الخثلان
الخثلان
من الفائدة 198 إلى الفائدة 203
11 صفر 1440 عدد الزيارات 222

لطائف الفوائد / من الفائدة 198

 

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ، اللهم آتنا من لدنك رحمةً وهيء لنا من أمرنا رشدا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا .

هذا هو الدرس السابع في هذا العام، هذا اليوم الأثنين السادس من شهر صفر من عام ألف وأربعمائة وأربعين للهجرة ، ونبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد ، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (198)؛ (آيتان جمعتا الصلوات الخمس) .

* * *

فائدة: آيتان جمعتا الصلوات الخمس

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قول الله -تعالى-: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:17،18] ، قال: "جمعت هاتان الآيتان الصلوات الخمس، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾المغرب، والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾صلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر".

هاتان الآيتان جمعتا الصلوات الخمس، وهذا من بلاغة وإعجاز القرآن، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾(تمسون): المساء في الأصل يطلق على ما بعد الزوال، ومنه حديث أن رجلاً جاء للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله رميت بعد ما أمسيت!، قال: "ارم ولا حرج" [رواه البخاري]، ولكن إذا أطلق المساء مع العشي، فكما قال الماوردي؛ قال: (إن المساء معناه في هذه الحال بدُوُّ الظلام بعد المغيب، وأما العشي فهو آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذٌ من عشى العين، وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس، ومنه أن الله تعالى يباهي بالحجيج ملائكته عشية عرفة، يعني آخر النهار يوم عرفة، وعلى هذا فقوله (حين تمسون) المراد بذلك: صلاة المغرب وصلاة العشاء، لأن المساء في هذه الحال معناه: بدُوُّ الظلام بعد المغيب، فيشمل صلاة المغرب وصلاة العشاء، (وحين تصبحون) هذا ظاهر أن المراد به صلاة الصبح، (وعشياً) العشي: قلنا أنه آخر النهار، عند ميل الشمس للمغيب، فالمراد بالعشي: صلاة العصر، (وحين تظهرون): صلاة الظهر، فشملت هذه الآية الصلوات الخمس، ويدخل في ذلك أذكار الصباح والمساء، فإنها تدخل في الصباح -في الصبح-، والمساء -فيما بعد العصر-، ويدخل في ذلك أيضاً النوافل، فهذه الأوقات اختارها الله -تعالى- أوقاتاً للصلاة المفروضة، وهذا يدل على أن العبادة في هذه الأوقات أفضل من غيرها، كما قال الشيخ عبدالرحمن السعدي وغيره، قالوا إن هذه الأوقات الخمسة اختارها الله تعالى للصلاة المفروضة، وهذا يدل على أن العبادة فيها أفضل من العبادة في غيرها، فيؤتى فيها بما تيسر من النوافل.

 

* * *

فائدة: معنى (جهد البلاء)

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء"، قال ابن بطال -رحمه الله-: (جهد البلاء كل ما أصاب المرء من شدة مشقة، وما لا طاقة له بحمله، ولا يقدر على دفعه، ومن ذلك: قلة المال وكثرة العيال، كما جاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما-).

هذا الدعاء دعاءٌ عظيم، جامع نافع، ينبغي أن يكثر منه المسلم، يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تعوذوا بالله من" وذكر أربعة أمور:

الأمر الأول: "جهد البلاء" والجهد معناه؛ المشقة والشدة التي تصيب الإنسان، وما لا طاقة له بحمله، أو أنه يحمله مع مشقة شديدة وجهد، ومن أمثلة ذلك ما ذكر؛ من قلة المال وكثرة العيال، هذا جاء عن ابن عمر، أن يكون الإنسان كثير العيال، وفي الوقت نفسه قليل المال، فكيف سيعولهم! وكيف سينفق عليهم!، يبقى يصارع في الحياة لأجل كسب لقمة العيش، فهذا من جهد البلاء، ومن جهد البلاء أيضاً؛ ماذكره بعض أهل العلم من أن الإنسان يبتلى بشخص يتسلط عليه، فينشر معايبه، ويخفي محاسنه، ومن جهد البلاء أن يكون عمل الإنسان الذي يعمله ويكسب منه لقمة العيش عملاً شاقاً، يستغرق معظم يومه، فكل ما كان فيه جهد كبير ومشقة وتعب يدخل في جهد البلاء، ولهذا ينبغي الإستعاذة بالله -تعالى- منه .

