الخثلان
الخثلان
باب القود والديات
5 صفر 1440 عدد الزيارات 1202

شرح متن التسهيل / بابُ القَوَدِ والديات

 

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل في الفقه ، وكنا قد بدأنا الدرس الماضي في (كتاب الجنايات) ووصلنا عند قول المصنف -رحمه الله-: [وَيَضْمَنُ سِرَايةَ الجِنَايَةِ، ما لَمْ يَستَوفِ قَبلَ البُرءِ، لا القَوَدَ] :

هنا قال: [سِرَايةَ الجِنَايَةِ] ، عندنا هذه المصطلحات؛ ما معنى (سراية الجناية) و (سراية القَوَد) ؟ ، نريد أن نفهم هذه المصطلحات قبل أن نشرح عبارة المصنف ، وعند الفقهاء قاعدة ، يقولون: سراية الجناية مضمونة ، وسراية القود مهدرة .

السِّرَاية معناها: أن ينتقل الشيء من مكانٍ إلى آخر ، فيسري الجرح من المكان الأول إلى المكان الآخر ويتسع ، وسراية الجناية من باب إضافة الشيء إلى سببه ، أي السراية التي سببها الجناية .

أما سِرَاية القَوَد : فالقود هو القصاص ، أي السراية التي تكون بسبب القصاص ، فيما دون النفس ، نوضح هذا بأمثلة:

أولاً المؤلف يقول: أن سراية الجناية مضمونة ، قال: [وَيَضْمَنُ سِرَايةَ الجِنَايَةِ،..لا القَوَد] ، سراية الجناية مضمونة ، وسراية القود غير مضمونة ، نوضح هذا بمثالين:

المثال الأول: رجلٌ اعتدى على آخر ، فقطع اصبعه ، كان معه مثلاً آلة حادة ، إما سيف أو أي آلة حادة ، فقطع اصبعه ، ثم إن هذا المعتدى عليه كان معه مرض سكر ، فأصابته الغرغرينا ، وسرى هذا الجرح إلى بدنه فمات! فمالحكم؟

يُقتص منه ، مع أنه إنما قطع اصبعه ، لكن الجناية سرت إلى النفس ، فيقتص منه ، وهذا معنى قوله: [وَيَضْمَنُ سِرَايةَ الجِنَايَةِ] ، ومعنى قول الفقهاء: سراية الجناية مضمونة ، طيب؛ لو أنه قطع اصبعه سرت الجناية إلى يده كلها ، فتلفت يده ، فمالحكم؟

يُقتص من يده كلها ، فبحسب السراية ، يُفعَل بالجاني مثل ما فعل بالمجني عليه ، بحسب ما تصل إليه السراية .

أما سراية القود: لو أن إنساناً قطع اصبع آخر ، ثم طالب المعتدى عليه -المجني عليه- بالقصاص ، فقيل: اقطع اصبعه ، لما قطع المجني عليه اصبع الجاني ، سرت الجناية فمات ، سرت الجناية بالنسبة لاصبع الجاني فمات! ، فهل يقتص من الجني عليه؟

ما يُقتص ، لأنه فعل فعلاً مأذوناً له فيه ، فسراية القود غير مضمونة ، أو لنفترض أن إنسان مثلاً فقأ عين إنسان ، والله -تعالى- يقول: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِوَالْأَنفَ بِالْأَنفِ[المائدة: 45] ، فقيل: القصاص ، تفقأ عين هذا ، فلما أتى المجني عليه وفقأ عين الجاني ، انتقل الأمر إلى العين الآخرى فعمي! عَمِيَ الجاني! ، فهل نرجع للمجني عليه ونفقأ عينه الأخرى! لا ، لأن سراية القود مهدرة .

هذه قاعدة عند أهل العلم: أن سراية الجناية مضمونة ، وسراية القود مهدرة ، فخذ هذه القاعدة ، فإنها قاعدة مفيدة في هذا الباب ، ولذلك عندهم -العلماء- قاعدة مفيدة في هذا، يقولون: (أن ما ترتب على المأذون فيه غير مضمون) ، المأذون فيه مثل القود -القصاص- مأذون فيه ، كل ما ترتب عليه غير مضمون ، لكن إنسان اعتدى على آخر ، ثم سرت الجناية ، فهذا مضمون ، فهذا معنى قول المؤلف: [وَيَضْمَنُ سِرَايةَ الجِنَايَةِ] يعني؛ كل ما ترتب على هذه الجناية من سراية ، ومن انتقال الجناية إلى مواضع أخرى من البدن ، فإن الجاني يضمن ذلك كله ، ولو سرت الجناية إلى النفس ، فمات المجني عليه ، اقتص من الجاني ، لكن المؤلف اشترط لهذا شرطاً؛ قال: [ما لَمْ يَستَوفِ قَبلَ البُرءِ] هذا شرط ضمان سراية الجناية ؛ وهو: ألا يكون المجني عليه قد اقتص من الجاني قبل برء جرحه ، لأنه إذا اقتص قبل البرء قد رضي بترك ما زاد عليه بالسراية ، فيبطل حقه ، ويدل لذلك أن رجلٌ طُعن بقرن في ركبته ، في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فجاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أقدني يا رسول الله! قال: "حتى تبرأ" ، ثم جاء إليه قال: أقدني! فأقاده ، ثم جاء إليه وقال: يا رسول الله إني قد عرجت ، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك" ، ثم نهى عن أن يقتص من جرحٍ حتى يبرأ صاحبه ، هذا الحديث أخرجه أحمد والدار قطني والبيهقي ، وفي سنده مقال لكن له طرق يشد بعضها بعضا ، والعمل عليه عند أهل العلم .

فإذاً يشترط لضمان سراية الجناية ؛ أن لا يكون قد استوفى قبل البرء ، أما إذا استعجل المجني عنه ، واستوفى قبل برء الجرح ، فلا يضمن سراية الجناية ، لا تُضمن ، ولذلك يقال: انتظر! انتظر حتى تبرأ ، فإذا برأت اقتص ، لأنك ماتدري ماذا تصل إليه الجناية! ، ربما يكون قد قطع الاصبع ، ثم هذه الجناية تنتقل من الاصبع إلى اليد ، فانتظر حتى يكون القصاص في اليد مايكون فقط في الاصبع ، لكن اذا استعجلت وطالبت بالقصاص في الاصبع ، فلو سرت الجناية إلى اليد ، لا تقتص منه في اليد ، فهذا هو الشرط: ما لم يستوفي قبل البرء .

[لا القَوَدَ] يعني أن سراية القود؛ أنها مهدرة ، وغير مضمونة ، فمن اقتص من غيره ولم يتعدى ، فسرى ذلك إلى موضع آخر من البدن ، فهذا غير مضمون ، بل حتى لو سار إلى النفس ، فهو غير مضمون .

