الخثلان
الخثلان
الحكمة في تقدير الأرزاق وتفاوت الناس فيها
27 محرم 1440 عدد الزيارات 138

الحكمة في تقدير الأرزاق وتفاوت الناس فيها

 

الخطبة الأولى

الحمد لله الواحد القهار ، الحكيم في خلقه وشرعه ففيهما غاية الحكم والأسرار ، قسم الرزق بين عباده ، ما بين غنىً واقتار ، أحمده -تعالى- وأشكره حمداً وشكراً  كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه ، واتبع سنته إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً .

أما بعد :

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فإنها وصية الله للأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ[النساء : 131] ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمً [الأحزاب: 70،71] .

عباد الله ؛ قضيةٌ كبرى من القضايا المهمة في حياة الإنسان ، لابد أن يفهمها المسلم الفهم الصحيح لتقويم مسيرته في الحياة ، إنها قضية الرزق ، نعم؛ رزق الإنسان ، وقد دلت النصوص الشرعية على أن رزق الإنسان يكتب له وهو في بطن أمه ، فلا يزيده حرص حريص ، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق على صحته: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطقة ثم علقة مثل ذلك ، ثم مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فيؤمر بنفخ الروح ، ويؤمر بأربع كلمات ، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" ، فانظروا كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ابتدأ في هذا الحديث العظيم بقضية الرزق ، بكتب رزقه ، فيكتب رزق الإنسان من حين أن تنفخ فيه الروح ، يكتب رزق الإنسان وهو في بطن أمه ، ومن حكمة الله -عز وجل- أن قسم الأرزاق بين العباد ، ونوَّع مجالات الرزق ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، كما قال -سبحانه-: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا[الزحرف: 32] ، فمن الناس من جعل الله رزقه في الوظيفة ، ومنهم من جعل الله رزقه في الغوص تحت البحار ، ومنهم من جعل رزقه في البيع والشراء والتجارة ، ومنهم من جعل الله رزقه في الطائرة فوق السحاب ، ومنهم من جعل رزقه بين الفصول والطلاب ، ومنهم من جعل رزقه في المناجم تحت التراب ، ومنهم من جعل رزقه مسافراً بين البلاد ، ومنهم من جعل رزقه في المزارع بين الفواكه والخضروات ، ومنهم من جعل رزقه بين المرضى والمصابين والأموات ، ومنهم من يساق له الرزق سوقاً وهو في مأمن ورغد من العيش ، فللَّه -تعالى- الحكمة البالغة ، لقد قسم الله -تعالى- العليم الحكيم؛ قسم الرزق على عباده فمنهم من بسط له في رزقه ، ومنهم من قدر عليه رزقه ، وذلك لحكم عظيمة باهرة ، قسم الله الرزق على عباده ليعرفوا أنه المدبر لجميع الأمور ، وأن بيده مقاليد السموات والأرض ، فهذا يوسع عليه ، وذاك يضيق عليه ، ولا راد لقضاء الله وقدره ، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى: 12] ، بسط العليم الحكيم الرزق لبعض العباد ، وضيَّقه على بعضهم ، ليعتبروا بهذا التفاوت في الدنيا على تفاوت ما بينهم في درجات الآخرة ، فكما أن الناس في الدنيا متفاوتون فمنهم من يسكن القصور المشيدة العالية ، ويركب المراكب الفخمة ، ويتقلب في ماله وأهله وبنيه ، في سرور وحبور ، ومنهم من لا مأوى له ولا مال ولا أهل ولا بنون ، ومنهم ما بين ذلك على درجات مختلفة ، فإذا كان ذلك التفاوت في الدنيا فإن التفاوت في درجات الآخرة أعظم وأكبر وأجلُّ ، ولذلك قال الله -تعالى-: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21] ، فإذا كانت الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا فإنه ينبغي أن نتسابق إلى درجاتها العالية ، وحياتها الباقية ، قسم الله الرزق بين عباده ليعرف الغني قدر نعمة الله عليه بالإيسار ، فيشكره عليها ، ويلتحق بالشاكرين ، وليعرف الفقير ما ابتلي به من الفقر ، فيصبر عليه ، وينال درجة الصابرين ، قسم الله الرزق بين عباده لتقوم مصالحهم الدينية والدنيوية ، فلو بسط الله الرزق لجميع العباد لبغوا في الأرض بالفساد ، ولو ضيق الرزق على جميعهم لاختل نظامهم ، وتهاوت من معيشتهم الأركان ، ولو كان الناس على درجة واحدة لم يتخذ بعضهم بعضاً سخريا ، لم يعمل أحدهم للآخر صَنعة! ولم يحترف له بحرفة! لأن الكل في درجة واحدة ، فليس أحدهم أولى بهذا من الآخر ، وأين الرحمة والعطف من الغني للفقير إذا كان الناس كلهم في درجة واحدة! ، وكيف تحصل صلة الرحم بالمال إذا كان الناس كلهم على درجة واحدة! ، فمن حكمة الله -عز وجل- أن فاوت بين الناس في الأرزاق ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت: 62] .

عباد الله؛ وإن الإنسان لمأمور ببذل الأسباب لاكتساب الرزق ، ولكن في المقابل لن يأتيه من الرزق إلا ما كتب الله له ، مهما بذل من الأسباب ، وذلك أن الرزق يكتب للإنسان وهو في بطن أمه ، فهما بذل من العمل ، ومهما بذل من الكدح والإجتهاد ، ومهما كان عنده من الذكاء ومن العقل ، فلن يأتيه من الرزق إلا ماكتب الله له .

بعض الناس لا يبقى سبب من أسباب تحصيل الرزق إلا فعله ، ومع ذلك يبقى فقيراً ، أعرف رجلاً من الناس لم يبقى سبباً من أسباب اكتساب الرزق وتحصيله إلا طرقه ، ومع ذلك مات فقيراً؛ بل مديناً .

وبعض الناس ببذل أدنى سبب يفتح الله عليه أرزاقاً عظيمة ، ذلك أن الرزق مكتوب ، والله يقسم الأرزاق بين عباده بحكمته البالغة ، كما قال ربنا -عز وجل-: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 39] .

ينبغي أن تستقر وأن ترسخ هذه الحقيقة في ذهن كل مسلم ؛ وهي: أنه لن يأتيه من الرزق إلا ماكتب الله له ، وأن الله إذا كتب له رزقاً فلابد أن يأتيه ، ولن تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها ، وإذا لم يكتب له الرزق فلن يأتيه مهما بذل من الأسباب ، ولكن الإنسان مأمور ببذل الأسباب على أنها مجرد أسباب ، ولكن ينبغي أن يتعلق القلب بالرزاق ، بخير الرازقين -جل وعلا- ، عندما تستقر هذه الحقيقة في ذهن المسلم ، يذهب عنه القلق ، ويذهب عنه التوتر ، ويذهب عنه الضيق ، لأنه مستحضر أن الرزق بيد الله -عز وجل- ، وأن الرزق مكتوب ، وأن الرزق مقسوم ، وأنه لن يأتيه من الرزق إلا ماكتب الله له ، لكنه يفعل الأسباب على أنها مجرد أسباب ، وعلى أنه مأمور بذلك ، فإن الإنسان قد يُحرم الرزق بسبب تعطيل الأسباب ، فهو يفعل الأسباب على أنها أسباب من غير أن يتعلق بها ، ويعتمد عليها اعتماداً كلياً ، إنما يفعل السبب ويعلق قلبه بالله -عز وجل- ، ثم يطمئن ، ويزول عنه القلق ، ويزول عنه التكدر والضيق ، لأنه على يقين بأنه لن يأتيه من الرزق إلا ماكتبه الله له ، فلو أنه مثلاً؛ لو أنه أبرم صفقةً تجارية ثم خسر ولم يوفق فيها؟! فإنه يقول لن يأتيني من الرزق إلا ماكتب الله لي ، أنا بذلت الأسباب ولو أن الله كتب لي رزقاً بسبب هذه الصفقة لتحقق ، لكن الله -عز وجل- لم يقدر لي من الرزق إلا هذا ، فهو مطمئن لذلك ، وربما يفعل أمراً آخر ويفتح الله عليه ، ويرزقه بسبب ذلك السبب ، ويستحضر أن هذا رزقٌ قد كتبه الله له ، فهو بذلك يعيش في طمأنينة ، ويعيش بعيداً عن الكدر ، وبعيداً عن القلق ، لأنه على يقين بأن الرزق مكتوب ، وأنه لن يأتيه من الرزق إلا ماكتب الله له ، وأن رزقه قد كُتب وفُرغ منه وهو في بطن أمه ، وأنه إنما هو مأمورٌ بفعل الأسباب ، فهو يفعلها على أنها أسباب وحتى لا يحرم الرزق بسبب تعطيل السبب ، ويتعلق قلبه بالرَّزَّاق -جل وعلا- .