الأمر الثاني: "درك الشقاء" ودرك الشقاء معناه؛ أن الإنسان يدركه شيءٌ يشقيه، ويوقعه في المعاصي والشرور، كأن يبتلى بأمر من الأمور، وهذا الأمر يسبب له مشاكل ومصائب، ويوقعه في الشقاء، ويوقعه في المعاصي، ويوقعه في المصائب، فهذا كله داخل في درك الشقاء.

الأمر الثالث: "سوء القضاء" وهو ما يسوء الإنسان ويوقعه في المكروه، من الأقضية المقدرة عليه، والقضاء باعتبار فعل الله -تعالى-؛ كله خير، كما قال الله -تعالى-: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْر﴾،﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ[آل عمران: 26]، فالله تعالى بيده الخير، وكل فعله خيرٌ لا شر فيه، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث علي: " والشر ليس إليك"، فلا يدخل الشر في صفاته ولا في أفعاله، ولكن القضاء باعتبار العباد؛ ينفسم إلى خير وشر، فشرع لهم الدعاء بالوقاية من شره، والإستعاذة منه، فما يصيب الإنسان من الشرور والمصائب ونحوها، هي شر بالنسبة للعبد، لكنها بالنسبة إلى فعل الله -تعالى- خير، والقضاء منه ما هو معلَّق، ومنه ما هو باتٌّ غير معلَّق، فالباتُّ هذا لابد أن يقع، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ، وأما المعلَّق فيدخله المحو والإثبات، كما قال الله -تعالى-: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ[الرعد: 39] ، فالذي في أم الكتاب لا يتغير، وهو اللوح المحفوظ، أما الصحف التي بأيدي الملائكة تتغير، ويدخلها المحو والإثبات، طيب؛ مالذي يمكن أن يدفع البلاء، ويغير القضاء، مثل ماذا؟!

الدعاء، ترى مثلاً شر مقبل عليك وتسأل الله أن يصرفه عنك، فقد يصرف الله -تعالى- عنك هذا الشر بسبب الدعاء، فيكون هذا من القضاء المعلَّق، ومن ذلك الصدقة، الصدقة تدفع البلاء، قد يقدر على الإنسان أنه سيصاب بكذا، وأنه بسبب صدقته يدفع عنه ذلك الشر وذلك البلاء، الإحسان للناس عموماً، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ[الرحمن: 60]، فقد يدفع الله البلاء عن الإنسان بسبب إحسانه للآخرين، وهكذا، فهذا في القضاء المعلَّق، فإذاً يستعيذ العبد بالله -تعالى- من سوء القضاء؛ يعني من الأقضية المقدرة التي قدر الله -تعالى-، وقضى قضاءً معلَّقاً بأن الإنسان يصاب بها، فيسأل الله -تعالى- أن يدفع عنه هذا القضاء، وقلنا أن الدعاء من أسباب دفع هذا القضاء المعلَّق.

والأمر الرابع: "شماتة الأعداء"، وشماتة الأعداء؛ أولاً ما معنى الأعداء!، الأعداء جمع عدو، وتعريف العدو عند العلماء يقولون: (عدوك هو من سآءه مسرتك، أو غمه فرحك) هذا هو عدوك، أعيد مرة أخرى: من ساءه مسرتك أو غمه فرحك فهو عدو لك، ولهذا لما ذكر الفقهاء أنها لا تقبل شهادة العدو على عدوه؛ قالوا: والعدو وكل من ساءه مسرته، وكل من سره مساءة شخص أو غمه فرحه فهو عدوٌ له، فقد لا يكون العدو كافراً، قد يكون العدو قريباً، قد يكون جاراً، قد يكون صديقاً، لكنه حاسد، فيدخل في مسمى العدو، فهذا هو الضابط، كل من سره مسائتك، يعني؛ كل ما وقعت في مصيبة يبدأ يفرح عليك، يتفرح، ويُسَر، وإذا وقع لك خير، يغتم ويضيق صدره، إذاً هذا عدو، هذا العدو يفرح بما يسوءك، فرحه بما يسوءك يسمى شماتة، "شماتة الأعداء" وهي ألم نفسي شديد، أحياناً يكون ألم الشماتة أشد من المصيبة نفسها، بعض الناس يقع في مصيبة يقول أنا أصبر على المصيبة، الأمر سهل، لكن أكثر ما يشق علي أن يشمت بي أعدائي، سيشمتون بي وسيتفرحون علي وتسرهم مساءتي، فشماتة الأعداء ألم نفسي شديد، ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتعوذ بالله منها.

