الخثلان
الخثلان
باب الحضانة وباب النفقات
27 محرم 1440 عدد الزيارات 145

شرح متن التسهيل /باب الحضانة والنفقات

 

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل ، وكنا قد وصلنا إلى (باب الحضانة) ، وفي هذا الدرس إن شاء الله سنأخذ (باب الحضانة وباب النفقات) ، والدرس القادم نبدأ إن شاء الله في كتاب الجنايات .

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (بابُ الحضَانَةِ) .

(الحضَانَة): بفتح الحاء وكسرها مأخوذةٌ من (الحِضْنِ) وهو: الجنب ، لأن المربي يضم الطفل إلى حِضْنِه .

ومعناها اصطلاحاً: حفظ الصغير ونحوه عما يضره ، وتربيته بعمل مصالحه .

 والمقصود من الحضانة: القيام بمؤن المحضون وما يحتاج إليه من الطعام والشراب والكسوة والسكن ونحو ذلك ، وحفظه عما يؤذيه ، برعايته والقيام على شؤونه ، وأيضاً تربيته بما يصلحه في أمور دينه أو دنياه .

وإذا كان هناك وئام بين الزوجين فلا حاجة لبحث مسائل الحضانة ، إنما تبحث عن وجود الفراق بين الزوجين ، ولذلك سبب الحضانة: وجود الفراق بين الزوجين ، فإذا طلق الزوج زوجته وبينهما أولاد فلمن تكون حضانة هؤلاء الأولاد؟

وقبل أن نتكلم عن الأحق بحضانة هؤلاء الأولاد نشير إلى مسألة مهمة وهي: هل الحضانة حق للحاضن أو عليه؟ هل هي حقٌّ للحاضن أو حق على الحاضن؟ يعني؛ حق للحاضن ،إذا قلنا حق للحاضن عند التنازع تكون لمن هو أحق ، لكن عند عدم التنازع ؟ الأب ما يريده والأم ما تريده -العكس- ؟

يعني هذا الطفل إذا كانت الأم تريد أن تحضن طفلها ، والأب يريد أن يحضن طفله فهنا من الأحق؟ لو كان العكس الأب لا يريد حضانة هذا الطفل؟ لكونه مثلاً مع زوجة أخرى ، والأم لا تريد حضانة هذا الطفل أيضاً؟ فهل الحضانة حق للحاضن أو حق عليه؟

الصحيح؛ أن الحضانة حق للحاضن وحق عليه ، أنها حق للحاضن وحق عليه ، فهي حق له وعليه ، فإذا نازعه منازع فهي له ، وإن لم ينازعه منازع فهي لازمةٌ عليه ، هذا هو القول الراجح ، والذي قد رجحه ابن القيم وجماعة من أهل العلم ، وإن كان ظاهر كلام المؤلف وهو ظاهر المذهب أن الحضانة حق للحاضن ، ولكن القول الراجح الذي تدل له الأدلة أن الحضانة حق للحاضن وعليه ، فإذا نازعه منازع فهي له ، وإن لم ينازعه منازع فهي لازمة له .

قال المؤلف -رحمه الله-: [أحَقُّ النَّاسِ بِكَفالَةِ الطِّفْلِ والمَعتُوهِ أُمُّهُ] قوله (والمعتوه) يعني: المجنون أو زائل العقل ، أحق الناس بحضانة الطفل: أمه ، وهذا بإجماع العلماء ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أنتِ أحق به ما لم تنكحي " ، ولأن الأم أكثر شفقة ورحمة وقدرة على حضانة الطفل من الأب .

قال: [ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا] يعني إن عدمت الأم فالأحق هو أمهاتها ، يعني: جدات هذا الطفل ، القربى فالقربى ، [ثُمَّ الأبُ] لاحظ هنا أن المؤلف قدَّم الجدة أو الجدات على الأب ، قال: [ثُمَّ الأبُ] لأن الأب هو أصل النسب وأقرب من غيره ، سنسرد أولاً عبارة المؤلف ثم نذكر القول الثاني فيها ، [ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ] يعني: ثم أمهات الأب ، [ثُمَّ الجدُّ] يعني: من جهة الأب ، لأنه يعتبر أبٌ وبمنزلة الأب ، [ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ] يعني: أمهات الجد ، [ثُمَّ الأختُ لأبوينِ] يعني: الأخت الشقيقة ، [ثُمَّ لأبِ] يعني: ثم الأخت لأب ، [ثُمَّ لأُمِّ] يعني: الأخت لأم ، [ثُمَّ عمّتُهُ، ثُمَّ خالتُهُ] فهنا قدم المؤلف العمة على الخالة ، وهذه رواية عند الحنابلة؛ اختارها ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ، قالوا: لأن الولاية للأب فكذا قرابته لقوته بها ، ولكن الصحيح من المذهب عند الحنابلة أن الخالة مقدمة على العمة ، فالمؤلف خالف الصحيح من المذهب في هذه المسألة ، فالخالة عندهم مقدمة على العمة ، وهذه المسألة سنناقشها بعد قليل .

قال: [ثُمَّ أقربُ النِّساءِ] بعد ذلك تقدم أقرب النساء ، ثم أقرب يعني؛ عمات أبيه ثم خالات أبيه ثم خالات أمه ثم خالات أبيه .. وهكذا ، [ثُمَّ أقربُ عَصَبَاتِهِ] ثم تنتقل الحضانة للعصبة ؛ الأقرب فالأقرب ، هذا هو الترتيب الذي مشى عليه المؤلف -رحمه الله تعالى- ، وذهب أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إلى تقديم الأقرب مطلقاً ، سواءٌ من جهة الأب أو من جهة الأم ، فإن استوت درجتهم قدمت على الأنثى على الذكر ، فتقدم الأم على الأب ، والجدة على الجد ، والأخت على الأخ ، فإن كان ذكرين أو أنثيين مع استواء الدرجة؛ فيقرع بينهم إذا كان في جهة واحدة ، إذاً ضابط ابن تيمية -رحمه الله-: أنه يقدم الأقرب فالأقرب مع ترجيح الأنثى عند الإستواء في الدرجة .

طيب؛ لو أخذنا تطبيقات لكي يتبين بها الفرق بين رأي المؤلف ورأي ابن تيمية :

هذا طفل ماتت أمه أو أن أمه تزوجت مثلاً ، وتنازع فيه أبوه وجدته -التي هي أم الأم- ، فعلى كلام المؤلف: أيهما يقدم في الحضانة ؟ جدته ، وعلى كلام ابن تيمية: الأب ، لأن الأب أقرب درجة ، وعند ابن تيمية الضابط أن الأقرب درجة مقدم ، وإذا كانوا في درجة واحدة فالأنثى مقدمة على الذكر .

طيب؛ تنازع أم أم وأم أب ، فعلى كلام المؤلف من المقدم؟ أم الأم ، وعلى كلام ابن تيمية أيضاً ؟ أم الأم أيضاً ، لأنهما في نفس الدرجة ، والأنثى مقدمة على الذكر .

