الخثلان
الخثلان
من الفائدة 192 إلى الفائدة 197
2 صفر 1440 عدد الزيارات 45

لطائف الفوائد / من الفائدة 192

 

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه ، واتبع سنته إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا ، اللهم آتنا من لدنك رحمةً وهيء لنا من أمرنا رشدا .

هذا الدرس -السادس لهذا العام- في هذا اليوم الأثنين الثامن والعشرين من شهر محرم من عام ألف وأربع مئة وأربعين للهجرة ، نبدأ أولاً بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد ، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (192) في "الأمم السابقة أطول أعماراً وأكبر أجساماً ".

* * *

فائدة: الأمم السابقة أطول أعماراً وأكبر أجساماً

الأمم السابقة كانت أطول أعماراً ، وأكبر أجساماً ، من هذه الأمة ، ويدل لهذا قول الله -تعالى- عن نوح: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:14] ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خلق الله آدم طوله ستون ذراعاً ، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن" ، (ستون ذراعاً تعادل 30 متراً تقريباً) ، والمعنى: أن كل قرن تكون نشأته في الطول أقصر من أهل القرن الذي قبله ، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة ، فلم يقع من زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى زماننا هذا تفاوت في الخلق بالطول والقصر ، بل الناس الآن على ما كانوا عليه في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، طويلهم كطويل ذلك الزمان ، وقصيرهم كقصير ذلك الزمان ، وقد عوض الله -تعالى- هذه الأمة عن قصر أعمارها بليلة القدر التي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر .

أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن الأمم السابقة أطول أعماراً وأكبر أجساماً ، فقال: "خلق الله آدم طوله ستون ذراعاً" ، وهذا في الصحيحين ، وستون ذراعاً تعادل؛ ثلاثين متر تقريباً ، يعني -طول هذا العمود تقريباً ست مرات- ، خلق عظيم ، وجاء في رواية -في غير الصحيحين-: "وعرضه ثلاثة عشر ذراعاً" وفي لفظ: "سبعة أذرع" ، فهو عظيم الخلق في الطول وفي العرض ، ثم أيضاً أعمارهم طويلة ، أعمارهم بالمئات وربما تزيد على الألف ، نوح -عليه الصلاة والسلام- مكث في قومه في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاماً ، فهم أطول أعماراً وأكبر أجساماً ، قال -عليه الصلاة والسلام-: "فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن" ، يعني؛ بعد ذلك كان هناك تناقص في الأعمار وفي الأجسام ، وهذا التناقص على القرون -على مدى القرون- ، لكن انتهى التناقص للبشر في الطول ، وفي أيضاً ضخامة الأجسام ، وفي الأعمار ، إلى ما عليه هذه الأمة ، فاستقر ، فهذه الأمة ليس بينها تفاوت في الطول ولا في الأعمار ، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "أعمار أمتي مابين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك" ، والناس الآن على ما كانوا عليه في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، طويلهم كطويل ذلك الزمان ، وقصيرهم كقصير ذلك الزمان ، وأعمار الناس الآن كأعمار الناس زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، لكن الأمم السابقة أطول أعماراً وأكبر أجساماً ، وقد ذكر بعض علماء الآثار والحفريات؛ ذكروا من خلال نظرهم العلمي إلى الآثار والحفريات ، أنه يوجد في التاريخ البشري عماليق ، ومعلوماتهم شحيحة ، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- أعلمنا عن طريق الوحي ، أعلمنا بذلك صراحةً ، وأن الأمم السابقة كانت أجسامهم كبيرة ، وطويلة ، وأعمارهم طويلة ، وأن الخلق تناقص إلى ما كان عليه الأمر في هذه الأمة ، وقد أخبر -عليه الصلاة والسلام- أيضاً كما في الصحيحين: "أن كل من يدخل الجنة على صورة أبيه آدم ، طوله ستون ذراعاً" ، وقد عوَّض الله -تعالى- هذه الأمة عن قصر أعمارها وأجسامها ، عوضها بليلة القدر ، التي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أُري أعمار الأمم السابقة كأنه تقاصر أعمار أمته ، فأُعطي وأمته ليلة القدر ، ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ[القدر: 3] ، وهذا من حكمة الله -عز وجل- ، وقد امتن الله -تعالى- على هذه الأمة بمنن عظيمة ، وخصها بخصائص كثيرة ، فهي خير أمة أخرجت للناس ، وهي أفضل الأمم ، كما قال الله -تعالى-: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه[آل عمران: 110] ، وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنه ما من أحد يوم القيامة إلا ويتمنى أنه من هذه الأمة" ، لما يرى من إكرام الله -عز وجل- لها ، بل إن هذه الأمة تشهد للأنبياء بأنهم قد بلغوا الرسالة ، فقد جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يجيء نوح وأمته فيقول الله له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم أي ربي ، فيقول الله لأمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: لا ، فيقول الله لنوح: من يشهد معك؟ فيقول: محمد -صلى الله عليه وسلم- وأمته " -الله أكبر- ، يقول -عليه الصلاة والسلام-: "فنشهد أنه بلَّغ وهو قوله -جل ذكره-: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ " ، وجاء في رواية "أن أمة نوح تقول لأمة محمد: كيف تشهدون أنه بلغ وأنتم إنما جئتم بعدنا؟ فيقولون: أخبرنا بذلك نبينا فصدقناه ، فنشهد على ما أخبرنا به" ، وتشهد أيضاً هذه الأمة لبقية الأنبياء أنهم قد بلغوا ، فتكون هذه الأمة شهداء على الناس ، وهذا من إكرام الله -تعالى- لها ، فاختص الله -تعالى- هذه الأمة بهذه الفضائل ، وهذا الإكرام ، مع أنها أقصر أعماراً ، وأقصر أجساماً ، لكن الله -عز وجل- تفضَّل عليها وعوضها بهذه الأمور العظيمة ، وجعلها خير أمةٍ أخرجت للناس .