قال: [وإنَّمَا يُقْتَصُّ بَعدَ بُرْءِ الجُرحِ وَيَأْمَنَ النِّزَّ] يعني؛ إنما يكون القصاص من الجاني بعد برء جرح المجني عليه ، ومعرفة نهايته -للحديث السابق- ، [وَيَأْمَنَ النِّزَّ] النز: هو ما تحلَّبَ من الأرض من الماء ، وهو مصطلح مستعمل عند كثير من العامة ، إذا قال: الأرض تنز! والمراد هنا أن تؤمن رطوبة الجرح ، التي تدل على انتقاضه ، وهذا ذكرنا في المسألة السابقة؛ قلنا: أنه ينبغي أن يكون القصاص بعد الشفاء وبعد البرء من الجرح تماما .

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك إلى مسألة متعلقة بالقصاص ، قال: [ومَتَى وَرِثَ الجَانِي، أو ولدُهُ شيئاً مِنْ دَمِهِ سَقَطَ القِصَاصُ] هذا يصلح لأن يكون ضابطاً في هذا الباب ، متى ورث القاتل شيئاً من دم المقتول ؛ سقط القصاص عن القاتل ، وذلك لأن الإنسان لا يرث دمه ، ولو لم يسقط عنه لترتب على ذلك أن الإنسان يقتص من نفسه لنفسه! ، إذا كان عند إنسان ابنان ، فقتل أحدهما أباه ، ثم مات غير القاتل ، ولا وارث إلا القاتل! فمعنى ذلك أن القاتل قد ورث دم نفسه ، فيسقط القصاص في هذه الحالة ، ومثل ذلك أيضاً لو قتل رجلٌ زوجته ، أو قتلت الزوجة زوجها ، يعني قتل أحد الزوجين صاحبه ، وبينهما أولاد ، بنين أو بنات ، فيسقط القصاص ، لماذا؟

لأنه لو وجب القصاص لوجب لولده ، ولا يجب قصاص لولد على والده ، وعلى ذلك إذا ورث الإنسان دمه أو بعض دمه ، سقط القصاص ، ولكن يمكن أن يعاقب الجاني بغير القصاص ، وهذا هو الذي عليه العمل الآن في المحاكم ، لو كانت الجريمة بشعة! يمكن يعاقب بغير القصاص ، فإذا قتل أحد الزوجين الآخر ، ولهما أولاد ، هنا لا يمكن الحكم بالقصاص ، لكن ربما لو كانت الجريمة بشعة ، يحكم القاضي بقتل القاتل تعزيراً ، ولكن ليس قصاصاً ، القصاص هنا غير ممكن ، فإذا ورث الإنسان دمه أو بعض دمه ، أو أن الإنسان ورث الدم الذي يطالب به أباه أو أمه بالقصاص؛ سقط القصاص ، لكن للقاضي أن يعاقب الجاني ولو بالقتل بغير طريق القصاص ، إما بطريق التعزير أو غيره ، وهذا يكون فيه ردع أيضاً ، يكون فيه ردع لبعض النفوس الضعيفة ، لأن بعض الناس قد يكون إذا رأى أن ما فيه قصاص يتجرأ على الجريمة! ، مثلاً زوج بينه وبين زوجته مشاكل وعداوة وخصومات ، يقتل زوجته ويرأى أنه لن يقتص منه ، باعتبار أن بينهما أولاد ، فيقال: لا ، يمكن أنك تُقتل بغير القصاص ، تقتل تعزيراً بسبب ذلك ، فيكون في هذا ردع لتلك النفوس الضعيفة ، فإذاً هذا ضابطٌ في هذا الباب: (متى ورث الجاني أو ولده شيئاً من دمه ، سقط القصاص) .

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [ولَو قَتَلَ واحِدٌ جَماعةً وَرَضُوا بِقَتلِهِ قُتِلَ] قتل شخصٌ واحد جماعةً ، في وقت أو أكثر ، ورضي أولياء هؤلاء الجماعة بقتله ، فإنه يقتل ، لأن الحق لهم ، أما إن طالب أحدهم بالقصاص ، والباقون بالدية ، فلهم ذلك ، لأن لكل واحد منهم حق مستقل ، فيقتل قصاصاً ، ويعطى البقية الدية ، وتكون الدية للبقية .

قال: [وإنْ تَشَاحُّوا قُتِلَ بالأوَّلِ] يعني؛ إن تشاحَّ أولياء المقتول فيمن يقتله ، لأن الأصل أن ولي المجني عليه هو الذي يقتل الجاني ، وكان هذا عليه العمل من عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى وقت ليس بالبعيد ، إلى عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ، أن ولي المجني عليه هو الذي يقتل الجاني ، يقال: خذ السيف اقتل الجاني بنفسك! ، لأن هذا أبلغ في التشفي ، بشرط أن يحسن القتل ، لكن الذي أصبح عليه عمل الناس أنهم يوكلون الدولة في استيفاء القصاص ، لكن إن تشاحَّ أولياء المقتولين فيمن يقتله ، قُتل الجاني قوداً للمقتول الأول ، فإنه يقتل للمقتول الأول ، طيب؛ والباقون؟! قال: [وللباقينَ دِيةُ قَتِيلِهِم] لأن القتل إذا فات ، بقيت الدية ، فإذا قتله الأول بقيت الدية للباقين ، هذا عندما يقتل واحدٌ جماعةً ، ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [وإنَّمَا يُستوفَى بالسَّيفِ بالعُنُقِ] هذه المسألة؛ مسألة بما يكون القصاص؟ كيف يكون القصاص؟ ، هنا المؤلف يرى أن القصاص إنما يكون بالسيف ، بضربه في العنق ، يعني؛ في رقبته بالسيف ، وهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء على قولين :

هل يتعين ضرب العنق بالسيف لاستيفاء القصاص! أم لا يتعين!

القول الأول: أنه يتعين ضرب العنق بالسيف لاستيفاء القصاص بالنفس ، وهذا القول هو الذي قرره المؤلف ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وهو مذهب الحنفية ، واستدلوا بما جاء عند ابن ماجة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا قود إلا بالسيف" ، لكن هذا الحديث حديث ضعيف ، لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وعللوا قالوا لأن السيف أسرع في ازهاق روح الجاني ، وأيسر ، وأبعد عن تعذيب الجاني .

القول الثاني: أنه لا يتعين السيف في القصاص ، وإنما يُفعل بالجاني مثلما فعل بالمجني عليه ، وإلى هذا ذهب المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة ، واستدلوا بقول الله -تعالى-: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ[النحل: 126] ، وقول الله -تعالى-: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ[البقرة: 194] ، وبما جاء في الصحيحين؛ أن جارية وجدت وقد رضَّ رأسها بين حجرين ، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يرضَّ رأس اليهودي الذي فعل بها ذلك بين حجرين ، أمر بأن يفعل به مثلما فعل بهذه الجارية ، ولأن القصاص مبني على المماثلة والمساواة ، ولهذا سمي قصاصاً ، فكان الجزاء من جنس الجناية .