طيب؛ عمَّة وخالة ؟ المؤلف يرى العمة أيضاً ، وهذا يعني من الإضطراب في كلام المؤلف ، وإلا على المذهب الخالة مقدمة ، الخالة مقدمة ، ابن تيمية -رحمه الله- يرى أن العمة مقدمة ، يرى أن العمة مقدمة لأنها تدلي بالأب ، والراجح -والله أعلم- هو ما ذهب إليه أبو العباس ابن تيمية ، باستثناء مسألة الجدة مع الأب ، ومسألة الخالة مع العمة ، باستثناء مسألة الجدة مع الأب والخالة مع العمة ، فالأقرب فيها مذهب الحنابلة ، لأن الجدة مع الأب؛ الجدة أولى بالحضانة من الأب ، لأنه إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: " الخالة بمنزلة الأم" ، فإذا كانت الخالة بمنزلة الأم ، فأم الأم بمنزلة الأم من باب أولى ، ثم إن الأب لن يلي الحضانة بنفسه ، وإنما سيوكل زوجته مثلاً ، وهي زوجة أب هذا المحضون ، فأيهما أولى أن تحضنه زوجة أبيه أو أم أمه؟ أم أمه أكثر شفقة وأكثر حناناً وأكثر حرصاً ، فالذي يظهر أنه عند تنازع أم الأم ، والأب؛ أن أم الأم مقدمة كما هو المذهب ، والمسألة الثانية هذا أيضاً تخالفنا فيها ابن تيمية -رحمه الله- ، مسألة الخالة والعمة ، يعني؛ هذه مسألة ورد فيها نص وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الخالة بمنزلة الأم" ، وهذا في الصحيحين ، فإذا كانت بمنزلة الأم هذا يقوي جانب الخالة ، والواقع يؤيد هذا ، فإن الخالة لها من الشفقة ومن الحنان ومن الحرص على هذا الطفل أكثر من العمة ، أليس هذا هو الواقع! الخالة قريبة جدا من هذا المحضون ، بمنزلة الأم كأنها أمه ، فالأقرب -والله أعلم- في هاتين المسألتين هو المذهب ، وليس قول المؤلف ، المؤلف على رأي ابن تيمية في العمة والخالة ، الأقرب هو المذهب عند الحنابلة ؛ وهو تقديم الجدة على الأب ، والخالة على العمة ، وما عدا ذلك فضابط ابن تيمية -رحمه الله- هو الأقرب ، والشيخ عبدالرحمن بن سعدي -رحمه الله- يقول: إن هذا الترتيب ليس عليه دليل ولم تطمئن نفسي إلى شيء منه ، لكن على التفصيل الذي ذكرنا يكون منضبطاً ، نقول: الضابط الذي ذكره ابن تيمية -رحمه الله- هو الأقرب ، باستثناء هاتين المسألتين لورود النص ، وهي تنازع الجدة -أم الأم- مع الأب : فالجدة أم الأم مقدمة ، وتنازع العمة مع الخالة : فالخالة مقدمة على العمة ، وما عدا ذلك فتمشي على الضابط الذي ذكره ابن تيمية -رحمه الله- وهو: أن المقدم الأقرب فالأقرب ، وعند التعارض أو الإستواء في الدرجة تقدم الأنثى على الذكر ، وبهذا يستقيم الترتيب ، هذا هو الأقرب بالنظر لمجموع الأدلة الواردة في المسألة في ترتيب الحضانة .

طيب؛ ننتبه لهذا المسألة إذا فهمتها يزول عنك إشكالات كثيرة ، لو قرأتها في كثير من كتب الفقه تجد فيها كثير من الإشكالات والإضطراب أيضاً ، لكن إذا فهمتها بهذا الفهم تحصل على خلاصة كلام أهل العلم في هذه المسألة .

قال: [وَتُمنَعُ بِرِقٍّ، وفِسْقٍ] (وتمنع): يعني تمنع الحضانة برقٍّ ، فالرقيق ليس له حضانة ، لأنها ولاية وهو ليس من أهلها ، والرق الآن قد انقرض من العالم ، وأصبح ممنوعاً رسمياً في جميع دول العالم ، ومجرَّم دوليَّاً ، ولذلك لن نتوسع في بحث مسائله ، (وفسْقٍ): أي أن الفسق يمنع من الحضانة ، فليس للفاسق حضانة ، ولو كان هو الأب ، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على قولين:

 القول الأول: أن الفسق يسقط حق الحضانة ، فالفاسق لا حضانة له ، وذلك لأنه لا يوثق به في أداء الواجب من الحضانة ، وهذا هو المذهب عند الحنابلة كما قرره المصنف -رحمه الله- .

والقول الثاني: أنه إن كان فسقه يؤدي إلى عدم قيامه بالحضانة ؛ فإن الفسق يسقط حقه فيها ، أما إن كان فسقه لا يؤدي إلى عدم ذلك ؛ فلا يسقط حقه فيها ، وهذا ذهب إليه ابن القيم -رحمه الله تعالى- ، وهو القول الراجح .

قال ابن القيم: (الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعاً ، واشتراطها في غاية البعد ، ولو اشتُرط في الحضانة العدالة لضاع أطفال العالم ، ولعظمت المشقة على الأمة ، واشتد العنت ، ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفسَّاق بينهم ، لا يعترض لهم أحد في الدنيا ، مع كونهم الأكثرين ، ولم يزل الفسق في الناس ، ولم يمنع النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من الصحابة فاسقاً من تربية طفله ) ، لكن على التفصيل الذي ذكرنا ، لكن إذا كان مثلاً هذا الفاسق من أرباب المخدرات! فهل يعطى هذا الطفل؟! ما يعطى هذا الطفل ، هذا فيه ضرر عظيم ، هذا من أرباب المخدرات والمسكرات ، حتى ولو كان هو الأب ، فلا يعطى هذا الطفل ويقال به ، لكن لو كان مثلاً فسقه بأمر آخر ؛ بأن يكون مثلاً كثير السباب واللعن ، اللعن موجب للفسق ، اللعن من كبائر الذنوب ، إنسان دائم اللعن على لسانه هذا لا يمنع من قيامه بحضانة هذا الطفل ، أو أنه يشرب الدخان مثلاً ، أو أنه يتأخر عن الصلاة أحياناً ، أو نحو ذلك ، يعني؛ لا يصلي الصلاة في وقتها أحياناً ، هذه كلها موجبة للفسق لكنها لا تمنع من قيام هذا الفاسق بحضانة هذا الطفل ورعايته ، فإذاً التفصيل هو الأقرب -والله أعلم- ، إن كان فسقه يؤدي إلى عدم قيامه بالحضانة فإن الفسق يسقط حقه فيها ، أما إن كان لا يؤدي إلى ذلك فلا يسقط حقه فيها ، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

قال: [وَتزَوُّجٍ بأجنَبِيٍّ] أي لا حضانة لمزوَّجة بأجنبي من المحضون ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أنتِ أحق به ما لم تنكحي" ، والمراد بالأجنبي: من لم يكن من عصبات المحضون ، أما إن تزوجت بقريب محضونها فإنه لا يسقط حقها في الحضانة ، يعني إذا تزوجت بغير أجنبي ، لقصة ابنة حمزة فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى بها لجعفر ، لكون خالتها تحته ، وهو ابن عمها ، فإذاً: إذا تزوجت هذه المرأة بقريب وليس بأجنبي ، فلا يسقط حقها في الحضانة ، أما إذا تزوجت بأجنبي يعني بعيد وليس قريباً -ليس من عصبات المحضون- فيسقط حقها في الحضانة ، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أنتِ أحق به ما لم تنكحي" .

قال: [وتَعودُ بِزَوالِ المَانِعِ] يعني: تعود الحضانة إلى مستحقها إذا زال عنه المانع ، فهذه المرأة المزوجة من أجنبي إذا طُلقت رجع حقها في الحضانة ، ولو تاب الفاسق ، مثلاً كان الأب من أرباب المخدرات ثم إنه تاب ومنَّ الله عليه بالهداية ، فيرجع حقه في الحضانة .