فهذا الدعاء دعاء عظيم جامع نافع، ينبغي للمسلم أن يكثر منه، أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ومن درك الشقاء، ومن سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء) .

 

* * *

فائدة : من أذكار الصباح والمساء :

من أذكار الصباح والمساء: ما جاء في صحيح البخاري عن شداد بن أوس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، قال: من قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة" .

هذا الذكر هو سيد الاستغفار، وهو من أذكار الصباح والمساء، من قاله حين يصبح فمات من يومه، دخل الجنة، ومن قاله حين يمسي فمات من ليلته، دخل الجنة، ينبغي أن يحفظه المسلم، ويحافظ عليه، ويجعله مع أذكار الصباح والمساء، وهو سيد الاستغفار، والاستغفار من أسباب درء العذاب عن الإنسان، من يذكر لنا الدليل على أن الاستغفار من أسباب درء العذاب؟

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[الأنفال: 33] ، فذكر الله -تعالى- أمرين لدرء العذاب ، وهو الأمر الأول: وجود النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) ، الأمر الثاني: الاستغفار (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)، فالاستغفار يدرء الله -تعالى- به عن الإنسان العذاب والمصائب والشرور والبلايا، وما كان معذبهم وهم يستغفرون، والاستغفار له عدة صيغ، منها أشهر صيغ الاستغفار أن يقول: أستغفر الله، ويكررها، أستغفر الله أستغفر الله..، ومنها أن يضيف لها: التوبة، فيقول: أستغفر الله وأتوب إليه، أستغفر الله وأتوب إليه؛ وهي أكمل، ومنها ما جاء في حديث ثوبان: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، وهذه قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنه من قالها ثلاث مرات حطت عنه خطاياه وإن كان قد فر من الزحف" ، ويظهر أن المقصود بحط الخطايا -الصغائر-، ومنها أن يقول: ربِّ اغفر لي وتب علي إنك أنت الغفور الرحيم، قد كان يعد للنبي -صلى الله عليه وسلم- في المجلس الواحد مئة مرة، قول (ربِّ اغفر لي وتب علي إنك أنت الغفور الرحيم)، ومنها هذه الصيغة المذكورة هنا وهو سيد الاستغفار، (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، هذا هو سيد الاستغفار، وإنما سمي بسيد الاستغفار لما اشتمل عليه من المعاني العظيمة، فاشتمل أولاً على الربوبية في قوله (اللهم أنت ربي)، وعلى الألوهية في قوله (لا إله إلا أنت)، والتذلل لله -تعالى- بالعبودية في قوله (خلقتني وأنا عبدك)، وإظهار الالتزام بعهد الله ووعده؛ دل عليه قوله (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت)، والاستعاذة بالله -تعالى- من شر ما يصنع الإنسان؛ ودل لذلك قوله (أعوذ بك من شر ما صنعت)، والاعتراف بنعمة الله -تعالى- على العبد؛ لقوله (أبوء) يعني أعترف (لك بنعمتك علي)، والاعتراف بالذنب لقوله (وأبوء بذنبي)، وسؤال الله المغفرة لقوله (فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، فاشتمل على هذه المعاني العظيمةكلها، ثناء وتذلل لله -تعالى- بالعبودية، وسؤال الله المغفرة، والتوسل إليه بالربوبية والألوهية، فهو ذكرٌ عظيم جامع، ولهذا كان سيد الاستغفار، ينبغي أن نحفظه جميعاً، وأن نأتي به مع أذكار الصباح والمساء، وحتى مع غير أذكار الصباح والمساء، هو سيد الاستغفار عموماً، لكن ينبغي أن يحافظ عليه المسلم كل يوم مع أذكار الصباح والمسلم.

 

* * *

فائدة : من الأدعية الجامعة  

من الأدعية الجامعة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم: ما جاء في صحيح مسلم عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" .

هذا من الأدعية الجامعة، ينبغي للمسلم أن يحرص على الأدعية المأثورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لأنها أدعية جامعة، تجمع للإنسان خيراً كثيراً، وقد تجمع للإنسان خيري الدنيا والآخرة، ومن ذلك هذا الدعاء المذكور في هذا الحديث، والذي قد ذكر فيه الدعاء أو -سؤال الله -عز وجل- لأربعة أمور، "اللهم إني أسألك..":

