الخثلان
الخثلان
من الفائدة 186 إلى 190
27 محرم 1440 عدد الزيارات 25

لطائف الفوائد /من الفائدة 186

 

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا ، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ، هذا هو الدرس الخامس لهذا العام ، في هذا اليوم الأثنين الحادي والعشرين من شهر محرم من عام ألف وأربع مئة وأربعين للهجرة .

نبدأ أولاً بالتعليق على كتاب ( لطائف الفوائد ) ، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم 186، في الجلوس في المسجد بعد صلاة الفجر .

فائدة : الجلوس في المسجد بعد صلاة الفجر    

حديث أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صلى الغداة في جماعة ، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ، ثم صلى ركعتين ، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" حديث ضعيف ، أخرجه الترمذي ، وفي سنده أبو ظلال هلال القسملي ، قال فيه ابن معين: "ضعيف ليس بشيء" ، وله طرق أخرى كلها ضعيفة ،  ويغني عنه ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر ، جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسنا" ، قال النووي -رحمه الله-: (فيه استحباب الذكر بعد الصبح وملازمة مجلسها ما لم يكن عذر ، وهذه سنة كان السلف وأهل العلم يفعلونها ، ويقتصرون في ذلك الوقت على الذكر والدعاء حتى تطلع الشمس) .