قال: [وابنُ سَبْعٍ يُخَيَّرُ] يعني: نحن قلنا الأحق هو الأم ما لم تتزوج ، فإذا بلغ سبع سنين فإنه يخيَّر ، يُخيَّر بين أبيه وأمه ، (وابن سبع سنين) إذا قيل ابن: المقصود به الذكر ، أما الأنثى سيأتي الكلام عنها ، يعني إذا كان هذا الطفل ذكراً فإذا بلغ سبع سنين يخير بين أبيه وأمه ، ويدل لذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاءت إمرأة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يارسول الله ، إن زوجي يريد أن يذهب بابني ، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت" ، فأخذ بيد أمه ، فانطلقت به ، وهذا حديثٌ صحيح أخرجه أبو داوود والترمذي والنسائي ، وقضى بذلك بعض الصحابة كعمر وأبي هريرة ، ولكن هذا التخيير بين الأب والأم ؛ يشترط له أن يكون كل من الأبوين صالحاً للحضانة ، وأيضاً أن يكون الغلام مدركاً عاقلاً ، فإذا كان كل من الأبوين صالحاً للحضانة ، الأب صالح والأم صالحة ، ليس فيه مرجح لأحدهم على الآخر ، وهذا الإبن مدرك ، ليس معتوها ، وليس عنده قصور في الإدارك العقلي ، فإنه يكون عند من يختار ، وهذا كما ذكرنا مشروط بأن يكون كل من الأبوين نظير الآخر ، أما لو كانت الأم أصلح من الأب وأحسن رعاية وتربية وحفظاً ، فإنها تقدم ، أو كان العكس؛ الأب أكثر رعاية وأكثر صوناً وحفظاً فإنه يقدم ، مثلاً هذا الأب من أهل الصلاح والتقوى وطالب علم ، والأم يعني؛ ليست كذلك ، بل عليها ملاحظات كثيرة في لباسها وفي مثلاً صلاتها وفي بعض الأمور ، هنا يقدم الأب ، أو كان الأمر بالعكس؛ إذا كانت الأم من الصالحات ، إمرأة معروفة بالصلاح والتقوى ورجاحة العقل وحسن التربية ، والأب ليس كذلك؛ الأب يقع أحياناً في بعض الأمور وفي بعض المعاصي ، ويتأخر عن الصلاة ، فالأم أحفظ له ، فتقدم الأم ، ولا التفات لإختيار  الصبي ، لأن الصبي ضعيف العقل في هذه المرحلة ، ولذلك هو مرفوع عنه القلم ، فهو يؤثر البطالة واللعب ، فإذا اختار من يساعده على ذلك فلا التفات لإختياره ، وقد ذكر ابن القيم قصة: أن قاضياً أراد أن يخير غلاماً بين أبيه وأمه ، فاختار الغلام أباه ، فقالت الأم: سله لم يختار أباه؟ فسأله القاضي قال: لأن أمي تجبرني على أن أذهب للكتاتيب وحفظ القرآن ، والأب يتركني ألعب مع الأطفال ، فحكم به القاضي: لأمه ، ذكر هذه القصة ابن القيم في (الهدي) ، فهذا الطفل ضعيف العقل ، ربما يختار من كان يترك له المجال للعب ، ومن كان يشد عليه ويكون حازماً معه فلا يختاره ، فلذلك الإختيار إذا كان الأب والأم في درجة واحدة ، أما لو كان أحدهما أرجح ، والمصلحة في أن يكون هو الحاضن ، فإنه يقدم على غيره ، وهذا المعنى قد قرره باستفاضة ابن القيم -رحمه الله تعالى- ، وبين أن الشريعة لا تحتمل غير هذا ، يقول ابن القيم إن الشريعة لا تحتمل غير هذا ، طيب؛ هذا بالنسبة للذكر إذا بلغ سبع سنين ، قلنا أنه يخير ولكن بشرط؛ أن يكون الأب والأم في درجة واحدة ، أما إذا كان أحدهما أرجح فيكون هو الأحق بالحضانة ، قال: [فَإن أبَى] يعني؛ إن أبى هذا الإبن الإختيار [فَالقُرْعَةُ] يقرع بينهما ، لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر ، هذا بالنسبة للذكر .

أما بالنسبة للأنثى: فالمذهب عند الحنابلة أنها إذا بغت سبع سنين تكون عند أبيها ، يقولون لأن أباها أحفظ لها وأحق بولايتها من غيره ، وهو الذي يربيها ويأمرها بالستر والحجاب ونحو ذلك ، والقول الثاني؛ أن الأنثى إذا بلغت سبع سنين تكون عند أمها ، وإلى هذا ذهب الجمهور ، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية ورجحه ابن القيم -رحمه الله- ، وقال: إن هذا هو القول الصحيح دليلاً ، لأن العادة أن الأب يتصرف في المعاش والخروج ولقاء الناس ، والأم في خدرها ، مقصورة في بيتها ، فالبنت عندها أصون وأحفظ ، ثم إن البنت محتاجة إلى تعلم ما يصلح للنساء ، والقيام بمصالح البيت ، وهذا إنما تقوم به النساء لا الرجال ، فهي أحوج إلى أمها لتعليمها ما يصلح للمرأة ، ثم إن الأب إذا تركها في بيته سيتركها عند زوجته ، فأيهما أولى أن تكون عند زوجة أبيها أو عند أمها؟ الأم أكثر شفقة ورعاية وحنانا من زوجة أبيها ، وهذا هو الأقرب -والله أعلم- أن الأم أحق ، أن الأم أحق بالحضانة ، وهذا كما ذكرت عندما تكون الأم والأب في منزلة واحدة في التربية ، وإلا لو قدر أن الأم فاسقة مثلاً ، فإنها تكون عند أبيها قولة واحدة ، لو كانت الأم فاسقة عندها تساهل مع الرجال الأجانب ، وربما أيضاً ضبطت في قضايا أو نحو ذلك ، لا توضع البنت عندها ، لكن لو كانت الأم والأب في درجة واحدة فهذا هو الذي يأتي فيه الخلاف ، والقول الراجح أن الأنثى إذا بلغت سبع سنين فإنها تكون عند أمها ، كما هو قول أبي حنيفة ومالك وهو الذي نصره ابن القيم -رحمه الله- وجماعة من أهل العلم .

نريد الآن أن نلخص ما سبق ، مع كثرة التفريعات نحتاج إلى أن نضبط ما سبق في الأحق بالحضانة ، طبعاً ذكرنا الخلاف بين المذهب وابن تيمية ، لكن الأم والأب؛ عند تنازع الأم والأب من الأحق بالحضانة؟ من يجيب عن هذا يعيطينا ملخصاً لهذه المسألة؟

الأم أحق به ما لم تتزوج بأجنبي ، فإن تزوجت بأجنبي سقط حقها في الحضانة ، أما إذا تزوجت بقريب للمحضون فلا يسقط .

