الخثلان
الخثلان
من الفائدة 180 - 185
22 محرم 1440 عدد الزيارات 23

لطائف الفوائد / من الفائدة 180

 

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وارزقنا علماً نافعاً وفقهاً في الدين ، اللهم آتنا من لدنك رحمةً وهيء لنا من أمرنا رشدا .

نبتدئ بهذا الدرس في هذا اليوم الأثنين الرابع عشر من شهر محرم من عام ألف وأربع مئة وأربعين للهجرة ، ونبدأ بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد ، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم (180) في معنى حديث: "ليست السنة بأن لا تمطروا.." .

* * *

فائدة: معنى حديث؛ " ليست السنة بأن لا تمطروا .." :

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليست السنة بأن لا تمطروا ، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا ، ولا تنبت الأرض شيئاً" ، (السنة) أي: الجدب والقحط ، ومنه قول الله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: 130] ، ومعنى الحديث: ليس الجدب والقحط حقيقة ألا تمطروا ، ولكن الجدب حقيقة هو أن تمطروا وتمطروا ، وتنزع البركة من هذه الأمطار ، فلا تنبت الأرض شيئاً .

هذا الحديث حديثٌ صحيح أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، وأيضاً هو في البخاري: "ليست السنة بأن لا تمطروا" ومعنى (السنة): معناها الجدب والقحط ، ومنه قول الله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ ، فيكون معنى الحديث: ليس الجدب والقحط حقيقة بأن لا تمطروا ، ولكن الجدب حقيقة هو أن تمطروا وتمطروا ، لكن لا تنبت الأرض شيئاً! ، وذلك بسبب نزع البركة من هذه الأمطار ، وهذا أبلغ ما يكون في البلاء ، لأن حصول الشدة بعد توقع الرخاء وظهور أسبابه أشد وأفضع ، أشد وأفضع مما لو كان اليأس حاصلاً من أول الأمر ، لو كان الإنسان في شدة ثم أتى إنسان وبشَّره بانفراج هذه الشدة واستشرف ، ثم بعد ذلك لم يحصل ما بُشِّر به ! تجد أن الألم عنده أشد مما لو لم يبشر ،  الألم يكون أفضع وأشد ، وهكذا أيضاً كون الناس يمطرون ويمطرون لكن لا تنبت الأرض شيئاً! هذا أبلغ في العقوبة وفي البلاء من ألا يمطروا ، وسبب عدم إنبات الأرض مع نزول المطر؛ نزع البركة ، والبركات تنزع بأسباب المعاصي كما قال الله -تعالى-: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: 41] ، وقال -سبحانه-: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: 96] ، فمن أسباب حلول البركات؛ الإيمان والتقوى ، ومن أسباب نزعها المعاصي والذنوب ، والبركة شيء يجد الإنسان أثره في جميع مجالات الحياة ، يجد أثر حلول البركة أو أثر نزع البركة ، فيكون ذلك في الوقت ؛ فمن الناس من يبارك الله له في وقته فيعمل الأعمال الكثيرة في الوقت القصير ، وعلى رأس هؤلاء نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فإنه في ثلاث وعشرين سنة فقط أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ، بل أحاديث التشريع كلها في عشر سنين في الفترة المدنية ، أما ثلاث عشرة سنة مكث -عليه الصلاة والسلام- في مكة يدعو الناس إلى تحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله ، كذلك نجد أن الصحابة والتابعين والأئمة والأعلام؛ نجد أن الله جعل في أوقاتهم بركة ، ونجد الآثار العظيمة لهم في الوقت اليسير ، خلافة أبي بكر الصديق سنتان وأشهر كم حصل فيها من الخير والبركات! ، خلافة عمر بن عبدالعزيز أيضاً سنتان وأشهر كم حصل فيها من الخيرات للمسلمين! ، الأئمة  والأعلام؛ النووي مثلاً! مات ليس كبيراً ، مات وهو لا يزال في سن الشباب ، انظر إلى آثاره ومصنفاته العظيمة! ، وبعض الناس يعمَّر لكن ينزع الله البركة من وقته فلا يكون له أي أثر! ، لا يكون له أي أثر! ، تمضي عليه الليالي والأيام والشهور والأعوام سريعاً وما أنجز شيئاً! لا في أمور دينه ولا دنياه ، وهذا من آثار نزع البركة ، البركة أيضاً تكون في العلم ، فنجد بعض الناس قد لا يكون غزير العلم لكن الله يبارك في علمه ، فينفع الناس بقوله ودروسه ومحاضراته وأيضاً مصنفاته ، فنجد أن نفعه ظاهر وكبير ، وعلمه مبذول للجميع ، وبعض الناس ربما يكون أغزر منه علماً لكن علمه ليس فيه بركة! ، لا ينتفع منه إلا القلة من الناس ، ليس عنده دروس ، وليس عنده محاضرات ولا مصنفات ، فعلمه قليل البركة ، أيضاً البركة تكون في المال ، فبعض الأموال يجعل الله فيها بركة ، وبعض الأموال تنزع منها البركة ، وأنت تجد هذا من نفسك ، تجد مثلاً سيارة من السيارات تكون عندك فيها بركة عظيمة ، تكاليفها قليلة ، خسائرها قليلة ، ومنفعتها كبيرة ، ويكون على العكس أحياناً؛ سيارة أخرى كثيرة الخسائر ، قليلة المنفعة! ، تكون البركة أيضاً في الولد ، فقد يرزق الله -تعالى- الإنسان ابناً واحداً ، يجعل الله فيه البركة عن عشرة أو أكثر! ، وقد يكون عنده عشرة من البنين لا يجعل الله فيهم بركة ، ولا ينفعونه بشيء! ، قد تكون البركة في الصحة ، فيبارك الله -تعالى- في صحة بعض الناس ، فيهنأ بالعيش ، ويكون قليل الأمراض قليل الأسقام ، وبعض الناس تنزع البركة من صحته ، فهو من مرض إلى مرض ، ما إن يشفى من مرض إلا ويصاب بمرض آخر! .

