الخثلان
الخثلان
من الفائدة 204 إلى الفائدة 209
20 صفر 1440 عدد الزيارات 366

لطائف الفوائد / من الفائدة 204

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمةً وهيء لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس الثامن، في هذا اليوم الأثنين الثالث عشر من شهر صفر من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة، ونبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (204)؛ (أفضل الأعمال بعد الفرائض)، نستمع للفائدة:

 

فائدة: أفضل الأعمال بعد الفرائض

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (أفضل الأعمال بعد الفرائض يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه، وما يناسب أوقاتهم، فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد، لكن مما هو كالإجماع بين العلماء؛ أن ملازمة ذكر الله دائماً هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة، وعلى ذلك دل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم: "سبق المفردون" قالوا: يا رسول الله، ومن المفردون؟ قال: "الذاكرون الله كثيراً والذاكرات".

أفضل الأعمال بعد الفرائض، أو ما يعبر عنه بعض العلماء بأفضل التطوع، هذا محل خلاف بين أهل العلم، وسبق أن تكلمنا عنه في درس سابق، فقيل أن أفضل الأعمال الصلاة، وقيل الجهاد، وقيل غير ذلك، ورجحنا كلام ابن القيم -رحمه الله- ، هو أن أفضل الأعمال: هو العمل بمقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل الأعمال عند سماع المؤذن متابعة المؤذن، وإن أفضى ذلك إلى ترك غيره، وأفضل الأعمال في السحر قيام الليل، وأفضل الأعمال عند قدوم الضيف إكرام الضيف، وأفضل الأعمال عند مداهمة العدو بلد المسلمين الجهاد، وهكذا، أفضل الأعمال عشية يوم عرفة بالنسبة للحاج الدعاء، وهكذا، ولكن من حيث الأصل؛ أفضل الأعمال من حيث الأصل، هنا أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله- قال: إنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه، وما يناسب أوقاتهم، فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد، ولكن مما هو كالإجماع عليه بين العلماء أن ملازمة ذكر الله دائماً هو أفضل ما شغل به العبد نفسه في الجملة، يعني الإكثار من ذكر الله عز وجل، وذكر الله ورد فيه من الفضل ما لم يرد في غيره، مع أنه من أسهل الأعمال إلا أنه من أفضل الأعمال، ومن ذلك الحديث الذي ذكره الشيخ، حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "سبق المفردون" قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيراً والذاكرات"[رواه مسلم]، فأخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- بسبقهم، وأفضليتهم، وجاء في حديث أبي الدرداء وهو حديث سنده صحيح، رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وهو حديث عظيم، يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ألا أنبكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق -يعني: الفضة-، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟! قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله تعالى"، وهذا الحديث كما ذكرت من جهة الإسناد صحيح، وهو ظاهر الدلالة في أن ملازمة ذكر الله أنها أفضل الأعمال، خير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، أكد بهذه المؤكدات الثلاثة، بأنها خير الأعمال وأزكاها وأرفعها، ثم أيضاً قال خير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ثم قال خير لكم أيضاً حتى من الجهاد، ملازمة ذكر الله -عز وجل-، وجاء في الصحيحين عن أبي موسى -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت"، أرأيت الفرق بين الحي والميت!