طيب؛ إذاً الأم أحق بحضانة الطفل ذكراً كان أو أنثى ما لم تتزوج ، طيب؛ إذا بلغ سبع سنين؛ فإن كان ذكراً وكان الأب والأم في منزلة واحدة فيخَّير ، فإن أبى فيُقرع ، أما إذا لم يكونا في منزلة واحدة وكان أحدهما أصلح له في الحضانة فيقدم الأصلح ، هذا إذا كان ذكراً ، طيب؛ إذا كانت أنثى؛ المذهب عند الحنابلة أنها عند الأب ، والقول الراجح أنها عند الأم ، بشرط أيضاً أن يكونا في منزلة واحدة أو في درجة واحدة ، أما لو كان أحدهما أرجح من الآخر في الرعاية وفي الحضانة فيقدم على غيره .

هذه خلاصة الكلام في هذه المسألة .

قال: [وَمَنْ سافَرَ إلَى بَلدٍ بَعيدٍ لِيَسْكُنَهَا وهو وطَرِيقُهُ آمنَانِ فالأبُ أحقُّ] سافرإلى بلد بعيد  ليسكنها: يعني سافر من أحد أبوي الطفل -الأم أو الأب- ، وهو: أي البلد ، وطريقه آمنان ، فالأب أحق بالحضانة سواء كان هو المسافر أو المقيم ، يقولون لأنه هو الذي يقوم برعاية الطفل وتأديبه وحفظ نسبه ، فإذا لم يكن الولد في بلد الأب ضاع الطفل ، والقول الثاني: أن الأم أحق إذا كانت هي المقيمة ، وقيل: أن المقيم أحق مطلقاً ، وقيل: أن الأحق هو الأصلح للطفل والأنفع له من الإقامة أو السفر ، وهذا القول الأخير هو الراجح ، لأن هذه الأقوال كلها لا دليل عليها ، وإنما ترجع لتحقيق مصلحة الطفل ، فالقول الرابع: هو الأقرب للأصول والقواعد الشرعية ، أن ينظر لمصلحة الطفل ، كما لو كان مثلاً الأب أراد أن يذهب لبعثة أو دورة مثلاً لمدة سنة ، قال هذا الطفل أنا أريد أن آخذه معي ، فنازعته الأم ، فعلى كلام المؤلف أن الأب أحق ، وعلى القول الراجح: يُنظر للمصلحة ، وإذا كانت المصلحة بقاءه مع الأم فيبقى مع الأم ، فإذاً الصواب؛ هو أن ينظر إلى مصلحة الطفل .

قال: [كابْنَةِ السَّبعِ مُطلَقاً] يعني:كالبنت إذا بلغت سبع سنين مطلقاً فإن أباها أحق بها ، وهذه تكلمنا عنها ، وذكرنا الخلاف فيها وان الأم أحق على القول الراجح ، ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [وَعَلَيهِ أن يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِه] يعني؛ يجب على الأب أن يطلب لولده من يرضعه ، إذا لم توجد الأم أو أوجدت وامتنعت عن ارضاعه ، لقول الله -تعالى-: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ ، [وأُمُّهُ أحقُّ] يعني؛ بإرضاعه ، لقول الله -تعالى-: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ، [ولو بأُجْرَةِ مثلِهَا] أي: أن أمه أحق بإرضاعه حتى ولو طلبت أجرة على إرضاعه ، لقول الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ، وظاهر كلام المؤلف؛ سواء كانت أم هذا الطفل في حبال الزوج أو لم تكن في حباله ، والقول الثاني؛ أن الأم لا تستحق الأجرة على إرضاع طفلها إلا إذا لم تكن في حبال الزوج ، أما إذا كانت في حبال الزوج فلا تستحق أجرة ، وهذا هو القول الراجح ، واختاره ابن تيمية وابن القيم وجمع من المحققين من أهل العلم ، فإذا كانت في حبال الزوج فالواجب عليها أن ترضع طفلها ، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ، ولا تأخذ أجرة على ذلك ، أما إذا كانت ليست في حباله ؛ بأن كانت مطلقة وأرادت أن ترضع هذا الطفل فإنها تستحق أجرة على الإرضاع ، لقول الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ، ولقول الله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، فلم يوجب للزوجة إلا النفقة والكسوة فقط ، فإذاً : إذا كانت المرضعة ليست أمه فلها الأجرة مطلقاً ، إذا كانت المرضعة أمه فننظر إن كانت ليست في حبال الزوج ؛ فتستحق الأجرة ، أما إن كانت في حبال الزوج فلا تستحق الأجرة على القول الراجح .

* * *

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (كتابُ النَّفَقَاتِ) :

وهذا آخر باب معنا في كتاب النكاح ، قال: [كتابُ النَّفَقَاتِ] النفقات : جمع نفقة ، من (الإِنْفَاق) وهو: الإخراج ، سميت بذلك لأنها تنفق ، من؛ (نفق فرسه إذا ذهب) ، وتطلق على الدراهم ونحوها من الأموال .

واصطلاحاً : هي كفاية من يمونه بالمعروف .

وأسباب النفقة ثلاثة : النكاح والنسب والملك ، هذه أسباب النفقة .

النكاح: وهو عقد الزوجية الصحيح ، أي: نفقة الزوجة أو الزوجات .

والنسب: يعني؛ القرابة ، وسيأتي ضابط وجوب نفقة الأقارب .

والملك : يعني؛ ملك الرقيق أو الدواب .

ثم ابتدأ المؤلف بالسبب الأول وهو النكاح ، فقال: [تَجِبُ لِزَوجَةٍ] يعني؛ تجب النفقة لزوجة [يُوطأُ مِثْلُهَا غَيرَ مُمْتَنِعَةٍ] تجب النفقة على الزوج لزوجته ، بهذا الشرط الذي ذكره المؤلف بأن تكون يوطأ مثلها ، وأن تكون غير ممتنعة عن الوطء ، فإذا كانت ممتنعة عن الوطء لنشوز أو غيره؛ لم تجب نفقتها ، أو أنها مثلاً لا زالت -بعد عقد النكاح- لا زالت في بيت أهلها ، لم تسلم إلى زوجها ، فلا تجب نفقتها ، لا تجب نفقتها إلا بعد تسليمها لزوجها ، وتمكنه من الإستمتاع بها ، وهذه النفقة تجب بالإجماع ، بهذا الشرط الذي ذكره المؤلف بالإجماع ، لقول الله -تعالى-: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّه [الطلاق: 7] ، ولقول الله -تعالى-: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ  [الطلاق: 6]، ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: " ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" ، إذاً الأولى؛ الزوجة .

 الثانية التي تجب لها النفقة قال: [ولِرَجْعِيَّةٍ] يعني؛ تجب النفقة للمطلقة طلاقاً رجعيَّاً ، لأن المطلقة طلاقاً رجعياً في حكم الزوجة ، لقول الله -تعالى-: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ ، وقد حكى ابن البر وغيره بالإجماع على ذلك .

الثالثة التي تجب لها النفقة؛ قال: [وحَاملٍ] يعني: تجب النفقة للمطلقة طلاقاً بائناً إذا كانت حاملاً ، لقول الله -تعالى-: ﴿إِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 6] ، وهذا بإجماع العلماء ، والنفقة هنا هل تجب للحمل ؛ لأجله ، أو لأجل أنها زوجة ، أو لأجل أنها يعني زوجة حامل ، نقول: تجب لأجل الحمل ، ويترتب على هذا أنها تجب لهذه -الحامل- ولو كانت ناشزاً ، لأن النفقة إنما هي لأجل الحمل ، وعلى ذلك لو كانت هذه البائن غير حامل فلا نفقة لها ، يعني؛ طلقها ثلاث تطليقات وهي غير حامل ، لا نفقة لها ولا سكنى ، وهذا قد دل له حديث فاطمة بنت قيس ، فإن فاطمة بنت قيس لما طلقها زوجها البتة ، أرسل إليها بشعير فسخطته ، قال: أصلاً ما لك علي نفقة ولا سكنى ، فجمعت ثيابها وذهبت للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "لا نفقة لك ولا سكنى" ، فالمطلقة طلاقاً بائناً ليس لها على زوجها شيء ، لا نفقة ولا سكنى ، إلا أن تكون حاملاً ، فأصبح الآن عندنا أربع نساء:

الأولى: الزوجة ، هذه تجب لها النفقة مطلقاً .