 المقصود أن مجالات البركة كثيرة ، ولذلك من أعظم الأدعية أن المسلم يسأل الله -تعالى- البركة ، يقول مثلاً: اللهم بارك لي عمري وفي وقتي ، اللهم بارك لي في صحتي ، اللهم بارك لي في مالي ، اللهم بارك لي في ولدي ، اللهم بارك لي في زوجتي ، اللهم بارك لي في.. يعني؛ في جميع المجالات ، يسأل الله البركة فيها ، فالبركة هي بيد الله -عز وجل- ، فهو الذي يبارك في الأشياء ، وهو الذي ينزع البركة من بعض الأشياء .

فمن مجالات البركة: البركة المذكورة في هذا الحديث؛ وهو أن الأمطار تنزل بكثرة ولا تنبت الأرض شيئاً ، أو تنبت نباتاً ضعيفاً ، وهذا كله بسبب المعاصي! ، ومن أعظم أسباب حلول البركات: الإيمان والتقوى ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .

* * *

فائدة: تأملات في حديث

هلا تأملت هذا الحديث ؟! عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة ؟! " ، قالوا: يارسول الله كيف يكسب ألف حسنة؟! قال: " يسبح مئة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ، أو يحط عنه ألف خطيئة "، كم يستغرق من الوقت والجهد أن تقول: (سبحان الله) مئة مرة؟ ، فتكسب بها ألف حسنة ، أو يحط عنك بها ألف سيئة! ، طرق الخير كثيرة ومتيسرة ، والموفق من وفقه الله .

أولاً؛ هذا الحديث يعني في التخريج والحاشية كُتب (أخرجه البخاري ومسلم) ، والذي أحفظه أنه في صحيح مسلم وأظن أنه ليس في البخاري ، لعلَّ إذا كان أحد منكم معه المكتبة الشاملة؟ أظن أنه ليس في البخاري وإنما هو في مسلم ، المعروف أن هذا الحديث رواه مسلم ، فلعله يراجع العزو يمكن عزاه بعض من راجع الكتاب -عزاه للبخاري- ، وأنا أظن أنه ليس في البخاري والذي أحفظه أنه في مسلم .