، هكذا الفرق بين الذاكر والغافل، وجاء في حديث عبدالله بن بسر أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليه، فمرني بشيء أتشبث به؟ فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال لسانك رطباً بذكر الله -عز وجل-" [رواه الترمذي وابن ماجه بسند صحيح]، والأحاديث في فضل الذكر كثيرة جداً، وقد صنف الإمام ابن القيم -رحمه الله- كتاباً ذكر فيه فوائد كثيرة للذكر، وقال إن فيه أكثر من مئة فائدة، ما اسم هذا الكتاب؟ الوابل الصيب من الكلم الطيب، وأنصح به، وبقرائته، كتاب عظيم قيم نافع، وقد ذكر فيه عجائب وفوائد الذكر، ومما ذكر أن الذكر يلين القلب ويرققه، ويزيل القسوة، ولذلك جاء رجل إلى الحسن البصري، قال يا أبا سعيد أشكو قسوة في قلبي! -يعني أجد الناس عندهم رقة في قلوبهم، ويخشعون ويبكون، وأنا أجد قلبي قاسياً!- فقال له الحسن: أذب قسوة قلبك بكثرة ذكر الله تعالى، وهذا يجده الإنسان من نفسه، إذا أكثر من الذكر يجد رقة في قلبه، ويجد خشوعاً، ويجد حلاوةً للعبادة، بخلاف الإنسان الغافل، ولهذا تجد نفسك مثلاً في العشر الأواخر من رمضان عندما تكثر من الذكر، ومن الصلاة، ومن القيام، تجد هذه المعاني، كلما أكثر الإنسان من ذكر الله -عز وجل- أعطاه ذلك رقة في قلبه، وانكساراً وخشوعاً، وأيضاً مما ذكر أن ذكر الله -تعالى- يقوي محبة العبد لربه، لأنه يجعل العبد يتعلق بالله -سبحانه وتعالى-، ويقل تعلقه بالدنيا والأمور المادية، وأيضاً الذكر من أسهل الأعمال، ومع ذلك هو من أفضل الأعمال، ورد فيه من الفضل ما لم يرد في غيره، فمثلاً يقول -عليه الصلاة والسلام-: "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" [متفق عليه]، يقول (سبحان الله وبحمده) مئة مرة، كم تأخذ من الوقت ومن الجهد! ، وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص: "أيعجز أحدكم أن يكسب في اليوم ألف حسنة!" قالوا: كيف يكسب ألف حسنة؟ قال: "يسبح مئة تسبيحة يكتب له بها ألف حسنة، أو يحط عنه بها ألف سيئة" [رواه مسلم]، الأحاديث -سبحان الله- في فضل الذكر كثيرة جداً، الله تعالى أمر بذلك، أمر بالإكثار منه ليس فقط به! بل بالإكثار منه، فما الآية التي فيها الأمر بالإكثار من ذكر الله؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41،42]، ولذلك ينبغي أن يحرص المسلم على الإكثار من ذكر الله -عز وجل-، وهناك بعض الأمور المعينة والمساعدة؛ من ذلك مثلاً المسبحة، المسبحة لا بأس بالتسبيح بها، بل لم نقف على من قال بكراهة التسبيح بها أو بدعيتها إلا بعض المعاصرين، وأما العلماء السابقون عامتهم على أنها جائزة، بل قال بعضهم إنها من الأمور الحسنة، ومن ذلك عداد التسبيح، فهو يشجع ويعين، ومن ذلك المسبحة الإلكترونية الموجودة في بعض الجوالات، كلما ضغطت عليها تعطيك رقم، هذه كلها تساعد، فإذا كنت في السيارة مثلاً، بدل ما يضيع عليك هذا الوقت، ربما يأخذ منك نصف ساعة مشوار أو أكثر أو أقل، أكثر من ذكر الله -عز وجل-، يعني لو خصصت هذه النصف ساعة التي في مشوارك للتسبيح، كم ستسبح من مرة!؟ وكم سيكتب لك من الحسنات! فهذا باب عظيم من أبواب الخير، ومن أبواب العمل الصالح، فينبغي أن يحرص المسلم على اغتنامه.

* * *

فائدة: (دبر الصلاة) هل هو قبل السلام أو بعده؟

(قاعدة) ما ورد من الأذكار التي تقال دبر الصلاة، فتكون بعد السلام، وما ورد من الأدعية التي تقال دبر الصلاة فتكون قبل السلام، فمثلاً: الدعاء الوارد في حديث معاذ "لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، إنما يقال قبل السلام لكونه دعاء.

