الخثلان
الخثلان
بابيّ ( البغاة - الردة )
30 صفر 1440 عدد الزيارات 48

شرح متن التسهيل / باب البغاة - باب الردة

 

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل، وسنشرح إن شاء الله بابين (باب البغاة) و (باب الردة) إن شاء الله ، وبهذا نكون إن شاء الله انتهينا من الكلام عن مسائل وأحكام القصاص، والأسبوع القادم نبدأ بكتاب الحدود.

قال المؤلف -رحمه الله-: (بابُ البُغَاةِ):

والمؤلف عرَّف البغاة وأهل البغي لكنه قدَّم قبل ذلك -قبل كلامه عن البغاة وأهل البغي- قدَّم الكلام عن شروط الإمام الأعظم، وما ينبغي أن يتصف به، ثم بعد ذلك تكلم عن البغاة، وغيره من الفقهاء يتكلمون عن البغاة وأهل البغي مباشرة، ثم يلحقون بذلك الكلام عن صفات الإمام الأعظم، وبكل حال يعني هي مناهج فنشرح عبارة المصنف -رحمه الله- قال: [يُعْتَبَرُ كونُ الإِمامِ] إذا قيل (الإمام) المقصود به: من له السلطة الأعلى في الدولة، هذا يسمى الإمام، وقد يكون هو يسمى الملك، وقد يسمى السلطان، وقد يسمى الأمير، وقد يسمى الرئيس، فمن له السلطة الأعلى في الدولة هو الإمام، بينما إذا قيل (الحاكم) فالمقصود به: القاضي، قال: [يُعْتَبَرُ كونُ الإِمامِ قُرَشِيَّاً] يعني: من قريش، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الأئمة من قريش" وفي سنده مقال لكنه حديث مشهور، حتى إن الحافظ ابن حجر عدَّه من المتواتر، وقال إنه روي عن أربعين صحابياً، واحتج به الصحابة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال الأنصار يكون الخليفة منا، فأتى أبو بكر الصديق واحتج بهذا الحديث "الأئمة من قريش"، وقال إن قريش هي أوسط قبائل العرب، وهي التي تدين لها العرب، إلى أن أجمع الصحابة على اختيار أبي بكر الصديق خليفة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن الصحيح أن هذا ليس بشرط في الإمام، لكن عند المفاضلة بين القرشي وغيره فالقرشي مقدم على غيره، قال: [ذكراً] فلابد أن يكون الإمام الأعظم ذكراً، ليتفرغ للناس ويتمكن من مخالطة الرجال، ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم إمرأة"، [أخرجه البخاري في صحيحه]، لما بلغه بأن كسرى ولَّوا إمرأة عليهم، قال: "لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرهم إمرأة"، ولأن الولاية العظمى والأحكام العامة لا تتولاها المرأة، والمرأة الأصل أنها تقر في بيتها ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: 33]، فلذلك عامة أهل العلم على اشتراط الذكورية في الإمام الأعظم، قال: [حُرَّاً] فيشترط في الإمام الأعظم أن يكون حراً، لأجل أن يهاب، فإنه إذا كان عبداً فلن يكون له هيبة، إلا أن يكون معتقاً، ولذلك في بعض فترات التاريخ الإسلامي حكم المماليك، المماليك كانوا عبيداً، أُعتقوا، في زمن ابن تيمية وابن القيم كان الحكم للمماليك، [عَدْلاً] أيضاً يشترط أن يكون الإمام الأعظم عدلاً، بعيداً عن الفسق، ونبه بقوله عدلاً على اشتراط كونه مسلماً، لابد أن يكون مسلماً، [مُجتهِداً] إما بنفسه أو بغيره، إما بنفسه؛ أن يكون عالماً بلغ رتبة الإجتهاد، هذا كان حاصلاً في صدر الإسلام في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، أو بغيره من العلماء المجتهدين، فإذا لم يكن هو مجتهداً في نفسه فإنه يستعين بالعلماء المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية، مثل عندنا في المملكة ولي الأمر يستعين بهيئة كبار العلماء في كثير من الأمور الشرعية، فهذا معنى قول الفقهاء [مُجتهِداً] يعني إما بنفسه أو بغيره من العلماء، [شُجَاعاً] وهذا ينبغي أن يكون لكنه ليس شرطاً، والشجاعة هي قوة في القلب وليس هناك تلازم بين الشجاعة وبين قوة البدن، وقد يكون الإنسان ضعيف البدن نحيلاً لكنه شجاع، وقد يكون قوي البدن عنده بسطة في الجسم لكنه جبان، لأن الشجاعة محلها القلب، والشجاعة من الصفات المحمودة عند جميع الناس، في جميع الأمصار والأعصار، يقابل الشجاعة الجبن، والجبن من الأخلاق الذميمة التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله منها في كل صلاة يصليها، كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل)، أيضاً يقابل الجبن من الطرف الآخر التهور، فالشجاعة خلق كريم بين خلقين مذمومين، بين الجبن وبين التهور، فالجبن مذموم والتهور مذموم والوسط بينهما الشجاعة وهي محمودة، وكثير من الأخلاق الفاضلة تكون وسطاً بين خلقين مذمومين، مثلاً الكرم؛ الكرم خلق محمود بين خلقين مذمومين ما هما؟ الإسراف والبخل، البخل مذموم والإسراف مذموم، والكرم خلق كريم بينهما، وإذا اجتمعا الشجاعة وجودة الرأي فهذا يعني يكون الإنسان حكيماً نافعاً، ولهذا يقول المتنبي:

الرأي قبل شجاعة الشجعان   *   هو أول وهي بالمحل الثاني

فإذا اجتمعا لنفس مرة   *   بلغت من العلياء كل مكان

إذا اجتمع رأي سديد وشجاعة هذه تبلغ من العلياء كل مكان، لكنها قليلة في الناس، قليلة، بعض الناس عنده جودة رأي وعنده حكمة وعنده تنظير وعنده فلسفة وعنده.. ، لكن ما عنده شجاعة، جبان، فهذا لا يفيد كثيراً ولا ينفع حتى نفسه، فضلاً عن أن ينفع غيره، وبعض الناس عنده شجاعة وإقدام وجرأة لكن ما عنده جودة رأي، عنده ضعف في الرأي، ما يحسن تدبير الأمور، وهذا أيضاً لا ينفع نفسه ولا حتى ينفع غيره، وبعض الناس لا رأي ولا شجاعة، كلاهما، هذا أسوأ الأحوال، ولكن الذي ينفع الله -تعالى- به؛ هو من اجتمع عنده الرأي والشجاعة، كما قال أبو الطيب:

فإذا اجتمعا لنفس مرة   *   بلغت من العلياء كل مكان

وهذه قد يكون جزء منها فطري وجزء مكتسب، فطري بأن الله -تعالى- يمنح الإنسان الشجاعة والحكمة وجودة الرأي، وأيضاً بعضها مكتسب بأن يخالط الإنسان الحكماء وأصحاب الرأي والشجعان، فيكتسب من أخلاقهم، قال: [مُطَاعَاً] يعني ينبغي أن يكون مطاعاً لأن هذه هي ثمرة الولاية، فيكون له هيبة ويكون مطاعاً، [ذَا رَأيٍ] تكلمنا عن الرأي قبل قليل، يعني يكون صاحب رأي سديد، وقد يكون ليس عنده قوة في الرأي وحكمة لكنه يستعين بغيره، يستعين بغيره من المستشارين الحكماء، فقد يكون بعض الناس يعني ليس عنده العقلية والرأي السديد لكن عنده قضية الإستشارة، فيستعين بغيره من أهل الحكمة وأهل الرأي السديد، وبذلك يحصل الرأي السديد، [سَمِيعاً، بَصِيراً، نَاطِقاً] وهذه أمور يحسن أن تكون في الإمام الأعظم، وغير المتصف بها لا يصلح للولاية العظمى، فلو كان مثلاً أصم، أو أنه أعمى، أو أخرس، فلا يناسب أن يلي الولاية العظمى للمسلمين، الشروط كلها اختيارية ما عدا التكليف والذكورية والإسلام؛ فهذه لابد منها، التكليف والذكورية والإسلام هذه يجب أن تتوفر في الإمام الأعظم، وما عداها فيعني يستحب ويندب أن تكون موجودة في الإمام الأعظم، بعدما ذكر الصفات المطلوبة انتقل بعد ذلك لكيفية انعقاد الإمامة، فذكر ثلاثة طرق، ذكر المؤلف ثلاثة طرق:

الطريقة الأولى قال: [بِبَيعَةِ أَهلِ الحَلِّ وَالعَقْدِ، مِنْ العلماءِ ووجوهِ النَّاسِ] تنعقد ببيعة أهل الحل والعقد، وهم أهل الرأي والتدبير في البلاد، من العلماء والوجهاء، يتقدمهم العلماء؛ علماء الشريعة، وأيضاً وجهاء البلد وهم يطلق عليهم أهل الحل والعقد، وهذه الطريقة هي التي حصلت بها بيعة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، ولا يلزم أن يبايعه جميع الناس، إنما يكتفى ببيعة أهل الحل والعقد، فإذا بايعه أهل الحل والعقد انعقدت البيعة لجميع الناس، فلا يقل أحد أنني ما بايعت! لا، أنت قد بايعت ببيعة أهل الحل والعقد انعقدت البيعة في رقبتك، وبايعت الإمام، فلا يشرط إذاً أن تكون البيعة من جميع الناس وإنما يكفي أن تكون من أهل الحل والعقد، قال: [بصفةِ الشهودِ] يعني شرط المبايعين أن يتصفوا بصفة الشهود من العدالة والعلم وغير ذلك.

الطريقة الثانية من انعقاد الإمامة قال: [أو بنصِّ مَنْ قَبْلَهُ] يعني بأن يعهد الإمام إلى ولاية العهد لشخص آخر، فإذا مات مثلاً انتقلت الإمامة إليه، كما حصل من أبي بكر الصديق لعمر، فإن أبا بكر الصديق عهد إلى عمر بالخلافة، فلما مات أبو بكر انتقلت الخلافة إلى عمر مباشرة، وهذا أيضاً معمولٌ به الآن، ولي العهد الآن يقوم مقام الإمام مباشرة، هذا معنى ولي العهد؛ أنه يلي العهد، فهو يكون بعد الإمام مباشرة، هذه الطريقة الثانية.

الطريقة الثالثة قال: [أَو استيلاءٍ] يعني إستيلاء شخص متغلب على الإمامة، جامع للشروط المعتبرة.