هذا الحديث؛ حديثٌ صحيح يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة ؟! " ، قالوا: يارسول الله كيف يكسب ألف حسنة؟! -يعني؛ تعجَّب الصحابة! ألف حسنة عدد كبير! - قال: " يسبح مئة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ، أو يحط عنه ألف سيئة " ، إذا قلت: سبحان الله سبحان الله سبحان الله .. كررتها مئة مرة ، يكتب لك ألف حسنة ، أو يحط عنك ألف سيئة ، وهذا أجرٌ عظيم على عملٍ يسير ، سبحان الله تكررها مئة مرة كم تاخذ من الوقت والجهد؟ ، ما تزيد على خمس دقائق ، ومع ذلك تكسب ألف حسنة ، وهذا يدل على أن طرق الخير سهلة ومتيسرة ، يعني؛ قد تكون واقفاً عند إشارة المرور تسبح مئة تسبيحة ، تكسب ألف حسنة ، هذا إذا سبحت فقط تسبيحاً قلت: سبحان الله سبحان الله .. كررتها ، فإذا قلت: وبحمده ، كان الأجر مضاعفاً! ، وبحمده أفضل من أن تقول سبحان الله ، يعني؛ سبحان الله وبحمده أفضل ، لأن سبحان الله وبحمده ؛ يعني: أسبحك تسبيحاً مقروناً بحمدك ، فجمعت بين التسبيح والتحميد ، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حطت عنه خطاياه  وإن كانت مثل زبد البحر" ، وهذا من أذكار الصباح والمساء ، أن تقول سبحان الله وبحمده مئة مرة ، ينبغي أن تجعله في أذكار الصباح والمساء ، وهذا يا إخواني يدل على الإنسان بإمكانه أن يكسب الأجور العظيمة عن طريق الذكر ، الذكر يتميز بأنه من أيسر الأعمال وهو في الوقت نفسه من أفضها ، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت" ، انظر إلى الفرق بين الحي والميت! ، وقال: " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يارسول الله؟ قال: ذكر الله" ، فالإكثار من ذكر الله -عز وجل- يكسب به المسلم أجوراً عظيمة ، واعتبر بهذا الحديث ، -هذه- مهما كان الإنسان بطيئاً لا يمكن أن يزيد عن خمس دقائق! ، إذا قال: سبحان الله سبحان الله سبحان الله .. مايزيد عن خمس دقائق ، يكسب بها ألف حسنة ، فكيف لو جعلها مئتين؟! يكسب بها ألفي حسنة ، لو جعلها ثلاث مئة؟! ثلاثة آلاف حسنة ، على الأقل ، ولهذا ذكر في ترجمة أبي هريرة أنه كان يسبح الله -تعالى- في اليوم والليلة: ثنتي عشرة ألف تسبيحة! .

(إذاً الحاشية فقط تعدّل : الحديث رواه مسلم ، ولعله يستدرك في الطبعة القادمة إن شاء الله -تعالى- ، وحتى الحديث الذي قبله هو في مسلم ولكن ما ادري اذا هو في البخاري؛ حديث ( ليست السنة بأن لا تمطروا ..) نتأكد منه) .

طيب؛ ننتقل للفائدة التي بعدها ..

* * *

فائدة : أنفع الدعاء

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : تأملت أنفع الدعاء ، فإذا هو سؤال الله العون على مرضاته ، ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] ، فقد أوصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- دبر كل صلاة ، فقال: " يا معاذ، والله إني لأحبك؛ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " .

أنفع الدعاء سؤال العبد ربه أن يعينه على طاعته ، هذا أنفع دعاء تدعو به ، لماذا؟ لأن الإنسان مهما كان عليه من العلم ، ومهما كان عليه من القوة في العبادة ، يبقى بشراً ضعيفاً يعتريه ما يعتري البشر ، والنفس لها إقبال وإدبار ، والمغريات والملهيات كثيرة ، فإذا لم يعن الله -عز وجل- العبد على طاعته ، فإنه يبقى ضعيفاً ، والمسألة هي مسألة توفيق وإعانه من الله -عز وجل- ، وإلا يوجد هناك من أذكياء العالم من يملكون عقليات جبارة وذكاءً حاداً ، لكنهم لم يوفقوا للإستقامة على الخير! ، لم يوفقوا! ، المسألة هي مسألة توفيق وهداية وإعانة من الله -عز وجل- ، ولذلك فمن أنفع وأعظم الأدعية؛ أن يسأل العبد ربه أن يعينه على طاعته ، ابن تيمية -رحمه الله- هذا العالم الإمام يقول: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال الله العون على طاعته ، ثم رأيته في الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، وقد قيل: إن معاني الكتب السماوية جمعت في الفاتحة ، ومعاني الفاتحة جمعت في هذه الآية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، وقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذاً بأن يدعو بهذا الدعاء وقال: "يا معاذ، والله إني لأحبك؛ لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" [أخرجه أبو داوود والترمذي بسند صحيح] ، هذا الدعاء ينبغي أن تحافظ عليه في كل صلاة تصليها ، فريضةً كانت أو نافلة ، (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ، وقوله: "دبر كل صلاة"؛ بالنظر إلى مجموع الأدلة نستطيع أن نضع ضابطاً وهو: أن ما ورد من الأدعية التي تقال دبر الصلاة فتكون قبل السلام ، مثل هذا الحديث ، وما ورد من الأذكار التي تقال دبر الصلاة فبعد السلام .