الثانية: الرجعية ، تجب لها النفقة مطلقاً .

الثالثة: البائن إذا كانت حاملاً؛ تجب لها النفقة حتى تضع الحمل .

الرابعة: البائن إذا لم تكن حاملاً؛ لا نفقة لها .

هذه خلاصة الكلام في النفقة بسبب عقد النكاح .

قال: [قَدْرَ كِفَايَةٍ] يعني: من تجب لها النفقة فيما سبق ، المعتبر في قدر النفقة أن تكون قدر الكفاية بالمعروف ، يعني المرجع في ذلك إلى العرف ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لإمرأة أبي سفيان: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" .

قال: [مُعْتَبَرَةٍ بِحَالِ الزَّوجَينِ] أي: أن النفقة تكون عند التنازع معتبرة بحال الزوجين ، من حيث اليسر والعسر ، [في مَحِلِّهِمَا] يعني: في مكان إقامتهما ، [للمُوسِرَةِ تَحتَ مُوسِرٍ مِنْ أَرْفَعِ خُبْزِ بَلَدِهَا وملبُوسِهَا وسُكْنَاهَا] يعني: إذا كانت الزوجة غنية والزوج غني؛ فتكون النفقة لها من أرفع ما تكون في الطعام وفي الشراب وفي الكسوة ، فالخبز يأتي لها بأفضل أنواع الخبز ، والملبوس كذلك؛ الكسوة أفضل الكسوة ، والسكن يستأجر لها أو يسكنها في أفضل سكن .

قال: [وَلِلفَقِيرَةِ أَدْوَنُهُ] يعني؛ الفقيرة تحت فقير ، فيعطيها أدنى خبز في البلد ، وأدنى ماتحتاج إليه من الكسوة ، وأدنى ما يمكن أن يسكنها فيه ، [وللمتوسِّطَةِ] يعني؛ تحت المتوسط ، يعطيها متوسط النفقة ، [ومَنْ أَحَدُهُمَا غَنِيٌّ مَا بَينَ ذَلِكَ] لو كان أحدهما غني والآخر فقير؛ يعني الزوج غني والزوجة فقيرة ، أو الزوج فقير والزوجة غنية؛ يقول: [بين ذلك] بين بين ، يعني ليست نفقة أغنياء ولا نفقة فقراء ، [كُلٌّ على حَسَبِ عَادَتِهِ] ، وهذا هو المذهب عند الحنابلة ، هو ما قرره المؤلف -رحمه الله تعالى- ، والقول الثاني ؛ أن المعتبر حال الزوجة ، وهو مذهب الحنفية والمالكية ، فإذا كانت الزوجة غنية فالواجب أن تعطى نفقة أغنياء ، وإن كانت فقيرة فتعطى نفقة فقراء ، بغض النظر عن حال زوجها ، إذا كانت الزوجة غنية وزوجها فقير فالواجب أن تعطى نفقة أغنياء ، وإذا كانت فقيرة وزوجها غني تعطى نفقة فقراء ، لقول الله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، والقول الثالث؛ أن المعتبر حال الزوج فإن كان الزوج غنياً وجبت نفقة الأغنياء ، ولو كانت الزوجة فقيرة ، وإن كان الزوج فقيراً وجبت نفقة الفقراء ، وإن كانت الزوجة غنية .

طيب؛ هذه ثلاثة أقوال في المسألة : قول المؤلف ، والقول بأن المعتبر حال الزوجة ، والقول بأن المعتبر حال الزوج ، والله -تعالى- يقول: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59]، نرد هذه المسألة لما ورد في القرآن ، الله -تعالى- يقول: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق : 7]، الآية الآن تدل على أن المعتبر حال من؟ الزوج ، بل الآية صريحة في هذا! ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ ثم قال مؤكداً هذا المعنى ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ بحسب استطاعته ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ فالآية نص في أن المعتبر حال الزوج ، وعلى هذا فالقول الراجح؛ هو القول الثالث : وهو أن المعتبر في النفقة حال الزوج ، وقد رجحه الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- ، وهو ظاهر الآية الكريمة ، فإذا كان الزوج غنياً فالواجب أن ينفق على زوجته نفقة أغنياء ، ولو كانت الزوجة فقيرة ، لا يقول أنتي فقيرة وأهلك فقراء ما أعطيك إلا نفقة فقراء! ، وإذا كان الزوج فقيراً فينفق نفقة فقراء ، ولو كانت الزوجة غنية ، لأن الله -تعالى- قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ هذا الذي آتاه الله -تعالى- ، فالقول الراجح الذي يدل له ظاهر القرآن أن المعتبر هو حال الزوج ، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة خلاف ما قرره المؤلف -رحمه الله تعالى- .

ثم قال المؤلف -رحمه الله-: [بُكْرَةَ اليَومِ] يعني: الزوجة تأخذ نفقة كل يوم في أول النهار بكرةً ، البُكرة: أول النهار ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ، فالبكرة هي مابعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ، سبحوه بكرة: هذا الوقت لما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس هو وقت ذكر وتسبيح ، فينبغي أن يغتنمها المسلم في هذا ، وأصيلا: ماهو الأصيل؟ آخر النهار ، مابعد صلاة العصر إلى المغرب ، ولذلك فالأفضل أن تكون أذكار الصباح بعد صلاة الفجر ، وأذكار المساء بعد صلاة العصر ، فقوله بكرة يعني في أول النهار ، فيعطي الزوج نفقتها كل يوم أول النهار ، والقول الثاني في المسألة: أن المرجع في ذلك للعرف ، وأن هذا التقييد الذي ذكره المؤلف لا دليل عليه ، يعطيها نفقتها سواء في أول اليوم أو في وسطه أو في آخره ، أو يعطيها دفعة واحدة ، أو كل شهر ، أو كل شهرين ، المهم أن يعطيها النفقة حسب العرف ، أن المرجع في ذلك للعرف ، أما أنه كل يوم بعد صلاة الفجر نقول إذهب وأعطها نفقة ، كل يوم! مالدليل على هذا؟ لا دليل يدل لذلك ، قال: [والكِسوةُ أوَّلَ السَّنَةِ] يعني؛ للزوجة على زوجها الكسوة؛ يكسوها في أول السنة -الهجرية طبعاً- ، لأنه أول وقت الحاجة ، والقول الثاني: أن المرجع في ذلك للعرف ، وأن هذا الذي ذكره المؤلف لا دليل عليه ، وهو القول الراجح ، القول الراجح: أن المرجع في ذلك للعرف ، فله أن يعطيها كسوة الشتاء في الشتاء ، وكسوة الصيف في الصيف ، ويكسوها من حين لآخر ، فالمرجع في ذلك للعرف هذا هو القول الراجح .

