الخثلان
الخثلان
من الفائدة 216 إلى الفائدة 222
30 صفر 1440 عدد الزيارات 233

لطائف الفوائد / من الفائدة 216

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا.

هذا هو الدرس العاشر في هذا العام ، في هذا اليوم الأثنين السابع والعشرين من شهر صفر من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، نبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (216)؛ في معنى حديث (لا يبع حاضر لباد)، نستمع أولاً للفائدة:

 

فائدة: معنى حديث: (لا يبع حاضر لباد)

جاء في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يبع حاضر لباد"، والحاضر: المقيم في البلد، والبادي: من يدخل البلد من غير أهله، سواء كان بدوياً أم غيره، وسئل ابن عباس عن معناه، فقال: (لا يكون له سمساراً)، مع أن في كون الحاضر سمساراً للبادي مصلحة لهما، لكن فيها مضرة على أهل السوق، فإن البادي إذا ترك يبيع سلعته بنفسه، فالغالب أنه يبيعها برخص، فينتفع الناس بذلك.

وقد جاء في رواية مسلم الإشارة لهذا المعنى: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".

نعم، (لا يبع حاضر لباد) الحاضر: هو المقيم الحضري، المقيم في الحاضرة، والباد: هو البدوي، أي: المقيم في البادية، وهذا الحديث خرج مخرج الغالب وإلا فإنه يشمل كل من دخل البلد من غير أهله، سواء أكان بدوياً أم غير بدوي، فهو خرج مخرج الغالب، ومعنى (لا يبع حاضر لباد)؛ كما فسر ذلك ابن عباس أي: (لا يكون له سمساراً)، فإذا أتى القادم من غير أهل البلد لا يأتي المقيم في السوق -الحاضر- يقول لهذا البادي: أنت لا تعرف الأسعار، أنا أبيع لك هذه السلعة، أبيعها لك بسعر مرتفع، أو أبيعها لك بسعر السوق، هذا لا يجوز، طيب؛ لماذا لا يجوز وفيه مصلحة للطرفين؛ فيه مصلحة لهذا البادي لكونه لن تُبع سلعته إلا بسعر مرتفع أو بسعر السوق، وفي هذا أيضاً مصلحة للحاضر من جهة أنه يأخذ أجرة السمسرة، ففي بيع الحاضر للبادي مصلحة للطرفين -للحاضر والبادي- فلماذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك؟!

الجواب: أنه نهى عن ذلك لما فيه من مضرة أهل السوق، فإنه وإن كان فيه مصلحة للطرفين إلا أن فيه إضراراً بأهل السوق، لأنه إذا أتى الحاضر للبادي وأصبح سمساراً له، فإنه لن يبيعها إلا بسعر مرتفع، وبذلك ترتفع الأسعار على الناس، فيكون ذلك سبباً في غلاء الأسعار، أما إذا ترك البادي يبيع السلعة بنفسه من غير أن يتدخل الحاضر في بيعها له، فإنه سيبيعها في الغالب برخص، ينظر قيمة السلعة ويأخذ ربح معقول ويبيعها برخص، وإذا باعها برخص كان ذلك سبباً في رخص أسعار السوق، فيستفيد أهل السوق كلهم بهذا الرخص، وإلى هذا المعنى أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" يعني: دع الناس ترتزق من هذا البادي، أو هذا القادم من غير أهل البلد، هو لن يتضرر، هو يحسب تكلفة السلعة وسيأخذ ربح معقول، لكن الناس يرزقها الله -تعالى- منه بسبب الرخص، فلماذا تتدخلون في الأسعار! اتركوه، اتركوه يبيع بنفسه، هو إنسان عاقل رشيد يبيع بنفسه، فإذا باع برخص استفاد الناس واستفاد أهل السوق من ذلك الرخص، ورخصت الأسعار، وهذا يدل على عظمة هذه الشريعة وعلى شمولها، وأنها تراعي جميع الأطراف، تراعي البائع وتراعي المشتري وتراعي أيضاً أهل السوق، ولا غرو في ذلك، فهذه الشريعة من لدن العزيز الحكيم -جل وعلا-، الخبير بعباده وبمصالح عباده، ولذلك فهذا الحديث العظيم يفوق كثير من النظريات الإقتصادية في هذا، ويبين لنا شمولية الشريعة، ومراعاتها لجميع الأطراف، لمصلحة البائع ومصلحة المشتري ومصلحة أهل السوق أيضاً.

طيب؛ لو أن البادي ذهب بنفسه للحاضر -البادي أو من في حكمه من القادم من غير أهل البلد-، هو الذي ذهب بنفسه للحاضر وقال له بع لي هذه السلعة!؟ يعني ما ذهب الحاضر للبادي وقال أبيعها لك، لا؛ البادي نفسه ذهب للحاضر وقال أخشى أن الناس تلعب علي، أخشى أن الناس يشترونها مني برخص، أنا أريد أن تبيع سلعتي هذه بسعر السوق! هل هذا يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، لا بأس بهذا، إذا البادي اختار أن يبيعها بسعر السوق، وطلب من الحاضر أن يساعده في ذلك، فلا بأس بهذا، فهو حرٌّ أصلاً في تحديد الثمن، البائع حر في تحديد الثمن ما لم يصل إلى درجة الغبن الفاحش، فإذا قال البادي أنا لن أبيعها إلا بسعر السوق، وأنا لا أعرف أسعار السوق، وسأستعين بهذا الحاضر ليكون لي سمسار؛ هنا لا بأس، إنما الممنوع أن الحاضر يذهب إلى البادي أو من في حكمه من تلقاء نفسه، ويقول أنا أبيعها لك، هذا هو الذي لا يجوز، أما إذا ذهب البادي إلى الحاضر وقال بع لي هذه السلعة فهذا لا بأس به، وقد نص الفقهاء على ذلك، ذكر هذا الموفق في المغني وغيره: أن البادي إذا ذهب للحاضر وطلب منه أن يبيع سلعته؛ أنه لا حرج في ذلك ولا بأس به، يعني كأنه يقال لهذا الحاضر لا تكن فضولياً!، اترك هذا البادي يبيع بنفسه، دع الناس ترتزق منه، لكن لو أن البادي نفسه كان نبيهاً وطلب من الحاضر أن يبيع له فلا بأس بهذا، ولا يدخل هذا في نهي النبي -صلى الله عليه وسلم-.

* * *

فائدة: الذكر يعطي الذاكر قوة عجيبة

قال ابن القيم -رحمه الله-: (الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابه أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة -أي أسبوع- وأكثر، وقد علَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- ابنته فاطمة وعليَّاً -رضي الله عنهما-، أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، لما سألته الخادم وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والخدمة، وقال: إنه خير لكما من خادم، فقيل: من داوم على ذلك، وجد قوة في يومه تغنيه عن خادم).

نعم، الذكر يعطي الذاكر قوة، ويزيده قوة، ولذلك ذكر الله -تعالى- عن هود أنه قال لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: 52]، فتأمل قوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً﴾، فهذه من ثمرات الإستغفار، الإستغفار من الذكر، أنه سبب لزيادة القوة، وهنا يذكر ابن القيم عن شيخه ابن تيمية -رحمة الله على الجميع-، يقول: شاهدت من قوته في سننه وكلامه وإقدامه وكتابه أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة -يعني في أسبوع-، فهذا قد يكون من ثمرات القوة التي يعطيها الذكر، وكان ابن تيمية -رحمه الله- كان كثر الذكر لربه -سبحانه-، وكان إذا صلى صلاة الفجر بقي في المسجد يذكر الله -تعالى- حتى تطلع الشمس وترتفع، ويقول: هذه غدوتي لو لم أفعل ذلك لسقطت قوتي، وقد يكون أيضاً من أسباب ذلك البركة، أن الله أعطاه البركة في وقته، ولذلك يكتب في اليوم ما يكتب غيره في أسبوع، بسبب البركة، الله -تعالى- يبارك لمن يشاء فيما يشاء، فقد يبارك لبعض الناس في أوقاتهم وفي أعمارهم، وقد يبارك لأناس في أولادهم، وقد يبارك لأناس في أموالهم، وقد يبارك لأناس في صحتهم، وهكذا، ولذلك من أعظم الأدعية أن تسأل الله البركة، تسأل الله أن يبارك لك، اللهم بارك لي في وقتي وفي عمري وفي صحتي وفي أهلي وفي مالي وفي ولدي، فالدعاء بالبركة من الأدعية العظيمة، فهذا الذكر يعطيه قوة من جانب، وأيضاً البركة التي يجعلها الله -تعالى- له من جانب آخر، ومن أسباب حلول البركة: التقوى لله -سبحانه- ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]، فمن أسباب حلول البركة الإيمان والتقوى، ومن أسباب نزع البركة: المعاصي ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]، فيجد الإنسان آثار البركة، أو آثار نزع البركة، يجدها في الوقت، في المال، في الولد، في كل شيء، ولذلك ينبغي أن يحرص المسلم على الدعاء بالبركة وسؤال الله البركة، والحرص على ذلك، ومن الحرص على ذلك أن يُكثر من الدعاء في أن يبارك الله -تعالى- له، خاصة في وقته وفي عمره، لأنه إذا بورك له في وقته سيفعل الأفعال الكثيرة في الوقت اليسير، وهنا ذكر قصة علي وفاطمة، لما أتت فاطمة بنت النبي -صلى الله عليه وسلم- تطلب منه خادماً، فقال: "ألا أدلكما -يعني لعلي وفاطمة- على ما هو خير من الخادم، تسبحان الله ثلاثاً وثلاثين -قبل النوم- إذا أتيتما مضاجعكما، تسبحان الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدان الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبران الله أربعاً وثلاثين"، طيب؛ مالعلاقة بين الخادم وبين الذكر؟! يعني فاطمة أتت تريد خادماً! النبي -عليه الصلاة والسلام- قال إن هذا الذكر خيرٌ من الخادم؟

استنبط أهل العلم من ذلك: أن من أتى بهذا الذكر قبل النوم، أُعطي قوةً في يومه على أعماله، ولهذا قال: (من داوم على ذلك وجد قوة في يومه تغنيه عن خادم)، لكن بشرط أن يفعل ذلك بيقين، فقبل النوم؛ السُنَّة أن الإنسان يسبح الله ثلاثاً وثلاثين، يحمد الله ثلاثاً وثلاثين، يكبر الله أربعاً وثلاثين، إذا فعل ذلك بيقين فإن الله -تعالى- يعطيه قوةً في يومه تغنيه عن الخادم، وهذه من ثمرات الذكر.

* * *

فائدة : فضل الدلالة على الخير

عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني أبدع بي -أي هلكت دابتي- فاحملني، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "ما عندي"، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أدله على من يحمله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله".

الدلالة على الخير ينال بها المسلم مثل أجر الفاعل، مهما كان ذلك الخير، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله".

نعم، هذا الحديث حديث أبي مسعود يذكر فيه أن رجلاً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يشكو إليه هلاك دابته، قال: فاحملني، فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: "ما عندي"، قال رجل: ألا أدله على من يحمله؟، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله". [رواه مسلم]، وهنا قال: "فله مثل أجر فاعله" مالمراد بالمثلية هنا؟

قال النووي في شرحه على مسلم: (إن المراد بقوله "فله مثل أجر فاعله": أي أن له ثواباً بذلك الفعل، كما أن لفاعله ثواباً، ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء)، فالنووي لن يرى وجمع من أهل العلم: أن المقصود بأن من دل على خير فإنه يؤجر لكن لا يلزم من ذلك أن يكون أجره مثل أجر من فعل ذلك الخير، دل مثلاً على مشروع خيري يؤجر على ذلك أجر فقط، لكنه لا يكون مثل أجر من قام بذلك المشروع.

القول الثاني في المسألة قالوا: ذهب كثير من أهل العلم إلى أن ثواب الدلالة كثواب الفعل تماماً، قالوا إن هذا هو ظاهر الحديث وأيضاً يدل لذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء"، وهذا القول الثاني هو القول الراجح، وهو أن ثواب الدلالة كثواب الفعل تماماً، والحديث الذي استدل به أصحاب القول الثاني، هو في الحقيقة هو كالنص في المسألة، لقوله: "من غير أن ينقص من أجورهم شيء"، فإن قوله: "من غير أن ينقص" لدفع التوهم؛ من يتوهم بأن أجر الدلالة ينقص عن أجر الفعل، فإن من سن في الإسلام سنة حسنة؛ هو دل غيره على هذه السنة، يعني أحياها بعدما اندثرت، فدل غيره عليها، وعلى هذا فالقول الراجح:

أن من دل على خير فإنه يكون له مثل أجر فاعله تماماً، مهما كان ذلك الخير، حتى لو كان ذلك الخير كثيراً، فلو دل إنسان على بناء مسجد؛ يكون له مثل أجر من بنى المسجد تماماً، دل على كفالة يتيم؛ يكون له مثل أجر من كفل اليتيم تماماً، دل على أي خير؛ يكون له مثل أجره، وهذا يدل على فضل الدلالة على الخير، وعظيم أجرها وعظيم ثوابها، مع قلة الجهد المبذول فيها، مجرد أنك تدل وترشد فقط!، يحصل لك مثل أجر الفاعل تماماً، فهذه من أبواب العمل الصالح التي يغفل عنها بعض الناس، وربما نقول يغفل عنها كثير من الناس، الآن يعني وسائل التواصل الإجتماعي؛ هي الآن فرصة للدلالة على الخير، فرصة أن تدل غيرك على الخير، سواء كان في مشاريع خيرية أو حتى في أعمال صالحة، تدل غيرك على فعل عمل صالح، صدقات، صيام نافلة، أي عمل صالح، فلو أنك دللت على أي عمل صالح أو على أي فعل خير، يكون لك مثل أجره، "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"، فليجعل المسلم هذا الحديث العظيم نصب عينيه، وليحرص على أن يدل غيره على الخير، وينبغي أن توظَّف وسائل التواصل الإجتماعي التوظيف الإيجابي، وأن تستثمر في الدلالة على الخير، وفي إرشاد الناس إلى ما ينفعهم في أمور دينهم وأمور دنياهم، فإن لها جانباً سلبياً مظلماً لكن لها جانب إيجابي مشرق، فينبغي أن نغتنم وأن نستثمر الجوانب الإيجابية فيها في الدلالة على الخير، يعني ربما رسالة تأتيك عبر الجوال ترسلها لغيرك تدل على الخير الوارد فيها، يفعل الذي أرسلت له هذا الخير يكون لك مثل أجره، لكن بشرط أن تتأكد لأن أحياناً بعض الرسائل تكون غير مؤكد محتواها، لابد أن تتأكد من مصدرها وأن يكون موثوقاً، وأن يكون ذلك أيضاً الخير الذي دللت صحيحاً، فبعدما تستوثق وتتأكد؛ تدل غيرك على هذا الخير، فكل من يفعله يكون لك مثل أجره، فهذا يعني باب عظيمٌ من أبواب العمل الصالح التي أجرها عظيم وثوابها جزيل، والجهد المبذول فيها يسير، والموفق من وفقه الله -تعالى-.

* * *

فائدة : معنى حديث (لا يغرنكم الساطع المصعد)  

في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يغرنكم الساطع المصعد -أي الفجر الكاذب- حتى يعترض لكم الأحمر -أي الفجر الصادق-" قال ثعلب: (المراد بالأحمر: الأبيض، لأن الحمرة إنما تبدو في البياض، قال: والعرب لا تطلق الأبيض في اللون، وإنما تقوله في نعت الطاهر والنقي والكريم ونحو ذلك) .

نعم؛ هذا الحديث حديث سمرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يغرنكم الساطع المصعد -يعني الفجر الكاذب- حتى يعترض لكم الأحمر -يعني الفجر الصادق-"، وجاء في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل -باللام- هكذا حتى يستطير -بالراء- هكذا" قال: يعني معترضاً، ومعنى يستطير: أي ينتشر ضوؤه ويعترض في الأفق.

الفجر فجران: فجر كاذب، وفجر صادق، الفجر الكاذب: هو الفجر المستطيل، قال: بياض الأفق المستطيل، هو يظهر عمودياً، ولذلك في بعض الألفاظ (عمود الصبح)، يظهر على شكل هرم، كذنب السرحان، يعني: كذنب الذئب، وعلى شكل هرمي، ويتضح الفجر الكاذب أكثر ما يتضح في النصف الأول من الشهر الهجري القمري، أما النصف الثاني فيؤثر عليه ضوء القمر، لأنه في النصف الثاني يكون ضوء القمر موجوداً، بينما في النصف الأول يغيب القمر في وقت مبكر، فهو يتضح أكثر ما يتضح في النصف الأول من الشهر القمري، وله في بعض ليالي السنة سطوع قوي، حتى أن من ليس عنده خبرة يغتر به، ويظن أنه هو الفجر الصادق، ولهذا لاحظ قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: "لا يغرنكم" لاحظ كلمة "يغرنكم"، فيه إشارة إلى أن هذا الفجر يغر؛ يعني: يخدع من لا يعرفه ولا يميزه، ولاحظ أيضاً قوله: "الساطع" فيدل على أن له سطوع، "حتى يعترض لكم الأحمر" فذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن من أوصاف الفجر الصادق أولاً: أنه يخرج معترضاً في الأفق، بينما الصادق يخرج عمودياً، ثانياً: الفجر الصادق وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأحمر، لكننا إذا نظرنا إلى هذا الفجر نجد أنه يخرج أبيض وليس أحمراً، لكنه مشوب بحمرة يسيرة نسبية، لكن معظم الضوء أبيض، فما معنى إذاً قوله -عليه الصلاة والسلام- "الأحمر"؟

هنا قال الشراح؛ نقل الحافظ ابن حجر عن ثعلب قال: إن المقصود بالأحمر: الأبيض، لأن الحمرة إنما تبدو في بياض، والعرب لا تطلق الأبيض في اللون، يعني ما تقول هذا لونه أبيض وإنما تسميه أحمر، لكن تطلق الأبيض على الطاهر وعلى النقي وعلى الكريم ونحو ذلك، فعلى هذا يكون معنى قوله: "حتى يعترض لكم الأحمر" يعني: الأبيض المشوب بحمرةٍ نسبية، ولو راقبت الفجر الصادق تجد أنه يخرج أبيض مع حمرة يسيرة، لا تجد أنه يخرج أحمر وإنما أبيض شديد البياض مع حمرة نسبية، خاصة قبيل طلوع الشمس، تبدو هذه الحمرة بشكل أوضح، وقوله "حتى يستطير" حتى يستطير كما في رواية مسلم؛ يعني: ينتشر ضوؤه، وذلك أن الفجر الصادق إذا خرج فإنه ينفجر ويخرج ضوؤه بسرعة، خلاف الفجر الكاذب فإن مدته تطول، وقد أصبح الناس اليوم يعتمدون على التقاويم، وتغيرت أحوال الناس، الناس قبل يعني أكثر من أربعين عاماً، يصعد المؤذن على سطح المسجد أو على المنارة ويرقب الفجر، فإذا رأى الفجر قد طلع قام وأذن، أما الآن أصبح الناس يعتمدون على التقاويم، والتقاويم بالنسبة لوقت صلاة الفجر فيها اختلاف كبير، فيصل الفرق بين بعض التقاويم إلى ربع ساعة، وأحياناً إلى ثلث ساعة، من ربع إلى ثلث ساعة، وهذا يستدعي من المسلم الإحتياط لدينه، فالإحتياط بالنسبة للصلاة لا تقام صلاة الفجر إلا بعد ثلث ساعة، حتى يطمئن إلى أنه أدى الصلاة في وقتها بيقين، وبالنسبة للصيام يمسك مع الأذان، لأنه أيضاً كونه يؤذن المؤذن ولا يمسك يسبب إرباكاً وتشويشاً على الناس، وهذا لا يضر إذا أمسك مع الأذان لا يضر، إلى أن تعالج هذه الإشكالية، وأجود التقاويم في نظري بالنسبة لتوقيت الفجر هو تقويم (الإسنا)، جمعية مسلمي أمريكا الشمالية، وهذا موجود في ساعة الفجر وفي ساعة العصر، وفي أيضاً تطبيق اسمه تطبيق (المصلي)، تطبيق المصلي لو دخلت إلى أيقونة الإعدادات تجد من ضمنها الحساب، حساب الصلاة، تجد عدة تقاويم اختر تقويم الإسنا أو مسلمي أمريكا الشمالية، هذا هو التوقيت الصحيح، فلا تأتي بصلاة الفجر قبل هذا بل حتى السنة الراتبة، النبي -عليه الصلاة والسلام-يقول: "ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها"، إذا كانت خير من الدنيا وما فيها ينبغي أن توقع في وقتها الصحيح، طيب؛ من أتى للمسجد مبكراً؟ يأتي بتحية المسجد وإذا تيقن دخول الوقت قام وأتى بالسنة الراتبة.

* * *

فائدة : الاستعاذة بالله من الدَّين

عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم"، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال: "إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف"، المأثم: أي الإثم، والمغرم: الدين، والمعنى: أن الإنسان إذا لحقته الديون اضطرته إلى الكذب وإخلاف الوعد.

قال ابن القيم -رحمه الله-: (جمع النبي بين المأثم والمغرم، فإن المأثم يوجب خسارة الآخرة، والمغرم يوجب خسارة الدنيا).

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله من الدَّين، قد ورد ذلك في أكثر من حديث منها هذا الحديث؛ اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، الأربع التي أُمر الإنسان بالإستعاذة بالله منها، ثم قال: "اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم"، والمأثم: هو الإثم يعني المعاصي، وأما المغرم: فهو الدَّين، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل صلاة يصليها يستعيذ بالله من الدَّين، فسأله رجل قال: يا رسول الله ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! -يعني من الدَّين- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الرجل إذا غرم -يعني إذا لحقته الديون- حدث فكذب ووعد فأخلف"، الرجل إذا لحقته الديون يضعفحتى وإن كان صادقاً ومتديناً ومستقيماً، لكنه يبقى بشراً يضعف إذا تراكمت عليه الديون، تراكم الديون يؤدي إلى أن يكذب -في الحديث- وإلى أن يخلف الوعد، وأيضاً مع ما يجلبه من هم وغم وقلق وعدم استقرار، ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله منه، أيضاً جاء في صحيح البخاري وغيره عن أنس -رضي الله عنه- قال: (كنت أخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- فكنت أسمعه يُكثر من أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل ومن ضَلَع الدَّين وقهر الرجال)، وضَلَع الدين: هو غلبته وشدته، ولذلك في الرواية الأخرى: (أعوذ بك من غَلَبَة الدَّين وقهر الرجال)، فكان -عليه الصلاة والسلام- يستعيذ بالله من غلبة الدين ويستعيذ بالله من المغرم، فهذه من الأدعية المأثورة التي يغفل عنها كثير من الناس، فينبغي الحرص على هذه الأدعية، أن تستعيذ بالله -تعالى- من غلبة الدين، ليس من الدين لأنه ما من أحد إلا ويستدين، خاصة في وقتنا الحاضر، معظم الناس يستدينون لكن يستعيذ بالله من غلبة الدين، تتراكم عليه الديون ويعجز عن سدادها، فهذا يسبب للإنسان كدراً وقلقاً، ويؤدي إلى أن يقع في الأخلاق السيئة من الكذب في الحديث ومن خلاف الوعد ونحو ذلك، ولذلك ينبغي الإقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن نحافظ على هذا الدعاء (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم) في كل صلاة تصليها فريضة كانت أو نافلة، كل صلاة تصليها استعذ بالله من المغرم ومن المأثم؛ اللهم إني أعوذ من المأثم ومن المغرم، وأيضاً الحديث الآخر: (اللهم إني أعوذ من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال) هذا ينبغي أن يُجعل مع أذكار الصباح والمساء، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُكثر من هذا الدعاء، ولهذا قال أنس: فسمعته يُكثر من أن يقول..، كان يكثر منه لأنه دعاء عظيم جامع.

* * *

فائدة: فضل كفالة اليتيم

ورد ذكر اليتامى في القرآن الكريم (23) مرة، وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما.

