الخثلان
الخثلان
من الفائدة 210 إلى الفائدة 215
30 صفر 1440 عدد الزيارات 121

لطائف الفوائد / من الفائدة 210

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمةً وهيء لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس الثامن في هذا العام الهجري، العشرين من شهر صفر من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، نبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (210)؛ في (فضل الحب في الله) :

 

فائدة: فضل الحب في الله

عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما تحاب رجلان في الله، إلا كان أحبهما إلى الله -عز وجل- أشدهما حباً لصاحبه".

نعم، هذا الحديث يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما تحاب رجلان في الله، إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه"، وهذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان، وسنده حسن، وهو يدل على فضل الحب في الله تعالى، والحب في الله والبغض في الله هو من أعمال القلوب، ومن أوثق عرى الإيمان، وقدر ورد في فضل الحب في الله عدة نصوص، وقبل ذلك نشير إلى ما دل عليه هذا الحديث، من أن الرجلين إذا تحابا في الله فمن كان أشدهما محبةً لصاحبه كان أحب إلى الله تعالى، لأنه حقق هذا العمل القلبي أكثر من صاحبه، والحب في الله تعالى سبب لمحبة الله عز وجل للإنسان، ويدل لذلك ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن رجلاً زار أخاً له في قرية، فأرصد الله في مدرجته ملكاً" أي: أرسل الله في طريقه ملكاً على صورة رجل"فقال: أين تريد؟ قال: أريد أن أزور أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك من نعمة تربها عليه؟" أي: هل بينك وبينه مصالح دنيوية؟ "قال: لا، غير أني أحببته في الله، قال: فإني رسول الله إليك، أن الله قد أحبك كما أحببته فيه" ، وهذا الحديث يدل على أن الحب في الله من أسباب نيل محبة الله تعالى للإنسان، ولهذا قال: "أن الله قد أحبك كما أحببته فيه"، أيضاً الحب في الله تعالى سبب لأن يكون الإنسان من السبعة الذين يظلهم الله تعالى تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وذكر منهم "رجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه"، رجلان لم يجمعهما نسب ولا قرابة ولا زمالة ولا مصالح دنيوية، إنما جمعهما الحب في الله، ولذلك قال اجتمعا عليه، ثم استمر هذا الحب في الله طيلة حياتهما، لم يؤثر فيه خلاف في وجهات النظر، ولم يؤثر فيه خلاف على لعاعة من الدنيا، وإنما بقي راسخةً جذوره، فلم يفرقهما إلا الموت، ولهذا قال: "وتفرقا عليه"، الذي يدعي محبة أخيه في الله ثم لأدنى موقف تنقلب تلك المحبة إلى عداوة، هذا غير صادق في أنه يحبه في الله، لو كان صادقاً لم تؤثر في المحبة في الله أي موقف، أي موقف لا يؤثر فيه، لأنه أحبه في الله ولله، ولأن جذوره راسخة، فالمحبة في الله الصادقة تبقى إلى الممات، ولهذا قال: "وتفرقا عليه"، وقد جاء في صحيح مسلم  أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "قال الله تعالى: (أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)"، وهو في معنى الحديث السابق، فالمتحابون في الله يظلهم الله -تعالى- تحت ظله في الموقف يوم لا ظل إلا ظله، ثم إن الحب في الله من أسباب دخول الجنة، ويدل لذلك ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"، فتأمل قوله "ولا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا" ، وجاء في حديث معاذ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " قال الله تعالى: (المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء)"، [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وأيضاً أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح]، يكونون على منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء، هذه منزلة عليَّة ورفيعة، أن يكون هؤلاء في مكان وعلى منابر من نور، وأفضل البشر النبيون ثم الشهداء يغبطونهم، وهذا كله يدل على فضل الحب في الله، وأنه من الأعمال التي ترفع صاحبها درجات عند الله عز وجل، وكذلك أيضاً قسيمه البغض في الله، فكما أن الحب في الله مطلوب فأيضاً البغض في الله مطلوب، والبراء من الكفر وأهله يعني أن يكون عند الإنسان غيرة على دين الله عز وجل، يحب في الله ويبغض في الله، فتكون لديه هذه المشاعر، يحب من استقام على طاعة الله، ويبغض من عصى الله تعالى، ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]، من كان عنده طاعات ومعاصٍ فإنه يحب من وجه ويبغض من وجه، كما قال ابن تيمية وجماعة من أهل العلم، يحب من وجه ويبغض من وجه، يحب لما فيه من الإيمان ومن الطاعات، ويبغض لما فيه من المعاصي.