* * *

فائدة: فضل عمل السر

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لبلال: "يا بلال! حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام ، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة" ، قال: (ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) ، في هذا الحديث من الفوائد: أن الله يعظم المجازاة على ما يسر العبد من عمله .

قال المهلب: (فيه دليل أن الله يعظم المجازاة على ماستر العبد بينه وبين ربه مما لا يطلع عليه أحد ، ولذلك استحب العلماء أن يكون بين العبد وبين ربه خبيئة عمل من الطاعة يدخرها لنفسه عند ربه ، ويدل أنها كانت خبيئة بين بلال وبين ربه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعرفها حتى سأله عنها) .

بلال بن رباح الصحابي الجليل -رضي الله عنه- ، يقول له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يا بلال! أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة" ، وفي لفظ: "سمعت خشخشتك في الجنة" ، وهذا؛ كيف رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة؟ وهو يقول ذلك في الدنيا؟! ، قيل: أنه رآه ليلة المعراج ، وقيل: رآه في النوم؛ وهذا هو الأقرب ، بدليل أنه جاء في إحدى الروايات: "أنه قال ذلك عند صلاة الغداة" ، كان -عليه الصلاة والسلام- بعدما يصلي صلاة الفجر يقول لأصحابه: هل رآى منكم أحد رؤيا؟ فيعبِّرها ، وربما أخبرهم النبي -عليه الصلاة والسلام- بما رآه هو من رؤى ، فالأقرب أن هذا رؤيا في المنام ، فقال بلال: (ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر -يعني: أتوضأ- طهوراً في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) ، يعني: صلاة الوضوء ، إما ركعتي الوضوء أو أكثر ، وهذا يدل على فضل ركعتي الوضوء ، وأنها من أسباب دخول الجنة ، فينبغي للمسلم أن يحرص عليها ، كلما توضأت صلِّ بهذا الوضوء ما كتب الله لك أن تصلي ، مثنى مثنى ، إلا في أوقات النهي ، فأوقات النهي لا يصلى فيها صلاة الوضوء ، ولهذا قال الحافظ بن حجر -في الفتح- لما ذكر هذا قال فيه؛ فضل الصلاة بعد الوضوء في غير أوقات النهي قال: لأن الأخذ بعمومه ليس بأولى من الأخذ بعموم النهي ، يعني؛ هذا الحديث فيه عموم ، لما تطهر "طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي" ، لكن أيضاً أحاديث النهي عن الصلاة فيها عموم "لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس" ، "لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس" ففيها عموم أيضاً ، فليس عموم هذا بأولى من عموم الآخر ، وقال ابن التين في الجواب عن هذا؛ قال: (ليس في حديث بلال ما يقتضي الفورية ، فيحمل على تأخير الصلاة قليلاً ليخرج وقت النهي) ، أي أن بلال يصلي صلاة الوضوء لكن بعدما يخرج وقت النهي ، فإذا توضأ مثلاً العصر لم يصلي صلاة الوضوء بعد صلاة العصر مباشرة وإنما ينتظر حتى تغرب الشمس ، وهذا توجيهٌ حسن ، وعلى كل حال حديث بلال محتمل ، وأحاديث النهي عن الصلاة أحاديث صحيحة محكمة في الصحيحين ، ولذلك فلا تصلى صلاة الوضوء في أوقات النهي ، إنما تكون في غير أوقات النهي .

