لا تغضب" هذا فيه إشارة إلى أنه بإمكان الإنسان أن يتحكم في ردة فعله، ....  

"إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة". ولاشك أن خصلتين يحبهما الله جديرة بأن يجاهد المسلم نفسه على التخلق بهما، أما الحلم فهو كف النفس عن دواعي الغضب، ... والحلم كما يقال سيد الأخلاق، بل إن بعض السلف فسروا حسن الخلق بالحلم وترك الغضب، وذلك أن مساوئ الأخلاق يمكن أن تصدر في الغالب مع شدة وسرعة الغضب، تجد سيء الخلق غالباً عنده سرعة غضب وشدة غضب، يغضب من أتفه شيء وأيضاً غضبه شديد، فتصدر عنه الأخلاق السيئة، أما الإنسان الحليم يستطيع أن يتحكم في قوله وفي فعله وفي تصرفاته، ولذلك فإن الحلم وضع على رأس الأخلاق الكريمة، ويتأكد هذا -التخلق بالحلم- في حق طالب العلم، .... النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله، إذا انتهكت محارم الله يغضب لله، أما في أمور الدنيا لا داعي للغضب، الدنيا كلها لا تستحق أنك تغضب من أجلها، فلا داعي للغضب، عود نفسك على الحلم وروض نفسك على الحلم، ثم إن الغضب كما مر معنا في دروس سابقة مع كونه يقع على رأس ماوئ الأخلاق أيضاً له آثار سلبية على صحة الإنسان، وهو من أسباب الضغط ومن أسباب السكر، ومن أسباب أيضاً أمراض أخرى، ابن القيم -رحمه الله- في كتاب -إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان- ذكر بعض مساوئ الغضب؛ أن بعض الناس إذا غضب مرض وأصبح الناس يعودونه في بيته، بل إن أحياناً شدة الغضب قال إنها قد تؤدي إلى الوفاة، وذكر قصة رجل في العرب استثاره أحد الناس وكان شديد الغضب فأراد أن يرد عليه فأتى أحد الحاضرين ووضع يده على فيه فقال قتلتني ثم مات، يظهر والله أعلم أن تفسير هذا أن هذا الرجل لما استُغضب وغضب غضباً شديداً ارتفع عنده الضغط، سبب هذا انفجار أحد الشرايين فمات، فإذاً الغضب تصدر منه هذه المساوئ، فعلى المسلم أن يحرص على ترك غضبه وعلى تعاطي الحلم الذي هو سيد الأخلاق، وأما الخصلة الثانية التي يحبها الله ورسوله قال الأناة، والأناة خلاف العجلة وتعني التؤدة والتروي والنظر في عواقب الأمور، وهي قريبة من الرفق، الأناة قريبة من الرفق، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" [متفق عليه]، وفي رواية "ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على غيره". وفي الحديث الآخر قال -عليه الصلاة والسلام-: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه"، فالرفق والتؤدة والأناة هذه من الأخلاق الكريمة التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم، فالتؤدة أو الأناة خلق كريم بين خلقين مذمومين ما هما؟ الأناة خلق كريم بين خلقين مذمومين، عامة الأخلاق الكريمة تكون أصلاً بين خلقين مذمومين بين طرفين، فهو خلق كريم بين خلقين مذمومين وهما العجلة وهذه هي الطرف الأول، الطرف الثاني الكسل والتواني، ليس معنى الأناة أن الإنسان يكون كسولاً متوانياً عن فعل الخيرات، هذا مذموم، كما أن الحلم خلق كريم بين خلقين مذمومين وهما الغضب وأيضاً عدم الغضب والغيرة عند انتهاك محارم الله -عز وجل-.

* * *

فائدة: فضل الصلاة على الجنازة

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان". قيل: ومالقيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين". ولما بلغ ابن عمر -رضي الله عنهما- هذا الحديث قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة، وعلى هذا فقصد المساجد التي تقام فيها الصلاة على الجنائز طمعاً في هذا الأجر العظيم من الأمور الحسنة، والموفق من وفقه الله.