الأمر الاول: (الهدى) والمقصود بالهدى: الهداية، بجميع أنواعها، هداية الدلالة والإرشاد، وهداية الإلهام والتوفيق، والهداية بيد الله -عز وجل-، هو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، والإنسان بحاجة ماسة إلى سؤال الله الهداية، ولهذا أُمر بأن يدعو بهذا الدعاء في كل ركعة من كل صلاة يصليها، فريضة كانت أو نافلة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، لأن الإنسان بحاجة عظيمة إلى هداية الله -سبحانه وتعالى- له، فالمعوقات كثيرة، والصوارف والفتن، والشرور، فهو بحاجة ماسة لسؤال الله الهداية، ولكن الهداية تحتاج إلى مجاهدة، فلا يتوقع الإنسان أن تأتيه الهداية بدون أن يجاهد نفسه!، من يذكر لنا الدليل على أن الهداية تحتاج إلى مجاهدة للنفس؟! قول الله -تعالى- في آخر سورة العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69]، فجعل الله الهداية ثمرة للمجاهدة، إذا أردت الهداية جاهد نفسك، وبعض الناس عندما يؤمر بخير، يؤمر بالصلاة، يؤمر بعمل طاعة، يقول: ادع الله لنا؛ أن الله يهدينا، أنت هل جاهدت نفسك!؟ جاهد نفسك أنت وتأتيك الهداية، فالهداية ثمرة للمجاهدة، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَافإذاً مطلوب من الإنسان أن يجاهد نفسه لتحصل له الهداية، وأن يسأل الله الهداية.

الأمر الثاني: (التقى) يعني تقوى الله عز وجل، والتقوى معناها: أن يجعل الإنسان بينه وبين عذاب الله وقاية، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهي وصية الله للأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ[النساء : 131] ، وثمرات التقوى عظيمة في الدنيا والآخرة؛ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2،3] ، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا[الطلاق: 4]، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا[الطلاق: 5]، فمن الأدعية العظيمة أن تسأل الله -تعالى- التقى.

الأمر الثالث: (العفاف) والعفاف يشمل العفاف بجميع أنواعه، ومن ذلك العفاف عن الزنا والفواحش، فإن الإنسان يبقى بشراً ضعيفاً، قد تغلبه نفسه فيقع في الفاحشة، ولذلك ينبغي أن يسأل الله -تعالى- العفاف، وأيضاً العفاف يشمل العفاف عن المال الحرام، والعفاف أيضاً؛ العفاف عن الكلام المحرم، بأن يكون عفيف اللسان ونحو ذلك.

الأمر الرابع: (الغنى) والمقصود بالغنى: غنى النفس، وإلا فإن الإنسان إذا كان غني المال وذا ثروة عظيمة، لكنه فقير النفس، فإنه في النهاية فقير، لا يعتبر غنياً، بينما إذا كان غني النفس ولو كان قليل المال، فهو يعتبر غني، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس"، وجاء في صحيح مسلم عن طارق ابن أشيم، أن رجلاً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله كيف أقول حين أسأل ربي؟ قال: "قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني" وفي رواية أخرى عند مسلم: "واهدني"، (اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واهدني)، فأمره بأن يسأل الله الهداية، وأن يسأل الله المغفرة، والرحمة، والمعافاة، والرزق، فهذا أيضاً من الأدعية العظيمة .

* * *

فائدة : من الأدعية العظيمة

عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات، قالت النار: اللهم أجره من النار".