ثم ذكر ما ينبغي للإمام أن يفعله، قال: [ويُشَاوِرُ ذَا العلمِ والرَأي] يعني ينبغي للإمام أن يستشير أهل العلم والرأي، والله -تعالى- يقول: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159]، والإستشارة من الأمور الحسنة في جميع الأمور، والإنسان الذي يستشير غيره يجمع عقول الناس إلى عقله، لكن إذا أراد الإنسان أن يستشير؛ لا يستشير أي أحد! إنما يستشير من يثق في علمه وعقله وديانته، لأن هذا هو الذي سيعطيه الرأي السديد، لكن بعض الناس ما إن يعرض له شيء إلا ويستشر كل من لقيه!، كل من لقيه استشاره، فتجتمع عنده عدة آراء ويتردد ويتخبط ولا يهتدي للصواب، فالإستشارة إنما تكون إذاً ليس لجميع الناس وإنما لذوي الرأي السديد، من عُرِف بالحكمة والخبرة في الحياة والإعتدال؛ هذا هو الذي يستشار، ويتأكد هذا في حق الإمام الأعظم، فينبغي أن يستشير أهل العلم وأهل الرأي، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أفضل البشر وأعظم الناس عقلاً وأسدَّهم رأياً وأتقى الناس لله، ومع ذلك كان يستشير في كثير من أموره، وفي غزوة أحد استشار النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة، هل يبقى في المدينة أو يخرج لملاقاة قريش؟! وكان رأيه الشخصي أن يبقى، لكن لما استشار الصحابة كان كثير منهم لم يخرج لبدر، لأن بدر وقعت من غير ميعاد، فتحمسوا للخروج، وقالوا يا رسول الله نخرج نقاتل كفار قريش، فلما رأى رأي الأغلبية يريدون الخروج قال خلاص إذاً نخرج، فذهب واستعد أراد أن يلبس لامته ودرعه، فتكلم بعض الصحابة مع بعض قالوا النبي -صلى الله عليه وسلم- كان رأيه أن نبقى، وربما أن أكثرنا عليه فتنازل عن رأيه لرأينا، لما أتى وقد تجهز للقتال قالوا يا رسول الله لو بقيت؟ قال: "ما كان ينبغي لنبي أن يلبس لامته في الحرب حتى يضعها أو يقاتل" فأعطاهم درساً آخر وهو أن الإنسان إذا استشار واستخار ثم قرر لا يتراجع عن رأيه إلا أن يتبين له أن رأي هذا خطأ 100%، لأن هذا التراجع يجعل رأيه ضعيف، يجعله متردداً، المهم أنه في البداية يستشير ويستخير ثم يقرر، ولا يتراجع بعد ذلك عن هذا القرار، إلا إذا تبين له خطأه، أما إذا كان يقبل وجهات النظر لا يتراجع عنه، حتى يعطي هذا الرأي قوة، ثم حصل ما حصل في غزوة أحد، العجيب أنه بعد غزوة أحد أنزل الله -تعالى- ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، يعني مع أنه لما استشارهم حصل ما حصل، مع ذلك أكد الله -تعالى- على المشورة قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، حتى وإن حصل ما حصل، فالإنسان ينبغي أن يستشير خاصة في الأمور التي يتردد فيها، فيجمع الإنسان بين إستخارة ربه وبين الإستشارة ثم يقرر، يتخذ القرار، يستخير الله ويستشير ويتخذ القرار، قال: [ولا يَقْعُدُ عن مُهِمّ] يعني يجب على الإمام أن يقوم بالإمامة حسب إستطاعته، ولا يقعد عن الأمور المهمة من أمور الدين والدنيا .

ثم بعد ذلك انتقل المؤلف للكلام عن البغاة وأهل البغي، فمن هم البغاة أوأهل البغي؟

البغي معناه: الجور والظلم والعدول عن الحق، وأهل البغي يعرفهم الفقهاء؛ عرفهم المؤلف قال: [مَنْ خَرَجَ عليهِ بتأويلٍ سائغٍ ولَهُمْ شوكةٌ] هذا هو تعريف المؤلف، ويعرفهم الفقهاء -أهل البغي- بأنهم قومٌ لهم شوكةٌ ومَنَعَة يخرجون على الإمام بتأويل سائغ، هذا تعريف صاحب زاد المستقنع، هو قريب من تعريف المؤلف، (قوم لهم شوكة ومنعة يخرجون على الإمام بتأويل سائغ)، فلابد أن يكون لهم شوكة ومنعة، فإن لم يكن لهم شوكة ومنعة فهؤلاء يعتبرون قطاع طريق لا يعتبرون من أهل البغي، وأيضاً يخرجون على الإمام ويريدون مبارزته ومخالعته وبتأويل سائغ، فإن كان بتأويل غير سائغ فيعتبرون قطاع طريق، هكذا عرَّف الفقهاء البغاة، ورتبوا هذه الأحكام التي ذكرها المؤلف في هذا الباب، وذهب بعض أهل العلم إلى التفريق بين أهل التأويل السائغ والمارقين من الخوارج والمرتدين ونحوهم، وأن الشريعة إنما جاءت بطلب مقاتلة المارقين، كما فعل أبو بكر الصديق مع مانعي الزكاة ومع المرتدين، وعلي مع الخوارج، أما الذين يخرجون بتأويل سائغ فليس في النصوص الأمر بقتالها، وإلى هذا الرأي ذهب شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية -رحمه الله-، وقال: (إن من قال بوجوب قتالهم فهو مجرد تقليد وأن الموقف مع أولئك إنما يكون فيما ذكره الله تعالى في قوله ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فيكون في الإصلاح، لكن إن بدأوا بالقتال قاتلناهم)، وانتقد الإمام ابن تيمية منهج الفقهاء المتأخرين الذين صنفوا باب قتال أهل البغي، وأدرجوا تحته من خرج على الإمام بتأويل سائغ، مع أنه لم يثبت في النصوص قتالهم، قال ابن تيمية -رحمه الله-: (والمصنفون في أحاديث الأحكام كالبخاري وأصحاب السنن ومالك، لم يخصوا البغاة بباب مستقل، بل إنما ذكروا قتال أهل الردة والخوارج وأهل الأهواء)، هذا هو رأي ابن تيمية -رحمه الله- ونسبه للسلف، وبين أن القول بابتداء قتال هؤلاء الذين لهم تأويل سائغ أنه إنما قال به بعض الفقهاء المتأخرين.