 إذاً؛ الأذكار التي وردت دبر الصلاة تكون بعد السلام ، والأدعية التي وردت دبر الصلاة قبل السلام ، الأصل أن دبر الشيء منه ، ولذلك يقال: دبر الحيوان وهو جزء منه ، إلا إذا دلت القرينة على أنه ليس منه ، فالأصل؛ (لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة) يعني: في كل صلاة ، لكن الأذكار التي وردت دبر الصلاة دلت القرينة على أنها تكون بعد الصلاة ، وهذا الضابط مأخوذ من مجموع ما ورد؛ أن ما ورد من الأدعية التي تقال دبر الصلاة فهو قبل السلام ، وما ورد من الأذكار التي تكون دبر الصلاة فهو بعد السلام .

إذاً؛ هذا الدعاء احرص عليه وحافظ عليه في كل صلاة تصليها ، في التشهد الأخير قبيل السلام ، قل: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) .

* * *

فائدة : من مظاهر عظمة الله -سبحانه وتعالى- :

عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش أن مابين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة عام" ، وإذا كانت هذه عظمة مخلوق من مخلوقات الله -عز وجل- فكيف بعظمة الخالق؟!.

هذا الحديث حديثٌ عظيم ، يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش .." وحملة العرش كم عددهم؟ ثمانية ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: 17] ،  "مابين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة عام" ، هذا الحديث من جهة الإسناد [أخرجه أبو داوود بسند صحيح] ، وقوله: "سبع مئة عام" يعني؛ بسير الجواد ، بسير أجود ما يكون من الخيل ، يعني؛ لو سار الخيل أجود ما يكون وأسرع ما يكون من الخيل ، سار سبع مئة سنة ما استطاع أن يقطع ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه سبع مئة سنة! ، وهذا يدل على عظمة هذا المخلوق ، وإذا كانت هذه عظمة هذا المخلوق فكيف بعظمة الخالق ! ، فالله -عز وجل- من العظمة شيءٌ لا يمكن أن يتخيله العقل البشري ، الله -تعالى-؛ الأرض على عظمتها قبضته يوم القيامة ، والسماوات مطويات بيمينه ، ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، والسماوات والأرض بالنسبة للكرسي كحبة رمل في صحراء! ، والكرسي بالنسبة للعرش كحبة رملٍ في صحراء! ، والله مستوٍ على العرش استواءً يليق بجلاله وعظمته ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهو مع استوائه على العرش كلَّم موسى على الطور ، كلَّم موسى على الطور وهو مستوٍ على العرش ، والله لا يقاس بخلقه ، فله من العظمة والكبرياء والجلال والجمال شيءٌ عظيم ، والتأمل في عظيم خلق الله -عز وجل- يزيد الإيمان واليقين ، ويُرِي الإنسان حجمه في هذا الكون ، وهو أن حجمه ضئيل جداً! ماحجمك في هذا الكون الشاسع!؟ ما حجمك أولاً في هذه الأرض!؟ ثم هذه الأرض ما حجمها في المجموعة الشمسية!؟ ثم المجموعة الشمسية ما حجمها في المجرة -مجرة درب التبانة- التي فيها أكثر من مليار نجم!؟ ثم مجرة درب التبانة -هذه التي نحن فيها- ما حجمها بالنسبة للمجرات الأخرى التي فيها مليارات المجرات!؟ شيء عظيم! خلق هائل! ، سبحانك ربنا ماخلقت هذا باطلا .

فانظر إلى عظمة هذا المخلوق؛ أحد الملائكة -حملة العرش الثمانية- ،كيف هو بهذه العظمة! مابين أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة سنة! كيف ستكون عظمته وحجمه؟! شيء فوق الخيال ، فوق ما يتخيله الإنسان بعقله البشري ، وإذا كانت هذه عظمة هذا المخلوق فكيف بعظمة خالقه -جل وعلا- .

وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ       *     تدلُّ على أنَّه واحدُ .

* * *

فائدة : خطورة الكذب :

لو قال طفل لرجل كبير: يا كذاب! فإنه يغضب ، ولا يقبل بأن ينادى بهذا الوصف وإن كان من طفل ، فكيف بمن يكتب عند رب العالمين (فلان بن فلان رجل كذاب) ، وفي الحديث المتفق على صحته :".. وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً .." ، وفي المقابل إذا وصف إنسان بالصدق ، يسر بذلك ، فكيف بمن يكتب عند رب العالمين صديقاً ؟ ، ".. وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً .." ، فاجعل تحري الصدق والابتعاد عن الكذب مبدءاً لك في الحياة .

الكذب من الخصال المذمومة عند جميع البشر، والصدق من الخصال المحمودة عند جميع البشر ، جميع البشر مؤمنهم وكافرهم وفاجرهم وتقيهم ، عند جميع البشر وجميع الشعوب ، وقد قال أهل العلم: إن الامور التي يتفق عليها عقلاء بني آدم لا تكون إلا حقَّا ، هذه قاعدة (الأمور التي يتفق عليها عقلاء بني آدم لا تكون إلا حقا)؛ نقل هذا ابن تيمية -رحمه الله- ، فعقلاء بني آدم متفقون على حمد الصدق وعلى تقبيح الكذب ، ولذلك تجد أي إنسان من أية ديانة ينفر من الكذب! ، ولا يقبل أن يوصف بالكذب ، بينما يفرح ويسر إذا وصف بالصدق ، يعني؛ قد يختلفون في بعض الأشياء مثلاً: في شرب الخمر بعض الديانات تبيح شرب الخمر ، عندنا في الإسلام: محرم ، الزنا؛ بعض القوانين الوضعية لهم تفصيل؛ إذا كان باختياره ، باختيارهما أو .. يعني؛ تجدهم يختلفون فيها ، لكن هناك قضايا أساسية لا يختلف فيها البشر، مثل؛ أنهم يحمدون الصدق ويذمون الكذب ، هذه مافيها خلاف بين البشر ، فلا تكون إلا حقا ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: " وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " ، وهذا يعني؛ لو لم يرد في ذم الكذب إلا هذا الحديث لكفى ، إذا أكثر الإنسان من الكذب وتحرى الكذب في أقواله وفي أفعاله وفي تصرفاته؛ يصل لهذه المرحلة أنه يكتب عند رب العالمين: (فلان بن فلان رجلٌ كذاب) ، إذا كتب عند رب العالمين بأنه كذاب كيف يرجو أن يستجاب دعاؤه!؟ وكيف يرجو رفعة الدرجات ومغفرة الذنوب وهو مكتوب عند الله فلان بن فلان كذاب؟! ، ولو قال له طفل في الشارع: ياكذاب ، تجد أنه لا يقبل مع أن هذا القائل هو طفل ، فكيف بمن يكتب عند رب العالمين وخالق الكون؛ خالق كل شيء؛ بأن فلان بن فلان كذاب ، وفي المقابل : " وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا " ، يتحرى الصدق في أقوله وفي أفعاله وفي تصرفاته وفي تعاملاته مع الآخرين ، وينفر من الكذب ، يحرص دائماً على أن يكون صادقاً ، فهذا يكتب عند رب العالمين: (فلان بن فلان صديق)؛ وهذا وصف شرف ، وهذا يرجى إجابة دعواته ورفعة درجاته ، بل يرجى أن ينال مرتبة الصديقية ، والإنسان يفرح إذا قيل له: أن فلان صدوق! لو كان في مجلس يقال: فلان صدوق ، أو بلغه أن الناس يقولون عنه صدوق؟ أنه مايكذب؟ تجد أنه يفرح ويسر ، فكيف بمن يكتب عند ربه وخالقه وخالق كل شيء بأن فلان بن فلان صديق؟! ، فينبغي أن يحرص المسلم على الصدق وأن يبتعد عن الكذب ، وأن يجعل هذا مبدءاً له في الحياة ، بعض الناس يؤتى من جهة التساهل ، يتساهل في الكذب ، وربما ما يمر عليه يوم إلا وقد كذب ، تارة يكذب على صديقه وتارة يكذب على والده وتارة يكذب على فلان وتارة يكذب على جاره ! وأشد من ذلك من يكذب على الآخرين وينشر ذلك للناس ، ويشيع الشائعات ، هذا إثمه عظيم عند الله -عز وجل- ، ونحن الآن في هذا العصر -عصر وسائل التواصل الإجتماعي- نجد أن بعض الناس يأتون لأناس برئاء ويقذفونهم ويكذبون عليهم ، ثم ينشرون ذلك في وسائل التواصل الإجتماعي؛ يعني ما اكتفى بالكذب! كذب عليه ثم نشر ذلك في وسائل التواصل ، فهذا ما أعظم مصيبته عند الله -عز وجل- ، جرمه عظيم وذنبه كبير ، ولذلك يعني؛ يتأكد هذا في حق طالب العلم أن يحرص على أن يتحرى الصدق في كل شيء ، أن يكون صادقاً في كل شيء؛ في الأقوال ، الأعمال ، التصرفات ، التعاملات ، وأن يبتعد عن الكذب بجميع أشكاله وأنواعه ، وأن يحرص على ذلك حتى يعرف به ، هذا وإن كان مطلوباً من كل مسلم إلا أنه يتأكد في حق طالب العلم .