 أيضاً في هذا الحديث من الفوائد: فضل عمل السر ، ولهذا هنا ذكر الحافظ قال فيه: (أن الله يعظم المجازاة على ما يُسرُّ العبد من عمله) ، قال المهلب: (فيه دليل أن الله يعظم المجازاة على ماستر العبد بينه وبين ربه مما لا يطلع عليه أحد) ، عمل السر له فضلٌ عظيم ، لأنه يظهر فيه الإخلاص لله -عز وجل- ، ولذلك استحب العلماء أن يكون بين العبد وبين ربه خبيئة عمل من الطاعة ، يدخرها لنفسه عند ربه ، يعني؛ اجعل بينك وبين الله خبيئة أعمال ، لا يعلم بها أحد إلا الله ، صلاة تصليها لا يدري عنك أحد إلا الله! ، صدقة تتصدق بها لا يعلم بها أحد إلا الله! ، مساعدة لفقير أو مسكين أو أرملة أو يتيم ، لا يعلم بها أحد إلا الله! لا يعلم بها ابنك ولا أبوك ولا زوجتك ولا إخوانك ولا أصحابك ، اجعلها بينك وبين الله ، خبيئة عمل! هذه يسميها السلف؛ خبيئة عمل ، خبيئة العمل هذه أجرها عند الله عظيم جداً ، وثوابها جزيل ، وأيضاً هي من أسباب تفريج الكروب ، ولذلك في قصة أصحاب الصخرة ، لما انطبقت عليهم الصخرة ، توسلوا إلى الله -تعالى- بصالح أعمالهم ، وكلهم توسلوا إلى الله -تعالى- بأعمالٍ رأوا أنهم قد أخلصوا فيها لله ، الأول توسل إلى الله بعظيم بره بوالديه ، والثاني توسل بعفته عن الزنا مع قدرته عليه ومع تعلقه بتلك المرأة ، والثالث توسل بأمانته وادخاره أجر ذلك العامل حتى رجع وأعطاه أجره ونمائه ، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون ، فينبغي أن يجعل الإنسان له خبيئة عمل بينه وبين الله -عز وجل- ؛ أولا: أنها أعظم أجراً وثواباً ، ثانياً: يدخرها قد تأتيه كربة فيتوسل إلى الله بها ، بعض الناس تكاد تكون أعماله كلها علانية ، ما يعمل من عمل إلا تكلم به أمام الناس ، تحدث به أمام الناس وأني أفعل ..كذا وكذا وكذا ..، هذا يُنقِص من الأجر ، الأصل أن عمل السر أفضل من العلانية ، إلا في المواضع التي تقتضي المصلحة الإعلان ، كأن يكون الإنسان يقتدى به ، فيعلن لأجل أن يقتدي به الناس ، فهنا عمل العلانية أفضل من السر ، وإلا الأصل أن عمل السر أفضل ، كما قال الله -تعالى-: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ[البقرة: 271]، ولهذا قال بعض السلف: اجعل لك خبيئة عمل فيما بينك وبين ربك ، لا تعلم بها زوجتك ولا أولادك ولا أحد من الناس ، هذا ينبغي أن يكون منهجاً للمسلم؛ يجعل له خبيئة أعمال ليس عمل واحد! أعمال ! فيما بينه وبين الله -عز وجل- .

قال: (ولذلك استحب العلماء أن يكون بين العبد وبين ربه خبيئة عمل من الطاعة يدخرها لنفسه عند ربه ، ويدل أنها كانت خبيئة بين بلال وبين ربه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعرفها حتى سأله عنها) ، يعني هذه كانت خبيئة عمل من بلال ، ما عرفها أحد ، حتى النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي يوحى إليه ، ما عرف عنها إلا لما أخبره بلال ، فكان ثوابها عظيماً ، وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: أن بلالاً -رضي الله عنه- لم يكن يعلم بما ادخر الله له ، إلا بعد أن أخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولذلك لا يحتقر الإنسان أي عمل صالح يعمله ، قد يكون هذا العمل الصالح الذي تعمله؛ قد يكون أجره عظيم عند الله -عز وجل- ، قد يكون أجره كبير وأنت لا تدري ولا تشعر! فلا تحتقر أي عمل صالح تعمله لله -عز وجل- ، لأن الدنيا ليست هي دار الجزاء ، دار الجزاء هي الدار الآخرة ، فقد يعمل الإنسان الأعمال ولا يرى أثرها ، لأنه مدخر له في الدار الآخرة ، فهذا بلال لم يكن يعلم بما ادخره الله له إلا بعد أن أخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك ، أيضاً ذكر الحافظ بن حجر في هذا الحديث من الفوائد :