والقول الراجح هو القول الثاني ، وهو أنه يفعل بالجاني مثلما فعل بالمجني عليه ، قد اختار هذا القول الإمام ابن تيمية ، وابن القيم ، وجمع من المحققين من أهل العلم ، ولكن الذي عليه العمل هو مذهب الحنابلة ، عندنا في المملكة الذي عليه العمل -خاصة في الجنايات والحدود- هو المذهب الحنبلي ، ومذهب الحنابلة هو ما قرره المؤلف ، من أنه يقتص منه بالسيف ، لكن من حيث الدليل الأقرب هو القول الثاني ، يفعل بالجاني مثلما فعل بالمجني عليه ، إنسان غرَّق آخر حتى مات! نطلب من ولي المجني عليه أن يغرقه حتى يموت ، خنقه حتى مات! يخنقه حتى يموت ، صدمه بالسيارة حتى مات! يأتي ولي المجني عليه ويصدمه بالسيارة حتى يموت ، وهكذا ، يفعل به مثلما فعل بالمجني عليه ، هذا أقرب للعدل ، ولذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بأن يرض رأس اليهودي بين حجرين كما فعل بالجارية تماماً ، كما فعل هذا الجاني بالجارية تماماً ، لكن هنا يشترط أن لا يكون بفعل محرم ، فلو أنه مثلا قتله بعدما فعل فيه الفاحشة! ، اغتصب طفلاً وفعل فيه الفاحشة إلى أن مات! ، فهنا يقتل بالسيف ، لأنه لا يمكن تحقيق المماثلة هنا ، أو مثلاً سقاه خمراً وجرعه إياه حتى مات! ، فهنا يقتل بالسيف ، فإذا قتله بفعل محرم؛ لا يُفعل به مثلما فعل بالمجني عليه ، لكن إذا قتله بفعل غير محرم؛ فيفعل به مثلما فعل بالمجني عليه .

قال المؤلف: [وَلَو مَثَّلَ فَلَهُم فِعْلُ مِثْلِهِ، لا مُحَرَّمَاً] يعني؛ لو أن الجاني مثَّل بالمقتول ، بأن قطع يده مثلاً بعدما قتله ، ونحو ذلك ، فيفعل بالجاني مثلما فعل بالمجني عليه ، وهذا يضعف القول الذي أقره المؤلف ، ويقوِّي القول الذي رجحناه ، لأن هذا أقرب إلى العدل ، قال: [لا مُحَرَّمَاً] لا إن قتله بفعل محرم في نفسه ، كما ذكرنا؛ كما لو فعل فيه الفاحشة ، أو سقاه الخمر أو نحو ذلك ، فإنه لا يُفعل به ، فهذا الإستدراك من المؤلف يقوي القول الثاني ، وهو أنه يفعل بالمجني عليه مثلما فعل بالجاني .

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [ولو فَعَلَ أحَدُهُما فِعلاً لا تبقى الحياةُ مَعَهُ كَقَطع وَدِجَيْهِ ثُمَّ ضَرَبَ الآخَرُ عُنَقَهُ، فَالأَوَّلُ القَاتِلُ، وعكسُهُ بِعَكسِهِ] لو فعل أحد الشخصين؛ فعل فعلاً لا تبقى الحياة معه! مثَّل المؤلف بمثال؛ قال: [كَقَطع وَدِجَيْهِ] الودجان: هما العرقان الغليظان في العنق ، وهذان العرقان إذا قطعا مات الإنسان ، فلو أن أحدهما نحر رقبة هذا الإنسان وقطع ودجيه ، ثم إن الآخر ضربه ، فيقول المؤلف: [فَالأَوَّلُ القَاتِلُ] الأول القاتل ، لأن الحياة لا تبقى بعد جنايته ، فهو القاتل ، وأما الثاني فليس بقاتل لكنه يعزر ، لأنه بمنزلة الجاني على الميت ، هذا إذا فعل الأول فعلا لا تبقى الحياة معه ، أو مثلاً أطلق عليه مسدس! أطلق عليه النار مثلاً عدة طلقات ، ثم أتى ثاني وأطلق عليه النار أيضاً! فالقاتل هو الأول ، أما الثاني فيعزر ، قال: [وعكسُهُ بِعَكسِهِ] يعني؛ إن فعل أحدهما ما تبقى معه الحياة ، ثم ضرب الثاني عنقه فمات! فالثاني هو القاتل ، كما لو أتى إنسان وشق بطن آخر ، وبقى هذا المجني عليه يتلوَّى ، فأتى الثاني وأطلق عليه المسدس! فأيهما القاتل؟ الثاني ، أم الأول فيعزر ويُأدب ، ولهذا قال: [وعكسُهُ بِعَكسِهِ] .

[وإن أَمَرَ عالِماً بتحريمِ القتلِ ففعَلَ قُتِلَ القاتِلُ وأُدِّبَ الآمِرُ] أمر إنسانٌ آخر بالقتل ، وهذا المأمور يعلم تحريم القتل ، فالقصاص على القاتل ، لأنه المباشر ، وأما الآمر فإنه يعزر ويأدب ، ولا قصاص عليه ، هذا هو المذهب عند الحنابلة ، عندهم أن المباشرة تقطع حكم التسبب ، لكن يمكن للقاضي أن يقتل الآمر تعزيراً ، إذا كانت الجريمة بشعة ، ورأى القاضي أن يقتل الآمر تعزيراً فله ذلك ، لكن قصاصاً؛ إنما يجب القصاص على الذي باشر القتل لا الآمر ، قال: [ولو ألزمهُ قُتِلاَ] يعني: أكرهه ، أكره إنسانٌ آخر على القتل؛ فالقصاص عليهما جميعاً ، على المُكرِه والمُكرَه ، أما المُكرِه فلأنه تسبب إلى قتله بشيء يفضي إليه غالباً ، وأما المُكرَه فلأنه قتل شخصاً بغير حق لاستبقاء نفسه ، [وإلاَّ قُتِلَ الآمِرُ] يعني: وإن لم يكن المأمور عالماً بالقتل -بتحريمه- ، كأن يكون إنسان نشأ في غير بلاد الإسلام ، أو كان صغيراً أو مجنوناً ، فالقتل على الآمر ، لأن المأمور هو كالآلة ، فيكون القصاص على الآمر ، قال: [ويُحْبَسُ المُمْسِكُ حتى يَمُوت] يعني: إذا أمسك إنسانٌ آخر ليقتله ، فقتله ، فيقتل القاتل ، ويحبس الممسك ؛ إثنان لحقا بشخص ، ثم أمسك أحدهما ، وقام الثاني وقتله بالسيف أو أطلق عليه النار! ، القاتل يقتل ، وأما الذي أمسكه يحبس ، وقد روي في ذلك حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أمسك الرجل الرجل ، وقتله الآخر ، يقتل الذي قتل ، ويحبس الذي أمسك" رواه الدار قطني وفي سنده مقال لكن العمل عليه عند أهل العلم ، طيب؛ قلنا يقتل الذي قتل هذا واضح ، يحبس الذي أمسك ؛ كم مدة الحبس؟ حبس مؤبد إلى أن يموت ، وهذه إحدى الصور القليلة التي ورد فيها الحبس المؤبد في الشريعة الإسلامية ، الحبس المؤبد هل له أصل؟ نقول: نعم ، له أصل في الفقه الإسلامي في هذه المسألة ، وذلك لأن هذا الذي أمسكه هو في الحقيقة حبس هذا المجني عليه ، حبسه إلى أن مات! فنحن نحبسه إلى أن يموت ، نفعل به مثل ما فعل بالمجني عليه ، هو حبس وأمسك بهذا المجني عليه إلى أن مات ، فنحن أيضاً نحبس هذا الممسك إلى أن يموت ، فهذه هي صورة الحبس المؤبد ، إذاً هل للحبس المؤبد أصلٌ في الفقه الإسلامي؟ الجواب: نعم ، له أصل في هذه الصورة ، إذا أمسك إنسان آخر ليقتله ، فقتله رجلٌ آخر ، يقتل القاتل ، ويحبس الذي أمسكه حبساً مؤبداً إلى أن يموت ، وأذكر أن هذه قد حصلت تقريباً قبل عشرين عاما ، حصل مثل هذه القضية ، وأُعلن تنفيذ القتل قصاصا في القاتل ، وقيل في الإعلان أيضاً: وحُكم بحبس الممسك حبساً مؤبداً إلى أن يموت ، هذا هو الذي عليه العمل في المحاكم .

