الخثلان
الخثلان
من الفائدة 176-180
22 محرم 1440 عدد الزيارات 402

لطائف الفوائد /من الفائدة 176

 

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .

أما بعد؛ فهذا هو الدرس الثالث ، في السابع من شهر الله المحرم من عام ألف وأربع مئة وأربعين للهجرة ، ونسأل الله -تعالى- أن يرزقنا العلم النافع والفقه في الدين .

نبدأ أولاً بالتعليق على كتاب ( لطائف الفوائد ) ، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم 176، فائدة : فضل السنن الرواتب   

السنن الرواتب إثنتي عشرة ركعة : أربع قبل الظهر وركعتان بعدها ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء ، وركعتان قبل الفجر ، ورد في فضلها ما أخرجه مسلم في صحيحه من طريق النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس قال حدثني عنبسة بن أبي سفيان قال: سمعت أم حبيبة -رضي الله عنها- تقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة " ، قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة ، وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة ، وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس.

هذه تسمى السنن الرواتب ، ومعنى الرواتب: أي الدائمة التي يؤتى بها بصفة مستمرة ودائمة ، وهي ثنتى عشرة ركعة على القول الراجح ، أربع قبل الظهر وركعتان بعدها ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء ، وركعتان قبل الفجر ، والخلاف في الأربع التي قبل الظهر :

فعلى هذا القول: تكون أربعاً ركعتان ثم ركعتان .

والقول الثاني: أن السنة قبل الظهر ركعتان فقط ؛ هذا هو المذهب عند الحنابلة ، واستدلوا بما جاء في الصحيحين ؛ عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "حفظت من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر ركعات ، ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل الفجر " ، فيختلف حديث ابن عمر عن حديث أم سلمة هذا وكذلك حديث عائشة ..[انقطع] ، يقول إنه حفظ إن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما صلى قبل الظهر ركعتين لكن جاء في حديث عائشة قالت: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي قبل الظهر أربعاً" ، وأيضاً في هذا الحديث -حديث أم حبيبة- "من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة" ، وجاء في تفسير هذه الاثنتي عشرة ركعة في رواية الترمذي بأنها أربعٌ قبل الظهر وركعتان بعدها ..[انقطع] ، والذي يظهر -والله أعلم- أن السنن الرواتب ثنتى عشرة ركعة ، وذلك لأن هذا هو الذي عليه أكثر الأحاديث ، ولأن أيضاً ورد فيه ما لم يرد في غيره ، أما العشر ركعات لم يرد فيها إلا حديث ابن عمر ، وابن عمر إنما يحكي هذا من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم - ، ونحن نعلم من هديه -عليه الصلاة والسلام- أنه تارةً كان يحث على الشيء ولا يفعله لإنشغاله بمصلحةٍ أرجح ، فمثلاً يقول -عليه الصلاة والسلام -: " أحب الصيام إلى الله صيام داوود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً " ، يعني هذه أعلى مراتب صيام النافلة ، طيب؛ هل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصوم يوماً ويفطر يوماً ؟ الجواب: لا ، وإنما كما تقول عائشة: "كان يصوم حتى يقول القائل لا يفطر ويفطر حتى يقول القائل لا يصوم" ، لأنه -عليه الصلاة والسلام- منشغلٌ بمصالح أرجح ، والمفضول قد يعتريه ما يجعله فاضلاً ، ولذلك يحتمل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحياناً كان يصلي قبل الظهر ركعتين ، ورآه ابن عمر في إحدى المرات صلى قبل الظهر ركعتين وحفظ ذلك ونقله ، ولكن حديث أم حبيبة هذا من قول النبي -عليه الصلاة والسلام- ، ويؤكده أيضاً حديث عائشة وهو أيضاً من فعله ، فاجتمع في الأربع قبل الظهر القول والفعل ، وعلى هذا فعند كثير من المحققين من أهل العلم أن السنة قبل الظهر أربع ركعات وليست ركعتين ، وعلى هذا تكون السنن الرواتب ثنتي عشرة ركعة ، فينبغي للمسلم أن يحافظ عليها في الحضر ، ويقضيها لو فاتت ، وأما في السفر فالسنة تركها ماعدا سنة الفجر ، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يدعها سفراً ولا حضراً ، والنوافل عموماً لها فوائد عظيمة ، نقول هذا لأن بعض الناس يقول هذه نافلة إذا تركتها ليس علي إثم ، فنقول لها فوائد عظيمة النوافل:

الفائدة الأولى: أن فيها زيادة أجر وثواب وتقرب إلى الله -تعالى- ، وهذا ظاهر .

الفائدة الثانية: أنها من أسباب نيل محبة الله -عز وجل- ، والدليل قول الله -تعالى- في الحديث القدسي : " ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه " .

الفائدة الثالثة: وهي فائدة مهمة يغفل عنها بعض الناس ، وهي أنها تكمل النقص والخلل الذي يقع في الفريضة ، فهل يضمن الإنسان أنه أدى الفريضة كما أمر الله !؟ ما فيه أحد منا يضمن ، فيعتري الفريضة ما يعتريها من النقص ومن الخلل ومن السهو ، فهذه النوافل تكمل الخلل الذي يقع في الفريضة ، ولذلك أول ما يحاسب عليه المسلم من عمله يوم القيامة : الصلاة ، وأول ما ينظر في الصلاة للفرائض فإن كان فيها نقص فيقال: انظروا هل له من تطوع؟ ، فيكمل النقص الذي في الفريضة بصلاة النافلة ، ولذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على النوافل ، وأن يجعلها جزءاً أساسياً من حياته ، خاصة النوافل الراتبة .

 قال ابن القيم كان النبي -صلى الله عليه وسلم - يحافظ في اليوم والليلة على أربعين ركعة ، ما هي هذه الأربعون ؟

أولاً؛ الفرائض -الصلوات الخمس- ، الصلوات الخمس كم ركعة؟ أربع وأربع وأربع هذي اثنتي عشرة ، وثلاث ؛ خمس عشرة ، وثنتين ؛ سبع عشرة ، إذاً سبع عشرة ركعة ، الفرائض سبع عشرة ركعة ، والسنن الرواتب ؛ ثنتي عشرة ركعة ، نضيف سبع عشرة إلى ثنتي عشرة كم؟ تسع وعشرين ، والوتر ؛ إحدى عشرة ركعة ، نضيف إحدى عشرة إلى تسع وعشرين ؛ أربعين ، كانت هذه الأربعون ركعة يحافظ عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- في اليوم والليلة ، فينبغي لنا جميعاً أن نقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ، وأن نحافظ على هذه الأربعين ركعة لا ننقص عنها ، قد نزيد عليها لكن لا ننقص عنها ، والإنسان يا إخواني مكون من عادات ؛ إذا عود الإنسان نفسه على فعل الخير تعتاد نفسه على ذلك وترتاض ويسهل عليها فعل الخير ، فمثلاً هذه الأربعون ركعة لو أنك الزمت نفسك بها ، قلت هذه الأربعون ركعة أنا أريد أن أقتدي بالنبي -عليه الصلاة والسلام- فأحافظ عليها كل يوم ، كل يوم أحافظ على هذه الأربعين ركعة ، حتى لو قدر مثلاً أنها فاتتك سنة الفجر تقضيها ، فاتتك سنة الظهر تقضيها ، فاتك الوتر تقضيه ، فتحافظ على هذه الأربعين ركعة وتقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا ، وفي هذا الحديث المذكور انظر إلى حرص الصحابة والتابعين على اتباع السنة ، أم حبيبة تقول : ما تركتهن منذ سمعت ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، الراوي عن أم حبيبة وهو -عنبسة بن أبي سفيان- قال: ما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة ، الراوي عن عنبسة وهو -عمرو بن أوس- قال: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة ، الراوي عن عمرو بن أوس وهو -النعمان بن سالم- قال: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس ، فانظر إلى حرصهم على اتباع السنة -رضي الله تعالى عنهم- .

* * *

فائدة: هذا العمل وقاية طيلة اليوم من السم والسحر

عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة ، لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر " ، والأظهر من أقوال العلماء أن هذا لا يختص بثمر عجوة ، بل يشمل جميع أنواع التمر ، بدليل أنه جاء في أحدى روايات مسلم: " من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها " ، أي: المدينة ، قال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله- : ( كان شيخنا ابن سعدي -رحمه الله- يرى أن ذكر تمر عجوة على سبيل التمثيل ، وإن المقصود التمر مطلقاً ) .