قال: (فيه سؤال الصالحين عما يهديهم الله له من الأعمال الصالحة ، ليقتدي بهم غيرهم في ذلك) ، يعني مثلاً ؛ رأيت إنساناً صالحاً ، تسأله تقول: ما أرجى عمل تعمله؟ لأجل أن تقتدي به ، ربما يدلك على أعمال أنت غافلٌ عنها ، من صدقات ، من صلوات ، من أعمال صالحة ، فلا بأس أن يسأل الإنسان أحد الصالحين ، الذي يظن فيهم الخير والصلاح ، عن أرجى عمل عمله أو يعمله لله -تعالى- ، لأجل أن يقتدي به في ذلك ، فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- سأل بلالاً عن أرجى عملٍ عمله لله -عز وجل- .

* * *

فائدة : سعة علمه -تعالى- :

جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قصة الخضر مع موسى -عليه السلام-: ".. فلما ركبا في السفينة جاء عصفور ، فوقع على حرف السفينة ، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين ، قال له الخضر: يا موسى ، مانقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر .." .

الله -تعالى- أحاط بكل شيء علماً ، علم ما كان ، وما يكون ، وما هو كائن كيف يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون ، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا[الأنعام: 59] ، إذا كان يعلم حركة النباتات والجمادات ، ما بالك بحركة الإنسان! ، فهو الله -تعالى- يعلم الماضي بكل دقائقه وتفاصيله ، ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى[طه: 51،52] ، ويعلم ما يكون ، ويعلم ما سيكون ، وهي العقبة التي يقف عندها جميع البشر! ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ[لقمان: 34] ، فكل عقول البشر والعلم البشري مهما توصل إليه! لا يمكن أن يعرف ماذا سيكون غداً؟! أبداً! بل حتى ماذا سيكون بعد لحظة! هذا مغيب عن البشر ، لا يستطيع البشر أن يعلموه ، ولذلك تحدث الأحداث الكثيرة المفاجئة ، التي لا يتوقعها أحد! البشر لا يعلمون الغيب! ولا يعلمون ماذا سيكون في المستقبل! ، وإنما هذا مما استأثر الله بعلمه ، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ[لقمان: 34] ، لكن قد يطلع الله -عز وجل- بعض البشر على بعض ما قد يقدر ، عن طريق الرؤى! الرؤى هي من بشرى المؤمن ، وهذه قد يطلع الله -تعالى- بعض البشر على بعض ما سيكون بهذه الرؤى ، على أن الرؤى تفيد الظن أيضاً ، الرؤى لا تفيد القطع ، حتى لو عبرها لك معبر حاذق ، ولذلك يوسف -عليه الصلاة والسلام- أعطاه الله -تعالى- علم التعبير ، ومع ذلك ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ[يوسف: 42] ، (ظنَّ) وهو يوسف! ما بالك بغيره من المعبرين! ، فهي قد تفيد ، لكن تفيد الظن فيما قد يحصل ، وهذا من اطلاع الله -تعالى- بعض البشر ، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن: 26،27] ، فعلم الله -عز وجل-؛ علمٌ محيط بكل شيء ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] ، بالحاضر والماضي والمستقبل ، لا يحجزه زمان ولا مكان -جل وعلا- ، ومن أسمائه -العليم-؛ هو العليم بكل شيء ، وأحاط بكل شيء علماً ، ولذلك قصة الخضر مع موسى لما ركبا في السفينة؛ وموسى كان سبب لقائه بالخضر أنه كان يخطب مرة على المنبر ، سأله رجل قال: يا موسى! هل هناك على وجه الأرض أحد أعلم منك؟! قال موسى: لا ، فأوحى الله إليه أن هناك عبد أعلم منك ! ، موسى -عليه الصلاة والسلام- تكلم بما غلب على ظنه ، أنه هو النبي! وهو الرسول! وكان ينبغي أن يقول يعني؛ -الله أعلم- يرد العلم إلى عالمه ، فلما قال : لا ؛ أوحي إليه أن هناك عبد أعلم منك في بعض الأمور ، فركب إلى الخضر ، وحصل ما قص الله -تعالى- علينا في قصة الخضر مع موسى ، هذه القصة العجيبة في سورة الكهف ، لما التقى موسى بالخضر ، ركبا في السفينة ، جاء عصفور ، فوقع على حرف السفينة -يعني على جانب السفينة- ، ونقر في البحر نقرة أو نقرتين ، فقال له الخضر: يا موسى ، مانقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر .." ، العصفور إذا نقر في البحر هل ينقص شيء! نسبة علم البشر إلى علم الله -عز وجل- كنسبة نقرة هذا العصفور إلى هذا البحر العظيم ، ولذلك قال -عز وجل-: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء: 85] ، علم البشر علمٌ قاصر ، علمٌ قليل بالنسبة لعلم الله -عز وجل- .