الجلوس في المجلس بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس؛ سنة ، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعلها غالباً ، ويجلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناً؛ يعني: حتى تطلع الشمس وترتفع ، وكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الصلاح على مر العصور؛ يطبقون هذه السنة ، يجلسون في المسجد حتى تطلع الشمس ، فهي سنة ثابتة بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ، كما في حديث جابر بن سمرة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر ، جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناً " يعني: حتى ترتفع ، وأيضاً جاء في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه ، وجعلوا يتحدثون في أمور الجاهلية وما منَّ الله -تعالى- به عليهم من الإسلام ، وكان يستمع إليهم ويتبسم ، وأما الحديث -حديث أنس- "من صلى الغداة في جماعة ، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ، ثم صلى ركعتين ، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" ، فهذا الحديث ضعيف من جهة السند ، ولا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، أخرجه الترمذي وضعَّفه الترمذي نفسه ، وفي سنده أبو ظلال هلال القسملي وهو ضعيف ليس بشيء كما قال ابن معين وغيره ، ثم متنه فيه شيء من النكارة ، يعني كيف يجلس فقط من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ويكون له أجر حجة وعمرة ، يعني؛ فيه نكارة سنداً ومتناً ، لكن يغني عنه حديث جابر بن سمرة وما في معناه ، فالجلوس في المسجد بعد صلاة الفجر سنَّة بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولذلك ينبغي أن يحرص المسلم وخاصة طالب العلم على تطبيق هذه السنة ، فإن الوقت بعد صلاة الفجر هو أول النهار ، وينبغي أن يبدأه بذكر الله -عز وجل- ، ويبدأ أيضاً ذلك الوقت بأذكار الصباح ، فإن أذكار الصباح تبتدئ بطلوع الفجر ، وأذكار المساء تبتدئ بعد العصر ، أذكار الصباح تكون بعد الفجر ، وأذكار المساء تكون بعد العصر ، وأذكار الصباح ابتدائها من طلوع الفجر ، واختلف في وقت انتهائها ؛ فقيل: طلوع الشمس ، وقيل: الزوال ، واستدل بعض العلماء لها بقول الله -عز وجل-: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قالوا فالبكرة: أول النهار -مابين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس- ، والأصيل: آخر النهار -مابين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، وأيضاً لقول الله -تعالى-: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ الإبكار: هو أول النهار مابين صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ، والعشيِّ: يعني آخر النهار مابين صلاة العصر إلى غروب الشمس ، وهذا يشمل أذكار الصباح والمساء ، أيضاً قول الله -عز وجل-: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ، قبل طلوع الشمس؛ أذكار الصباح ، قبل الغروب؛ أذكار المساء ، فهذه الأدلة كلها متفقة على هذا ، ولذلك فالأفضل أن تكون أذكار الصباح بعد صلاة الفجر، وأذكار المساء بعد صلاة العصر ، وإذا جلس الإنسان في مصلاه بعد صلاة الفجر ، فيذكر الله -عز وجل- بجميع أنواع الذكر ، ومنها التسبيح وهو آكدها لأنه ورد التنصيص عليه ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ ، فآكد الذكر الذي يؤتى به إذا جلس بعد صلاة الفجر في المسجد: التسبيح ، وكذلك أيضاً ما كان في معناه من التحميد والتكبير والتهليل ، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وتلاوة القرآن ،  كل هذه من الذكر ، فينشغل بالذكر حتى تطلع الشمس ، وهذا الوقت وقت ثمين ، ينبغي أن يحرص المسلم ما أمكن على أن يغتنمه في الذكر ، هل يصلي ركعتين بعدما يجلس في المسجد حتى تطلع الشمس؟ لم يرد في هذا شيء إلا حديث أنس ، حديث أنس قلنا أنه ضعيف ، وبناءً على ذلك فلم يرد في هاتين الركعتين فضلٌ خاص ، إلا أن ينوي بهاتين الركعتين ؛ ركعتي الضحى ، فلا بأس ، وتكون صلاة الضحى في أول وقتها ، وعلى هذا فما يسميه بعض العامة بصلاة الإشراق : إن كانوا يقصدون أنها سنة مستقلة فهذا لا دليل عليه ، وإن كان المقصود صلاة الضحى في أول وقتها فهو كذلك ، ولكن من أراد أن يصلي ركعتين فلابد من أن يكون ذلك بعد خروج وقت النهي ، ووقت النهي يكون من طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح ، يعني؛ بعد طلوع الشمس بنحو عشر دقائق ، وطريقة معرفة ذلك بالتقويم أن تأخذ ورقة التقويم في البلد الذي أنت تقيم فيه ، وتضيف عشر دقائق للشروق ، فمثلاً في هذا اليوم في مدينة الرياض؛ الشمس تشرق الخامسة وخمس وأربعون دقيقة ، فمعنى ذلك من أراد أن يصلي صلاة الضحى في أول وقتها تكون الخامسة وخمس وخمسون دقيقة أو ما بعدها ، والأفضل أن يؤخر الركعتين إلى آخر وقت صلاة الضحى ، يعني؛ في حدود مثلاً الحادية عشرة والربع مثلاً أو والثلث ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال" [رواه مسلم] ، يعني؛ حين تشتد الرمضاء ، لكن لو خشي -بعض الناس يخشى النسيان- ، فيريد أن يصلي صلاة الضحى في أول وقتها ؛ لابأس ، من بعد طلوع الشمس بنحو عشر دقائق إلى قبيل أذان الظهر بنحو سبع دقائق ، هذا كله وقتٌ لصلاة الضحى ، المرأة في هذا كالرجل ، فإذا صلت صلاة الفجر فيسن لها أن تجلس في مصلاها تذكر الله حتى تطلع الشمس ، فالمرأة في هذا الأمر كالرجل .

* * *

فائدة: ذم الإكثار من الشعر

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً " ومورد الذم في الحديث على امتلاء القلب من الشعر ، حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله ، فأما إذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه ، فليس جوفه ممتلئاً من الشعر ، ولهذا بوب البخاري على هذا الحديث بقوله: (باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن).