ونقل ابن حجر عن ابن بطال أنه قال: (حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به، ليكون رفيق النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك).

نعم، اليتيم تكرر ذكرهم في القرآن وأوصى الله -تعالى- بالإحسان إليهم، وأوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإحسان إليهم وقال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى، هكذا، يعني يكون في منزلة النبي -صلى الله عليه وسلم-، يكون رفيقه، في منزلته، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك، لأن هذا اليتيم طفلٌ إنكسر خاطره بفقد والده، وهو في الغالب مظنة الحاجة والفقر، وليس بالضرورة أن كل يتيم فقير، قد يكون اليتيم ورث من أبيه ثروة فيكون غنياً، لكن في الغالب أن اليتيم يكون فقيراً ومحتاجاً ومنكسراً، فينبغي أن يجبر الناس خاطره، وأن يحسنوا إليه، وأن يرفعوا من شأنه، وأن يكرموه، ولهذا ورد الأمر بالإحسان لليتامى في القرآن في ثلاث وعشرين مرة، ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ[الضحى: 9]، وحذر الله -تعالى- من أكل أموال اليتامى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا[النساء: 10]، لكن هنا أنبه إلى قضية مهمة وهي أن كافل اليتيم أو كفالة اليتيم هي ضم اليتيم إلى عياله، والقيام على شؤونه، يأخذ اليتيم ويجعله عنده في البيت ويقوم عليه، كأنه واحد من عياله، وأما دفع مال لجهة خيرية لتنفق على هذا اليتيم فهذا ليس كفالة يتيم، وإنما صدقة على يتيم، وفرق بين الصدقة على اليتيم وبين كفالة اليتيم، كفالة اليتيم هي أن يضمه إلى بيته ويجعله كأنه واحد من أبنائه، وينفق عليه كأنه واحد من أبنائه، ويقوم على شؤونه كما يقوم على شؤون أولاده، هذه هي كفالة اليتيم، أما أنه يبعث لها مبلغ شهري مثلاً أو سنوي باسم كفالة يتيم؛ هذه في الحقيقة ليست كفالة يتيم بالمعنى الشرعي، هذه صدقة على يتيم، وهذه فيها أجر أيضاً لكن ليس أجرها كأجر كفالة اليتيم، لأن كفالة اليتيم ليس فقط هي مجرد دفع مال لهذا اليتيم! لا، ولكن إكرامه ورعايته والقيام على شؤونه، كونه يكون معه مثلاً في البيت يقوم على شؤونه، يدخله المدرسة، يتابعه، يرعاه، يربيه، هذه هي كفالة اليتيم، أما مجرد أنه يبعث له في الشهر دراهم يقول هذه كفالة يتيم! هذه صدقة على يتيم، هذه ومأجور عليها لكن هي ليست كفالة اليتيم الواردة في هذا الحديث، والتي قال -عليه الصلاة والسلام-: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، لكن تبقى صدقة على يتيم ويحث الناس عليها وفيها خير، فيها خير لكن نحن الآن في درس علمي وفي مجال التحقيق العلمي، فنريد أن نحقق معنى الكفالة -كفالة اليتيم-، كفالته يعني أن يضمه إلى بيته ويقوم على شؤونه ويرعاه، أما دفع دراهم لجهة خيرية هذه صدقة على يتيم.

أيضاً هناك قضية أخرى مرتبطة بهذا وهي: أن كفالة اللقيط أجرها مثل أجر كفالة اليتيم أو أعظم، لأن اليتيم له نسب معروف وله أقارب، قد يكون له أخوة وله أعمام وله أخوال وله أقارب، يمكن أن يقوموا بشؤونه، لكن هذا اللقيط ما له أحد، مقطوع النسب، لا يعرف أبوه ولا أمه، فكفالة هذا اللقيط مثل كفالة اليتيم في الأجر أو أنها أعظم أجراً من كفالة اليتيم، فإذا أخذ الإنسان هذا اللقيط وكفله وقام على شؤونه فيرجى أن يناله الأجر العظيم الوارد في كفالة اليتيم.

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* * *