* * *

فائدة : أول زمرة يدخلون الجنة

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة ، لا يبولون ، ولا يتغوطون ، ولا يتفلون ، ولا يمتخطون ، أمشاطهم الذهب ، ورشحهم المسك ، ومجامرهم الألوة ، وأزواجهم الحور العين ، على خلق رجل واحد ، على صورة أبيهم آدم ، ستون ذراعاً في السماء" ، (ستون ذراعاً تعادل 30 متراً تقريباً) .

أول زمرة يدخلون الجنة ؛ يدخلون على قدر عظيم من الحسن والجمال ، طولهم ستون ذراعاً ؛ يعني حدود ثلاثين متراً ، وحسنهم وجمالهم كالقمر ليلة البدر ، هؤلاء أول من يدخل الجنة ، ثم الذي يلونهم -يعني الذين بعدهم- ، على أشد كوكب دري في السماء إضاءة ، الكوكب الدري : هو النجم الشديد الإضاءة ، في الحسن والجمال ، وأيضاً طولهم ستون ذراعاً ، جميع أهل الجنة طولهم طول أبيهم آدم ، والجنة فيها من النعيم ، ومن قرة العين ، شيءٌ لا يستطيع العقل البشري المحدود أن يتخيله ، لا يستطيع أن يتخيله أصلاً! فضلاً عن أن يذكر له ، فوق مستوى تخيل العقل البشري ، كما قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: 17] ، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: " فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ، وهنا ذكر شيئاً من هذا النعيم؛ قال: "لا يبولون" ليسوا بحاجة للبول ، وإخراج هذا الأذى والقذر ، "ولا يتغوطون ، ولا يتفلون" ، ولا تأتيهم أصلاً الأمراض ، ليس فيها مرض ، ولا هرم ، ولا هم ، ولا غم ، ولا موت ، ولا حزن ، نعيمٌ دائم ، ونعيمٌ أيضاً لا يبغون عنه حولا ، يعني؛ نعيم الدنيا مهما كان يمل منه الإنسان ، أما نعيم الجنة لا يمل منه ، وأيضاً خالدون فيها ، نعيم الدنيا؛ قد يتنعم الإنسان بنعيم الدنيا ، مثل ما يحصل للسلاطين والملوك ونحوهم ، يتنعمون بأنواع النعيم ، وأطايب الطعام ، وجميع ما يطلبون ، لكن هل سيستمر لهم هذا النعيم!؟ أبداً! لابد أن يفارقوه ، أو يفارقهم ، أما نعيم الجنة فخالدون فيها أبد الآباد ، ليس ألف سنة ولا مليون سنة ولا بليون ، إلى ما لا نهاية ! ، ولذلك من الغبن أن الإنسان يزهد في هذا النعيم العظيم الدائم بلعاعة من الدنيا! الدنيا بالنسبة للآخرة لا تساوي شيئاً ، لا تساوي شيئاً ! ولهذا قال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني: على الكفر ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا﴾ يعني: ذهبا ﴿وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف: 34،35] ، يعني؛ لولا أن الناس يفتتنون لجعل الله -تعالى- لكل من كفر بالرحمن بيوتهم من فضة ، وحتى سقف البيوت من فضة وذهب ، ومعارج؛ يعني سلالم عليها يظهرون ، جعل الله -تعالى- بيوتهم من الذهب والفضة ، وأعطاهم نعيم الدنيا كله ، ولكن خشية أن يفتتن الناس اقتضت حكمة الله ألا يكون هذا ، وذلك لأن الدنيا لا تساوي عند الله شيئاً ، ولذلك يتعرقون بالمسك ، والمسك فقط يشابه مسك الدنيا في الإسم ، وإلا مختلف تماماً في الحقيقة ، "ومجامرهم الألوة": المجامر جمع مجمرة وهي المبخرة ، وسميت بذلك لأنه يوضع فيها الجمر ليفوح به مايوضع فيها من البخور ، فإذاً المجامر هي: المباخر ، والألوَّة: هو العود الهندي الذي يُتبخر به ، هذا العود الذي يوضع على الجمر ، الذي نضعه على الجمر فيظهر منه هذه الرائحة الطيبة ، لكن هذا ليس مثل عود الدنيا ، إنما فقط يشابهه في الإسم ، وإلا الحقيقة مختلفة تماماً ، "وأزواجهم الحور العين": لكل واحد من أهل الجنة حوريتان ، مع زوجته أو أزواجه في الدنيا ، وزوجته في الدنيا تكون أجمل من الحور العين ، وما في الجنة أعزب ، قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم وغيره ، ما في الجنة أعزب لا من الرجال ولا من النساء ، حتى من لم يكن متزوجاً؛ يزوجه الله بالحور العين ، والمرأة التي ليس لها زوج؛ يزوجها الله -تعالى- ، إما ممن لم يتزوج من أهل الجنة أو بغيرهم ، المهم أنه ليس في الجنة أعزب! ، "على خلق رجل واحد ، على صورة أبيهم آدم ، ستون ذراعاً في السماء"؛ فهذا النعيم العظيم في الجنة؛ ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف: 71] ، ينبغي أن يكون حاضراً في ذهن المسلم ، وألا يغفل وألا يذهل عنه ، لأنه إذا استحضر هذا النعيم؛ هذا يدفعه إلى مزيد من الطاعة ، ومزيد من الشوق لهذا النعيم ولهذه الجنة ، ومزيد من الإجتهاد في العمل الصالح ، ولذلك إذا قرأت كثير من سور القرآن ، لا تخلو من ذكر للجنة أو أوصافها ، يذكر الله -تعالى- الجنة ، ويربط الحث ؛ إذا حث على عمل يربط ذلك بالجنة ، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[النحل: 97] ، فينبغي أن يستحضر المسلم هذا النعيم ، وألا يغفل عنه ، وأن يتوقف مع الآيات القرآنية التي فيها وصفه ، وأن يسأل الله -تعالى- إياه ، ولهذا جاء عند الترمذي وغيره بسند صحيح؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة ، ومن استعاذ بالله من النار ثلاث مرات قالت النار: اللهم أعذه من النار" ، ينبغي أن تجعل هذا الدعاء ؛ تدعو به كل يوم ، تجعله مع أذكار الصباح والمساء ، تقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار ، تكررها ثلاث مرات ، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار ، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار ، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار ، اللهم كما جمعتنا في بيت من بيوتك في هذه الحلقة من حلق العلم؛ نسألك اللهم أن تجمعنا في جنات ونهر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