أقول قولي هذا ، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه وتوبوا إليه ؛ إنه هو الغفور الرحيم .

 

الخطبة الثانية

الحمد لله القوي المتين ، المالك الحق المبين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، فإياه نعبد وإياه نستعين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، إمام المتقين ، وقائدُ الغُرِّ المحجلين ، وسيد الأنبياء والمرسلين ، فصلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .

أما بعد :

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة.

عباد الله ؛ وكما أن الرزق مكتوب للإنسان وهو في بطن أمه ، إلا أنه مأمور ببذل الأسباب ، فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ، وقد يحرم الإنسان الرزق بسبب تعطيل الأسباب ، ومن أسباب الرزق :

التقوى لله -عز وجل- ، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2،3] .

ومنها: التوكل على الله -تعالى- كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطانا " ، ومعنى ذلك أن الطير أول النهار تذهب جياعاً ثم ترجع آخر النهار ممتلئة البطون ، والتوكل على الله يعني أن تفعل الأسباب ثم تعلق قلبك ورجائك بالله -تعالى- .

ومن أسباب الرزق : صلة الرحم ، وبر الوالدين هو أعلى ما يكون من صلة الرحم ، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره -أن يمد له في عمره- فليصل رحمه" ، فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن صلة الرحم من أسباب بسط الرزق ، ومنها:

الإنفاق في سبيل الله ، وفي وجوه الخير والقرب ، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 39] ، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: " قال الله تعالى: (ابن آدم أنفِق أُنفق عليك)" ، ويقول -عليه الصلاة والسلام-: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وينزل ملكان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفا " ، ومن أسباب الرزق :

شكر الله -عز وجل- ، فإن الإنسان إذا شكر الله -تعالى- على ما ساق إليه من رزق؛ فإن هذا الشكر سبب لزيادة وبسط هذا الرزق ، كما قال الله -تعالى-: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [آل عمران: 102] ، وهذه من سنن الله -عز وجل- ؛ أن الإنسان إذا شكر النعمة فإنها تقرُّ وتزيد ، وإذا كُفرت النعمة فإنها تذهب .

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير ، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد ، اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين ، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بعفوك وكرمك ، يا رب العالمين .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين ، اللهم أذل النفاق والمنافقين .

اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء؛ اللهم فأشغله في نفسه ، الله اجعل كيده في نحره ، اللهم اجعل تدبيره تدميراً عليه ، ياقوي ياعزيز ، ياحيُّ ياقيوم .

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان ، و اخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان ، يا حي يا قيوم ، يا ذا الجلال والإكرام .

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك ، واجعلهم رحمة لرعاياهم .

اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا ونائبه لما فيه صلاح البلاد والعباد ، اللهم هيء لهم البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الحق وتعينهم عليه ، ياحي ياقيوم ، ياذا الجلال والإكرام .

اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان ، والإستقرار ، والرخاء ، ورغد العيش ، واجعلها عوناً لنا على طاعتك ومرضاتك ، واجعلنا لنعمك وآلائك شاكرين .

اللهم أعنا على ذكرك ، وعلى شكرك ، وعلى حسن عبادتك .

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا ، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر .

نعوذ بك اللهم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن .

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك ، وتحول عافيتك ، وفجاءة نقمتك ، وجميع سخطك .

ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار .

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم .

 

* * *