نعم هذه قاعدة مطردة، ما ورد من الأذكار التي تقال دبر الصلاة فبعد السلام، وما ورد من الأدعية التي تقال دبر الصلاة فقبل السلام، فمثلاً قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، هذا يقال قبل السلام، لأنه دعاء، لكن مثلاً حديث المغيرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دبر كل صلاة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) هذا يقال بعد الصلاة، لأنه ذكر، بعد السلام، أيضاً قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاث وثلاثين، وتحمدونه ثلاث وثلاثين، وتكبرونه ثلاثا وثلاثين"، هذا أيضاً يكون بعد الصلاة لأنه ذكر، فهذه القاعدة مطردة، ما ورد بكلمة دبر؛ إن كان من الذكر فهو بعد السلام، أو بعد الصلاة، وإن كان من الدعاء فهو قبل السلام، والأصل في الدبر؛ دبر كل شيء أنه منه، ولذلك دبر الحيوان منه، فالأصل أن الدبر -يعني دبر الصلاة- الأصل أنه قبل السلام، إلا إذا وردت القرينة بأنه بعد السلام، فالذكر -الأذكار كلها- وردت القرينة الدالة على أنها بعد السلام، حديث المغيرة قال: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول دبر كل صلاة) المقصود بعد السلام، تسبحون الله دبر كل صلاة يعني بعد السلام، وإنما قلنا ذلك لأن القرينة قد دلت لهذا، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يأتي بهذه الأذكار بعد السلام، والصحابة كانوا يأتون بها بعد السلام، إذاً الأصل في كلمة دبر أنها جزء من الشيء، دبر الحيوان جزء منه، دبر الصلاة الأصل أنه قبل السلام، إلا إذا دلت القرينة على أنه بعد السلام، وباستقراء الأحاديث الواردة نجد أن الأذكار الوارد فيها كلمة دبر كلها بعد السلام، وما عدا ذلك قبل السلام، ومن ذلك الأدعية فهي قبل السلام، هذه قاعدة مفيدة في كلمة دبر الواردة في الأحاديث.

* * *

فائدة : لماذا جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- جبريل معلماً مع أنه إنما سأل؟

في حديث جبريل الطويل لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، مع أن المعلم في هذا الحديث هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن لما كان جبريل هو الذي سأل، فكان سبباً في تعليم الصحابة، جعله النبي -صلى الله عليه وسلم- هو المعلم، وهذا يدل أيضاً على أنه لا بأس أن يسأل الإنسان عن مسألة وهو يعلمها، لأجل أن يعرفها الناس.

هذه فائدة نفيسة، وهي أن الإنسان قد يتسبب في تعليم غيره بالسؤال، فيكون هو المعلم، أو كأنه هو المعلم لغيره، في قصة جبريل لما أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- على صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، وجعل يديه على فخذيه، يعني جلس جلسة المتعلم المتؤدب، وسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة أسئلة، سأله عن الإسلام، وعن الإيمان، وعن الإحسان، وعن أشراط الساعة، ثم لما انصرف قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم"، طيب من المعلم؟ المعلم هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، هو الذي قال الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ..إلى آخره، والذي قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ..، طيب؛ جبريل فقط سأل! مجرد أسئلة، مالإسلام، مالإيمان، مالإحسان، متى الساعة، ومع ذلك جعله النبي -صلى الله عليه وسلم- معلماً، قال: أتاكم جبريل يعلمكم أمر دينكم، فأخذ العلماء من هذا فائدةً وهي؛ أن من كان سبباً في تعليم غيره يعتبر معلماً له، ولذلك لا بأس أن يسأل الإنسان عن مسألة من أجل تعليمها لغيره، وليس بالضرورة أن الإنسان لا يسأل إلا عن ما يجهل، قد يكون مثلاً في مجلس فيه عامة، ويرى أن معه مثلاً أحد المشايخ أو أحد أهل العلم، فيطرح مسألة لأجل أن يستفيد الحاضرون، وإلا السائل يعرف الجواب، هذا أمر حسن، لأنه يريد أن يعلم الناس، لكن بهذه الطريقة؛ يسأل وهذا الشيخ يجيب، فإذاً السؤال قد يكون سبباً للتعليم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- جعل جبريل معلماً بطرح أسئلة فقط، مع أن المعلم حقيقة هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأيضاً لا بأس أن يسأل الإنسان وهو يعرف الجواب لأجل تعليم غيره، وقد ذكر العلماء أن حسن السؤال من مراتب العلم، ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة، ذكر ستة مراتب للعلم، قال: مراتب العلم ست:

الأول: حسن السؤال.

والثاني أو المرتبة الثانية: حسن الإنصات والإستماع.

إذاً المرتبة الأول حسن السؤال، والمرتبة الثانية حسن الإنصات والإستماع.

والمرتبة الثالثة: حسن الفهم.

والمرتبة الرابعة: الحفظ.

والمرتبة الخامسة: التعليم.

والمرتبة السادسة: العمل به، وهي ثمرته.

فجعل حسن السؤال المرتبة الأولى، ولذلك ابن عباس لما قيل له بما أدركت العلم؟ قال: (بلسان سَؤول، وقلب عَقُول)، فالإنسان يسأل، يسأل عما يشكل عليه في أمور دينه، يسأل عما يجهله، يسأل لتعليم غيره، لكن ينبغي أن يحسن السائل السؤال، فينبغي ألا يسأل عن فضول العلم التي لا يضر جهلها، فإن بعض الناس مولع بالأسئلة عن فضول العلم والأمور المفترضة، أمور مفترضة يعني يندر أن تقع، أو حتى يستحيل أن تقع، ومع ذلك هو مولع بها! هذا مضيعة للوقت، ويكون هذا على حساب أمور العلم الأخرى، ينبغي أن يحرص على أن يسأل عن الأمور التي تنفعه في أمور دينه، ولا يستحيي عند حاجته للسؤال، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في حلقة، فأقبل ثلاثة نفر، أحدهم دخل في الحلقة واستمع، والثاني استحيا وجلس خلف الحلقة، والثالث أعرض، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أما أحدهم فأقبل فأقبل الله عليه، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه"، فينبغي أن يحرص المسلم على الإقبال على حلق العلم، وطلب العلم، وألا يستحيي، ولذلك يقال: (لا ينال العلم مستحيي ولا مستكبر)، لكن يكون ذلك في حدود الأدب، يكون السؤال ويكون التعلم ويكون هذا كله في حدود الأدب، لا يخرج عن دائرة الأدب، لكن إذا احتاج للسؤال يسأل، ولا يستحيي، ولا يترك السؤال حياءً .

* * *

فائدة : هذا الدعاء حري بالإجابة  

إذا استيقظت من الليل، فاحرص على الذكر الوارد في هذا الحديث، ثم ادع بعده، فإن الدعاء في هذه الحال حري بالإجابة، عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته" (معنى تعار: استيقظ).