نعم هذا حديث عظيم في فضل الصلاة على الجنازة، يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان". قيل: ومالقيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين"، في بعض الروايات "أصغرهما مثل جبل أحد"، وهذا يدل على الفضل العظيم في الصلاة على الجنازة واتباعها، وهذا مثال من الأمور التي فعلها يسير وأجرها عظيم، .... وظاهر الأحاديث أن القراريط تتعدد بتعدد الجنائز، فلو صلي مثلاً على خمس جنائز فيكون لك خمس قراريط، ولو صلي على عشر جنائز يكون لك عشرة قراريط، كل قيراط مثل جبل أحد حسنات، هذا فضل عظيم، ومن تبع الجنائز حتى تدفن فله قيراطان ...، وفي وقتنا الحاضر أصبح يصلى على الجنائز في المساجد، وأصبحت الصلاة على الجنائز أيضاً في مساجد معينة، بينما كان الميت في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- إنما يصلى عليه في مصلى الجنائز عند المقبرة، ولم يكن يصلى على الجنائز في المساجد في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا نادراً، كما صلي على ابن بيضاء في المسجد، لكن الغالب هو أنه يصلى عليهم في مصلى الجنائز، وأيضاً في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يصلى على الجنازة متى تحققت الوفاة يغسل ويكفن ويصلى عليه في مصلى الجنائز ويدفن، ولا ينتظر حتى يأتي وقت صلاة الظهر أو العصر، إنما السنة المبادرة بدفنه من غير انتظار وقت الصلاة، لكن في وقتنا الحاضر مع اتساع المدن وكثرة الناس ربما رأى الناس أن الأيسر على الناس أن يجتمعوا في صلاة الظهر أو العصر ثم يصلون على الجنائز، .... فهذا هو الواقع في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الجنازة لا ينتظر بها إلى أن تقام الصلوات مثلاً الظهر أو العصر إنما يبادر بها، هناك مساجد معينة الآن يصلى فيها على الجنازة مثلاً جامع الراجحي، جامع الملك خالد، هذه قصدها من المساجد لأجل الصلاة على الجنائز هذا من الأمور الحسنة، ومن المبادرة إلى الخيرات، فمن تيسر له أن يذهب إلى تلك المساجد ويصلي على هذه الجنائز فهو ساع في عمل صالح عظيم، لأن يرجع من الأجر والثواب بعدد الجنائز التي يصلى عليها، ... فقصد تلك المساجد للصلاة على الجنائز هذا من الأمور الحسنة، المرأة في الصلاة على الجنازة كالرجل، وقد صلى أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- على سعد بن أبي وقاص، وإنما المرأة ممنوعة في اتباع الجنازة، وأما الصلاة على الجنازة فلا بأس، فلو أن المرأة أيضاً صلت على الجنازة في المسجد في مصلى النساء فإنها تحوز من الأجر بعدد تلك الجنائز من القراريط، لأن الأصل أن النساء كالرجال في الأحكام الشرعية إلا ما ورد النص باستدلاله، فالمرأة في هذا كالرجل إنما هي ممنوعة من اتباع الجنائز.

ابن عمر -رضي الله عنه- لما بلغه هذا الحديث قال: لقد فرطنا إذاً في قراريط كثيرة، لأنه ما بلغه الحديث إلا متأخراً فيعني كأنه يتحسر على التفريط في صلاة على الجنائز فيما مضى.

 

* * *

فائدة: من الأذكار العظيمة

من الأذكار العظيمة التي ينبغي أن يكثر منها المسلم: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه). فعن زيد مولى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف".

نعم، هذا الحديث حديث صحيح له شواهد وطرق متعددة، وهو يدل على فضل هذا الذكر (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه)، ومن قال هذا الذكر غفر له وإن كان قد فر من الزحف، والفرار من الزحف من الكبائر، أعده النبي -صلى الله عليه وسلم- من السبع الموبقات، لأنه عند التحام الصفوف للجهاد في سبيل الله لا يجوز الفرار من الزحف، ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 16]، فهو وعيد شديد ومع ذلك من قال هذا الذكر غفر له، حتى وإن كان قد فر من الزحف، وهذا يدل على فضل هذا الذكر وأنه ينبغي للمسلم أن يحرص عليه وأن يكرره، وإن جعله مع أذكار الصباح والمساء باعتبار أنه من الأذكار العظيمة كان ذلك حسناً، لكن من غير أن تعتقد بأنه يسن أن تأتي به مع أذكار الصباح والمساء، إنما تأتي به حتى لا ينسى الإتيان بهذا الذكر، فإذاً هذا من صيغ الإستغفار، هذا الذكر الوارد في هذا الحديث من صيغ الإستغفار، والإستغفار ورد عن عدة صيغ من أعظمها (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه)، ومنها أن يقول (أستغفر الله وأتوب إليه)، ومنها أن يقول: (ربِّ إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً وإن لم تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين)، ومنها أن يقول: (ربِّ ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، ومنها وهو سيد الإستغفار: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) وهذا مع أذكار الصباح والمساء، هذا يكون مع أذكار الصباح والمساء كما مر معنا في درس سابق، فإذاً ينبغي أن يحفظ المسلم هذا الذكر وأن يكرره وهو من أعظم وأفضل صيغ الإستغفار، أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.