الشعر في الأصل مباح ، وحسنه حسن وقبيحه قبيح ، وإذا وظف الإنسان شعره في الحكمة ، وفي الدعوة إلى مكارم الأخلاق ، وفي الذب عن الإسلام وأهل الإسلام ، وفي الدعوة إلى الله -تعالى- ، كان شعره حسناً ، بل ربما يكون مأجوراً على ذلك ،  ولهذا وجد من الصحابة من هم شعراء ، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يشجعهم ، كحسان بن ثابت ، عبدالله بن رواحه ، فكانوا شعراء ، لكنهم وظفوا شعرهم في الدفاع عن الحق وأهل الحق ، أما الشعر الذي يكون في الأمور المذمومة فإنه يكون مذموماً ، كأن يكون في التشبه بالنساء ، وتوصيفهن ، أو ذكر بعض الأمور المحرمة كالخمر ونحوه ، أو إثارة النعرات ، نعرات الجاهلية والتعصب القبلي ، أو القدح في أعراض الناس ، وهجاء عباد الله -عز وجل- ، فإن هذا يكون محرماً ، فحسنه حسن وقبيحه قبيح ، وأما الشعر المباح فيبقى مباحاً لكن بشرط ألا يكثر منه الإنسان ، لأنه إذا أكثر منه فلابد أن يكون ذلك على حساب العلم ، على حساب طلب العلم وعلى حساب العبادة ، وعلى حساب تلاوة القرآن ، فيشغله عن ذكر الله -عز وجل- ، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً" [متفق عليه] ، مورد الذم ليس على أصل الشعر وإنما على الإمتلاء ، بحيث يكون الشعر هو الغالب ، هو الغالب على الإنسان ، يكون كل يوم همه الشعر ، إلقاءً واستماعاً ومجالسةً ، ما يجلس إلا مع الشعراء ، ولا يتكلم إلا بالشعر ، يكون هو الغالب عليه ، فهذا هو موضع الذم ، ولهذا لا تجد إنساناً عنده قوة في العلم وقوة في العبادة ، ومع ذلك عنده ولع بالشعر! ماتجتمع ، ولم يرد الشعر في القرآن إلا على وجه الذم ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ[يس: 69] ، بل إن الله -عز وجل- يقول: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ما معنى يتبعهم الغاوون؟ يعني أن أتباع الشعراء من أهل الغواية ، وإذا كان أتباعهم من أهل الغواية فهم أولى بوصف الغواية من الأتباع ، وهذا ذم شديد للشعر ، إلا من استثناهم الله -عز وجل- ، ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾[الشعراء: 224،225،226] ، كله كلام في كلام ، يتنقلون من أودية إلى أودية ، من واد الغزل إلى واد الهجاء إلى واد المديح إلى واد .. ، وكله كلام ! ويقولون ما لا يفعلون ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [الشعراء: 227] ، فإن هؤلاء ليسوا مشمولين بالذنب ، فمن وظف شعره في الدفاع عن الحق فإنه يكون ممن استثناهم الله -عز وجل- ، ولذلك الإمام الشافعي -رحمه الله- كان عنده قدرة فائقة على نظم الشعر ، لكنه لم يرغب وقال بيته المشهور:

ولولا أن الشعر بالعلماء يزري  *   لكنت اليوم أشعر من لبيد

وصدق ، هو من أعلم الناس باللغة العربية وبأوزان الشعر ، فترك الإشتغال بالشعر ، لأنه رأى أن الشعر يزري بالعلماء ، ولذلك قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُ ، وهو لا يليق بالعالم وبطالب العلم ، إلا بالشروط التي استثناها الله -عز وجل- في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا يعني؛ إذا كان مقلَّاً منه وليس مكثراً ، ووظف هذا الشعر الذي هو مقلٌّ منه في الدفاع عن الحق وأهله ، هنا لا بأس ، أما أن الإنسان يكون همه هو الشعر ، ولا يجالس إلا الشعراء ، ومجالسه مجالس شعر ، هذا لا يليق بطالب العلم ، وهو يزري بطالب العلم ويزري بالعالم أن يكون هذا هو الغالب عليه ، حتى وإن كان شعره مباح ، فإذاً يكون الكلام في الشعر هو بهذا التفصيل ، لو رأى طالب العلم أن عنده مقدرة شعرية لا بأس ، لكن بهذه الضوابط ، ألا يكثر منه ، أن يوظفه في الدفاع عن الحق وأهله ، فإذا تحققت هذه الضوابط لا بأس ، وبهذا تجتمع النصوص الواردة في ذلك ، ولهذا البخاري -رحمه الله- قال: باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن ، فإذاً مورد الذم؛ إما أن يكون الشعر في نفسه قبيحاً أو أن يكون مباحاً لكن يكون هو الغالب ، هو الغالب حتى يصده عن ذكر الله -عز وجل- ، أما إذا كان الشعر حسناً ولم يكن هو الغالب؛ فلا بأس به حينئذ ، بل إن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: "إن من الشعر لحكمة" [رواه البخاري] .

* * *

فائدة : من ضيافة أهل الجنة

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة ، يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر ، نزلاً لأهل الجنة" .