(من تعار من الليل) يعني: استقيظ من الليل، فأتى بهذا الذكر: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) ثم قال: (اللهم اغفر لي)، أو دعا، استجيب له، هذه اللحظة لحظة استجابة دعاء، ادعُ في هذه اللحظة، إذا استيقظت إئت بهذا الذكر ثم ادعُ، فهذه من مواطن الإجابة، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "استجيب له" فإن توضأ وصلى قبلت صلاته، (قبلت): ذكر الحافظ ابن حجر أن القبول هنا قدر زائد على الصحة، وإلا الصلاة تصح إذا اكتملت أركانها وشروطها وواجباتها، ولم يأت فيها بناقض، لكن هذا القبول فيه إشارة للقدر الزائد على الصحة، ولهذا قال ابن بطال -أحد شراح البخاري- قال -رحمه الله-: ينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به، كلما استيقظت تأتِ بهذا الذكر، وتدعو، ثم تقوم وتتوضأ وتصلي ما كتب الله لك أن تصلي، حتى لو كنت قد أوترت، صلي ركعتين أو أربع أو..، لأنك إذا صليت بعد هذا الذكر قبلت صلاتك، قال أبو عبدالله الفربري الراوي عن البخاري؛ قال: (أجريت هذا الذكر على لساني عند انتبهاي، ثم نمت فأتاني آتٍ فقرأ ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾) هذه الحكاية ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح، يعني أتى بهذا الذكر ونام، فيقول أتاه آت في المنام وقرأ ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ، طبعاً هذه الحكايات يستأنس بها، فإذاً هذا الذكر ذكر عظيم، ينبغي أن يحرص عليه المسلم، وإذا أتى به فينبغي أن يغتنم الفرصة ويدعو الله -تعالى- بما يحضره من خيري الدنيا والآخرة، فإن الموطن موطن دعاء، وإن تيسر أن يقوم ويتوضأ ويصلي ركعتين فهذا أفضل وأكمل، لأنه إذا توضأ وصلى قبلت صلاته.

 

* * *

فائدة : كيف تكسب ثلاثة ملايين حسنة؟

إذا ختمت القرآن يرجى أن تكون حصلت على أكثر من ثلاثة ملايين حسنة، فإن من قرأ حرفاً فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، كما صح ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "عدد حروف القرآن: ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفاً وستمائة وواحد وسبعون حرفاً"، كما روي ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (ألم) حرف ولكن  ألف حرف ولام حرف وميم حرف، كما صح ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، حروف القرآن ورد عن ابن عباس أنها ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفاً وستمائة وواحد وسبعون حرفاً، طيب؛ نضرب هذه الحروف في عشرة، النتيجة أكثر من ثلاثة ملايين، لا نحبذ الحساب في مقام العمل، لكن هذه المسألة بخصوصها ورد فيها الحساب، من قرأ حرفاً له حسنة، الحسنة بعشر أمثالها، ورد فيها الحساب بخصوصها، فلذلك لا بأس يعني أن تثار بهذه الطريقة بأن يقال: أن من ختم القرآن فيرجى أن يحصل على أكثر من ثلاثة ملايين حسنة، ويقال أن وجه هذا أننا نضرب حروف القرآن في عشرة، وهذا فضل عظيم، وشرف كبير، وتلاوة القرآن من الأعمال الصالحة العظيمة، من يذكر لنا دليل من القرآن على فضل التلاوة؟ في السنة كثير، لكن من القرآن؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ سورة فاطر ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: 29،30]، فذكره الله -تعالى- أول الأعمال الصالحة لهؤلاء، يتلون كتاب الله، 2- أقاموا الصلاة، 3- وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية، فهذا يعني شرف عظيم، أيضاً في سورة يونس يقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس: 61]، (وما تكون في شأن) يعني: تلاوة القرآن داخلة في الشأن، لكن الله -تعالى- خصها بالذكر لفضلها وعظيم شرفها، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا هنا خص الله -تعالى- من بين الأعمال ومن بين الشؤون تلاوة القرآن، فهذا يدل على فضل التلاوة، ولهذا ينبغي أن يحرص المسلم على تلاوة القرآن، والتلاوة شيء آخر غير مراجعة الحفظ، يعني بعض الناس منهمك في مراجعة حفظه، هذا شيء طيب، لكن ينبغي أن يجعل له وقتاً للتلاوة، قال بعض أهل العلم: والأفضل أن يقرأ من المصحف، لأن ذلك أكثر عوناً له على التدبر، لأنه إذا قرأ المصحف تأمل وتدبر، لكن إذا قرأ من الحفظ ربما يركز على الحفظ، إلا إذا كان حفظه متقناً وتستوي عنده القراءة في المصحف والقراءة من الحفظ، هنا يقرأ من حفظه ويتدبر، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان أصحابه لكل واحد منهم حزب، قدر معين يقرأه كل ليلة، لا ينقص عنه، قد يزيد عليه لكن لا ينقص عنه، ليس الحزب بالمعنى الإصطلاحي عند أهل التجويد، لكن المقصود بالحزب: القدر المعين، وفي ذلك ورد حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب كأنما قرأه من الليل" [رواه مسلم]، مالمراد بالحزب هنا؟ من نام عن حزبه فقرأه! يعني قدر معين، الذي خصصه يقرأه كل ليلة، فإذا فات الإنسان لمرض أو سفر أو أي عذر، يقضيه، إذا قضاه ما بين الفجر والظهر كتب كأنما قرأه من الليل، وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي أن يكون له حزب في اليوم والليلة، خاصة لطالب العلم، هذا متأكد في حقه، بعض الناس تمر عليه الأيام؛ أيام كثيرة ما قرأ فيه شيء من كتاب الله، إن أتى المسجد مبكراً قرأ، وإلا تمر عليه ربما خمسة أيام أسبوع ما قرأ فيه شيء من القرآن، هذا تقصير كبير، ينبغي أن لا يمر عليك يوم إلا وقد قرأت فيه شيء من القرآن، فإن هذا عمل صالح، وأيضاً هذا المأثور عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، والمأثور عن الصحابة، ومن بعدهم من الصالحين، فلابد أن تخصص لك مقدار معين، مثلاً جزء من القرآن أو أكثر، تقول كل يوم لابد أن أقرأ جزءاً أو أكثر من جزء مثلاً، كل له ترتيب خاص به، لابد أن تقرأه في اليوم والليلة، فهذا من الأعمال الصالحة العظيمة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم.