* * *

فائدة: حكم من مات من أطفال المسلمين

قال النووري -رحمه الله-: (أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنة، لأنه ليس مكلفاً).

نعم، من مات من أطفال المسلمين أي ممن هم دون البلوغ، فإنهم في الجنة، بإجماع العلماء، كما نقل ذلك النووي، وقال الإمام أحمد: (أطفال المسلمين لا يختلف فيهم أحد)، ونقل الإجماع كثير من أهل العلم على ذلك، فجميع أطفال المسلمين الذين يموتون دون البلوغ هم في الجنة برحمة أرحم الراحمين، ولذلك عند الدعاء في الصلاة على الميت، إذا كان المصلى عليه طفلاً مسلماً من أبناء المسلمين، هل يقال وأدخله الجنة؟ هو في الجنة أصلاً، طيب؛ هل يقال اللهم اغفر له؟ ما عليه ذنوب!، لكن يدعى له بالرحمة، يقال اللهم ارحمه، ويدعى لوالديه بأن يكون شفيعاً لهما، واجعله شفيعاً لوالديه، هذا بالنسبة لأطفال المسلمين، الحكم واضح ومجمع عليه، وأما أطفال المشركين فهم في الدنيا حكمهم حكم والديهم، فلا يغسلون ولا يكفنون ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين، وأما حكمه في الآخرة فقد اختلف فيهم العلماء، والقول الراجح أنهم يمتحنون، يمتحنون يوم القيامة كأهل الفترة، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سُئل عنهم، قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، الله أعلم بما كانوا عاملين، وهذا الحديث في الصحيحين، وقال بعض أهل العلم أن أطفال المشركين في الجنة، لقوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث سمرة لما قيل وأطفال المشركين؟ قال: "وأطفال المشركين"، ولكن حديث "الله أعلم بما كانوا عاملين" أظهر ، وأيضاً حديث "وأطفال المشركين" ليس بصريح، لكن قوله "الله أعلم بما كانوا عاملين" فيه إشارة إلى أنهم يمتحنون، فالقول الراجح في أطفال المشركين: أن حكمهم حكم أهل الفترة، يمتحنون يوم القيامة امتحاناً الله أعلم بحقيقته، فمن نجح في هذا الإمتحان دخل الجنة، ومن فشل دخل النار، ومثلهم أهل الفترة، وكل من لم تبلغه الرسالة، لو افترضنا أن أحداً مثلاً في أدغال الغابات، ما سمع طيلة عمره ما سمع بشيء اسمه إسلام، ومات!، فهذا يمتحن يوم القيامة، الله تعالى عدل، يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وجاء عند الإمام أحمد بسند صحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن أربعة يوم القيامة يتكلمون وهم الأصم، فيقول يا ربِّ كان بي صمم ولم أسمع بالرسالة، وكذلك أيضاً الأحمق -يعني المجنون- فيقول ياربِّ كان الأطفال يرمونني بالبعر، -وكذلك أيضاً معهم إثنان آخران.. نسيت، الأصم والأحمق ومعهم إثنان آخران نسيتهما الآن- يمتحنون يوم القيامة، وهذا يدل على أن المجانين أيضاً يكون حكمهم حكم أهل الفترة، المجنون الذي لا عقل له يكون حكمه حكم أهل الفترة، نعم .. والهرم أيضاً، الهرم الذي لم تبلغه الرسالة، فيمتحنون يوم القيامة إمتحان الله أعلم بحقيقته، ومن تمام عدل الله عز وجل أنه لا يعذب أحدٌ لم تبلغه الرسالة، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فأطفال المشركين وأهل الفترة ومن لم تبلغه الرسالة والمجانين، هؤلاء يكون حكمهم يمتحنون يوم القيامة، امتحان الله أعلم بحقيقته، إذاً هؤلاء الأربعة: الأصم، والأحمق يعني المجنون، والهرم الذي يعني أتته الدعوة وهو هرم، ومن مات في فترة، فهؤلاء يتكلمون أمام الرب عز وجل، وكل منهم يقول ما بلغتني الدعوة، وكلهم يمتحنون يوم القيامة، يكون حكمهم حكم أهل الفترة، وبذلك نعرف حكم المجانين، لأن بعض الناس يسأل عن المجنون هل هو في الجنة! هل هو في النار!، ما حكمه؟، نقول يمتحن، يمتحن يوم القيامة لهذا الحديث وما جاء في معناه.