الأرض التي نعيشها عليها هيأها الله -تعالى- لمعيشة بني آدم ، قبل أن يُهبط آدم وحواء إلى الأرض ، هيأها الله -تعالى- تهيئة تامة ، وقدر فيها أقواتها ، وجعلها صالحة لعيش آدم وبنيه ، بينما بقيه الكواكب غير صالحة ، كوكب الزهرة مثلاً غير صالح ، كوكب المريخ ، المشتري ، هذه الكواكب غير صالحة للعيش ، إما لأن حرارتها شديدة جداً أو برودتها عالية جداً ، ويوم القيامة تمد هذه الأرض ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ[ابراهيم: 48] ، هي الآن كروية فإذا كان يوم القيامة تمد ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ[الإنشقاق: 3] ، تمد حتى تكون كالبساط ،كالأديم ، وتنسف الجبال ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا *  فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [طه: 105،106،107] ، يُسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر، إذا مُدت الأرض أصبح الإنسان إذا تكلم سمع صوته البعيد ، ويرى البعيد أيضاً ، لأنها ليست كروية وإنما ممدودة منبسطة ، ويحشر الناس على الأرض ، بل تحشر جميع الخلائق ، الإنس والجن والطير والوحوش والحيوانات ، وتنزل الملائكة ، ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ كل الخلائق تكون على هذا الكوكب -سبحان الله- ، ويجيء الرب -عز وجل- في ظلل من الغمام ، للفصل والقضاء بين عباده -جل وعلا- ، بعد ذلك إذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، سبحان الله هذه الأرض يتكفؤها الجبار بيمينه كما في هذا الحديث ، يجعل هذه الأرض خبزة رغيفاً كبيراً جداً ، ويتكفؤها بيمينه ، معنى يتكفؤها: يعني يميلها من يد إلى يد ، كما يتكفؤ أحدكم خبزته في السفر ، يعني؛ أنت عندما تكون في السفر وتصلح الخبزة ، ألست تقول بالخبزة هكذا .. ، الرب -عز وجل- ولله المثل الأعلى يتكفؤ الأرض ويجعلها خبزة ، ويتكفؤها بيمينه كما يتكفؤ أحدكم خبزته في السفر ، "نزلاً لأهل الجنة" يعني: أن الله يجعل هذه الأرض على شكل رغيف كبير جداً كالخبزة والرغيف العظيم ، يكون طعاماً لأهل الجنة ، يقال يا أهل الجنة هذه الأرض أصبحت خبزة -سبحان الله- كلوا منها ! وهذا يبين عظيم قدرة الرب -سبحانه- ، وأنه لا يعجزه شيء ، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [يس: 82] ، هذه الأرض على عظمتها يجعلها الرب -عز وجل- خبزة ورغيفاً عظيماً ، ويأكلها أهل الجنة ، لا تقل كيف!؟ الذي خلقها قادر على ذلك ، وخلق كل شيء ، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ، فهذا يدل على عظيم قدرة الرب -سبحانه وتعالى- ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ، هذه الأرض العظيمة التي تحشر عليها جميع الخلائق ، يجعلها الرب -عز وجل- رغيفاً عظيماً ، وخبزةً وطعاماً لأهل الجنة ، فسبحان الله ما أعظم قدرته -جل وعلا- .

* * *

فائدة : حكم تسمية البنت بــ (أبرار)

عن زينب بنت أبي سلمة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن اسم (برة) وقال: "لا تزكوا أنفسكم! الله أعلم بأهل البر منكم" ، و(أبرار) أولى بالمنع من (برة) ، قال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله-: (أبرار) أشد تحريماً من (برة) التي ورد النص بتغييرها؛ لأنها جمع.