 كان الناس حتى في الجاهلية يستقبحون الكذب ، ولهذا في صحيح البخاري في قصة هرقل؛ -هرقل- كان ملك الروم قد كتب له النبي -صلى الله عليه وسلم- كتاباً يدعوه للإسلام ، كتب ثلاثة كتب : كتاباً إلى هرقل ملك الروم ، وكتاباً إلى كسرى ملك الفرس ، وكتاباً إلى النجاشي ملك الحبشة ، انظر إلى اختلاف المواقف! أما كسرى فكان أحمق لما أتاه كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذه بعنجهية ومزقه ، فدعى عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يمزق الله ملكه ، فمزق الله ملكه إلى الآن ، زال كسرى ، إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، هرقل كان رجلاً عاقلاً وعنده شيء من الحكمة والتروي ، لما أتاه كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عظمه ، وقال: ادعو لي من كان هاهنا من العرب ، وكان من تقدير الله أن الذي كان في الشام في ذلك الوقت هو أبو سفيان ، فأتى به وأتى بالترجمان وسأل أبو سفيان عشرة أسئلة ، قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا عني كذباً لكذبت ، يقول يمكن أن أكذب لكن سيكون في سيرتي وفي سمعتي أني كذبت ، فيأنف من الكذب وهو كافر ، يعني قبل الإسلام ، ومع ذلك يأنف من الكذب ويأنف أن تلطخ سمعته بالكذب ، فصدق ، سأله هرقل عشرة أسئلة فصدق فيها ، فقال هرقل: لئن كان ما تقول حقاً ليملكن صاحبك موضع قدمي هاتين! ولوددت أني أذهب فأقبِّل قدميه لولا أنا ما فيه من الملك ، وأراد أن يسلم تردد تردد ثم آثر الدنيا على الآخرة ، لأنه لو أسلم لما استمر في الملك ، فعرف الحق لكنه لم يتبعه؛ آثر الدنيا على الآخرة ، أما النجاشي -سبحان الله- وفقه الله -تعالى- لأن يسلم ويبقى في الملك ، أسلم وأخفى إسلامه وبقي ملكاً على الحبشة ، ولعل هذا من توفيق الله له ، أن الله وفقه للرأي السديد ، فإنه عرف أولاً بالعدل ، ثم أكرم الصحابة لما أتوه من المهاجرين ، أكرمهم إكراماً عظيماً ، والصحابة عندهم حرص على الدعوة؛ دعوه للإسلام فأسلم ، وكتم إسلامه حتى يبقى ملكاً على الحبشة ، واستمر ملكاً على الحبشة إلى أن مات ، فلما مات ، أصحابه ومن ومعه شيعوه على طريقة النصارى ، لكن أُخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن طريق الوحي بأنه قد مات ، ومات على الإسلام ، فدعى النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة وصلى عليه صلاة الغائب وترحم عليه ، وقال: إنه قد مات اليوم رجلٌ صالح ، صلى عليه صلاة الغائب ، فانظر إلى أحوال هؤلاء الملوك الثلاثة ، الأول أحمق مزق كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فمزق الله ملكه ، الثاني عرف الحق -الذي هو هرقل- لكنه آثر الدنيا على الآخرة ، الثالث عرف الحق وهداه الله -تعالى- وأسلم وكتم إسلامه وبقي في ملكه إلى أن مات ، والشاهد من هذا؛ قول أبو سفيان: ( فو الله لولا الحياء من أن يؤثروا عني كذباً لكذبت) ، وهذا يدل على أن الكذب كان مستقبحاً حتى لدى أهل الجاهلية .