* * *

فائدة : مشروعية المبادرة لكتابة المسلم لوصيته

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة". قال عبد الله بن عمر: (ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك، إلا ووصيتي مكتوبة عند رأسي).

هذا الحديث يدل على أهمية كتابة الوصية لمن عنده شيء يريد أن يوصي به، والمبادرة إلى ذلك، وكثير من الحقوق تضيع بموت أصحابها، ولذلك من أراد أن يوصي فعليه أن يبادر بكتابة وصيته، .... ولهذا يقول -عليه الصلاة والسلام-: "ما حق امرئ مسلم -يعني الحزم والاحتياط في حق المسلم- له شيء يوصى فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة"، وامتثل ابن عمر -رضي الله عنه- من هذه الوصية قال: ما مرت بي ليلة منذ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك، إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه، فينبغي أن يحرص المسلم على كتابة وصيته، سواء كانت وصية بالأموال أو وصية إرشاد وتوجيه.

الوصية بالأموال أن يوصي مثلاً بثلث ماله أو ربع ماله مثلاً أو نحو ذلك، يصرف في وجوه الخير مثلاً، أو يوصي مثلاً لغير وارث، كأن يكون إنسان له أولاد ابن ميت فيوصي لأولاد ابنه المتوفى باعتبار أنهم لا يرثون منه، هذه وصية طيبة وحسنة، يقول مثلاً أوصي بثلث مالي لأولاد ابني المتوفى فلان، أو أي قريب من أقاربه إذا كان يرى إنه فقير مثلاً، .... المقصود أن الوصية بالمال ينبغي أن يبادر بكتابتها.

وكذلك الوصية للتوجيه والإرشاد، إذا كان مثلاً يريد أن يوصي أولاده بوصايا معينة ..، كأن يوصي مثلاً بألا يباع البيت الذي يسكن فيه وأن يكون مركزاً للأسرة، هذه الوصية فيها يعني إرشاد وتوجيه وإلا الوصية لا تصح لوارث لكن هذه من باب الإرشاد والتوجيه، والوصية متى تلزم؟ مر معنا في دروس سابقة متى تلزم الوصية؟ تلزم بالموت، معنى ذلك أنها قبل الموت غير لازمة، فالإنسان يعدل فيها ويبدل ويزيد، له أن يلغيها، ولذلك لا يتردد الإنسان في كتابة وصيته، لأن بعض الناس يقول أخشى أن أوصي ثم يتغير رأيي! نقول إذا تغير رأيك عدل الوصية، اشطب الوصية واكتب وصية بدلاً منها، فهي لا تلزم إلا بالموت، وبعض الناس عنده أشياء يريد أن يوصي فيها لكنه يؤتى من جهة التفريط، يهمل ويهمل ويسوف حتى يأتيه الموت فجأة فيندم ندماً عظيماً وهو لم يوصي، وأعرف رجلاً ثري من الأثرياء ذكرته الوصية فقال إن شاء الله إن شاء الله، فلما توفي يعني أخبرت أولاده بأنه كان عازماً على أن يكتب وصية، فبعد وفاته .. أولاده قالوا إن شاء الله، ثم بعد ذلك لم ينفذوا شيئاً، والذي لم ينفع نفسه في حياته لا ينتظر أن ينفعه ورثته بعد موته، هو لم ينفع نفسه كيف ينتظر أن ورثته ينفعونه بعد موته!، ولذلك فعلى المسلم أن يبادر في كتابة وصيته، إذا كان عنده شيء يريد أن يوصي فيه فليبادر، ويشهد عليها شاهدين ويبقيها عنده، لو قدر الله عليه وفاة أو مرضاً مفاجئاً مثلاً أفقده الكلام أو الحركة أو نحو ذلك وإذا بوصيته موجودة.