 

* * *

فائدة: معنى (الألد الخصم)

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"، (الألد: شديد الخصومة الذي كلما احتج عليه بحجة أخذ في حجة أخرى، والخصم: الحاذق بالخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق أو إثبات باطل).

البخاري في صحيحه بوَّب على هذا الحديث بقوله (باب الألد الخصم وهو الدائم الخصومة)، ثم ساق هذا الحديث: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"، (إن أبغض الرجال) هذا من باب التغليب، وإلا فيشمل النساء أيضاً، والأصل أن ما خوطب به الرجال فالنساء مخاطبات به، إلا إذا دل الدليل على تخصيصه بأحدهما، فإذاً هذا يشمل الرجال والنساء، ولكن هذا من باب التغليب، وأيضاً فيه إشارة إلى أن هذا أكثر ما يقع عند الرجال، لأن المرأة ضعيفة بطبعها، ضعيفة الخصومة، من يذكر لنا الدليل؟ ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف: 18]، فالمرأة بطبيعتها تنشأ في طلب التحلي والتزين، وفي الخصومة يعني غير مبينة، لا تبين ولا تفصح، هذا من حيث الأصل، الألد: هو شديد الخصومة الذي كلما احتج عليه بحجة أخذ في حجة أخرى، وأيضاً الدائم الخصومة، الشديد والدائم، يعني: كثير الخصومة، والخصم: الحاذق بالخصومة، يعني: متمرس في الخصومة، إنسان دائما يعني كثير الخصومة، وأيضاً إذا خاصم شديد، وكذلك أيضاً عنده حذق في الخصومة، وعنده فجور، ولهذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من خصال المنافقين: إذا خاصم فجر، فهذه ليست من صفات المؤمنين، إنما هي من صفات المنافقين، فتجد أن المنافق شديد الخصومة، ودائم الخصومة، وأيضاً إذا خاصم فجر، يكون معك حسن الأخلاق كريماً، لكن ما إن تخاصمه إلا ويفجر معك، يكذب عليك ويقذفك، ويرميك بالبهتان وينمُّ عليك ويأتي بكل شيء!، هذا يسمى الفجور في الخصومة، هذه من خصال المنافقين، وهذه ليست خصال المؤمنين، المؤمن إذا اختلف مع غيره يحفظ له حقه، ويحفظ له وده، ويجعل الخلاف في حده الطبيعي، أن الإنسان إذا اختلف مع غيره يكذب عليه ويقذفه وينمّ عليه ويرميه بالبهتان!، هذا هو الفجور في الخصومة، هذه من خصال المنافقين، وأيضاً الإنسان كثير الخصومة ودائم الخصومة؛ دائماً في خصومة وشديد الخصومة، إذا خاصم عنده حذق في الخصومة ومهارة، فهذا أبغض الناس عند الله عز وجل، لماذا؟ لأنه يتسبب في أذية الناس، هذا إنسان مؤذي بطبعه، وأذية الناس محرمة، الناس تكره مثل هذه الشخصيات، ولا تحبها، ويتحاشى الناس الإحتكاك مع هذا النوع، وهو ربما يظن أن هذا فصاحة، وأن هذه بلاغة، وأنها ذكاء!، والواقع أن الأمر بخلاف ذلك، وأن الناس تتحاشى مجالسته، وتتحاشى الحديث معه، وتتحاشى التعامل معه، لأنه يؤذيهم، وما إن يكون له حق إلا ويتسلط على غيره، بشدة الخصومة وبكثرة الخصومة، والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق أو إثبات باطل، أما إذا كانت خصومة لأجل إظهار الحق، فلا بأس بذلك، لكن تكون أيضاً بالأدب، تكون بالأدب، والمؤمن ينبغي أن يكون هيِّناً ليناً سمحاً لطيفاً مع إخوانه، وإذا اختلف معهم حفظ لهم ودهم وحقهم، وقد جاء في حديث عبدالله بن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل: أي الناس أفضل؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كل مخموم القلب صدوق اللسان"، قالوا: يا رسول الله، صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد" [رواه ابن ماجه بسند صحيح]، هذه صفات المؤمن، وهو أفضل الناس، أن يكون صدوق اللسان، سمحاً هيناً ليناً، ليس عنده غش ولا غل ولا بغي ولا حسد، ولا يحب أيضاً أن يحرج إخوانه المسلمين، وإنما يحرص على حفظ حقهم، وحفظ كرامتهم، ويحرص على عدم إحراجهم في أي شيء، حتى لو اختلف معهم، حتى لو اختلف معهم لا يفجر في الخصومة، وإنما يبين ما يراه حقاً بإسلوب حسنٍ وبكلام طيب، هذه من صفات المؤمنين، أما الذي يفجر في الخصومة، ويكون كثير الخصومة وشديد الخصومة، هذه ليست من صفات المؤمنين، هذه من صفات المنافقين، فينبغي أن يحرص المسلم على الإبتعاد عن هذه الصفات، وهنا يعني انظر إلى الوصف الشديد: (أبغض الرجال عند الله) يعني هذا وصف شديد!، (الألد الخصم)، فهذا الوصف نجده في المجتمع، الألد الخصم نجده في المجتمع، فينبغي أن يبتعد المسلم عن أن يتشبه بهؤلاء، الذين عندهم خصومة، وفجور في الخصومة، ولدد، وشدة، وكثرة خصومة، أن يبتعد عن مشابهتهم، وأن يحرص على أن يكون مع إخوانه هيناً ليناً سمحاً، يحب لهم ما يحب لنفسه، والقاعدة العظيمة في باب التعامل مع الآخرين هي: أن الإنسان يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به، (يعامل الإنسان الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به)، هذه قاعدة عظيمة في باب التعامل مع الآخرين، فإذا كان فلان من الناس يتعامل معك تعامل معين، طيب؛ هل هذا الذي يتعامل أنت تحب هذا التعامل أو لا تحبه؟!، إذاً تعامل مع الآخرين بمثل ما تحب أن يعاملوك به، ولا تتعامل معهم بما تكره أن يعاملوك به، هذه قاعدة في باب التعامل مع الآخرين.

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد .

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1440/2/13هـ