ونعود لعبارة المؤلف -رحمه الله تعالى- قال: [فَيُزِيلُ ما يَنْقِمُونَ] هذا بيان موقف الإمام من البغاة أنه يزيل ما ينقمون، فإن كان لهم شبهه كشف شبهتهم وحاورهم وأصلح، الله -تعالى- يقول: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: 9]، فالإصلاح يكون بمراسلتهم وكشف شبهتهم وإزالة ما يدعونه من مظالم ونحو ذلك، وهذا فعله عليٌّ -رضي الله عنه-، فإن علي أرسل ابن عباس إلى الخوارج ورجع منهم أربعة آلاف، كان عددهم اثنى عشر ألفاً، رجع منهم ما يقارب الثلث -أربعة آلاف- بسبب محاورة ابن عباس -رضي الله عنهما- لهم، فإذاً يكون هذا بمحاورتهم كما فعل علي -رضي الله عنه-، قال: [ولهُ إنظَارُهُم مُدةً] يعني إن طلب البغاة من الإمام أن يمهلهم؛ فإنه يمهلهم لأجل التأمل في إزالة الشبهة وللتحاور معهم ونحو ذلك، [لا خَدِيعَةً] يعني إن طلبوا الإمهال من باب الخديعة لأجل جمع عسكرهم، فإن الإمام لا يمهلهم، لا يمهلهم الإمام إذا ظهرت بوادر الخديعة، [فإن أصَرُّوا دَفَعَهُمْ بالأَسْهَلِ] يعني إن أصروا على البغي والخروج دفعهم الإمام بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفعوا قال: [وإلاَّ قَاتَلَهُم] يعني إن لم يرجعوا وأصروا على موقفهم فإنه يقاتلهم، وذكرنا رأي ابن تيمية -رحمه الله- في هذه المسألة، وهو أنه لا يبدأهم بالقتال وإن بدأوا هم بالقتال قاتلهم، وإلا لم يبدأ، والقتل يختلف عن القتال، ففي القتال؛ إذا كفَّ المقاتل وجب الكفُّ عنه، ولا يجوز اتباعه، ولا يجُهز على جريحه، ولا غنم أمواله، ولا سبي ذريته، لأنه يجوز قتاله فقط ولا يجوز قتله، فليس كل من جاز قتاله جاز قتله، ولهذا يقاتل الناس لو تركوا الأذان، لكن لا يجوز قتلهم، ففرق بين القتال والقتل، الله -تعالى- يقول: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ﴾ ..أكمل الآية؟ ﴿فَقَاتِلُوا﴾ ولم يقل فاقتلوا! ﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: 9]، قال: [وَيَجِبُ عَونُهُ] يعني يجب على رعية الإمام مساعدته وتأييده على قتال البغاة، كما ساعد الصحابة وأعانوا أبا بكر على قتال مانعي الزكاة وقتال المرتدين، وأيضاً عان بعض الصحابة عليَّاً على قتال الخوارج، قال: [ولا يُجَازُ على جَرِيحٍ] لا يجاز: يعني لا يُقتل، يقال أجاز عليه: يعني قتله، يعني لا يُقتل جريح من هؤلاء، [ولا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ] يعني إذا أدبر وهرب، المدبِر: هو الهارب، فإنه يترك، ولا يُتبع، [ولا تُسْبَى الذُّريَّةُ] والمقصود بالذرية: النساء والصبيان، لا يجوز سبيهم، لأنه لم يحصل منهم سبب يقتضي سبيهم، ولأنهم مسلمون، [ولا يُغْنَمُ مالُهُم] فلا تغنم أموالهم لأنهم ليسوا كفاراً، وإنما هم مسلمون وبغوا فقط، فلا تؤخذ أموالهم غنيمة، أموالهم لا زالت معصومة، [بل يُرَدُّ بعدَ القِتَالِ] يعني من وجد من أهل البغي ماله بعد القتال بيد غيره، فيرد له ماله، لأن أموالهم معصومة، هؤلاء مسلمون، [كالأسيرِ] يعني من أُسِر من أهل البغي وحُبس، فإذا انتهى القتال يجب تخليته وإطلاقه، وهذا قد حصل يعني من المسلمين في بعض العصور الإسلامية، وقد ذُكر في تاريخ الدولة السعودية الأولى، أنهم كانوا يطبقون هذه الأحكام بدقة، فكان هناك من بغى على الإمام محمد بن سعود وعبدالعزيز بن محمد وسعود بن عبدالعزيز، هناك من بغى عليهم من الطوائف، فكانوا العلماء معهم من أئمة الدعوة يأمرونهم بتطبيق هذه الأحكام، لا يُتبع مدبرهم، لا يجهز على جريح،لا تُسبى ذراريهم، لا تُغنم أموالهم، فيطبقون عليهم هذه الأحكام الشرعية، لأنهم كانوا معهم العلماء، كان معهم العلماء من أئمة الدعوة الإصلاحية -رحمهم الله تعالى- جميعاً، قال: [ولا يُقَاتَلُ بِمَا يَعُمُّ إتلافُهُ ، كَنَارٍ ومَنْجَنِيق] يعني لا يجوز القتال بما يعم إتلافه، وهو ما يسمى في الوقت الحاضر بأسلحة الدمار الشامل، أسحلة الدمار الشامل، يعني فقهائنا نصوا على عدم جواز استعمالها، [كَنَارٍ ومَنْجَنِيق] يعني إحراقهم بالنار أو قتالهم (بالمنجنيق) وهي آلة تُقذف بها الحجارة.من مسافة بعيدة، وأما النار فلا يعذب بالنار إلا رب النار كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى الكفار أيضاً لا يجوز تحريقهم، " لا يعذب بالنار إلا رب النار" .