النبي -صلى الله عليه وسلم- غير اسم برة إلى زينب وقال: "لا تزكوا أنفسكم!الله أعلم بأهل البر منكم" ، وذلك إذا كانت التزكية ملاحظة في الإسم ، أما إذا كان الإسم فيه تزكية غير ملاحظة ومجردة؛ لا بأس ، مثل اسم "صالح" ، صالح لا بأس به ، وأحد الأنبياء اسمه صالح ، لكن مثل "برة" يظهر أن التزكية ملاحظة في الإسم ، فلذلك غير النبي -صلى الله عليه وسلم- اسم برة ، وقال: "لا تزكوا أنفسكم! الله أعلم بأهل البر منكم" ، وأبرار: جمع برة ، فإذا غُير اسم برة ، فأبرار من باب أولى ، لكن هل التسمية بأبرار؛ هل هو محرم أو مكروه؟  جمهور العلماء على أنه مكروه ، ولا يصل إلى درجة التحريم ، والشيخ ابن عثمين هنا نُقل عنه التحريم ، لكن في فتاوى أخرى قال بالكراهة ، وأكثر أهل العلم على الكراهة ، خاصة إذا لم يلحظ فيه معنى التزكية ، فالأقرب أن التسمية بأبرار وإيمان ونحوها؛ أنه مكروه ، والأولى تغييره ، لكن لا يصل ذلك إلى درجة التحريم .

* * *

فائدة: فضل الإكثار من صوم التطوع في شهر شعبان

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر من صيام التطوع في شهر شعبان ، ففي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (لم أره -صلى الله عليه وسلم- صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان ، كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً ) ، واختلف في الحكمة من ذلك ، قال الحافظ ابن حجر -بعد أن ذكر أقوالاً في المسألة-: والأولى في ذلك ما جاء في حديث أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: قلت يارسول الله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: "ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" .

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر من الصيام في شهر شعبان ، وكانت أزواجه يصمن في شهر شعبان معه ، ويقضين ما يكن عليهن من الصيام في شهر رمضان ، وتقول عائشة: (لم أرى النبي -صلى الله عليه وسلم- صائماً من شهر قط أكثر من شعبان ، كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً) ، وهذا يدل على استحباب الإكثار من صيام النافلة في شهر شعبان ، وكذلك أيضاً في شهر محرم ، لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: " أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم" [رواه مسلم] ، فأفضل شهرين يستحب صيام النافلة فيهما بعد رمضان؛ شهر محرم وشهر شعبان ، وأما الحكمة من استحباب الصيام في شهر شعبان وإكثار النبي -عليه الصلاة والسلام- من ذلك ، فاختلف في ذلك اختلافاً كثيراً ، ورجح الحافظ ابن حجر في (الفتح) ، قال: والأولى ما جاء في حديث أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد ، وقد سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: "ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان" ، يعني؛ يحصل الغفلة لبعده عن رمضان الماضي ، وأيضاً أمر آخر؛ "ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" ، فما دام أنه قد ورد هذا الحديث فيكون هو الأقرب في الحكمة من استحباب إكثار الصيام في شهر شعبان ، إذاً؛ أكثر شهرين يستحب صيام النافلة فيهما؟ شهر محرم وشهر شعبان .

* * *

فائدة: فضل البشاشة في وجه الأخ المسلم

عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" ، البشاشة المخلصة الصادرة من القلب على الوجه تعبر عما يكنه صاحبها من محبة ووداد ، وهي جذابة للقلوب كما هو مشاهد ، ففيها إحسان لأخيك المسلم ، وإدخال للسرور عليه ، أما مجرد البشاشة الخالية من الوجه المتطلق عن القلب فإنها قليلة الجدوى .