 * * *

ثم قال المؤلف -رحمه الله- (كتابُ الدياتِ) :

الديات: جمع دية ، وهي مصدر (وَدَى القتيل) أي: أدَّى ديته ، وهي الدية مخففة أصلها (وَدِيَ) ، والهاء بدلٌ من الواو؛ كالعِدَه من الوعد .

وأما معناها اصطلاحاً : فهي المال المؤدى إلى مجني عليه أو وليه بسبب جناية ، المجني عليه إذا كان فيما دون النفس ، أو وليه إذا كان في النفس ، والأصل فيها قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا..﴾[النساء: 92] إلى آخر الآية .

قال المؤلف -رحمه الله-: [كُلُّ مَنْ أتْلَفَ إنسَاناً أو جُزءَاً مِنهُ بِمُبَاشَرَةٍ، أو تَسَبُّبٍ فَعَلَيهِ دِيَتُهُ] هذا يصلح لأن يكون ضابطاً في هذا الباب ، كل من أتلف إنساناً أو جزءاً منه ، فعليه الدية ، سواء بمباشرة أو بتسبب ، (أتلف إنساناً) يعني هنا تجب فيه دية النفس ، (أو جزءاً منه) دية مادون النفس وهي دية الأعضاء والمنافع ، (بمباشرة) يعني: من غير واسطة ، (أو تسبب) يعني: يكون قد تسبب في حصول هذا الأمر فعليه الدية ، وضع المؤلف هذا الضابط ثم ذكر له أمثلةً؛ قال: [كَإلقَائِهِ على حَيَّةٍ، أو سَبُعٍ] إنسان أمسك آخر وألقاه على حية ، فلدغته فمات ، فهنا عليه ديته ، (أو سَبُع) ألقاه على سبُع ، فهنا عليه ديته ، طبعاً الدية فيما إذا لم يكن هناك قصاص ، أما في الحالات التي فيها قصاص فليس فيها دية ، [أو نَارٍ] يعني؛ طرحه في نار [أو ماءٍ لا يُمكنهُ التَّخَلُّصُ مِنهما] فعليه ديته إذا لم يكن ثمَّ قصاص ، [أو طَرَحَ بِطَرِيقٍ قِشْرَ بِطِّيخٍ] طرح بطريق قشر بطيخ فسقط إنسانٌ في هذا القشر ، فتسبب إما في وفاته أو في تلف بعض أعضائه ، فعليه دية ذلك ، [أو حَفَرَ بِئرَاً] حفر بئراً فسقط فيه إنسان فمات ، أو تلفت بعض أعضائه ، فعليه الدية ، وظاهر كلام المؤلف أنه إذا حفر البئر في ملكه أو في غير ملكه ، وفرَّق بعض العلماء؛ قالوا: إن ما يجب الضمان بالدية إذا حفره في غير ملكه ، أما إذا حفر بئراً في ملكه ووضع عليها ما يحميها ، فأتي إنسان فسقط فيها فليس عليه ديته ، لأنه لم يتعدى بذلك ، هو حفر في ملكه ، وهذا هو الأظهر -والله أعلم-؛ التفريق بين أن يحفر البئر في مكله أو في غير ملكه ، قال: [أو وَضَعَ حَجَرَاً ونَحوَهُ] يعني؛ فأتى إنسان فتسبب في وفاته أو في تلف بعض أعضائه فمات ، أو حصل تلف عنده ، فيضمن ، أو نحوه ، طيب؛ لو أن مثلاَ شركة إصلاح طرق وضعت حفرية ، ولم تضع حماية عليها ولا إضاءة ولا لوحات تحذيرية ، فأتى إنسان بالسيارة وسقط في هذه الحفرة ومات! فهل تطالب هذه الشركة بالدية؟ نعم ، عليها الدية كاملة ، طيب؛ لو لم يمت ، لكن حصل تلفيات لسيارته؟ كذلك أيضاً تضمَّن ، تضمن كل ما ترتب على ذلك ، قال: [أو تعدَّى بِرَبْطِ دَابَّةٍ أو غيرِهَا] فعليه أيضاً الضمان ، عليه الضمان إما بدية النفس أن تسبب في الوفاة ، أو دية الأعضاء والمنافع أن تسبب في تلف ذلك ، فإذاً هذه أمثلة ترجع للضابط الذي ذكره في أول الباب ، وهو أن كل من أتلف إنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو بتسبب فعليه ديته .

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للكلام عن الأصل في الدية ، وذكر المؤلف أن الأصل في الدية خمسة أموال ، قال: [ودِيَةُ الحُرِّ المُسلِمِ] الحُرُّ: يخرج به الرقيق ، المسلم: يخرج به غير المسلم ، وسيأتي الكلام عن ديتهما .

ذكر المؤلف خمسة أصول للدية ، وهي؛.. قال: [مَائَةٌ مِنَ الإِبلِ، أو مَائَتَا بَقَرَةٍ، أو ألفَا شَاةٍ، أو أَلفُ مِثقَالِ ذَهَبٍ، أو اثنَا عَشَرَ أَلفَ دِرهَمٍ] فذكر هذه الأصول الخمسة: الإبل ، والبقر ، والغنم ، والذهب ، والفضة التي هي الدراهم ، وهذا هو المذهب عند الحنابلة ، واستدلوا لذلك بما روي عن جابر قال: (فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدية على أهل الإبل مئة من الإبل ، وعلى أهل البقر مئتي بقرة ، وعلى أهل الشاة ألفي شاة" ، وجاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه خطب الناس فقال: أيها الناس ألا إن الإبل قد غلت ، قال: فقوَّم على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورِق -يعني الفضة- إثني عشر ألفاً ، وعلى أهل البقر مئتي بقرة ، وعلى أهل الشاة ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مئتي حلة) ، وفي كتاب عمرو بن حزم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وفي النفس مئة من الإبل" ، هذه هي الأصول عندهم ، هذه الأموال الخمسة ، هذا هو المذهب عند الحنابلة .