* * *

فائدة : الدين النصيحة

عن تميم الداري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الدين النصيحة" ، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" ، قال الحافظ الذهبي -رحمه الله-: فتأمل هذه الكلمة الجامعة! وهي قوله: "الدين النصيحة" ، فمن لم ينصح لله وللأمة وللعامة ، كان ناقص الدين ، وأنت لو دُعيت: يا ناقص الدين! لغضبت ، فقل لي: متى نصحت لهؤلاء؟! .

هذا الحديث حديثٌ عظيم ، يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الدين النصيحة" ، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" ، النصيحة كلمةٌ جامعة ، معناها: حيازة الحظ للمنصوح ، كما قال الخطابي وغيره ، ومعنى الحديث أن عماد الدين وقوامه؛ النصيحة ، فهو كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الحج عرفة" ، أي عماده ومعظمه ، وهذا يدل على عظيم شأن النصيحة في دين الإسلام ، وعظيم أهميتها ومكانتها ومنزلتها ، وأنه ينبغي للمسلم أن يُعنى بها ، النصيحة هنا: قال -عليه الصلاة والسلام-: "لله ولكتابه ولرسوله" ، لله: النصيحة لله وذلك بطاعته فيما يأمر به ، واجتناب مانهى الله -تعالى- عنه ، والإيمان بجميع ما أمر الله -تعالى- بالإيمان به ، والصدق مع الله -عز وجل- ، هذه هي النصيحة لله .

 ولكتابه: الإيمان بالقرآن الكريم ، والإيمان بجميع ما أمر الله -تعالى- بالإيمان به من الكتب السماوية جملةً وتفصيلا ، جملةً بجميع الكتب ، وتفصيلاً بما سمى الله -تعالى- من الكتب كالتوراة والإنجيل والزبور .