* * *

 

ثم قال المؤلف -رحمه الله- قال: (بابُ الرِّدَّةِ).

وهذا الباب الحقيقة هو من الأبواب المهمة، وذلك لما نرى مع هذا الإنفتاح الذي يعيشه الناس اليوم، من موجة الإلحاد والردة التي تقع من بعض الناس، والله -تعالى- يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج: 11]، من كان إيمانه ضعيفاً فإنه يتزعزع هذا الإيمان بأدنى شبهة وبأدنى موقف، أما من كان إيمانه قوياً لا يمكن أن تؤثر فيه هذه الشُبَه، أبداً، حتى لو عاش في بلد كفار، لا يمكن أن تؤثر فيه، والله -تعالى- من حكمته أنه يقول: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران: 179]، لابد أن يكون هناك تمحيص للممؤمنين وتمييز الخبيث من الطيب، فهؤلاء الذين يقعون في الإلحاد عندهم ضعف أصلاً في الإيمان، وعندهم يعني إشكالات وشُبَه و..، ولذلك بأدنى شبه حصل منهم ما حصل.

الرِّدَّةِ: اسم مصدر، من (ارتَدَّ) (يَرتَدُّ) (ارتِدَادَاً) فالمصدر هو؛ ما هو؟ من (ارتَدَّ)؟ المصدر: ارتِدَادْ، واسم المصدر: رِدَّة، إذاً (رِدَّة) اسم مصدر ليست مصدراً، هذه تكلمنا عنها في أكثر من مرة، ومعنى المرتد: هو الذي يكفر بعد إسلامه، هو: (الذي يكفر بعد إسلامه)، والله -تعالى- ذكر هذا في سورة البقرة قال: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[البقرة: 217]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من بدَّل دينه فاقتلوه".

قال: [هِيَ كُفرُ مُسلِمٍ ... إلى آخره].

طيب؛ بما تحصل الردة؟

تحصل الردة بأربعة أمور: تحصل (بالقول، وبالفعل، وبالشك، وبالإعتقاد).

تحصل الردة عند أهل السنة والجماعة بأربعة أمور، أو بواحد من هذه الأمور الأربعة:

بالقول، وبالفعل، وبالإعتقاد، وبالشك.

أما بالقول: كسبِّ الله -تعالى-، أو سبِّ رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

والفعل: كالسجود للصنم، أو السجود لغير الله .

والإعتقاد: كاعتقاد الشريك لله، أو اعتقاد الولد لله -عز وجل-، تعالى الله عن ذلك.

والشك: أي الشك المستقر، في وجود الله، أو وحدانيته، أو نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- ونحو ذلك، والمراد بالشك: أي الشك المستقر الذي يسكن إليه الإنسان، بخلاف الشك الذي لا يسكن إليه الإنسان، بل يرفضه ولا يعتقده، فإن هذا قد يحصل، قد يعتري بعض الصالحين، ولهذا جاء نفر من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله، إن أحدنا ليجد ما يتعاظم أن يتكلم به!، فقال بعضهم: حتى إني لو أخر من السماء إلى الأرض ما تكلمت به!، وقال غيره: لو كنت حممة ما تكلمت به، -يعني أمور متعلقة بالذات الإلهية ونحو ذلك- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أوجدتموه"؟ قالوا: نعم، قال: "ذاك صريح الإيمان".[رواه مسلم]، يعني دليل على قوة الإيمان، ما هو الدليل على قوة الإيمان؟ مدافعة هذه الشكوك، لأن الشيطان إذا وجد من الإنسان الصلاح والإستقامة، بدأ يتسلط عليه بهذه الشكوك، فإذا دافعها هذا دليل على قوة إيمانه، ولهذا لما علم بذلك اليهود قالوا لابن عباس: أنتم أيها المسلمون تجدون هذه الشكوك، نحن لا نجد!، فقال ابن عباس: (وماذا يفعل الشيطان بالبيت الخرب!). يعني الشيطان استراح منكم! ماذا يفعل!، يأتي للقلب العامر بالإيمان، فهذه الشكوك التي يدافعها الإنسان ليست مقصودة في هذا الباب، إنما المقصود الشك الذي يسكن إليه الإنسان ويستقر لديه، وقد ضل في ذلك بعض الطوائف، بعض الطوائف التي قالوا إن مرتكب الكبيرة كافر، ويقابلهم الطوائف المرجئة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب، وأيضاً من يقول إن من يسجد للصنم لا يكفر حتى يعتقد، هذا قول المرجئة، فإذاً الكفر يحصل بهذه الأمور الأربعة: القول، والفعل، والإعتقاد، والشك، والمؤلف سيذكر أمثلة لذلك:

قال: [هِيَ كُفرُ مُسلِمٍ مُختَارٍ عَاقِلٍ] يعني ذكر المؤلف أموراً تحصل بها الردة، فقال: (كفر مسلم) يخرج به غير المسلم، يعني غير المسلم لو انتقل من ديانة إلى ديانة لا يعتبر مرتداً، يعني من يهودية إلى نصرانية أو العكس، لا يعتبر مرتداً، [مُختَارٍ] وهذا يخرج به المُكرَه، فإن المكره على قول أو على فعل الكفر؛ لا يعتبر مرتداً، من يذكر لنا الدليل على أن من أُكرِهَ فهو غير مؤاخذ؟ ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ[النحل: 106]، فمن أكره على قول كلمة الكفر فإنه لا يكفر ولا يرتد، بل حتى لو أُكره على الفعل أيضاً، فالمكره غير مؤاخذ، قال: [عَاقِلٍ] وهذا يخرج به غير العاقل كالمجنون، المجنون لو تكلم بما يقتضي الردة لا يعتبر مرتداً، وهذا يحصل من بعض المرضى النفسيين، بعض المرضى النفسيين يتكلم بكلام فيه كفر وردة، وبعضهم يسجل مقاطع على اليوتيوب ثم يبدأ بعض الناس بتداولها، ورأيت يعني أكثر من مقطع في هذا، هؤلاء أصلاً غير عقلاء مجانين، فينبغي أصلاً عدم نشر هذه المقاطع، لأن كثيراً من المرضى النفسيين عندهم ضلالات، فهؤلاء غير مؤاخذين أصلاً شرعاً، وينبغي ألا تنشر مقاطعهم، وبعض الناس ينشرها بحسن نية، انظر ماذا يقول هذا! لماذا لم يعاقب! وهو أصلاً مريض نفسي!، هذا مريض نفسي أصلاً غير عاقل، فالأحسن في مثل هذه المقاطع أنها لا تنشر، لكن هذا يؤخذ على يده، حتى وإن كان مجنوناً لا يترك ينشر مثل هذه المقاطع، وهكذا أيضاً غير البالغ، غير البالغ أيضاً لا تصح ردته، قال: [باللَّهِ] يعني هذا متعلق بقوله: [كُفرُ مُسلِمٍ مُختَارٍ عَاقِلٍ باللَّهِ] يكفر بالله -عز وجل-، كأن ينكر وجود الله أو ينكر وحدانيته أو نحو ذلك، [أو صفةٍ من صِفاتِهِ] كأن يجحد صفة من صفات الله -عز وجل-، كصفة مثلاً العلم أو القدرة أو نحو ذلك، [أَو جَعَلَ لَهُ شَريكاً] إذا جعل لله شريكاً هذا هو الشرك الأكبر، فيكون مرتداً، وقد يكون جعل الشريك لله -عز وجل- بجعل الوسائط، هذا هو أصلاً شرك الأمم السابقة، الأمم السابقة -قوم نوح وقوم عاد وقوم ثمود- الأمم السابقة عموماً هل كانت تنكر وجود الله؟ الجواب: ما كانت تنكر وجود الله، كانت تقر بأن الله الخالق الرازق المدبر لهذا الكون، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[الزمر: 38]، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[الزخرف: 87]، إذاً ما هي المشكلة عندهم؟ جعلوا بينهم وبين الله وسائط، قالوا هذه وسائط أناس صالحين نريد أن يشفعوا لنا عند الله، فقط هذا هو شركهم ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ[الزمر: 3]، فهم قالوا هذه أصنام أناس صالحين، فنريد أن تشفع لنا عند الله، طيب؛ مالفرق بينهم وبين من يأتي للقبر ويطوف بالقبر ويقول هذا قبر إنسان صالح أريد أن يشفع لي عند الله؟! هل فيه فرق بينه وبين من يطلب من الصنم أن يشفع له عند الله؟! ما فيه فرق! هو نفسه، فالذين يطوفون بالقبور ويسألون أصحابها المدد وقضاء الحاجات وتفريج الكربات هم واقعون في الشرك الأكبر، واقعون في الشرك الأكبر، ولذلك فهذا هو أعظم الذنوب، أعظم ذنب عُصي الله به الشرك، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا[النساء: 116]، ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ[المائدة: 72].

قال: [أَو جَعَلَ لَهُ شَريكاً أو نِدَّاً] يعني جعل لله -تعالى- ندَّاً، [أو وَلداً] فهذا يقتضي كفره وخروجه من ملة الإسلام [ونحوَهُ]، [أَو جَحَدَ نبّياً] إذا جحد نبياً من الأنبياء فإنه يكون كافراً، فلابد من الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، جملةً وتفصيلاً، جملة: بأن الله أرسل الرسل والأنبياء جميعاً، تفصيلاً: يعني يؤمن بما سمى الله -تعالى- منهم، وعددهم خمسة وعشرون نبياً، ذكرهم الله -تعالى- في القرآن، وأولو العزم منهم كم؟ خمسة، [أَو كِتاباً] جحد كتاباً من الكتب السماوية، كأن يجحد التوراة أو الإنجيل أو الزبور، فإنه يكفر، لأنه مكذب لله ولرسوله، [أو عبادةً مِنَ الخَمْسِ] المقصود من (الخمس) يعني من العبادات الخمس وهي: الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج، فلو جحد واحدةً منها فإنه يكفر، [أَو مُجْمَعَاً عَلى حِلِّهِ أَو حُرْمَتِهِ] وهو ما يعبر عنه العلماء: إذ أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، إذا أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، كأن مثلاً ينكر تحريم الخمر، يقول الخمر ليس حرام، يكون كافراً، أو ينكر تحريم الزنا، أو ينكر مثلاً إباحة لحوم الإبل أو الغنم، المقصود أنه إذا أنكر شيئاً معلوم من الدين بالضرورة حِلَّاً أو حرمةً؛ فيكون كافراً، [ونَحوِهِ مِنَ الأَحكامِ ظَاهِراً] يعني من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، [مِمَّنْ لا يَجْهَلُ مِثلُهُ] يعني إذا كان مثله لا يجهل، أن يكون نشأ في بلد الإسلام، أما إذا كان حديث عهد بالإسلام فإنه لا يكفر، أو كان في بلد يكثر فيه الجهل فإنه لا يكفر، أحياناً في بعض البلاد قد يكثر الجهل وينكر بعض الناس أموراً معلومة من الدين بالضرورة، أنا أذكر أنه أتى إلي رجل من إحدى البلاد العربية وقال: أنا كنت أعتقد أن الزنا هو أن يزني بإمرأة متزوجة، أما غير المتزوجة فإذا كان هو راضي وهي راضية يعني ما هي المشكلة!، فيقول كنت على هذا وكنت أمارسه أمام الناس ولا أحد ينكر علي!، نسأل الله العافية، انظر يعني كيف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا غُيِّب أو ضعف؛ تصل الأمور لهذه الدرجة!، فلما علَّمتُه قال: أول مرة أعرف هذا الحكم، طيب؛ هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة لكنه نشأ في بلد مثله يجهل الحقيقة، مثله يُعذر بذلك، فينظر في حال هذا المنكر لهذا الشيء، قد يكون نشأ في بلد يعظم فيه الجهل ويقل فيه العلم ويقل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب لرفع الجهل، وسبب لزوال المنكرات وقلتها، ولذلك يعني المؤرخون ذكروا أن الجزيرة العربية قبل دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب؛ انتشر فيها الشرك، قالوا أن سببه أن بعض الرقاة كانوا يأتون ويأتون معهم بأمور شركية، يأمرون بالذبح لغير الله، ويأمرون ببعض الأمور الشركية، ولا أحد ينكر عليهم، فاستمرؤوا هذا الأمر ثم زاد ثم انتشرت الشركيات، فلاحظ بدايتها كانت عن طريق هؤلاء الرقاة، وكانوا يأمرون الناس بأمور شركية ولا أحد ينكر عليهم -هذا محل الشاهد-، فإنكار المنكر هذا من الأمور العظيمة ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ[آل عمران: 110] ، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائماً في البلد، فالبلد على خير وإلى خير، لكن عندما يضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنتشر المنكرات، وتنتشر البدع، وتنتشر الشركيات، قال: [وكذا سَبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ] يعني من سب الله وسب رسوله -صلى الله عليه وسلم- فإنه يكفر بإجماع المسلمين، ولكن هل تقبل توبته أو لا تقبل؟