قال: [وَيَلزَمُهُ ما يعودُ بِنظَافَتِهَا مِنْ دُهنٍ وسِدْرٍ وماءٍ] يعني؛ يلزم الزوج مؤونة زوجته فيما يتعلق بنظافة زوجته من الأدهان ، والسدر يعني والمنظفات ، مثل في وقتنا الحاضر؛ الشامبو والصابون والماء ونحو ذلك ، هذه تلزم للزوجة على زوجها ، فيلزم الزوج أن يأتي ويحضر هذه المستلزمات؛ مستلزمات النظافة من الصابون والشامبو والماء ونحو ذلك ، وكذلك أيضاً الأدهان ونحو ذلك ، فهذه يلزم بها الزوج .

قال: [لا طَبِيبٍ، ودَوَاءٍ] يعني؛ أنه لا يلزم الزوج أجرة الطبيب الذي يعالج زوجته إذا مرضت ، ولا يلزم الزوج أن يدفع ثمن الدواء ، ولو كان الزوج غنياً ، لو كان الزوج من الأثرياء وزوجته معها صداع وقالت: اشتر لي بنادول مثلاً أو اسبرين ! مايلزمه على كلام المؤلف ، لا يلزمه ذلك ، وهذا أيضاً ليس فقط كلام المؤلف والحنابلة ، هذا الذي عليه المذاهب الأربعة ، أن الزوج لا يلزمه علاج زوجته ، لا أجرة الطبيب ولا ثمن الدواء ، يقولون لأن ذلك ليس من حاجاتها الضرورية المعتادة ، ولأن هذا أمر متعلق ببدنها فالزوج غير ملزم به ، والذي يظهر في هذه المسألة -والله أعلم- ، المسألة طبعاً فيها خلاف ، فيها أقوال أخرى لكن المذاهب الأربعة ترى هذا الرأي ، أن الزوج غير ملزم بعلاج زوجته مطلقاً ؛ لا أجرة طبيب ولا ثمن علاج ، والذي يظهر -والله أعلم- أن الزوج إذا كان قادراً على علاج زوجته وهي غير قادرة ؛ فيلزمه علاجها ، لأن هذا داخلٌ في المعاشرة بالمعروف ، والله -تعالى- يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وليس من المعاشرة بالمعروف أن تمرض الزوجة وهو قادر على علاجها ولا يقوم بعلاجها ولا شراء الدواء لها ، أما إذا كانت المرأة قادرة على علاج نفسها؛ كأن تكون موظفة فلا يلزم الزوج علاجها ، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة ، وأما كلام الفقهاء والمذاهب الأربعة أنه غير ملزم مطلقاً ، فربما أن العلاج في وقتهم يختلف عن علاج الآن ، العلاج في وقتهم كان بأشياء بسيطة ، الطب ما كان متقدماً أيضاً ، أما الآن فقد تقدم الطب وأصبح فيه مستشفيات ، وأصبح ثمنه باهظ للعلاج ، وأيضاً أجرة الطبيب لها ثمن ، فيظهر أن اختلاف الحال هنا مؤثر ، والله -تعالى- يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، وعلى قول الجمهور؛ لو كانت هذه المرأة مريضة وزوجها من رجال الأعمال ومن الأثرياء ، وهو يراها مريضة ، وهي فقيرة ما عندها شيء ، غير ملزم بعلاجها! هذا لا يتوافق مع الأصول والقواعد الشرعية ، فإن الله -تعالى- قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وليس هذا من المعاشرة بالمعروف ، أن هذا الزوج الغني الثري يرى زوجته الفقيرة ، يراها تصارع المرض ولا يعالجها ! فإذا كان قادراً ، وهي عاجزة ، فالأقرب أنه ملزم بعلاجها ، أما إذا كانت هي قادرة موظفة وقادرة على علاج نفسها ، فلا يلزم الزوج بذلك ولو كان غنياً ، هذا هو الأظهر في هذه المسألة -والله أعلم- .

قال: [لا طَبِيبٍ، ودَوَاءٍ] وذكرنا الراجح في هذه المسألة ، [وطِيْبٍ، وَحِنَّاءٍ وَنَحوِه] يعني؛ لا يلزم الزوج بشراء الأطياب لزوجته ، ولا الحناء ، ولا أدوات الزينة ، المكياج ونحوه ، هذه كلها غير ملزم بها الزوج ، إلا إذا طلب الزوج منها أن تتزين له ، لزمه شراء ذلك ، والذي يظهر -والله أعلم- أن القول في هذه المسألة كالقول في العلاج ، كالقول في المسألة السابقة ، وهو أن الزوج إذا كان قادراً على ذلك والزوجة فقيرة ؛ لزمه ، أما إذا كانت الزوجة قادرة على ذلك ، بأن كانت موظفة مثلاً فلا يلزمه ، يعني؛ إمرأة فقيرة ماعندها شيء والرجل غني يلزمه أن يشتري لها أطياباً ويشتري لها أدوات الزينة ، هذا من المعاشرة بالمعروف ، لكن لو كانت الزوجة موظفة وعندها دخل شهري لا يلزمه ذلك ، هي التي تشتري لنفسها هذه الأشياء .

قال: [ويُخْدِمُهَا لمَرَضِهَا أو كَونِ مِثْلِهَا لا تَخْدُمُ نَفْسَهَا] يعني؛ يلزم الزوج أن يأتي بخادم لزوجته ، إذا كانت مريضة أو كانت مثلها يُخدم ، لقول الله -تعالى-: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، ولأن ذلك مما يُحتاج إليه في الدوام أشبه النفقة ، فإذا كانت هذه الزوجة من أسرة عند أهلها الخدم ، ويُخدم مثلها ، فيلزم الزوج أن يأتي لها بخادم ، أو أنها مرضت وتحتاج إلى من يخدمها ، فيلزم الزوج أن يأتي لها بخادم ، أما إذا كانت من أسرة لا يُخدم مثلها ، وأهلها ليس عندهم خدم ، فلا يلزم الزوج أن يأتي لها بخادم ، وقال: [ولو بَذَلَتِ التَّسْلِيْمَ فَرَضَهَا الحاكمُ] أي: لو بذلت المرأة تسليم نفسها للزوج ، فرض الحاكم النفقة ، لأن التمكين قد وجد من جهتها ، فما دام أنها بذلت نفسها للزوج فهنا تجب النفقة لها ، ويفرضها الحاكم الذي هو-القاضي- ، [ويُمْهَلُ الغائبُ حَتَّى يُرَاسَلَ] يعني؛ إن بذلت الزوجة نفسها وزوجها غائب ، فيراسل الزوج يكتب له الحاكم أو يستدعيه حتى يحضر ، ويخبره بذلك ، فإن تسلمها وجبت النفقة لها ، وإن لم يفعل فرض الحاكم عليه النفقة منذ ذلك الحين ، يعني؛ خلاصة الكلام في هذا: أن النفقة تجب بتمكن الزوج من الإستمتاع بزوجته ، ولذلك إذا نشزت الزوجة سقط حقها في النفقة ، لو أن الزوجة تمردت على الزوج لا تطيعه ؛ هذه تسمى زوجة ناشز ، هذه يسقط حقها في النفقة ، لكن إذا كانت مطيعة له وهو متمكن من الإستمتاع بها فتجب لها النفقة .

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للسبب الثاني من أسباب النفقة وهي: القرابة .

قال: فَصْلٌ ، [تَجِبُ نَفَقَةُ الفقراءِ الوارثينَ بِفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ] أي: تجب نفقة القريب بثلاثة شروط:

الشرط الأول: أن يكون القريب فقيراً ، فإن كان غنياً فلا تجب له النفقة بالإجماع .