* * *

فائدة: خطورة الغضب :

الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم ، وله آثار سيئة على الإنسان ، حتى قال ابن القيم -رحمه الله-: (من الناس من إذا لم ينفذ غضبه قتله غضبه ، أو مرض ، أو غشي عليه ، كما يذكر عن بعض العرب: أن رجلاً سبه ، فأراد أن يرد على الساب ، فأمسك جليس له بيده على فمه ، ثم رفع يده لما ظن أن غضبه قد سكن ، فقال: قتلتني! رددت غضبي في جوفي! ومات من ساعته) ، والمطلوب من المسلم أن يكظم غيظه ويتكلف الحلم ، فإنه لا يلبث أن يكون حليماً ، وقد جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  فقال: يارسول الله ، أوصني؟ قال: "لا تغضب" .

الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم ، وهو أساس سوء الخلق ، كما أن الحلم سيد الأخلاق ، الغضب؛ إذا غضب الإنسان فإنه يتكلم ويتصرف تصرفات يندم عليها غالباً ، ويتكلم بكلامٍ يندم عليه غالباً ، وذلك لأن الإنسان يضعف إذا غضب ولا يتحكم في نفسه ، ثم إن الغضب كما قال ابن القيم ؛ ابن القيم له كتابٌ لطيف اسمه (إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان) أنصح بقرائته ،  يقول: (من الناس من إذا لم ينفذ غضبه قتله غضبه ، أو مرض ، أو غشي عليه ) وذكر قصةً عن بعض العرب: (أن رجلاً سبه ، فأراد أن يرد على الساب ، فأمسك جليس له بيده على فمه ، ثم رفع يده لما ظن أن غضبه قد سكن ، فقال: قتلتني! رددت غضبي في جوفي! ومات من ساعته) ، فيظهر والله أعلم أن ما يذكر ابن القيم أن هؤلاء عندهم شدة غضب ، وأن شدة الغضب هذه إذا ارتفعت ارتفع معها ضغط الدم ، فإذا كان الغضب شديداً كان ارتفاع ضغط الدم شديداً ، فربما انفجر عرق من العروق وتسبب في وفاته ، كما في هذه القصة التي حكاها ابن القيم ، وهذا يعني؛ الطب الحديث يشهد بهذا ، الطب الحديث يشهد بهذا؛ فتجد بعض الناس يعني تكون وفاتهم بسبب ارتفاع الضغط عنده ، ارتفاع ضغط الدم عنده هو سبب الوفاة ، ومن أسباب ارتفاع ضغط الدم عنده هو شدة الغضب ، وأحياناً لا يموت لكنه يمرض ، ربما بقي في بيته أياماً يعوده الناس والسبب هو شدة الغضب أيضاً ، يشتد عنده الغضب فيرتفع عنده ضغط الدم ارتفاعاً شديداً ويسبب مشاكل صحية له ، لكن السبب في الأصل هو شدة الغضب ، ولذلك من أبرز أسباب الإصابة بالضغط والسكر وبعض الأمراض هو شدة الغضب ، فشدة الغضب تأكل من صحة الإنسان ، ولهذا آثار شدة الغضب سيئة على الإنسان؛ في صحته وفي تعاملاته وفي علاقاته مع الآخرين ، فينبغي أن يحرص المسلم على الابتعاد عن شدة الغضب ، وأن يكون حليماً ، والحلم إما أن يكون هبةً من الله -عز وجل- بأن يولد هذا الإنسان حليماً ، أو أن يكتسبه الإنسان اكتساباً ، أما أن يكون هبة فهذا كما قال الأشج بن عبد القيس؛ قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنك فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله؛ الحلم والأناة" قال: يارسول الله أجبلت عليهما أم تخلقت بهما؟ قال: "بل جبلت عليهما" قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحبه الله ورسوله .