القول الثاني في المسألة أن الأصل في الدية مئة من الإبل ، وأما ماعداها فتُقوَّم بها ، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء ، وهذا هو القول الراجح ، قد اختاره الموفق ابن قدامة -رحمه الله تعالى- ، ومما يدل لذلك كتاب عمرو بن حزم ، الذي كتبه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأهل اليمن؛ "وفي النفس مئة من الإبل" ، وأيضاً قوله -عليه الصلاة والسلام-: " ألا إن في قتيل عمد الخطأ مئة من الإبل" ، وأيضاً عمر في الحديث السابق قال: ألا إن الإبل قد غلت.. فقوَّم على أهل الذهب ألف دينار ..إلى آخره ، فظاهر هذا أن عمر جعل الإبل هي الأصل ، وهذا هو القول الراجح؛ أن الأصل في الدية الإبل ، وما عداها فمقوَّمٌ عليها ، وعلى ذلك فيكون الأصل في الدية مئة من الإبل ، هذا هو القول الراجح في المسألة ، وأصبحت الدية الآن تقدَّر بالريالات ، كانت قديماً تقدَّر بثمانية وأربعين ألف ، ثم رفعت إلى مئة ألف ، والمغلَّظة مئة وعشرة ، ثم قبل سنوات رفعت الدية المغلظة إلى أربعمائة ألف ريال سعودي ، والمخففة إلى ثلاثمائة ألف ريال سعودي ، يعني؛ مئة من الإبل تقدرها تعادل تقريباً من ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف ، فهذا الآن هو الذي عليه العمل ، أنه إذا كانت الدية مخففة ثلاثمائة ألف ريال ، وإذا كانت مغلظة أربعمائة ألف ريال ، ولكن نحن قلنا أن الأصل هو مئة من الإبل؛ فلو أن المستحق للدية قال للمحكمة: أنا ما أريد ثلاثمائة ألف! أنا أريد مئة من الإبل ، كان عنده فقه! كان طالب علم ، قال: أنا أريد مئة من الإبل ما أريد ثلاثمائة ألف ريال ، هل يجاب إلى طلبه؟ نعم يجاب لطلبه ، لأن الإبل هي الأصل في الدية ، هي الأصل .

ثم تكلم المؤلف عن الدية المغلظة والدية المخففة؛ قال: [والمُغَلَّظَةُ ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثلاثونَ جَذَعَةً، وَأربَعُونَ خَلِفَةً حَامِلاً] التغليظ اختلف العلماء فيه ، هل يجعل أرباعاً أو أثلاثاً؟ القول الأول: أنه يجعل أثلاثاً وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف ، وذلك بأن تكون ثلاثون حِقَّة ، وثلاثونَ جَذَعَةً، وَأربَعُونَ خَلِفَةً ، ومعنى خَلفِة: يعني حامل ، في بطونها أولادها ، يقال؛ حامل من الإبل ، حامل من البقر ، وبعض العامة يستنكر هذه العبارات! مع أنها مستعملة ، ويقال أنها خلِفَة ، ويقال أنها حامل ، فإذاً القول الأول أن التغليظ يكون أثلاثاً: (ثلاثون حِقَّة ، وثلاثونَ جَذَعَةً، وَأربَعُونَ خَلِفَةً) ، القول الثاني في كيفية التغليظ؛ أنها تجعل أرباعاً ، فتكون: (خمسٌ وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمسٌ وعشرون حقَّة، وخمسٌ وعشرون جذَعة) ، وهذا روايةٌ عن الإمام أحمد ، وهو مذهب الحنفية والمالكية ، وذلك لما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال: (كانت الدية على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرباعاً خمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنت مخاض) ، وهذا القول الثاني أنها تكون أرباعاً؛ هو القول الراجح ، أن الدية المغلظة تكون أرباعاً ، خلافاً لما قرره المؤلف أنها تكون أثلاثاً ، هذه هي الدية المغلظة ، الدية المغلظة تكون في ماذا؟ في أي أنواع القتل؟ (مر معنا في الدرس السابق) ، في شبه العمد ، وتكون في العمد إذا تنازل أولياء الدم عن القصاص ، هذه هي الدية المغلظة .

الدية المخففة قال: [والمُخَفَّفَةُ عِشرونَ بَنِي مَخَاضٍ، وعِشرُون بَنَاتِ لَبُونٍ، وعِشرُون بَنَاتِ مَخَاضٍ، وعِشرُون حِقَّةً، وعِشرُونَ جَذعَةً] أي أنها تكون أخماساً ، تكون أخماساً كما ذكر المصنف ، والدليل لذلك مارواه أهل السنن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بني مخاض، وعشرون بنت لبون" ، وجه التخفيف فيها أن هذه الأخماس فيها الذكور ، والذكور في باب الحيوان أقل رغبة من الإناث ، عند الإنسان أيهما يفضل الذكر أو الأنثى؟ الذكر ، لكن عند الحيوان؟ الأنثى مفضلة ، الأنثى أكثر رغبة ومفضلة على الذكر ، لأن الأنثى تنجب ، والأنثى يكون فيها اللبن ، وهي أكثر فائدة لأرباب الحيوانات من الذكر ، فعندهم الأنثى أكثر رغبة من الذكور ، ولذلك التخفيف من جهة أن فيها ذكوراً ، أن هذه الأخماس فيها ذكور ، بينما الأثلاث ما فيها ذكور؛ إناث ، والإناث في الحيوان أفضل من الذكور .

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [وَدِيَةُ الكِتَابِيِّ نِصفُ دِيَةِ المُسلِمِ ، وَالمَجُوسِيِّ ثَمَانُمِائةِ دِرهَمٍ] يعني دية غير المسلم ، إذا كان المقتول غير مسلم هذا ذكره الله -تعالى- في آية النساء ، وذكر الله -تعالى-: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ[النساء: 92] ، فالله -تعالى- أوجب الدية حتى في غير المسلم ، بشرط ألا يكون غير المسلم حربياً ، أما الحربي فدمه هدر؛ لا دية له ولا ضمان ، لكن إذا كان غير حربي ، بأنه كان ذميَّاً أو مستأمناً أو معاهداً فهنا كيف تكون ديته؟

هنا المؤلف قسَّم غير المسلم إلى قسمين: كتابي ، وغير كتابي الذي سماه (مجوسي) ، الكتابي ديته نصف دية المسلم ، وهذا قد ورد فيه حديث عمرو بن شعيب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "دية المعاهد نصف دية المسلم" ، وفي لفظ "قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين -يعني نصف دية المسلمين-" [رواه أحمد وأبو داوود وغيرهم] ، وفي لفظ "قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين ودية المعاهد نصف دية المسلم" ، روي بعدة ألفاظ لكنها في مجموعها تدل على أن دية الكتابي نصف دية المسلم ، على ذلك كم تكون دية الكتابي من الإبل؟ خمسون من الإبل ، وتكون الآن بالتقديرات بالريالات؛ مئة وخمسين ألف المخففة ، ومئة ألف في المغلظة ، هذا بالنسبة للكتابي ورد فيه النص وأمره واضح ، غير المسلم (غير الكتابي)؛ الكافر غير الكتابي ، كأن يكون هندوسياً أو بوذياً؛ كيف تكون ديته؟