الشرط الثاني: قال: [الوارثينَ بِفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ] أن يكون القريب من الوارثين بفرض أو تعصيب ، لقول الله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ، فإن كان القريب غير وارث ، فلا تجب له النفقة ، إلا عمودي النسب ، فتجب النفقة لهم مطلقاً ، ولو لم يكونوا وارثين ، كالجد مع وجود الأب ، تجب نفقته ، إذا كان الجد فقيراً والابن غنياً ، وكابن الابن مع وجود الابن ، تجب نفقته ، فعمودا النسب لا يشترط الإرث ، وإنما تجب النفقة مطلقاً إذا تحقق الشرطان الآخران ، وذهب بعض العلماء إلى أنه تجب نفقة القريب ولو لم يكن وارثاً ، إذا كانت تجب صلته ، ولو لم يكن وارثاً ، كالعمة مثلاً ، والخالة ، فإن العمة والخالة تجب صلتهما ، وهما غير وارثات إلا أن يكونا من ذوات الأرحام ، فلو كان هذا الرجل غني وله عمة فقيرة ، فعلى كلام المؤلف أنه لا يجب عليه أن ينفق عليها ، وعلى القول الثاني؛ يجب ، وقد اختار القول الثاني أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله- وهو القول الراجح ، وعلى هذا فيكون الشرط الثاني: أن يكون القريب وارثاً بفرض أو تعصيب إلا أن يكون من عمودي النسب ، أو أن يكون ممن تجب صلته ، فتجب النفقة عليه مطلقاً .

قال: [مِنْ أصولِهِ وفروعِهِ] يعني؛ تجب نفقة الفقير من الأصول والفروع .

[إن فَضَلَ عندَه عَنْ وَاجِبِ نَفَقَتِهِ] هذا هو الشرط الثالث: وهو غنى المنفق .

فتكون الشروط ثلاثة :

الشرط الأول : أن يكون القريب فقيراً .

الشرط الثاني: أن يكون وارثاً بفرض أو تعصيب ، إلا أن يكون من عمودي النسب ، أو يكون ممن تجب صلته .

الشرط الثالث: غنى المنفق ، وهو الذي عبر عنه المؤلف بهذا الجملة [إن فَضَلَ عندَه عَنْ وَاجِبِ نَفَقَتِهِ] يعني؛ إن فضل عند هذا المنفق عن واجب نفقته ؛ يعني عن قوت نفسه ، ومن تلزمه نفقتهم من زوجة وأولاد ، فوجد فاضلٌ بعد ذلك ، فيجب عليه أن ينفق على قريبه.

قال: [وَيُبْدَأُ بالأقربِ] يعني؛ فالأقرب ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: " إبدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك" [أخرجه النسائي بسند صحيح] ، فيبدأ بالأقرب فالأقرب ، فالأب مثلاً مقدم على العم ، والأخ مثلاً مقدم على العم وهكذا ، [وَيُقْسَمُ عَلى كُلِّ وَاحدٍ بِقدرِ إرثِهِ] يعني؛ عند المشاحة؛ فإذا كان القريب فقيراً وله وارثٌ غني ، فنفقته على وارثه بقدر الإرث ، لقول الله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ نوضح هذا بالمثال:

رجلٌ فقير وليس له أب ولا أولاد ، وله أخوان شقيقان ، كيف تكون النفقة؟

على كل أخ نصف النفقة ، فنقول: هذا الفقير الآن كم يحتاج ، قال: يحتاج في الشهر ألف ريال ، إذا أنتم إخوان اثنان ، على كل واحد منكم في الشهر 500 ريال ، انت تدفع 500 وهو يدفع 500 ، هذا هو المقصود ، هذا هو مقصود المؤلف [وَيُقْسَمُ عَلى كُلِّ وَاحدٍ بِقدرِ إرثِهِ] ، [إلاَّ الأبَ فعليهِ وَحْدَه] يستثنى من هذا الأب فإنه يتحمل نفقة ولده كلها ، ولا يشاركه وارثٌ آخر ، لقول الله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وحتى ظاهر كلام المؤلف أن النفقة على الأب ، حتى مع وجود ابنٍ لهذا الولد ، كما لو كان مثلاً أبٌ وابن موسران وهو معسر ، فعلى كلام المؤلف أن النفقة واجبة على الأب ، والقول الثاني؛ أن النفقة واجبة على الابن ، ما دام الابن موسرا ، وليست على الأب ، وهذا هو القول الراجح ، لأن الابن أقرب لأبيه ، ولأن الابن أقوى في الميراث

هذا رجل فقير ، عنده ابن موسر ، وعنده أب موسر ، فعلى كلام المؤلف؛ النفقة واجبة على الأب ، وعلى القول الراجح؛ النفقة واجبة على الابن ، هذا فيما يتعلق بنفقة الأقارب .

وفي الحالة التي تجب على الإنسان نفقة القريب ، ليس له أن يعطيه من زكاته ، لأنه لو أعطاه من زكاته درأ عن نفسه النفقة ، إلا أن يسدد عنه ديناً فلا بأس .

ثم انتقل المؤلف للقسم الثالث والأخير وهو: نفقة المملوكين ؛

قال: [وتَجِبُ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ] يعني؛ يجب على السيد نفقة رقيقه بالمعروف ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: " للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " ، [وبَهائمِهِ] أي: يجب على الإنسان أن ينفق على بهائمه [بالمَعرُوفِ] وذلك بعلفها وسقيها ، وحبس الحيوان من غير إطعامه أو سقيه من كبائر الذنوب ، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "دخلت النار امرأة في هرة حبستها لا هي أطعمتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" ، [متفق عليه] ، قال: [وإِعْفَافُ مَنْ تَتَحَتَّمُ نَفَقَتُهُ] يعني؛ يجب على المنفق إعفاف من تجب له النفقة من الأبناء والآباء ، وذلك بتزويجهم ، فإذا كان الأب قادراً والابن فقيراً ، يجب على الأب أن يزوج ابنه ، وهكذا لو كان أبوه هو المحتاج للزواج ، والابن موسر ، يجب عليه أن يزوج كذلك أباه ، في الحال التي تجب عليه فيها النفقة ، كذلك أيضاً السيد يجب عليه أن يزوج مملوكه ، لقول الله -تعالى-: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْمن عبادكم: يعني من العبيد ، من الذكور وأيضاً؛ الإماء ، قال: [فَإن أبَى أُجبِرَ] يعني؛ إن أبى مالك البهيمة من الإنفاق عليها ؛ أجبر ، [إلاَّ أن يبيعَ أو يَذبحَ المَأكول] فيقول: أنفق على هذه البهيمة  ، إن أبى يقال إذاً: بعها ، أو إذا كانت مما يؤكل لحمها؛ إذبحها وكلها ، أما أن تحبسها ! لا تطعمها ولا تسقيها ! هذا لا يجوز ، هذا فيه تعذيب للحيوان ، ولا يجوز هذا العمل ، قد دخلت النار إمرأة في هرة بسبب حبسها لهذه الهرة ، فانظر إلى عناية الشريعة حتى بحقوق الحيوان ، هذه الشريعة شملت كل شيء ، كما قال أبو ذر -رضي الله عنه-: (ما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطائر يطير بجناحية إلا وذكر لنا منه علماً) ، هذه الشريعة راعت حقوق الإنسان أعظم رعاية ، وراعت كذلك حقوق الحيوان ، فانظر كيف أن الفقهاء يتكلمون عن حقوق الحيوان في كتبهم ، ويقررون أن مالك الحيوان يجب أن ينفق عليه ، وأنه إن أبى أُجبر على النفقة عليها ، أو أن يبيع ، أو أن يذبح إن كان مما يؤكل ، فانظر إلى ترتيب الفقهاء لهذه الأحكام في كتبهم ، رعايةً لحقوق الحيوان .