* * *

فائدة : فضل التسبيح

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"، كم يستغرق منك قول (سبحان الله وبحمده) مئة مرة؟! وكم سيكون لك من الثواب لو زدت في عدد التسبيح؟! كان أبو هريرة -رضي الله عنه- يسبح كل يوم اثني عشرة ألف تسبيحة.

نعم هذا الحديث العظيم يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"، وهذا الحديث متفق عليه، والمراد بالخطايا هنا: الصغائر، فلا يدخل في ذلك الكبائر، وهذا فضل عظيم على عمل يسير، عندما تقول: (سبحان الله وبحمده)، وتكررها مئة مرة، كم تستغرق من الوقت ومن الجهد؟!، ما تستغرق وقتاً كثيراً ولا جهداً كبيرا، وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أيعجز أحدكم أن يكسب في اليوم ألف حسنة!، قالوا: يا رسول الله، كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: يسبح مئة تسبيحة، فيكتب له بها ألف حسنة أو يحط عنه بها ألف سيئة"، مئة تسبيحة!، وهذا مؤيد لما ذكرناه في الدرس الماضي، من أن الذكر من الأعمال اليسيرة السهلة، والتي قد رُتب عليها فضائل عظيمة، وأجور كبيرة، وذكرنا في الدرس الماضي كلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله-، وأن ذكر الله تعالى هو أفضل الأعمال، أبو هريرة -رضي الله عنه- ذُكر في ترجمته أنه كان يسبح في اليوم ثنتي عشرة ألف تسبيحة، ثنتي عشرة ألف تسبيحة!، وذكر أيضاً في ترجمة الإمام الشافعي أنه كان يصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم- عشرة آلاف مرة!، والإمام أحمد كان يصلي لله تعالى تطوعاً من غير الفريضة ثلاثمائة ركعة، هؤلاء الأئمة رفعهم الله تعالى بهذه الأعمال العظيمة، وهي أعمال سهلة على من يسرها الله تعالى عليه، الذكر يستطيع أي أحد أن يأتي به، قائماً وقاعداً وعلى جنبه، وهو في السيارة، وهو في أي مكان!، فينبغي أن يعود الإنسان نفسه على الإكثار من ذكر الله -عز وجل-، وأن يكون لسانه رطباً بذكر الله تعالى.

* * *

فائدة : ما ينبغي للمريض من تلقي الموعظة بالقبول  

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على أعرابي يعوده، فقال له: "لا بأس طهور إن شاء الله" قال: كلا، بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فنعم إذا"، وجاء في رواية عند الطبراني: (أن الأعرابي المذكور أصبح ميتاً).

قال الحافظ ابن حجر: (دل هذا الحديث على أنه ينبغي للمريض أن يتلقى الموعظة بالقبول، ويحسن جواب من يذكره بذلك).

هذه القصة في صحيح البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على أعرابي يعوده، قال له: "لا بأس طهور إن شاء الله"، وهذا من أحسن ما يقال للمريض عند عيادته، لكن هذا الأعرابي لم يتقبل هذا الكلام، ويبدو أنه كان عنده ضيق بسبب شدة المرض، فقال: كلا، بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "فنعم إذاً"، يعني دعوت لك بأن تكون طهور إن شاء الله وأنت أبيت، فنعم إذاً، كما قلت، فمات من تلك الليلة، وهذا يدل على أن المريض ينبغي أن يتلقى الموعظة والنصح والتوجيه بالقبول، حتى وإن كان عنده شدة ألم، وإن كان عنده ضيق، فينبغي أن يتقبل ذلك بالقبول، إذا أتى إنسان ودعا له يؤمِّن على دعائه ويشكره، ويقول جزاك الله خيراً ونحو ذلك، ولا يتكلم بالكلام السيء، لأن البلاء موكَّل بالمنطق، البلاء موكل بالمنطق، فانظر كيف أن هذا الرجل لما دعا على نفسه بهذا الدعاء؛ (حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور)، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "نعم إذاً"، أنت الذي تريد هذا، إذاً نعم، فمات من تلك الليلة، لكن ماذا لو أنه لما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "طهور إن شاء الله"، تقبل ذلك وطلب من النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يدعو له ونحو ذلك، لكان هذا خيراً له، فإذاً ينبغي للإنسان أن يحرص على أن ينتقي الطيب من القول، وأن يبتعد عن الكلام السيء، وأن يبتعد عن الدعاء على نفسه، إنه قد ورد النهي عنه وعلى ولده، "لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم"، فقد يستجاب هذا الدعاء فيندم الإنسان، ومن وعظ سواء كان مريضاً أو غير مريض، ينبغي أن يتقبل الموعظة بالقبول الحسن، وأن يشكر من وعظه أو نصحه أو أرشده، هذا هو المطلوب، أما أن الإنسان يقابل الموعظة والتوجيه والإرشاد والدعاء يقابله بالكلام السيء، فهذا يخشى عليه، يخشى عليه من أن تأتيه مصيبة، وإذا دعا على نفسه ربما استجيب دعاءه على نفسه كما حصل لهذا الأعرابي، والبلاء موكل بالمنطق، روي حديثاً مرفوعاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن في سنده ضعف، والصحيح أنه لا يصح مرفوعاً، ولكنها من الحكم التي تلقاها الناس، جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن، البلاء موكل بالمنطق.

 

* * *

فائدة : الرؤيا جزء من النبوة

سئل الإمام مالك: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: (أبالنبوة يلعب؟! الرؤيا جزء من النبوة، فلا يلعب بالنبوة)، ومراده بجزء من النبوة: ما جاء في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة"، وذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- أقام يوحى إليه ثلاثاً وعشرين سنة، وكان قبل ذلك: ستة أشهر يرى في المنام الوحي، فنسبة ستة أشهر إلى 23 تعادل جزءًا من ستة وأربعين.

نعم، رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، لماذا اُختير هذا الرقم!؟ ستة وأربعين!، الجواب: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقام في البعثة والرسالة ثلاثاً وعشرين سنةً، بُعث وعمره كم سنة؟ أربعون، وتوفي وعمره؟ ثلاث وستون، يعني بقي في البعثة والرسالة ثلاثاً وعشرين سنة، في الستة الأشهر الأولى منها أول مابُدئ بالرؤيا الصالحة، لا يرى شيئاً في المنام إلا رآه في النهار تماماً، كفلق الصبح، كل ما يرى في الليل يراه في النهار أمامه كفلق الصبح، أول ما بُدئ، واستمر على ذلك ستة أشهر، فنسبة ستة أشهر إلى ثلاث وعشرين كم؟ ستة وأربعين، لأنها تكون نصف إلى ثلاث وعشرين، فتكون نسبته ستة وأربعين، نضرب ثلاث وعشرين في (2)، 23*2=46 ، واضح لماذا اختير هذا الرقم؟! لأنها نسبة واحد من 23، نحن لا نريد واحد نريد نصف واحد، الذي هو ستة أشهر، معنى ذلك نضرب 23 في 2 فتكون النتيجة 46، فتكون إذاً ستة وأربعين هذه هي نسبة ستة أشهر إلى ثلاثا وعشرين، هذا هو سر اختيار هذا الرقم، "ستة وأربعون جزءًا من النبوة"، وعلى هذا فالرؤيا الصالحة هي جزء من النبوة، ولهذا الإمام مالك لما سئل: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ قال: (أبالنبوة يلعب؟! الرؤيا جزء من النبوة، فلا يلعب بالنبوة)، وصدق -رحمه الله-، هي جزء من النبوة، ولذلك ينبغي أن لا يعبر الرؤى إلا من كان عنده علم بالتعبير، فلا يصح الإعتماد على الكتب في تعبير الرؤى، ولأن الرؤيا تختلف، يختلف تعبيرها باختلاف الحال وباختلاف الزمان وباختلاف المكان، فقد يرى إثنان نفس الرؤيا ويكون تأويلها وتعبيرها مختلفاً باختلاف الحال، فمثلاً قد يرى شخص أنه يؤذِّن فيعبر بأنه سيحج ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، وشخص آخر يرى أنه يؤذن فيعبر بأنه ربما تقع منه سرقة!، يسرق ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ ، وهذا إنما يعني المعبر هو الذي يعرف ذلك بالنظر لحال من رأى الرؤيا، ثم إن الرؤيا تحتمل عدة احتمالات صحيحة، تحتمل للتعبير عدة احتمالات صحيحة، والمعبر الحاذق يختار أحسن هذه التعبيرات، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "الرؤيا على رجل طائر فإذا عبرت وقعت"، فتعبير الرؤيا أحياناً سبب لوقوعها، لكن إذا أخطأ المعبر ولم يأتِ بواحد من الاحتمالات الصحيحة فإنها لا تقع، لكن إذا أتى بواحد من هذه الاحتمالات الصحيحة للرؤيا تقع وفق ما عبرت، ولهذا لا يذكر الإنسان الرؤيا إلا لعالم بالتعبير، وأيضاً إنسان ناصح، لأنه لو ذكرها لإنسان حاسد فقد يعبرها على أسوأ احتمال، فلا يذكر الرؤيا إلا لمن أحب، أو لمن يحب، ثم أيضاً ما يراه الإنسان قد يكون إما حديث نفس فلا يلتفت إليه، يفكر في شيء قبل أن ينام ثم يراه في الليل، هذا حديث نفس، ذهنه مشغول بأمر من الأمور طيلة النهار، ثم يرى هذا الشيء في المنام، هذا حديث نفس لا يلتفت إليه، وقد يكون حلماً وهو من الشيطان، وعلامة ذلك أنه يكون في الأشياء المزعجة المحزنة، فهذه لا يلتفت إليها، والقسم الثالث الرؤيا، وهي تكون في الأشياء غير المحزنة المفزعة، ولا يكون قد فكر فيها الإنسان في النهار، ويراها بوضوح، هذه هي الرؤيا، فهذه تذكر للمعبر الحاذق الناصح، لابد أن يكون ناصحاً حتى يعبرها على أحسن التعبيرات، لأن الرؤيا تقع على ما عبرت به "الرؤيا على رجل طائر فإذا عبرت وقعت"، ولا يجوز أن يلج في باب تعبير الرؤى إلا من كان عنده علم بذلك، ثم إن المعبر للرؤى مهما كان عنده من الحذق يبقى التعبير ظناً، وليس قطعاً، من يذكر لنا الدليل على أن تعبير الرؤى يبقى ظناً؟ ﴿وَقَالَ﴾ يعني: يوسف عليه الصلاة والسلام، الذي أعطاه الله علم التعبير ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ [يوسف: 42]، (ظنَّ) إذا كان هذا يوسف فكيف بغيره من المعبرين!، ولذلك من الخطأ يعني أن بعض المعبرين يجزم بتعبير رؤياه، بعضهم يحلف على ذلك، هذا كم جهله، وإذا كان يوسف الذي أعطاه الله علم التعبير ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ[يوسف: 5]، إذا كان يوسف ظن ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ كيف يجزم غيره بالتعبير!، فإذا رأيت المعبر يجزم ويحلف، هذا دليل على جهله، وإنما المعبر الحاذق يقول إن صدقت رؤياك فلعله كذا، يعني يأتي به على سبيل الظن، ويختار أحسن التعبيرات، وأحسن ما يمكن أن تقع عليه تلك الرؤيا، ثم إن الرؤيا لا يعتمد عليها في الأحكام الشرعية، فلا تفيد حكماً بالحلال ولا بالحرام، ولا بأي شيء، إنما غايتها البشارة والنذارة فقط، الرؤيا يستفاد منها في البشارة والنذارة، تكون مبشرة أو منذرة، أما أن يستفاد منها في الأحكام الشرعية وفي كذا..، فلا يعتمد عليها في شيء من ذلك.

* * *

فائدة: معنى (يخفض القسط ويرفعه)

عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخمس كلمات، فقال: "إن الله -عز وجل- لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"، ومعنى (يخفض القسط ويرفعه): أن الله -تعالى- يخفض الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، ويوزن من أرزاقهم النازلة، وهذا تمثيل لما يقدر تنزيله، فشبِّه بوزن الميزان.