المؤلف يقول: [ثَمَانُمِائةِ دِرهَمٍ] وهذا قد رويت فيه بعض الآثار ، روي عن عمر وعثمان وابن مسعود تقدير ذلك بثمانمائة درهم ، والقول الثاني في المسألة أن دية الكافر غير الكتابي كدية الكتابي ، يعني على النصف من دية المسلم ، لعموم الحديث ، فإنه قد جاء بعدة ألفاظ ، وجاء من هذه الألفاظ: "دية الكافر نصف دية المسلم" ، ولأن الكفر نقصٌ مؤثر كالأنوثة التي أثرت في تنصيف دية المرأة ، وذكر الكتابي لا يقتضي التخصيص ، لأن عند الأصوليين قاعدة وهي أن ذكر بعض أفراد العام بحكم لا يقتضي التخصيص ، وهذا هو القول الراجح؛ أن دية الكافر غير الكتابي كدية الكتابي ، وأنها تكون على النصف من دية المسلم ، وعلى ذلك نستطيع أن نقول: إن دية الكافر غير المسلم نصف دية المسلم ، سواء كان كتابياً أم غير كتابي ، هذا هو القول الراجح ، وقد اختاره جمع من المحققين من أهل العلم ، أما القول بأنها ثمانمائة درهم؛ فهذا لم يثبت فيه شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وإنما هو اجتهادٌ اجتهده بعض الصحابة -رضي الله عنهم- ، والحديث الوارد في ذلك أولى بالإتباع ، فإنه ورد بعدة ألفاظ منها: "دية الكافر نصف دية المسلم" ، ولأنه لا فرق في الدية بين الكتابي وغير الكتابي ، يجمعهما وصف أنهما كفار ، أنهما من الكفار وغير المسلمين .

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [وَالأنثَى فِي الكُلِّ عَلى النِّصفِ] يعني: أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ، وقد جاء في كتاب عمرو ابن حزم الذي كتبه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأهل اليمن: "دية المرأة على النصف من دية الرجل" ، وحكي إجماعاً ، قال الموفق ابن قدامة -رحمه الله-: (لا نعلم فيه خلافاً) ، ونقل عن ابن المنذر وابن عبدالبر الإجماع على ذلك ، بل لا يعرف عن أحد من المتقدمين أنه قال بغير ذلك ، فدية المرأة على النصف من دية المسلم ، على ذلك كم تكون دية المرأة من الإبل؟

خمسون من الإبل ، لكن بعض المعاصرين -بعض العلماء المعاصرين- ، ربما تأثراً بضغط الواقع ، الواقع الآن يعظِّم من شأن المرأة ، فقالوا: إن دية المرأة كدية الرجل ، وقالوا: كيف نجعل دية المرأة على النصف! وقالوا: أن كتاب عمرو ابن حزم ضعيف ، قال به كأبو زهرة وبعض المعاصرين ، فجعلوا دية المرأة كدية الرجل ، ولكن هؤلاء مسبوقون بالإجماع ، لا يعرف عن أحد من المتقدمين من أهل العلم أنه قال دية المرأة كدية الرجل ، وكتاب عمرو ابن حزم تلقته الأمة بالقبول ، تلقي الأمة بالقبول يغني عن إسناده ، فعندنا الآن الإجماع ، وعندنا كتاب عمرو ابن حزم ، وهما كافيان في ذلك ، ثم من جهة المعقول كما قال ابن القيم -رحمه الله-: (لما كانت المرأة أنقص من الرجل، والرجل أنفع منها، ويسد ما لا تسد المرأة من المناصب الدينية، والولايات، وحفظ الثغور، والجهاد، وعمارة الأرض، وعمل الصنائع، التي لا تتم مصالح العالم إلا بها، والذب عن الدنيا والدين، اقتضت حكمة الشارع أن جعل قيمتها على النصف من قيمته لتفاوت ما بينهما) ، وليس في هذا انتقاص للمرأة ، عندما نقول أن ديتها نصف دية الرجل ، ليس في هذا انتقاص للمرأة ، وإنما بالنظر لأثر كل منهما ، كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- ، وهذا هو مقتضى الحكمة ، وعلى هذا نقول: أن دية المرأة على النصف من دية الرجل .

ثم قال المؤلف : [لَكِن تُساوي جِرَاحَهُ إلَى الثلثِ] يعني؛ في دية فيما دون النفس جراح المرأة كجراح الرجل في الدية ، إلى ثلث الدية فإذا وصلت إلى الثلث تكون على النصف من الرجل ، فإذا كان مثلاً الدية أقل من الثلث؛ المرأة والرجل متساويان ، إذا وصل إلى الثلث تكون المرأة على النصف من الرجل ، روي في هذا أثر عن سعيد بن المسيب وأنه قال: أن هذه هي السنَّة ، وأخذ بذلك كثير من أهل العلم ، وهو المذهب عند الحنابلة أنها تساوي الرجل إلى الثلث ، فإذا وصلت إلى الثلث تكون على النصف من الرجل .

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [وَدِيَةُ العَبدِ قِيمَتُهُ] لأن العبد مالٌ متقوم ، فيضمن بقيمته ، [وَجنِينُ الحُرِّ المُسلِمِ غُرَّةٌ، قِيمَتُهَا خَمسُ إبِلٍ] دية الجنين: خمسٌ من الإبل ، وهي غرَّة عبدٌ أو أمة ، وقد ورد في هذا أن عمر -رضي الله عنه- استشار الناس في إملاص المرأة -يعني في الإعتداء على المرأة حتى تسقط جنينها- ، فقال المغيرة بن شعبة: (شهدت النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى فيه بغرة عبد أو أمة ، فقال عمر:لتأتين بمن يشهد معك ، فأتى بمحمد ابن مسلمة فشهد معه) ، وأيضاً القصة المشهورة في الصحيحين؛ قصة اقتتال المرأتين من هُذيل ، فرمت احداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ، فقضى النبي -صلى الله عليه وسلم- بدية المرأة على عاقلتها ، وقضى بدية جنينها غُرَّة عبد أو أمة ، إذاً دية الجنين هي قيمة غرة عبد أو أمة ، وجاء تقديرها بخمس من الإبل ، إنسان اعتدى على امرأة وهي حامل ، فأسقطت الجنين ميتاً ، كم ديته؟ خمس من الإبل ، طيب؛ إذا أردنا أن نقدرها بالريالات! ، إذا كان مئة من الإبل تعادل أربعمائة ألف ، معنى ذلك الواحدة من الإبل؟ أربع آلاف ، طيب؛ خمس من الإبل؟ تكون عشرون ألف ريال ، فنقول لهذا الذي اعتدى على امرأة حتى أسقطت جنينها وخرج ميتاً: عليك عشرون ألف ريال ، طيب؛ لو كان ذلك بطريق الخطأ؟! تسبب في ذلك؟ فيكون عليه خمسة عشر ألفاً ، إذاً هي خمس من الإبل .