طلاقة الوجه والتبسم في وجه أخيك المسلم؛ عملٌ صالح ، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "تبسمك في وجه أخيك صدقة" ، وقال في هذا الحديث: "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" ، يعني؛ بطلاقة وجه وبشاشة وابتسامة ، لأن لقياك لأخيك بهذا الوصف يدخل السرور على أخيك ، ويقوي العلاقة بينك وبينه ، ويزيل الوحشة ، ويقوي المحبة ، وهذه أمور يدعو لها الإسلام ، وهنا نُقل عن الشيخ ابن سعدي قال: (البشاشة المخلصة الصادرة من القلب على الوجه تعبر عما يكنه صاحبها من محبة ووداد) ، وهذا أمر مشاهد؛ تجد أن الإنسان الذي يقابلك بابتسامة وبشاشة وطلاقة وجه ، تجد أنك تنجذب نحوه ، وتحبه وتوده ، بخلاف الإنسان عبوس الوجه ، وربما أنه لا يحمل مشاعر سلبية تجاهك ، لكن طبيعة؛ إذا لقيك يلقاك بوجه عابس ومن غير طلاقة ، ومن غير بشاشة ، ومن غير ابتسامة ، فهذا يجعل هناك وحشة ، حتى وإن سلم عليه! لكن يكون هناك شيءٌ من الوحشة ، قال: (وهي جذابة للقلوب كما هو مشاهد) يعني؛ الإبتسامة مع طلاقة الوجة ، جذابةٌ للقلوب ، (ففيها إحسان لأخيك المسلم ، وإدخال للسرور عليه) ، إحسانٌ له لأنها تسره ، وقال: (أما مجرد البشاشة الخالية من الوجه المتطلق عن القلب فإنها قليلة الجدوى) ، يعني؛ بعض الناس يتكلف الإبتسامة ، لكن من غير طلاقة وجه ، هذه لا يكون أثرها مثل أثر الإبتسامة مع طلاقة الوجه ، فهذه المعاني ينبغي أن يعوِّد المسلم نفسه عليها ، إذا لقي إخوانه المسلمين يلقاهم بوجه طلق وبابتسامة وبشاشة ، ويختار الطيب من القول ، والحسن من الكلام ، ويناديهم بأحب أسمائهم ، فهذه من الأخلاق الكريمة التي ينبغي أن يتربى عليها المسلم ، ويتأكد هذا في حق طالب العلم ، هذه المعاني ربما تكون؛ يراها الإنسان أنها قليلة لكن أثرها كبير ، ولذلك كان النبي -عليه الصلاة والسلام- كثيراً ما يلقى أصحابه بتبسم وبطلاقة وجه ، يقول جرير بن عبدالله البجلي: (ما رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منذ أسلمت إلا تبسم) ، لاحظ أثر هذه الإبتسامة على جرير ، ما رآني إلا تبسم ، فلا شك أن التبسم في وجه أخيك أنه يعطي مشاعر إيجابية ، وقوة محبة ، ومودة بينك وبينه ، حتى لو كان الإنسان يعني يرى من نفسه أنه غليظ بطبعه؛ يعوِّد نفسه ، إنما الحلم بالتحلُّم! ، كما ذكرنا في ترك الغضب ، يمكن للإنسان أن يصبح حليماً بالتمرن والتدريب ، كذلك أيضاً من رآى من نفسه أنه عنده شيء من الغلظة؛ يمرن نفسه على طلاقة الوجه ، وأن يلقى إخوانه المسلمين بوجه طلق ، بابتسامة ، ببشاشة ، ويمرن نفسه ويعود نفسه على ذلك ، فإن هذه من مكارم الأخلاق ، ومن الأعمال الصالحة التي يؤجر عليها المسلم .

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد .

سؤال من الحضور :

من يجلس بعد صلاة الفجر ، أيهما أفضل أن يقرأ القرآن أو يأتي بالأذكار ؟

هذه المسألة محل خلاف بين السلف ، فبعضهم قال: أن الأفضل أن يشتغل بقراءة القرآن ، وقال آخرون: أن الأفضل أن يشتغل بالذكر ، لأن الله قال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ، فورد الأمر بالتسبيح ، والذي يظهر أن الإشتغال بالذكر أولى ، لكن لا مانع من أن يقرأ القرآن ، إن جعل جزء من الوقت مخصص للتلاوة وبقية الوقت للذكر كان حسناً ، لكن الأقرب هو تخصيص الوقت للذكر خاصة التسبيح ، التسبيح ورد النص عليه في أكثر من آية ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ، هذه الآن أربع آيات ، أربع آيات كلها فيها الأمر بالتسبيح قبل طلوع الشمس ، وربما لو تأملنا ربما نجد أكثر من هذا ، لكن الآن سورة طه ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ، سورة ق ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ هذه سورة الأحزاب ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ سورة غافر ، هذه الآن كلها أربع آيات فيها الأمر بالتسبيح قبل طلوع الشمس ، فينبغي أن يجعل نصيباً وافراً من التسبيح ، وكذلك أيضاً ما يغتنم به من التحميد والتكبير والتهليل ، وأيضاً الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فإنه من صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا .

* * *