فبعض الناس يولد حليماً ، لكن إذا لم يولد الإنسان حليماً وكان يعرف من نفسه شدة الغضب ؛ فيمكن أن يصبح حليماً بالإكتساب ، بأن يتكلف الحلم شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح حليماً ، بالتدرج ، فمثلاً يقول هذا اليوم: هاتين الساعتين لن أغضب فيهما مهما كان السبب ، في اليوم الثاني يجعلها أربع ساعات ، في اليوم الثالث يجعلها مثلاً ثمان ساعات وهكذا ، مع مرور الوقت يصبح حليماً ، والحلم هو سيد الأخلاق ، ولذلك تجد أن شديد الغضب؛ الناس تكرهه وتنفر منه ، لأنه ما إن تكلمه بأمر إلا وسرعان ما يغضب عليك ، وإذا غضب تفوه بكلام عليك غير لائق ، أو تصرف تصرفات غير لائقة ، فالناس تنفر وتكره الإنسان سريع الغضب وشديد الغضب ، وفي المقابل تحب الإنسان الحليم ، فالحلم هو من أعظم مكارم الأخلاق ، بل هو سيد الأخلاق .

فإذاً؛ مادام أن هذه الآثار السيئة كلها مترتبة على شدة الغضب ، الآثار الصحية ، والآثار الإجتماعية ، فينبغي للإنسان أن يبتعد عنه ، وأن يحرص على أن يكون حليماً ، وأن يتخلق بخلق الحلم ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، إلا في حالة واحدة يكون فيها الغضب محموداً ماهي؟

اذا انتهكت محارم الله ، يعني يغضب لله ، إذا انتهكت محارم الله؛ رأى المنكرات أمامه! منتهكة محارم الله يغضب لله -عز وجل- ، ولا يكون بارداً ويقول يعني؛ ابتعد عن شدة الغضب! لا؛ يغضب لله ، فالغضب عند انتهاك محارم الله هذا محمود ، النبي -صلى الله عليه وسلم- كان لا يغضب إلا اذا انتهكت محارم الله ، أما في أمور الدنيا فلا داعي للغضب ، الدنيا كلها ما تستحق أصلاً أنك تغضب لأجلها ، فلا داعي للغضب ، ولذلك ينبغي أن يحرص المسلم على أن يتكلف الحلم حتى يكون حليماً ، فالحلم هو رأس مكارم الأخلاق ، وهو سيد الأخلاق ، ولهذا جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يارسول الله أوصني؟ قال: "لا تغضب" قال: أوصني؟ قال: "لا تغضب" ، أوصاه فقط بهذه الوصية ؛ بأن يترك الغضب ، لأنه إذا ترك الغضب أصبح كريم الأخلاق ، ويظهر أن هذا السائل الذي قال للنبي -عليه الصلاة والسلام- أوصني يظهر أن عنده شدة غضب وسرعة غضب ، فلذلك قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تغضب" ، وهذا يدل أيضاً على أن ترك الغضب مستطاع ، وإلا لو كان غير مستطاع لقال هذا الرجل للنبي -عليه الصلاة والسلام-؛ أنا يارسول الله خلقت سريع الغضب وشديد الغضب كيف ما أغضب ، لكن لما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تغضب وكررها عليه ، دل ذلك على أن ترك الغضب ممكن وأنه مستطاع ، وأن بإمكان الإنسان أن يصبح حليماً .

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على كتاب لطائف الفوائد .

* * *

سؤال من الحضور:

هل التورية تنافي تحري الصدق ؟

التورية لا تنافي تحري الصدق ، لكن بشرط ألا يكثر منها ، وأن يفعلها عند الحاجة ، كأن مثلاً يدعوه إنسان لموعد ولا يريد أن يكسر خاطره وفي الوقت نفسه لا يريد أن يضيع وقته ، فيأتي بأمر يعني؛ يفهم منه المخاطب شيئاً وهو يريد شيئاً آخر ، يقول مثلاً عندي اليوم ارتباط وهو يقصد ارتباط مثلاً بقراءة كتاب أو نحو ذلك ، ويريد أمراً والمخاطب يفهم شيئاً آخر ، هذا لا بأس به لكن عند الحاجة ، وألا يكثر الإنسان منه ، لأنه إذا أكثر أصبح لا يُوثق في كلامه ، كلما تكلم قالوا الناس أنه قد تأوَّل أو قصد التورية .

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1440/1/14 هـ