قال: [وَإن كَانَ كِتَابِيَّاً فَعُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ] يعني؛ إن كان الجنين كتابياً فيكون فيه عُشر دية أمه ، لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعُشر دية أمه ، لماذا قلنا عُشر؟ دية المرأة المسلمة كم من الإبل؟ خمسون ، دية الجنين؟ خمس ، خمس إلى خمسين ؟ عُشر ، طيب؛ إذا كان كتابياً عُشر دية أمه ، ودية الكتابي نصف دية المسلم؟ والمرأة الكتابية على النصف؛ يعني خمسة وعشرين من الإبل ، فمعنى ذلك أنه يكون عُشر خمسة وعشرين من الإبل ، قال: [أو عَبداً فَعُشْرُ قِيمَتِهَا] يعني؛ إذا كان كتابياً وعبداً فعُشر قيمتها ، [وَلَو سَقَطَ حَيَّاً] نفترض أن الجنين سقط حياً ما سقط ميتاً؟ [وَلَو سَقَطَ حَيَّاً ثُمَّ مَاتَ مِنَ الضَّربَةِ فَالدِّيَةُ] يعني فالدية كاملة ، لو جُني على امرأة فسقط الجنين من بطنها حياً ، ثم مات من الضربة ، ففيه الدية كاملة ؛ مئة من الإبل ، وقد نقله ابن المنذر إجماعاً ، وقال عنه الموفق أن هذا قول عامة أهل العلم ، كيف نعرف أنه سقط حياً؟ باستهلال الجنين ، إما بصراخه أو برضاعه أو بنَفَسِه أو بعطاسه أو نحو ذلك ، فإذا سقط الجنين حياً ، وعرفنا حياته ، ثم مات بسبب تلك الضربة؛ فيكون فيه الدية كاملة ، فيه مئة من الإبل ، أما لو سقط ميتاً ففيه خمس من الإبل ، قال : [إذَا كَانَ لِوَقتٍ يَعِيشُ لمِثْلِهِ] يعني هذا شرط وجوب الدية الكاملة ، أن تسقطه لوقت يعيش لمثله ، وهو أن تضعه لستة أشهر فصاعداً ، أما إن سقط حياً لأقل من ستة أشهر؛ لأربعة أشهر مثلاً ، أو أربعة أشهر ونصف ، أو خمسة أشهر ، ففيه غرة ، يعني؛ ففيه خمسٌ من الإبل ، يقولون لأنه لا تُعلم فيه حياةٌ يُتصور بقائها ، فلم تجب فيه الدية كاملة ، وإنما الواجب فيه فقط غرة وهو خمس من الإبل .

 

ونقف عند (باب موجبِ القِصاصِ)

نكتفي بهذا القدر ، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

* * *

نجيب عما تيسرمن الأسئلة:

هل كل لفظةٍ في القرآن متبوعة بأن تدل على التقييد (الذين يظننون أنهم ملاقوا ربهم) ؟

هذا محتمل ، لكن ينبغي أن يُفهم القرآن بما وضحته به السنة ، فبعض الآيات القرآنية لو أخذتها على ظاهرها ربما تفهمها فهم آخر ، يعني مثلاً قول الله -عز وجل-: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا[النساء: 101] ، لو أخذت بظاهر الآية لقلت أن القصر إنما يشرع عند الخوف فقط ، لكن السنة دلت على أنه مشروع مطلقاً؛ عند الخوف وعند غير الخوف ، فالسنة مبينة موضحة لما في القرآن ، لو أخذت آية الدَّيْن كلها أوامر ، فاكتبوه ، وليكتب ، واستشهدوا شهيدين ، لكن السنة دلت على أن هذه الأوامر كلها على الإستحباب ، ليست على الوجوب ، فإذاً لابد أن يُفهم القرآن بما وضحته وبينته به السنة ، وتجمع النصوص ، هذه طريقة أهل السنة والجماعة ، وطريقة الراسخين في العلم ، الجمع بين النصوص ، لا يؤخذ بنص وتترك بقية النصوص ، من أسباب الزيع والإنحراف؛ الأخذ بنص دون النظر لبقية النصوص ، ولهذا ينبغي للإنسان عند النظر للمسائل أن يرجع لفهم الأئمة وأهل العلم ، لأن هؤلاء الأئمة هم يجمعون بين النصوص ، يقولون المسألة ورد فيها كذا وكذا.. ، فيجمعون لك النصوص في مقام واحد ، فيرجع الإنسان لفهم هؤلاء العلماء وفهم هؤلاء الأئمة ، ولا يقول آخذ من الكتاب والسنة مباشرة ، هذه فيها خطورة كبيرة ، فإذا قال آخذ من الكتاب والسنة مباشرة ، قد يقع في مخالفة للإجماعات ، وقد يقع فيه خطأ في الفهم ، فلابد أن يرجع لفهم الأئمة وفهم العلماء السابقين .

 

سراية الجناية إلى النفس في القود أو في المأذنون فيه هل يوجب الكفارة؟

أما بالنسبة لسراية الجناية وليست سراية القود؛ فهذه توجب الكفارة ، هذه موجبة للكفارة ، وأما سراية القود فإن هذه لا توجب الكفارة ، لأن عندنا قاعدة وهي أن ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون .

طيب؛ حوادث السيارات؟

إذا حصل حادث مروري ، وحسب على إنسان نسبة من الخطأ ، قيل عليك أنت نسبة من الخطأ 30% ، كيف يكون الضمان؟ من جهة الدية ومن جهة الكفارة ؟ الكفارة إن شاء الله ستأتينا ، لكن لا بأس أن نجيب عن هذا السؤال الآن .

إنسان حصل له حادث ، وحصل فيه وفيات ، تسبب في حادث فيه وفيات! فلما أتى تقرير المرور قالوا عليك خطأ بنسبة 30% ، كيف تكون الدية وكيف تكون الكفارة ؟

الدية بنسبة الخطأ ، 30% إذاً عليك ثلاثين من الإبل ، الكفارة تجب كاملة ، لأنها لا تتبعض ، إذاً تجب عليه الكفارة كاملة ، والدية بنسبته من الخطأ .

 

 

هل يقال أنه من السنة تفسير الرؤى ؟

من كان يحسن التعبير فنعم ، يكون بهذا محسناً ، محسناً لغيره ، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى صلاة الفجر قال لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ ، فيقص ماشاء الله أن يقص ، ويعبرها النبي -صلى الله عليه وسلم- له ، أما من لم يكن معروفاً بالتعبير فليس له أن يتخبط في تعبير الرؤى ، لأن الرؤيا جزء من النبوة ، والتلاعب بها تلاعب بالنبوة ، ثم أيضاً بعض الناس عنده مبالغة في قضية الرؤى ، أحياناً تكون حلم ما تكون رؤيا! ومن علامة الحلم أن تكون في أشياء مزعجة ، إذا رأيت في المنام أي شيء مزعج فهذا حلم وليس رؤيا ، هذا من الشيطان ، اتفل عن يسارك ثلاثاً وتعوذ بالله من الشيطان ومما رأيت ، ولا تذكره لأحد ، ولا يضرك ، أما الرؤيا فتكون في الأشياء غير المحزنة ، إما مباحة أو أشياء تسر ، وأيضاً من علامة الرؤيا أنها تكون واضحة ، تتذكر معالمها جيداً ، وهذه تذكر للمعبر ، والمعبر تذكر له على أنها رموز وهو يفككها ، يفكك هذه الرموز ويعبرها ، إما بالنظر مثلاً للإسم ، احياناً الاسم له دلالة ، والسياق له دلالة ، وكل شيء في الرؤيا له دلالة يعرفها المعبرون ، لكن يقول -عليه الصلاة والسلام-: "الرؤيا على رجل طائر فإذا عبرت وقعت" هذا حديث صحيح ، ما معنى هذا الحديث؟