* * *

ونكتفي بهذا القدر -والله أعلم- وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

* * *

الآن نجيب عما تيسر من الأسئلة :

كيف نفرق بين الدعاء والذكر ؟

الذكر بمعناه العام يدخل فيه الدعاء ، لكن بمعناه الخاص؛ الدعاء هو سؤال الله -عز وجل- ، أن تسأل الله أمراً من أمور الدنيا أو الآخرة ، تقول اللهم ارزقني كذا .. ، اللهم أسألك كذا .. ، أما الذكر فهو ما عدا ذلك من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ، وأشرف أنواع الذكر تلاوة القرآن .

* * *

ماهي النفقة التي تجب فيها المساواة بين الزوجات ؟ وهل يقتصر ذلك على الواجب منها؟

النفقة على الزوجات يجب فيها العدل وذلك بأن تعطى كل زوجة ما يكفيها ، لكن إذا كانت الزوجات متفاوتات في عدد الأولاد فلابد أن تكون النفقة متفاوتة ، لكن إذا استوينا في عدد الأولاد فتتساوى النفقة ، فالواجب على الزوج العدل في النفقة والكسوة والمبيت ، بقدر الإستطاعة ، وإلا فإن الله -تعالى- يقول: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ[النساء : 129] ،

* * *

هل تجب النفقة على الموظفة ؟

المرأة الموظفة هذه تعتبر النفقة على المرأة الموظفة من النوازل ، لأنه ما عُهد أن النساء يلتحقن بالوظائف مثل ما عليه حال النساء اليوم ، وهذه قد عقد فيها ندوة في مركز التميز البحثي ، مثل في فقه القضايا المعاصرة ، كتب فيها بحوث وخلص أكثر المشاركين إلى أن الزوجة الموظفة تجب لها النفقة ، لكن نفقتها أدنى من نفقة غير الموظفة ، نفقة الزوجة الموظفة أدنى من نفقة غير الموظفة ، وذلك لأن الزوج يفوته حقه منها في الساعات التي تقضيها في العمل ، والنفقة هي مقابل التمكن من الإستمتاع ، هذا هو المأخذ الفقهي في هذه المسألة ، فهي تخرج للعمل بضع ساعات فيفوت حق الزوج في ذلك ، فتقصر الننفقة لأجل ذلك ، فنفقة المرأة الموظفة أدنى من نفقة المرأة غير الموظفة ، فلو كان عنده زوجتان ، زوجة موظفة وزوجة غير موظفة ؛ نفقة الموظفة تكون أقل من غير الموظفة . 

* * *

مالمراد بالصديقين ، وهل ماذكره شيخ الإسلام من أن المراد به : العالم العامل المعلم ، عليه دليل ؟

الصديقية مرتبة عالية تلي مرتبة النبوة ، وهي أعلى من مرتبة الشهادة ، ولذلك قدمها الله -تعالى- في الذكر ، في قوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ هذه أعلى مرتبة؛ النبوة ، ﴿وَالصِّدِّيقِينَ هذه المرتبة الثانية ، ﴿وَالشُّهَدَاءِ المرتبة الثالثة ، ﴿وَالصَّالِحِينَ المرتبة الرابعة ، ﴿وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا، وأما ما ذكره يقول: إنه هو العالم العامل المعلم ، هذا أولى الناس بوصف الصديقية ، لكن هذا ليس لازماً ، قد يكون إنسان يعني؛ ليس عالماً ، من العوام ، لكنه عنده من القوة في العبادرة والاجتهاد والصدق ؛ مايرفعه إلى منزلة الصديقية ، لكن في الغالب أن أقرب الناس إلى نيل ولاية الله -عز وجل- ، وإلى مرتبة الصديقية ، هم العلماء العاملون ، كما قال الإمام الشافعي وغيره ، لأنهم هم الذين يعرفون محال مرضاة الله -عز وجل- ، وأيضاً لأنهم يبذلون علمهم ، وقد قال ابن المبارك: لا أعلم شيئاً بعد النبوة أفضل من نشر العلم ، فهم الأقرب ، لكن هذا ليس لازماً ، قد يكون إنسان عامي ينال مرتبة الولاية ومرتبة الصديقية ، بسبب اجتهاده في عبادته والقوة في العبادة ، قد يكون عالم ضعيف في العبادة ، ما ينال حتى المرتبة الأقل ، فليس بالضرورة ، ليس هناك تلازم ، لكن في الغالب أن العالم العامل المعلم أنه أقرب إلى نيل مرتبة الولاية والصديقية من غيره .

* * *

كيف يقوِّي طالب العلم حافظته حتى يستعين بذلك على نشر العلم ؟

يقولون إن الذاكرة تقوى بالتمرين ، وتضعف بالإهمال ، ولذلك تجد أن الإنسان الذي يعتمد على ذاكرته تقوى عنده الذاكرة ، ولهذا العرب كانوا معروفين بقوة الذاكرة ، لأن كثيرا منهم كانوا أميين ، والأمي يعتمد على ذاكرته ، ولهذا تجد كثيراً من المكفوفين عندهم قوة ذاكرة ، لأنهم يعتمدون على ذاكرتهم فتقوى ، وفي وقتنا الحاضر أصبح إعتماد كثر من الناس على وسائل التقنية الحديثة ، فتضعف الذاكرة بالإهمال ، وتقوى بالتمرين ، فيستعين طالب العلم بالتكرار على تقوية المحفوظ ، يكرر ما يريد أن يحفظه ، سواء من القرآن أو من السنة أو من كلام أهل العلم ، وأيضاً بالمذاكرة ، فإن حياة العلم المذاكرة ، المذاكرة أيضاً مما تقوي الذاكرة .

* * *

كيف يعرف حال الأب والأم في حال الحضانة ؟

يعرف بشهادة الأقارب ونحوهم ، فمثلاً الأقارب يشهدون أن هذا الأب أنه إنسان صالح مؤهل للحضانة وأنه كذا ، أو أن هذه الأم أنها إمرأة صالحة ، وأنها مؤهلة ، وجاء رجل إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وهذا عند الإمام أحمد بسند صحيح؛ قال: يارسول الله ، كيف أعرف أني أحسنت أو أسأت؟ قال: إذا قال جيرانك أحسنت فقد أحسنت ، وإذا قالوا أسأت فقد أسأت" ، فالناس تستطيع أن تحكم على الإنسان ، يعني؛ لو أتيت إلى أي إنسان من أهل الحي يعرفه جيرانه ، يعطونك تصور مباشرة ، هذا إنسان صالح ، إنسان محافظ على الصلاة ، إنسان حسن الأخلاق ، هذا إنسان سيء ، إنسان كذا وكذا ..، حتى زملائه في العمل يعرفونه ، أقاربه يعرفونه ، فالناس بمجموعهم يستطيعون الحكم على الإنسان ، فيمكن أن يعرف هذا عن طريق شهادة الشهود ، خاصة من الأقارب والجيران .

                                     * * *

ونكتفي بهذا القدر، والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .