الخثلان
الخثلان
التعامل مع العمال و الخدم
26 صفر 1440 عدد الزيارات 42

التَّعامل مع العُمَّال والخَدم

 

الخطبة الأولى

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، مجيب الداعِ إذا دعاه، ومن توجه إليه واستهداه، ومحقق رجاء من صدق في معاملته ورجاه، أحمده تعالى وأشكره حمداً وشكراً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد :

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[آل عمران: 102] ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمً [الأحزاب: 70،71] .

عباد الله ؛ لقد خلق الله -تعالى- عباده وفاوت بينهم في الرزق، فبسط الرزق لبعضهم ، وضيَّقه على آخرين، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[الشورى: 12 ]، وهذا التفاوت في الأرزاق بين العباد له حكم عظيمة، ومصالح كبيرة، ومن تلك الحكم:

أن يعتبر العباد في ذلك التفاوت في الدنيا على ما بينهم من تفاوت في درجات الآخرة، كما قال ربنا -عز وجل-: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء: 21].

ومن ذلك: تسخير بعضهم لبعض، فلو كان الناس في الرزق على درجة واحدة، ولم يتخذ بعضهم بعضاً سخرياً؛ لم يعمل أحدهم للآخر صنعةً، ولم يحترف له بحرفة، لأن الكل على درجة واحدة، فليس أحدهم بأولى من الآخر، يقول الله -عز وجل-: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 32] .

عباد الله؛ وقد منَّ الله -تعالى- علينا في هذه البلاد برغد العيش، فأصبح يفد إلى هذه البلاد أُناس كثير من بلاد شتى، يطلبون الرزق، إنهم العمال والخدم، الذين تركوا أوطانهم وأولادهم، وهاجروا إلى هذه البلاد طلباً لكسب الرزق والمعيشة، وقد يغيب الواحد منهم عن أهله سنوات كثيرة، ويتغرب وينقطع عن أهله وأولاده، وقد كان كثير من أهل هذه البلاد في أزمنة مضت، قبل أن يفتح الله -تعالى- على هذه البلاد وأهلها بالأرزاق ورغد العيش، كانوا يرحلون إلى الأقطار طلباً للرزق والمعيشة، ولعل كبار السن منكم يعرفون هذا، فالحمد لله، فالحمد لله -تعالى- الذي بدَّل فقرنا إلى غنى، ونسأله أن يجعل ذلك عوناً لنا على طاعته ومرضاته.

عباد الله؛ وإنه لينبغي للكفيل أن يستشعر أن هذا العامل المسكين، أو هذا الخادم أو الخادمة قدم إليه من بلاد بعيدة، قد ترك أهله وما له طلباً للقمة العيش له ولأسرته، فليتقِ الله فيه، ولا يبخس حقه، ويُسمع بتجاوزات تحصل من بعض الكفلاء تجاه هؤلاء العمال والخدم، ومنها المعاملة القاسية التي يعاملها بعض الكفلاء لعمالهم وخدمهم، فبعضهم يعامل العامل أو الخادم معاملة قاسية لا رحمة فيها ولا هوادة، فلا يكلمه إلا برفع لسانه عليه ولا ينظر إليه إلا شزراً، يتعامل معه باحتقار وإذلال، فليتقِ الله هذا الكفيل، وليعلم بأن هذ العامل له حق الإسلام، فلا يجوز له أن يحتقره أو أن يعامله تلك المعاملة، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بحسب امرءٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"، وإن بعض الكفلاء ليحول كثيراً من حسناته إلى أولئك العمال أو الخدم، بسبب الإساءات المتكررة التي تحصل منه إليهم، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أتدرون من المفلس؟ إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وصدقة، ويأتي وقد ضرب هذا وأكل مال هذا وقذف هذا، فيؤخذ لهذا من حسناته، ويؤخذ لذاك من حسناته، فإن فنيت حسناته، أُخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" [رواه مسلم].

ومن التجاوزات التي تحصل؛ أن بعض الكفلاء يؤخر تسليم الراتب إلى مكفوله من عامل أو خادمة، وربما يستمر ذلك التأخير مدة طويلة، فترى ذلك العامل أو المسكين يتذلل لكفيله، ويتذلل عليه طلب حقه، بل ربما تسابق دموعه كلماته، فإذا لم يرى نتيجةً ذهب حائراً، وربما شكى حاله إلى من يعرف وإلى من لا يعرف، وبعض هؤلاء العمال يذهبون تارةً إما إلى إمام المسجد وإما إلى بعض جماعة المسجد أو إلى غيرهم، وربما يجد من يساعده وربما لا يجد، فيرجع إلى بلاده وهو لم يستوفي أجره أو لم يستوفي بعض أجره، ألا فليسمع أولئك الذين يبخسون هؤلاء العمال والخدم حقوقهم؛ ألا فليسمعوا إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قال الله تعالى: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه فقد خسر.. وذكر منهم رجلاً استأجر أجيراً فاستوفى منه ثم لم يعطه أجره)"، فهذا الذي استوفى عاملاً أو خادمةً ولم يعطه أجره ولم يعطه مرتبه؛ لن يكون هذا العامل المسكين هو خصمه يوم القيامة!، بل خصمه سيكون هو الله رب العالمين، ومن كان الله خصمه فلا شك أنه مخصوم، فليستحضر الإنسان هذا الحديث العظيم، وأن كل من بخس شيئاً لأجير استأجره من عامل أو خادم أو غيره، فإن رب العالمين هو الذي سيكون خصمه يوم القيامة.

عباد الله؛ إن العامل أو الخادم لابد أن يقع منه أخطاء أثناء عمله، فهو إنسان وليس بمعصوم، فهو عرضة للخطأ ولهذا فالمطلوب هو أن تتسع دائرة العفو والتسامح، وقد حث النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: (جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت، ثم لما كان في الثالثة قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اعفُ عنه في كل يوم سبعين مرة". [أخرجه أبو داوود والترمذي بسند صحيح]، قال بعض أهل العلم وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- "اعفُ عنه في كل يوم سبعين مرة" المراد به: التكفير لا التحديد، وقد ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- المثل في هذا بسيرته، ففي الصحيحين عن أنس -رضي الله عنه- قال: (خدمت النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، فما قال لي قط أُف، ولا قال لشيء فعلته لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا)، كان -عليه الصلاة والسلام- كريم الأخلاق مع الخدم ومع غيرهم، قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تعرف حقيقة أخلاق أي إنسان فلا تنظر إلى تعامله مع الوجهاء، وإنما انظر إلى تعامله مع العمال والخدم، فإذا كان تعامله معهم كريماً فهذا دليل على طيب أخلاقه وطيب معدنه، وإذا كان تعامله معهم سيئاً فهذا دليل على سوء خلقه، ولو كان تعامله كريماً مع غيره، فهذا هو المحك؛ التعامل مع العمال والخدم ومن للإنسان له عليه سلطة هذا هو المحك، وهو الذي يبين طيب المعدن وكريم الخلق، ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 134] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا ، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم .

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الواحد العظيم الجبار، القوي القدير القهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفرد بالخلق والتدبير، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل الأنبياء الأطهار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً .

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله؛ لقد سنَّت الدولة أيدها الله أنظمة للعمل والعمال لأجل تحقيق المصلحة العامة، ومن ذلك أن العامل المستقدم إنما يعمل عند كفيله وبإقامة نظامية، أما أن تستقدم عمالة ثم يطلقهم كفيلهم يعملون لدى الناس، ويقتطع منهم مبلغاً معيناً كل شهر، فهذا تمنعه أنظمة الدولة لما يترتب عليه من المفاسد، ولأن هذا الكفيل يتقاضى منهم مالاً بغير حق، ومجرد كفالته ليست سبباً لاستحقاق هذا الأجر، ولاقتطاع هذه المبالغ منهم كل شهر، وبالجملة تجب طاعة ولي الأمر فيما وضعه من أنظمة وتعليمات، فيما يتعلق بالعمال أو بغيرهم مما يحقق المصلحة العامة للبلاد والعباد، يقول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ[النساء: 59].

عباد الله؛ وإن معظم الجرائم والمخالفات التي تقع من العمالة، إنما هي من العمالة السائبة، وقد بينت إحصائية وزارة الداخلية لعدد من الجرائم بمختلف أنواعها في عام من الأعوام؛ أن ما لا يقل عن ربع تلك الجرائم إنما تقع من العمال، ومعظمها من هذه العمالة السائبة، فلابد من التعاون، تعاون المواطن مع أجهزة الدولة المعنية بالعمل والعمال، وهذا التعاون من شأنه التقليل من تلك الجرائم، ومن شأنه تحقيق المصلحة العامة للبلاد والعباد.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 65]، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارضى عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يارب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين .

اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء، اللهم فاشغله في نفسه، اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه، يا قوي يا عزيز، يا حي يا قيوم، ياذا الجلال والإكرام.

اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء ورغد العيش، واجتماع الكلمة، واجعلها عونا لنا على طاعتك ومرضاتك، واجعلنا لنعمك وآلائك شاكرين.

اللهم أعنا على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، اللهم قرب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه إذا ذكر وتذكره إذا نسي، يا حي يا قيوم، ياذا الجلال والاكرام.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.

نسألك اللهم من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

* * *