معنى هذا الحديث أن الرؤيا تحتمل عدة احتمالات ، فإذا عبرها المعبر على واحد من هذه الإحتمالات وقعت كما عبرت ، ولهذا ينبغي ألا تذكر الرؤيا إلا لمعبر حاذقٍ وناصح ، لأنه إذا كان غير ناصح ، إنسان مثلاً حاسد! قد يعبرها على أسوأ احتمال ، فتقع على الاحتمال الأسوأ ، لذلك لا تذكر الرؤيا لإنسان حسود ، أو إنسان مثلاً عنده حقد أو منافسة أو كذا ، لا ، قد يعبرها على الاحتمال الأسوأ ، وإنما تذكر لإنسان معبر ناصح ، يعبرها لك على أحسن الإحتمالات ، وإلا لا تذكرها لأحد ، "الرؤيا على رجل طائر فإذا عبرت وقعت" ، ففقه ما يتعلق بالرؤيا هذا مهم جداً ، وفيه مسائل كثيرة ، ومن أحسن من تكلم عنها الحافظ ابن حجر في فتح الباري ، لما شرح كتاب الرؤيا من صحيح البخاري ، تكلم كلاماً جميلاً ، وضع فيها قواعد وضوابط جيدة ، ومنها ماذكرت .

 

لماذا لا تدخل سنة الوضوء في ذوات الأسباب مع كونها لم تكن سنة إلا بسبب الوضوء كما في حال دخول المسجد -أنت الذي فعلت هذه الأسباب- ؟

يختلف دخول المسجد عن سنة الوضوء ، الوضوء مطلوب من الإنسان في كل وقت ، الأفضل أن يكون متطهراً في كل وقت ، وأما دخول المسجد فيدخله لسبب ، يدخله مثلاً إما لحفظ القرآن أو لغير ذلك من الأسباب ، لكن سنة الوضوء ليس بواضح أنها من ذوات الأسباب! ليس بواضح! وإلا كل إنسان يتوضأ ويصلي ، أما دخول المسجد ما يدخله إلا لحاجة في الغالب ، لا يدخل المسجد إلا لحاجة فهي من ذوات الأسباب ، وصلاة الكسوف من ذوات الأسباب ، الطواف من ذوات الأسباب ، ركعتي الطواف من ذوات الأسباب ، لكن الوضوء يعني؛ ممكن الإنسان يتوضأ في أي وقت ، ويتوضأ لحاجة ولغير حاجة ، ففرق بينه وبين تحية المسجد ، المسجد ما يدخله إلا لحاجة في الغالب ، في غير أوقات الصلوات ، فيظهر أن بينهما فرقاً .

 

قول الله -تعالى-: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِيُفهم في الآية أن في القتل الخطأ دية وتحرير رقبة؟

نعم وهو كذلك ، القتل الخطأ فيه الدية وتحرير رقبة يعني ؛ كفارة ، فالقتل الخطأ فيه الدية وفيه الكفارة ، القتل شبه العمد فيه الدية المغلظة ، وفيه الكفارة أيضاً ، القتل العمد فيه قصاص وإذا تنازل أولياء الدم أصبح فيه الدية ، لكن هل في القتل العمد كفارة أم لا؟

هذا محل خلاف ، فالجمهور على أنه ليس فيه كفارة ، لأن ذنبه أعظم من أن يكفَّر ، وذهب الشافعية إلى أن فيه كفارة ، والقول الراجح أنه لا كفارة فيه ، فهو كاليمين الغموس ، أما الخطأ وشبه العمد ، ففيه كفارة بالإجماع ، وفيهما الدية كذلك بالإجماع .

 

هل يفرَّق بين الجنين إذا نفخت فيه الروح أم لا ؟

نعم يفرَّق ، فالغرة أو الخمس من الإبل إنما هي في الجنين إذا نفخت فيه الروح ، أما قبل نفخ الروح فيه أصلاً لا يسمى جنيناً ، نطفة أو علقة أو مضغة ، يعني كأنه قطعة لحم سقطت ، فهذا قد يضمَّن بشيء من المال ، لكن ليس فيه الغرة التي هي خمس من الإبل .

 

لو عُفي عن القاتل هل يُخرج الممسك من الحبس المؤبد ؟

نعم ، إذا رضي بذلك أولياء الدم ، وعفوا عن القاتل ، وعفوا عن الذي أمسك ، فيُخرج ، لأنه يعتبر حق خاص .

 

إذا سرت الجناية إلى النفس فهل يقتل الجاني ؟ وهل تقاس على القتل شبه العمد أنه لا يُقتص من الجاني ؟

إذا كانت الجناية عمداً وسرت للنفس؛ يُقتص منه ، مثل ما مثَّلنا ، إنسان أتى بآلة حادة وقطع اصبع آخر ! ثم إن هذا المجني عليه أصابته غرغرينا فمات! فيقتص من هذا المعتدي ، وهذا فرق بينه وبين شبه العمد ، شبه العمد هو أتى بآلة لا تقتل غالباً فمات! فهنا يكون القتل شبه عمد ، أصلاً ما قصد ، مجرد أنه ضربه بمثل هذه مثلاً ضربة ! لكنه مات! فيعتبر شبه عمد ، أما هذا قد اعتدى عليه ، أتلف عضو من أعضائه ، قطع يده! قطع رجله! قطع اصبعه! ثم إن هذه الجناية سرت ، فيقاد به ، بخلاف الجناية التي توجب القتل شبه العمد .

 

ذكرت في الدرس الماضي أن الحامل لا يقام عليها الحد حتى ترضع اللبأ ، هل تترك عامين حتى ترضع ؟

نعم ، تترك عامين حتى ترضع ، إذا كانت ترضع وتستمر في الرضاع تترك إلى أن تفطم ولدها ، لكن اللبأ فيه إشارة لأول اللبن ، ولذلك قال بعض أهل العلم أنها تترك حتى تفطم جنينها ، فإذا لم تفطم جنينها إلا بعد عامين تترك حتى العامين ، وإذا فطمت جنينها قبل العامين؛ فيقام عليها الحد أو القصاص قبل العامين ، وهذا القول الأقرب ، ولذلك في قصة المرأة قال: (فجاءت بطفلها ومعه كسرة خبز) فيه إشارة إلى أنها فطمته ، ولأن الحكمة هي أن يصبح هذا الطفل قادراً على الأكل بنفسه ، من الطعام من غير اللبن ، فهذا هو الأقرب؛ أنه حتى تفطم هذا الطفل .

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1440/1/28