من أعظم الأدعية أن تسأل الله -تعالى- الجنة، وأن تستعيذ بالله من النار، لأن الجنة والنار هما نهاية المطاف للبشرية، نهاية المطاف للبشرية فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، فنحن الآن نسير في رحلة، خلقنا الله -تعالى- وأوجدنا في هذه الدنيا، في دار العمل، ثم سننتقل منها في يوم من الأيام إلى الدار الآخرة، ويأتي بعث وجزاءٌ ونشور وحساب، إلى أن ينتهي مستقر هذه الرحلة إلى إحدى هاتين الدارين؛ الجنة أوالنار، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ[الشورى: 7]، فمن كان من أهل الجنة؛ فقد سعد السعادة الأبدية، ومن كان من أهل النار فقد شقي الشقاوة العظيمة، بل الشقاوة الأبدية إلا أن يعفو الله عنه، إن كان من أهل التوحيد، أما المشرك فقد حرم الله عليه الجنة، ولذلك فدخول الإنسان الجنة هو التعريف النهائي للسعادة، هو التعريف النهائي للسعادة! ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ [هود: 108]، لو قلت ماهو تعريف السعادة؟ تعرف بكذا..!، لكن التعريف النهائي؟ الجنة ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[الزخرف: 71]، لا موت فيها، ولا هرم، ولا مرض، ولا تعب، ولا نصب، ولا شقاء، وأيضاً لا ملل حتى! وأنتم فيها خالدون، بقاء الإنسان فيها ليس مئة سنة ولا مليون سنة ولا بليون.. إلى ما لا نهاية!، وفي المقابل النار! عذابها شديد، ضعِّفت على نار الدنيا تسعاً وستين مرة!، فتعريف السعادة والشقاوة: فأما الذين سُعدوا ففي الجنة، وأما الذين شقوا ففي النار، هذا هو التعريف النهائي، ولذلك فمن أعظم الأدعية أن تسأل الله الجنة، وأن تستعيذ بالله من النار، وهنا في هذا الحديث يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن الإنسان إذا سأل الله الجنة ثلاث مرات؛ قالت الجنة اللهم أدخله الجنة، وإذا استعاذ أو استجار من النار ثلاث مرات؛ قالت النار اللهم أجره من النار، ولا تقل كيف! الله على كل شيء قدير، الله يجعل الأشياء المعنوية محسوسة، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "يؤتى بالموت على صورة كبشٍ أملح، فيقال يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟ فيقولون نعم هو الموت، ويقال يا أهل النار أتعرفون هذا؟ فيقولون نعم هو الموت، فيذبح في مكان بين الجنة والنار، ويقال يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت"، لا تقل كيف يؤتى بالموت على صورة كبش! الله على كل شيء قدير، إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، فهنا يكفي أن يصح الخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا الحديث سنده صحيح، هذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي بسند صحيح، فإذا سأل الإنسان ربه الجنة ثلاث مرات؛ قالت الجنة اللهم أدخله الجنة، وإذا استعاذ بالله من النار ثلاث مرات؛ قالت النار اللهم أجره من النار، ولذلك ينبغي أن تسأل الله الجنة وتستعيذ بالله من النار كل يوم، كل يوم، والأحسن أن تجعل هذا مع أذكار الصباح والمساء، حتى لا تنسى، كل يوم اسأل الله الجنة واستعذ بالله من النار ، واجعل ذلك ثلاث مرات على الأقل، لأن ظاهر الحديث أنه لابد أن يكون ذلك ثلاث مرات، فاجعل ذلك ثلاث مرات، واحرص على هذا الدعاء، تجد بعض الناس يدعو بأدعية وربما بعضها يعني غير مأثور، ويكثر منها، بعض العامة لهم أدعية؛ يدعو لنفسه ولوالديه وبالمعافاة وبالستر وبالعافية، هذا طيب لكن ينبغي أن نحرض على الأدعية المأثورة، مثل هذا الدعاء، أن تسأل الله الجنة وتستعيذ بالله من النار، ولهذا جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إني لأدعو، ولكني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ! قال: "ماذا تقول؟" قال: أسأل الله الجنة وأستعيذ بالله من النار، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "حولها ندندن"، يعني كل دعائنا حول هذا الدعاء، سؤال الله الجنة والإستعاذة بالله من النار.

اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم كما جمعتنا في بيتك الكريم، في هذا المكان، فنسألك أن تجمعنا في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

* * *

فائدة: المراد بساعة الجمعة

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه" ، وأشار بيده يقللها، قال الحافظ ابن رجب: (الإشارة إلى تقليلها يدل على أنها ليست ساعة زمانية، بل هي عبارة عن زمن يسير).

هذه ساعة الإجابة يوم الجمعة، أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يوم الجمعة؛ يعني نهار الجمعة، "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه"، يكون الدعاء فيها مستجاباً، قال: (وأشار بيده يقللها)؛ هنا قال الشراح ومنهم الحافظ ابن رجب: أن تقليلها فيه إشارة إلى أنها زمن يسير، يعني لحظات، وليست ساعة زمنية التي هي ستون دقيقة، وإنما لحظات يكون الدعاء فيها مستجاباً، هذا هو المقصود بساعة الإجابة، ومثل ذلك الساعة التي تكون في الليل، التي قال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه"، [رواه مسلم]، كل ليلة، وأرجاها آخر الليل قبيل أذان الفجر، قبيل أذان الفجر بلحظات؛ هذه أرجى ما تكون موافقة لساعة الإجابة في الليل، كذلك أيضاً آخر نهار الجمعة هو أرجى ما يكون موافقة لساعة الإجابة، وقد اختلف العلماء في تحديد ساعة الإجابة يوم الجمعة على أقوال، ذكر الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في الفتح أكثر من أربعين قولاً، وأرجحها قولان:

القول الأول: أنها آخر  ساعة بعد العصر، وذلك لحديث جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر" أخرجه أبو داوود والترمذي وسنده لا بأس به، وجاء في حديث -في أثر- عبدالله بن سلام أنه تذاكر مع أبي هريرة ساعة الإجابة، ثم اتفقا على أنها آخر ساعة بعد العصر، واجتمع نفر من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وتذاكروا ساعة الإجابة، ولم يتختلفوا أنها آخر ساعة بعد العصر.

والقول الثاني: أنها من حين أن يدخل الإمام إلى أن تقضى الصلاة، وهذا جاء فيه حديث أبي موسى -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه وهي من حين أن يدخل الإمام إلى أن تقضى الصلاة" وهذا رواه مسلم في صحيحه، لكن أُعلَّ بأن فيه انقطاعاً، أنه رواه أبو عبيدة عن أبيه، ولم يدرك أباه، لكن روي موصولاً، وكان شيخنا عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله- يقول: إن رواية الموصول أنها صحيحة، فهو أيضاً قولٌ له قوته، من حين دخول الخطيب إلى أن تقضى الصلاة، يعني يتلمس الإنسان أي وقت يستطيع أن يدعو فيه، يعني مثلاً بعدما يفرغ المؤذن يغتنم الوقت ويدعو، بين الخطبتين يدعو، بعد الفراغ من الخطبة يدعو، يغتنم هذه اللحظات لعله أن يوافق ساعة الإجابة.

فأرجح إذاً الأقوال هذان القولان، آخر ساعة بعد العصر، ومن حين أن يدخل الخطيب إلى أن تقضى الصلاة، فينبغي أن يحرص المسلم على اغتنام هذه الأوقات، وأن يتحرى ساعة الإجابة، لأن ساعة الإجابة إذا وفق لها المسلم استجيب له، وإذا استجيب له فربما تكون هذه الأدعية التي دعى بها سبباً لخيري الدنيا والآخرة، تقضى حاجاته، وتستجاب دعواته، يحصل له خير عظيم، بسبب هذا الدعاء، فينبغي أن يحرص المسلم على الإكثار من الدعاء عموماً، وأن يتحرى أوقات الإجابة، فيجتهد فيها أكثر من غيرها على وجه الخصوص .

* * *

ونكتفي بهذا القدر في لطائف الفوائد .

* * *

 

سؤال من أحد الحضور:

لو قلنا نجعل سؤال الله الجنة ثلاث مرات والإستعاذة بالله من النار ثلاث مرات مع أذكار الصباح والمساء قد يرد على هذا أننا حددنا زمناً لهذا الدعاء ليس عليه دليل؟

الجواب عن هذا: إن قصدت أن هذا التحديد سنة فهذا صحيح، هذا غير مشروع، لكن إن قصدت أن هذا من باب ترتيب الوقت، وحتى لا تنسى هذا الدعاء، هذا لا بأس به، ترتيب الوقت لا بأس به، وهذا قد ورد عن أبي بن كعب، لما قال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: كم أجعل لك من صلاتي؟ ، كان أبي بن كعب له وقت يدعو فيه، كل يوم، وأقره النبي -عليه الصلاة والسلام- على ذلك، لكنه أشار عليه بأن يستبدل ذلك الوقت بالصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام- فكون الإنسان يقصد الترتيب حتى لا ينسى، ولا يقصد بذلك التعبد لله -عز وجل- بهذا التخصيص، هذا لا بأس به، ولهذا نحن قلنا اجعلها مع أذكار الصباح والمساء حتى لا تنساها، ولم نقل اجعلها من أذكار الصباح والمساء، فأنت لا تقصد التعبد لله -عز وجل- بهذا التخصيص، التخصيص فقط فيما ورد، لكن تجعل معها أدعية مهمة بالنسبة لك من باب أنك لا تنساها، لأنك لو ما جعلتها مثلاً مع أذكار الصباح والمساء ربما تنساها، متى تدعو بها! قد تقول مثلاً بعد الظهر تنسى! أو بعد العصر، وهي أدعية مهمة، فأنت تنوي بذلك فقط الترتيب، وألا تنسى، كما ورد عن أبي، وكما ورد عن أبي هريرة، وكما ورد عن بعض الصحابة، أنههم كانوا يفعلون ذلك، ولا تقصد بذلك التعبد لله -عز وجل- بالتخصيص في هذا الوقت.

* * *