أما من سب الله -عز وجل- ففيما بينه وبين الله تقبل، لكن في أحكام الدنيا هل تقبل توبة من سب الله تعالى؟

اختلف العلماء في هذه المسألة، يعني بحيث أن هذا الذي سب الله رُفع للقاضي، فقال هذا الساب: أنا أتوب إلى الله، هل يقبل القاضي توبته؟ أو يحكم بردته وقتله؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أنه لا تقبل توبة من سب الله، وهذا هو المذهب عند الحنابلة ولذلك في زاد المستقنع: (ولا تقبل توبة من سب الله أو رسوله)، وقالوا إن سبه لله يدل على فساد عقيدته، وعلى استخفافه بالله -تعالى-، فهو كالزنديق لا تقبل توبته.

وذهب بعض العلماء إلى قبول توبة من سب الله -تعالى-، إذا تاب، لقول الله -تعالى-: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ[المائدة: 72]، ثم قال في الآية التي بعدها: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ[المائدة: 73]، ثم قال في الآية التي بعدها، من يذكر لنا الآية؟ ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[المائدة: 74]، فالذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ؛ هذا من أعظم ما يكون من السب لله!، والذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة هذا أيضاً أعظم ما يكون من السب لله!، ومع ذلك عرض الله عليهم التوبة، قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ، واستدلوا أيضاً بقول الله -تعالى-: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65،66]، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً[التوبة: 66]، ولا عفو على مثل هؤلاء إلا بالتوبة، ولقول الله -تعالى-: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا[الزمر: 53]، وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-، أنه تقبل توبة من سب الله -تعالى-، هذا هو الأشبه بالنصوص وبالأصول والقواعد الشرعية، كذلك يكفر من سب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لكن هل تقبل توبته؟

يجري فيه الخلاف السابق، فمن العلماء من قال: إنها لا تقبل توبته، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.

وقال بعض أهل العلم إنها تقبل توبة من سب الله ولا تقبل توبة من سب رسوله، وإلى هذا ذهب ابن تيمية وأيضاً الشيخ ابن عثيمين -رحمهم الله تعالى- جميعاً، قالوا: لأن الله -تعالى أخبرنا عن أنه يتوب على من سب الله في قول: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ، وأما الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلا ندري! هل عفى عن حقه أم لا؟! فلا تُقبل توبة من سب الرسول، هذا رأي ابن تيمية وأيضاً تبعه في ذلك الشيخ ابن عثيمين.

والقول الثالث أنها تقبل من سب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لأنها إذا كانت تقبل توبة من سب الله فتقبل توبة من سب رسوله من باب أولى، وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله-؛ أنها تقبل توبة من سب رسوله، فعلى القول الراجح من تاب إلى الله تاب الله عليه، فمن سب الله أو سب رسوله فتقبل توبته على القول الراجح، ويفتح له مجال التوبة، والله -تعالى- يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا[الزمر: 53]، لكن للإمام أن يجتهد إذا كثر السب لله أو لرسوله في الناس، وأراد ولي الأمر أن يأخذ بالقول الآخر وهو عدم قبول التوبة، فهذا يمكن، وأذكر قبل يمكن خمسة وعشرين عاماً تقريباً، نُفِّذ حكم الردة في من سب الله -تعالى-، قُتِل، ما أدري هل قتل تعزيراً أو ردة لكنه قُتل، قتل رجل سب الله -عز وجل- فإذا رأى ولي الأمر ذلك لأجل ردع الناس وأخذ بالقول الآخر فلا بأس، أما من حيث التحقيق العلمي فالذي يظهر أنها تقبل توبة من سب الله أو سب رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

قال: [أو تَشْبِيهُهُ بِخَلقِهِ] يعني من شبه الله بخلقه فإنه يكفر، [فُيسْتَتَابُ ثَلاثاً] هذا هو حكم المرتد، أنه يستتاب ثلاثة أيام، تعرض عليه التوبة، ويدل لذلك قصة عمر -رضي الله عنه- لما قدم على عمر رجل من أبي موسى الأشعري، وذكر أن رجلاً كفر بعد إسلامه وأنهم ضربوا عنقه، فقال عمر: (هلا حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه كل يوم رغيفاً، واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله!، اللهم إني لم أحضر ولم أرضى إذا بلغني)، وهذا دليل على أن المرتد يستتاب، تعرض عليه التوبة، يستتاب ثلاثاً [فإن أسَلَمَ] يعني رجع عن ردته [وإلاَّ قُتِلَ] طبعاً الدليل على أن المرتد يُقتل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من بدَّل دينه فاقتلوه"، طيب؛ إذا قُتل كيف يكون الحال مع ماله؟ قال: [وَمَالُهُ فَيءٌ] يعني إذا مات المرتد وقُتل مرتداً؛ فإن ماله يكون فيئاً، وإذا كان فيئاً فإنه يصرف إلى بيت مال المسلمين، ولا يكون إلى ورثته، لأنه لا وارث له، وإلى هذا ذهب الجمهور، هذا هو المذهب عند الحنابلة وهو أيضاً مذهب المالكية والشافعية.

والقول الثاني أن مال المرتد يكون لورثته المسلمين، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها الإمام ابن تيمية -رحمه الله- وابن القيم، وهو القول الراجح، وقال ابن القيم -رحمه الله-: قال (لأن ارتداده أعظم من مرض الموت المخوف، وهو في هذه الحال قد تعلق حق الورثة بماله) ، فيكون ماله لورثته، وهذا هو القول الراجح، أن مال المرتد يكون لورثته.

قال: [ولا يُرَقُّ ولا وَلَدُهُ الذي وُلِدَ قَبْلَ الرِّدَّةِ] ولا يرق: يعني لا يجري الرق على مرتد، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من بدل دينه فاقتلوه"، ولأن استرقاقه إقرار له على كفره، وكذلك من ولد له قبل الردة لا يجوز استرقاقه، بل يحكم بإسلامه، أما من ولد بعد الردة فإنه قيل يجوز استرقاقه، وقيل لا يجوز، لأن آبائهم لا يجوز استرقاقهم فلا يجوز استرقاق الأولاد من باب أولى، وهذا هو القول الراجح، فلا يسترق إذاً المرتد ولا يسترق أولاده قبل وبعد الردة على القول الراجح.

هذه أبرز المسائل والأحكام المتعلقة بأحكام المرتد، ونقف عند (كتاب الحدود) نفتتح به درسنا القادم إن شاء الله -تعالى-.

* * *

والآن نجيب عما تيسر من الأسئلة:

مالفرق بين قول هذا الرجل بالكفر وبين قول هذا كافر؟

ايه نعم، أحسنت؛ يحكم على العمل بأنه كفر إذا نطبق عليه الوصف الذي ذكره العلماء؛ فيما يحصل به الكفر وتحصل به الردة مما ذركنا، وغيره مما ذكره أهل العلم، ولكن ليس كل من وقع في الكفر يكون كافراً، انتبه لهذه القاعدة (ليس كل من وقع في الكفر يكون كافراً)، قد يقع الإنسان في الكفر ولا يكون كافراً، لجهله أو تأوله، ويدل لذلك ما جاء في الصحيحين في قصة الرجل الذي قال لأودلاه: إذا مت فاسحقوني ثم ذروني في البحر، فوالله لإن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً  شديداً، فيأمر الله -تعالى بجمع أجزائه، ويقول الله له: (ما حملك على ما صنعت!) فيقول: يا ربي خشيتك، فغفر الله له، طيب؛ هذا وقع في الكفر، شك في قدرة الله، ومع ذلك لم يكفر، بل غفر الله له، ليس كل من وقع في الكفر يكون كافراً، متى يكون كافراً؟ إذا أقيمت عليه الحجة، إذا أقيمت عليه الحجة، أقام عليه أهل العلم الحجة وقال يا فلان إن فعلك هذا كفر، وأصرّ بعد إقامة الحجة عليه هذا يكفره العلماء، ليس أي أحد وإنما أهل العلم فقط.

 

كيف يفرق المسلم بين العقوبة والإبتلاء؟

هذا سؤال مهم، الأصل هو قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ[الشورى: 30]، لكن بعض الناس قد يبتليهم الله -عز وجل- بابتلاءات، رفعة في درجاتهم وتكفيراً لسيئاتهم، والإبتلاء لابد منه، لابد من الإبتلاء، لأن دعوى الإيمان دعوة سهلة، من السهل أن يدعيه أي أحد، يقول أنا مؤمن أنا قوي الإيمان أنا كذا، لكن المحك هو الإبتلاء، ولهذا قال -عز وجل-:  ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 2،3]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ[الحج: 11]، فبعض الناس عند أدنى محنة يتزعزع ويضعف وينتكس ويرتكس، فالإبتلاء لابد منه، وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، إن كان عنده صلابة في دينه شدد عليه في البلاء، ولذلك فالأصل أن الإنسان إذا حصلت له مصيبة يستغفر الله -تعالى- ويتوب إليه،  ويقبل على الله -تعالى-، فقد يكون هذا عقوبة وقد يكون ابتلاءً، قد يكون رفعة في درجاته وتكفيراً لسيئاته. 

 

ما مقصود قول المؤلف عن البغاة: (بتأويل سائغ)؟

يعني بتأويل مقبول، لو كان تأويل غير سائغ، مثل مثلاً يعني تأويل الخوارج ومانعي الزكاة ونحو ذلك، هذا غير مقبول أصلاً، هؤلاء خروجهم يعتبرون قطاع طريق، لكن تأويل سائغ يعني لهم شبهة، لهم شبهة في هذا.

 

 * * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1440/2/20