ولرسوله: الإيمان بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ، طاعته فيما أمر ، وتصديقه فيما أخبر ، واجتناب ما نهى عنه وزجر ، وألا يعبد الله إلا بما شرع .

ثم النصيحة للناس ، قسَّمها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى قسمين:

القسم الأول: النصيحة لأئمة المسلمين ، يعني؛ ولاة الأمر .

والقسم الثاني: لعامة الناس .

وهذا يدل على أن النصيحة لأئمة المسلمين تختلف عن النصيحة لعامتهم ، أما النصيحة لأئمة المسلمين؛ فتكون بمعاونتهم على الحق ، وطاعتهم فيه ، وحثهم عليه ، حسب الإستطاعة ، وأما النصيحة لعامة المسلمين ، وهم من عدا ولاة الأمور؛ فتكون بإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم وفي دنياهم .

 هنا قال الذهبي: تأمل هذه الكلمة الجامعة! "الدين النصيحة"، فمن لم ينصح لله وللأمة وللعامة ، كان ناقص الدين ، وأنت لو دُعيت: يا ناقص الدين! لغضبت ، فقل لي: متى نصحت لهؤلاء؟! .

يعني؛ ينبغي أن يكون الإنسان عنده نصح ، وعنده حرص على الدين ، وعلى محبة هذا الدين وأهله ، واعزازه ، والفرح بما فيه إعزاز الدين ، وإذلال أعدائه ؛ هذا من النصح ، والفرح بما فيه مصلحة البلاد والعباد ، هذا كله من النصح ، يقابل النصح الخيانة ، فينبغي أن يكون الإنسان ناصحاً صادقاً ، وأن يكون لديه غيره ، غيره على دين الله -عز وجل- ، وعلى إظهار هذا الدين ، وعلى إعزازه ، والنصح له ، والصدق ، وينبغي أيضاً أن يكون ناصحاً ، ولهذا قال جرير: (بايعت النبي -صلى الله عليه وسلم- على النصح لكل مسلم) ، فينبغي أن يكون الإنسان ناصحاً لكل أحد بحسب استطاعته ، ولكن النصيحة ينبغي أيضاً أن تتأدب بآدابها ، لأنه أحياناً النصيحة إذا خلت عن أدبها ، تحولت إلى فضيحة ، وتحولت إلى انتقام وتصفية حسابات شخصية ، باسم النصيحة ، فمن أعظم آداب النصيحة :

أن تكون سراً ، إذا أردت أن تنصح أحداً لا تنصحه أمام الناس ، إذا نصحته أمام الناس لن يتقبل منك ، وستأتي هذه النصيحة بغير غرضها والهدف منها ،  ولهذا قال الإمام الشافعي:

تعمدني بنصحك في إنفرادي*وجنِّبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوعٌ *من التوبيخ لا أرضى استماعه

فإن أنت خالفتني وعصيت أمري *فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

فإذا لاحظ الإنسان على أخيه المسلم شيئاً؛ لا ينصحه أمام الناس ، وإنما ينفرد به ، وأيضاً يتلطف معه في العبارة ، يبحث عن أشياء إيجابية فيه ، وبعض المحاسن التي يراها فيه ، يبدأ بها ، ثم يأتي بأسلوب مناسب ، أو أنه يكتب له النصيحة في ورقة مثلاً ، أو يرسلها لها في رسالة ، فيتلطف معه ، إذاً من أعظم آداب النصيحة أن تكون سراً .

وأيضاً: أن تكون باللين وبالرفق ، وبإظهار المحبة والشفقة للمنصوح ، ولهذا لما أمر الله -تعالى- موسى وهارون بأن يذهبا إلى فروعون قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ [طه: 44] ، مع أنه أكبر طاغية في التاريخ! ، ولهذا لما أتى رجل إلى أحد الخلفاء ، وأغلظ له في النصحية! قال: مهلاً! فلست بأشر من فرعون ، ولست أنت بأفضل من موسى وهارون! وقد قال الله لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا ، لأن النصيحة تبقى نوعاً من الملاحظة أو النقد ، وهو ثقيل على النفس ، فيحتاج إلى اللين ، وإلى الرفق ، وإلى الأسلوب الحسن ، والأسلوب المناسب ، لكن ينبغي أن تكون النصيحة حاضرةً في ذهن المسلم ، لاحظت على أخيك المسلم شيئاً! انصحه بالأسلوب المناسب ، فهذا الحديث حديثٌ عظيم ، وكما قال الحافظ الذهبي: هذه الكلمة "الدين النصيحة"؛ كلمةٌ عظيمةٌ جامعة .

* * *

فائدة: الحكمة من قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- على أُبيٍّ

عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن" ، قال: آلله سماني لك؟! قال: "نعم" ، قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟! ، قال: "نعم" ، فذرفت عيناه .

قال النووي: (اختلفوا في الحكمة في قراءته -صلى الله عليه وسلم- على أبي ، والمختار أن سببها أن تستن الأمة بذلك في القراءة على أهل الإتقان والفضل ، ويتعلموا آداب القراءة ، ولا يأنف أحد من ذلك) .

هذا الحديث العظيم يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بن كعب؛ وأبي اشتُهر بحفظه للقرآن ، وضبطه ، وعنايته به ، قال: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن" ، قال أبي للنبي -صلى الله عليه وسلم-: سمَّاني لك؟! قال: "نعم" ، جاء في رواية عند الطبراني (قال: نعم ، سماك باسمك ونسبك في الملأ الأعلى) ، الله أكبر ، هذا والله هو الشرف العظيم! أن الرب العظيم خالق كل شيء ، يسمي واحد من البشر باسمه ، ويقول ذلك لنبيه ، قال: "نعم" ، قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟! ، قال: "نعم" ، فذرفت عيناه ، بكى! قيل: من شدة الفرح والسرور! ، وقيل: بكى خوفاً من تقصيره في شكر هذه النعمة ، ويحتمل الأمرين جميعاً ، لأن هذا الموقف؛ موقف مهيب ، موقف عظيم ، والحكمة من هذا كما قال النووي: (أن سببها أن تستن الأمة بذلك في القراءة على أهل الإتقان والفضل ، ويتعلموا آداب القراءة ، ولا يأنف أحد من ذلك) ، يعني؛ ينبغي أن يؤخذ القرآن عن أهله ، عن القراء المتقنين ، فإذا أراد الإنسان أن يحفظ القرآن ، يأخذه عن القراء المتقنين ، لا يحفظ على نفسه ، وأن يتواضع ، يتواضع في ذلك ، قد يكون من يأخذ أكبر من المأخوذ عنه ، فيتواضع في هذا ، النبي -عليه الصلاة والسلام- قرأ على أبي بن كعب ، وهو رجلٌ من أصحابه ، فالقرآن إنما يؤخذ بالتلقِّي ، ولذلك من الخطأ أن الإنسان يفتح المصحف ويحفظ على نفسه ، لأنه إذا حفظ على نفسه سيحفظ خطأً! سينطق بعض الآيات خطأً! ويحفظها خطأً! ، فيُحفظ القرآن بالتلقي ، فتأتي لأحد من أهل الإتقان وتقول أنا أقرأ عليك ، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- لأبي ، أقرأ عليك ، ويصوب لك القراءة ، ثم تحفظ بعد ذلك ، فلعل هذه هي الحكمة؛ أن الأمة تستن بذلك في القراءة على أهل الإتقان والفضل ، ويتعلم آداب القراءة ، ولا يأنف أحد من أن يقرأ على أحد ، لعل هذه هي الحكمة في ذلك .

طيب؛ لماذا أُختير أبي! لم يأمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقرأ على أبي بكر!؟ وهو أفضل من أبي وأعلم! ولا على عمر!؟ وعلى من هو أفضل من أبي!؟

قيل: لأن أبي أُشتُهِر بالعناية بالقرآن ، فهو متقن للقرآن ومتعاهد له ، ولذلك في عهد عمر أمر أُبيَّاً وتميماً الداري أن يأمَّ الناس ، وكان مشهوراً بذلك ، فكأن الحكمة -والله أعلم- هو أن القرآن يؤخذ عن أهل الإتقان والفضل ، وجاء في رواية -في البخاري- أنه قال: "أمرني أن أقرأ عليك (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب)" ، سورة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ، طيب؛ لماذا اختار هذه السورة؟ قال القرطبي : (خصَّ هذه السورة بالذكر لما اشتملت عليه من التوحيد ، والرسالة ، والإخلاص ، والصحف ، والكتب المنزلة على الأنبياء ، وذكر الصلاة والزكاة ، والمعاد ، وبيان أهل الجنة والنار ، مع وجازتها) ، هي في المصحف تقريباً نصف صفحة ، ومع ذلك اشتملت على هذه الأمور كلها ، فهي سورة عظيمة ، من أعظم سور القرآن ، ولذلك أمر الله -تعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن يقرأها على أبي بن كعب .

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد .

* * *