هذا الحديث العظيم يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام"وذلك لأن النوم دليل على الضعف، والله تعالى منزه عن ذلك، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ، إنما هذا من أوصاف البشر، لأن البشر لا يمكن أن يستمر الإنسان من غير نوم، لابد أن يأخذ قسطاً من النوم الراحة، أما الله تعالى فهو منزه عن ذلك جل وعلا، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، "يخفض القسط ويرفعه"، "يخفض القسط" القسط في الأصل معناه: العدل، وأطلق على الميزان، المراد الميزان، المراد هنا في هذا الحديث الميزان، ويدل لذلك رواية البخاري لحديث أبي هريرة: "وبيده الميزان يخفض ويرفع"، والروايات يفسر بعضها بعضاً، وقيل المراد بالقسط: الرزق، ولكن الصواب أن المراد بالقسط: الميزان، لحديث أبي هريرة، وعلى هذا يكون المعنى "يخفض القسط ويرفعه": أن الله تعالى يخفض الميزان ويرفعه، بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، وسمي الميزان قسطاً لأنه بالميزان يقع العدل، فمن عمل ما يستحق الرفع رفعه الله، ومن عمل ما يستحق الخفض خفضه الله، الله تعالى كل يوم هو في شأن، يرفع أقواماً ويضع آخرين، فهو يرفع من شاء من عباده، ويضع من شاء من عباده، يرفع أقواماً ويضع آخرين، هذا معنى "يخفض القسط ويرفعه"، ويفسره ما بعده؛ "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل"، الله تعالى ترفع إليه أعمال العباد، ترفع إلى الله تعالى في اليوم والليلة مرتين، ترفع إليه أعمال الليل، وترفع إليه أعمال النهار، ترفع إليه أعمال الليل قبل إنتهاء الليل، لا ينتهي الليل إلا وقد رفع إليه عمل الليل، ولا ينتهي النهار إلا وقد رفع إليه عمل النهار، لا يتأخر من ذلك شيء لعظيم سلطانه -جل وعلا-، مع أنه سبحانه مطلع على عباده لا يخفى عليه شيء، لكنه لعظيم سلطانه ترفع إليه أعمال العباد، فترفع إليه مرتان، أعمال الليل وأعمال النهار، ما إن ينتهي الليل إلا وقد رفعت إليه أعمال الليل، وما إن ينتهي النهار إلا وقد رفعت إليه أعمال النهار، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ[فاطر: 10]، فالأعمال ترفع إلى الله عز وجل، وينظر الرب عز وجل فيها، ويرفع أقواماً ويضع آخرين، ويغفر ذنباً، ويفرج هماً، ويكشف كرباً، ويستجيب دعوات، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[الرحمن: 29]، جل وعلا، ولذلك ينبغي أن يحرص المسلم على أن تكون الأعمال التي ترفع إلى الله عز وجل فيها أعمال صالحة عظيمة وكثيرة، وأن يبتعد عن المعاصي، وأيضاً تتعاقب ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر، "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيسألهم الله تعالى كيف تركتم عبادي؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون"، فتجتمع هذه الملائكة في صلاة الصبح، وهذا هو الشهادة المذكورة في قول الله عز وجل: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا[الإسراء: 78]، (قرآن الفجر) ما هو قرآن الفجر؟ صلاة الفجر، (كان مشهودا) يعني: تشهدها الملائكة وتجتمع فيها، وهكذا أيضاً صلاة العصر، فهذا يدل على أن أعمال الإنسان أنها تحت نظر الرب عز وجل، وهو سبحانه مطلع عليها لكنها ترفع إليه مرة أخرى، ترفع إليه مرتين في الأربع وعشرين ساعة، ترفع الأعمال مرتين إلى الله سبحانه وتعالى، عمل الليل يرفع، عمل النهار يرفع، ما إن ينتهي الليل إلا وقد رفع إليه عمل الليل، ما إن ينتهي النهار إلا وقد رفع إليه عمل النهار، جل وعلا، قال: "حجابه النور" حجاب الرب عز وجل، وهو حجب عظيمة من النور، لا يعلم قدرها إلا الله عز وجل، "لو كشفه" لو كشف هذا الحجاب "لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"، من شدة عظمته أنه لو كشف هذا الحجاب عن وجهه لأحرقت "سبحات وجهه"؛ وهو بهاؤه وعظمته ونوره، "ما انتهى إليه بصره من خلقه" يعني جميع مخلوقاته، لو أن الله كشف هذا الحجاب لأحرق جميع مخلوقاته، جل وعلا، ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ[الشورى: 5]، هذه السماوات على عظمتها تكاد تتشقق وتتفطر، خوفاً وفرقاً وخشية من الرب عز وجل، والله تعالى له من العظمة والكبرياء شيء عظيم لا يخطر على البال، ومر معنا هنا في اللطائف قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أُذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، ما بين أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة"، فإذا كان هذا عظمة مخلوق فكيف بعظمة الخالق جل وعلا.

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* * *