* * *

فائدة : أهمية تشجيع المعلم للتلميذ  

تشجيع العلم لتلميذه أثره عظيم، ورب كلمة تشجيعية يقولها المعلم لتلميذه، تكون سبباً لنبوغ ذلك التلميذ، وقد ذكر الحافظ الذهبي -رحمه الله- عن شيخه علم الدين البرزالي -المتوفى سنة 739هـ- أنه قال له يوماً: (خطك يشبه خط المحدثين)، قال الذهبي: فأثر قوله في وحبب إلي طلب الحديث.

نعم؛ هذه الفائدة مرتبطة بفائدة سابقة سبق وأن تكلمنا عنها، وهي سبب تأليف البخاري لصحيحه، وأن سبب تأليفه أن شيخه اسحاق بن راهوية قال مرة في حلقة: لو أن لأحدكم جمع صحيح كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال فوقعت هذه الكلمة في نفسي، وكان سبباً لتأليف هذا الصحيح -صحيح البخاري-، كذلك أيضاً انظر للحافظ الذهبي، الحافظ الذهبي -رحمه الله- المحدث الحافظ الإمام يحكي عن شيخه البرزالي، أنه قال له كلمة، كلمة! ربما أنه يمازحه لكن كانت مشجعة للذهبي، قال: (خطك يشبه خط المحدثين)، قال الذهبي: فأثر قوله في وحبب إلي طلب العلم، بسبب كلمة من شيخه، وهذا يدل على أهمية التشجيع خاصة للصغار، الصغار التشجيع بالنسبة لهم مهم جداً، ومؤثر بدرجة لا يتصورها الإنسان، ربما الكبير لا يتصور أثر التشجيع على هذا الصغير، تشجيعهم على طلب العلم، تشجيعهم على حفظ القرآن، تشجيعهم على الخير عموماً، هذا من الأمور المهمة، وحتى تشجيع أيضاً الكبار، تشجيع الصغار والكبار أيضاً، فالتشجيع من الأمور الحسنة خاصة في مقام التعليم، فانظر كيف أن هذه الكلمة من البرزالي للذهبي حببت إلى الذهبي علم الحديث، فأصبح أحد المحدثين الكبار وأصبح أحد الحفاظ، وكلمة أيضاً من اسحاق بن راهويه قالها للبخاري كانت سبباً لتأليف أعظم كتاب بعد القرآن، وهو صحيح البخاري، كلمة ربما تصدر من أستاذ من معلم من شيخ للمتعلم تكون سبباً لخير عظيم، ولذلك ينبغي من يلي التعليم والتدريس أن يحرص على التشجيع، التشجيع مهم جداً، يشجع المتعلمين سواء كان التشجيع مادي أو معنوي، التشجيع المادي بالهدايا .. والتشجيع المعنوي مثل هذه الكلمات، فإن لها أثراً كبيراً في هؤلاء المتعلمين.

* * *

فائدة : عقد الشيطان على النائم

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".

قال الطيبي: (أراد تثقيله، وإطالة الليل عليه، فكأنه قد شد عليه شدا، وحبب النوم إليه، والتقييد بالثلاث؛ لأن الذي ينحل به عقدته ثلاثة أشياء: الذكر والوضوء والصلاة، وكأن الشيطان منعه عن كل واحدة منها بعقدة).

نعم، هذا الحديث العظيم الذي رواه البخاري ومسلم، يخبر فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن الإنسان إذا نام عقد الشيطان على قافية رأسه، قافية الرأس هي آخر الرأس، عقد عليها ثلاث عقد، اختلف العلماء في هذه العقد، هل هي عقد حقيقية كعقد السحر، أو أنها شيء معنوي وأن المراد به التثبيط، قولان لأهل العلم، قال: (يضرب كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد)، ...

فإذاً هذه العقد يعقدها الشيطان سواء قلنا أنها عقد حقيقي كعقد السحر، أو أنها عقد معنوي والمراد به التثبيط من الشيطان وتكسيل الإنسان، وهو أقرب أن المقصود به العقد المعنوي، بدليل قوله: (عليك ليل طويل فارقد)، وهذا يرجح أنها عقد معنوي المراد منه تثبيط الشيطان وتكسيله للنائم، (فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة) هذه العقد الأولى تنحل إذا ذكر العبد ربه، وسبق أن ذكرنا في درس سابق الذكر الذي يستحب أن يقوله المسلم عندما يستيقظ: (من تعار من الليل فقال: لا إله الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر) هذه إذا قالها الإنسان ثم دعا استجيب له، وإن صلى قبلت صلاته، فينبغي إذاً أن يذكر الله من حين يستيقظ يذكر الله -عز وجل- فتنحل العقدة الأولى، (فإن توضأ انحلت عقدة) إن توضأ تنحل العقدة الثانية، (فإن صلى) ولو ركعتين (انحلت عقده كلها) تنحل العقد الثلاث كلها، (فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، إذا فعل هذه الأمور الثلاثة ذكر الله وتوضأ وصلى أصبح نشيطاً طيب النفس، والمراد بالصلاة هنا صلاة الليل أي قيام الليل، قال بعض العلماء أن المراد بها صلاة الفجر ولكن هذا قول مرجوح، وأكثر العلماء على أن المراد بها قيام الليل، وهذا ظاهر تجد أن الذي يقوم الليل يحس بالنشاط ويحس بالخفة ويحس بانشراح الصدر، فيرى عليه النشاط وهذا معنى قوله: (فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، إن لم يقم فإنه يصبح كسلان خبيث النفس، حتى وإن ذهب لصلاة الفجر تجد أنه يذهب وفيه نوم وفيه كسل وفيه فتور، وذلك لأنها لم تنحل هذه العقد، فإحلال هذه العقد إنما هي بهذه الأمور الثلاثة المذكورة في الحديث، يذكر الله ثم يتوضأ ثم يصلي ولو ركعتين، وينبغي أن يجاهد المسلم نفسه على ذلك، وأن يقوم من الليل ما تيسر ولو في البداية أن يجعلها وقتاً يسيراً ثم يزيد شيئاً فشيئاً، يجاهد نفسه حتى تتعود على قيام الليل، قيام الليل من دأب الصالحين، وأيضاً هو أمان من النفاق، ويقال: ما قام الليل منافق!، ما يمكن للمنافق أن يقوم الليل أبداً، ولذلك الذي اعتاد أن يقوم الليل هذه إن شاء الله بشارة على أنه إنسان بعيد عن النفاق، ثم إن قيام الليل قد ذكر الله بعض منافعه فقال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6]، (ناشئة الليل) هي صلاة الليل بعد القيام من النوم، قيل (أشد وطئاً) يعني أكثر مواطأة بين القلب واللسان يعني أكثر عوناً على التدبر، (وأقوم قيلا) يعني أصوب قراءة.

﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7]، الإنسان في النهار يكون مشغولاً بقضاء حوائجه ونحو ذلك، لا يحصل له خشوع ولا تدبر القرآن ... لكن في قيام الليل يحصل له ذلك كله، ...

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا فيقول: (هل من داع فأستجيب له هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له)..

وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة، تسمى ساعة الإجابة، والمقصود بها لحظات يكون الدعاء فيها مستجاب، وأرجى وقت لساعة الإجابة في الليل ما هو؟ آخر الليل قبيل أذان الفجر، اللحظات التي تسبق أذان الفجر هذه أرجى ما تكون لساعة الإجابة، "إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه"، اللحظات التي تسبق أذان الفجر هذه هي أرجى ما تكون موافقة لساعة الإجابة، فينبغي أن تصلي في الليل ما تيسر قبيل أذان الفجر تدعو، تدعو بما شئت من خيري الدنيا والآخرة، فإن هذا الوقت حري بالإجابة، تجمع بين الدعاء والإستغفار أيضاً ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18]، الدعاء والإستغفار، إذاً من يقوم الليل يحصل على عدة فوائد:

  1. أنه تنحل عنه هذه العقد الثلاث، فيقوم نشيطاً طيب النفس.
  2. أن قيام الليل أمانة من النفاق.
  3. أن قيام الليل فيه تعرض لنفحات رحمة الله -عز وجل- ... هل من داع هل من سائل هل من مستغفر، كل ليلة.
  4. أن في قيام الله تعرض لساعة الإجابة التي لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله -تعالى- شيئاً إلا أعطاه إياه.
  5. أن قيام الليل إذا صحبه إستغفار يجعل المسلم يدخل في قول الله -عز وجل-: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18].
  6. أن من قام الليل فإنه يتشبه بالأنبياء والصديقين والصالحين والأولياء، فهو يتشبه بأخيار الناس، ويكون بعيداً عن التشبه بأهل النفاق والفجور الذين لا يقومون الليل.

فهذه الفوائد وغيرها يعني في قيام الليل ينبغي أن يحرص المسلم على مجاهدة نفسه على أن يقوم من الليل ما تيسر، وهو ما دام سيقوم لصلاة الفجر يقرِّب هذا ويقوم يصلي الليل ما شاء الله أن يصلي.

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد.

* * *

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1440/3/11