هذا الحديث العظيم يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- : " من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة " ؛ يعني: أكل على الريق سبع تمرات من تمر عجوة ؛ لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر ، وهذا الحديث متفق عليه ، وجاء في بعض الروايات: "مابين لابتيها" ، وأكثر العلماء على أن ذلك لا يختص بتمر عجوة ولا تمر المدينة ، وأنه يشمل جميع أنواع التمر ، وهذا نقله الشيخ محمد ابن عثيمين عن شيخه ابن سعدي ، وأيضاً كان شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- يقول بهذا ، وهذا يدل على أن أكل سبع تمرات على الريق ؛ أن لها فائدة كبيرة للإنسان ، ولذلك البلدان التي ينتشر فيها السحر منتشرة عندهم هذه العادة ، من حين أن يصبحوا يأكلون سبع تمرات ، هذا معروف من قديم ، وهناك من كتب في الإعجاز العلمي في السنة ، وذكر بعض التفسيرات لهذا ، فذكر بعضهم أن التمر؛ أنه غنيٌ بالمعادن والفيتامينات ، فقالوا: إن فيه الفوسفور والكالسيوم والحديد وعدة معادن ذكروها ، وأيضاً الفيتامينات؛ فيتامين (أ) وفيتامين (ب1) و (ب2) و (د) ومجموعة أخرى من الفيتامينات ، يقولوا: هذه مجموعتها تشكِّل وقاية من السم ، لأن السم يكون تأثيره قوياً عندما تضعف البنية ، فعندما يكون متصبحاً بهذه التمرات السبع يقي بإذن الله من السم ، وأما السحر فقالوا: إن أكل سبع تمرات يولد هالة حول جسم الإنسان ، وهذه الهالة تشكِّل درعاً واقياً وسياجاً من السحر ، بل قالوا حتى كذلك من الأرواح الشريرة كالمس ونحوها ، فتشكِّل هذه الهالة ، فتجعل السحر لا يقوى تأثيره ، وحتى المس أيضاً لا يقوى على اختراق هذه الهالة ، وإذا حافظ على ذلك كل يوم فبإذن الله -تعالى- تقيه من السحر ومن المس ومن السم وربما أيضاً من شرور أخرى ، فهذا أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحيٌ يوحى ، وكما ذكرت أن تجارب الناس تؤيد هذا ، ولذلك هذه من الأمور الحسنة ، لكن لا يقال بأن ذلك سنة ، وإنما هي كالحجامة ، كشرب العسل ، وكالكي ، لكن يجب اعتقاد أن ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- حق ، وأن من أكل سبع تمرات على الريق لم يصبه سم ولا سحر ، هذا أمر مقطوع به ، لأن الذي أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فهذه فائدة عظيمة ، لو عوَّد الإنسان نفسه عليها فإنها بإذن الله تقيه من هذه الشرور ، والتي انتشرت في الوقت الحاضر ، وأكثر ما تنتشر في البيئات التي يضعف فيها التدين ، وتقل فيها آثار النبوة ، فيكثر فيها السحر والشعوذة ونحو ذلك ، لكن المسلم يتحصن من ذلك بالأذكار ، وأيضاً يتحصن بمثل ما أرشد إليه النبي -عليه الصلاة والسلام- من التصبح بسبع تمرات كل يوم ، بإذن الله -تعالى- تقيه من ذلك ، بل إن بعضهم ذكر حتى أن السبع تمرات أيضاً تقي حتى من العين ، يقولون هذه كلها العين والمس والسحر والسم بإذن الله -تعالى- ، خاصة من أخذها موقنٌ بها وليس مجرد تجربة .

* * *

فائدة : دعاء جامع

من الأدعية التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر منها: ماجاء في صحيح البخاري عن أنس -رضي الله عنه- قال: كنت أخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكنت أسمعه كثيراً يقول: " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال " ، قال ابن القيم -رحمه الله- : ( المكروه والوارد على القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقعه أحدث الهم ، وإن كان من أمر ماض قد وقع أحدث الحزن ، وتخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح ؛ إن كان لعدم قدرته فهو العجز ، وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل ، وعدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن ، وإن كان بماله فهو البخل ، واستيلاء الغير على المال ، إن كان بحق فهو من ضلع الدين ، وإن كان بباطل فهو من قهر الرجال ) .

هذا الدعاء من الأدعية العظيمة الجامعة ، والتي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر منها ، ولذلك ينبغي أن نحفظه جميعاً ، وأن نكثر منه اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ، اجعله مع أذكار الصباح والمساء ، بل ربما تزيد على ذلك ، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يكثر منه ، خادمه أنس يقول: ( كنت أسمعه يكثر من أن يقول هذا الدعاء) ، استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- بالله من أمور ثمانية ؛ وهي: الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال ، وإذا تأملت المكروه الوارد على الإنسان تجد أنه لا يكون إلا في هذه الأمور الثمانية ، لأن المكروه الوارد على القلب؛ إن كان عن أمر مستقبل أحدث الهم ، وإن كان عن أمر مضى أحدث الحزن ، وعدم فعل الإنسان الخير؛ إن كان لعدم قدرته فهذا هو العجز ، وإن كان لعدم إرادته فهذا هو الكسل ، وعدم نفع الآخرين؛ إن كان ببدنه هذا هو الجبن ، وإن كان بماله هذا هو البخل ، واستيلاء الآخرين على مال الإنسان؛ إن كان بحق فهذه هي غلبة الدين -وفي رواية- "ضلع الدين" ، وإن كان بغير حق فهذا هو قهر الرجال ، فانظر كيف أن هذا الدعاء جمع هذه الأمور الثمانية ، أما (الهم والحزن) فهي مما يكدر على الإنسان حياته ، ولذلك تجد الإنسان المهموم ما يخشع في صلاته ، الإنسان المهموم لا يخشع لا يبتسم لا يسعد ، تجد آثار الهم على وجهه ، فتجد الناس عندما يرونه يقولون: فلان مهموم ، مالنا نرى فلان مهموم! ، مهموم من شيء في المستقبل ؛ قلق عليه ، والحزن: يحزن عن أمر قد مضى ، مصيبة وقعت له في ماله أو في أهله أو في بدنه أو في أي شيء ، والهم والحزن ليس مطلوباً ، وليس مأموراً به ، بل لم يرد الحزن في القرآن إلا منهيَّاً عنه أو منفيَّاً ، كلمة (الحزن) في القرآن لم ترد إلا على سبيل النفي أو النهي؛ ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ، كلها ، كما قال ابو العباس ابن تيمية -رحمه الله-: أن الله لم يأمر بالحزن لأنه ليس فيه فائدة ، بل نهى عنه ، وهكذا أيضاً الهم ، ولذلك على الإنسان أن يبتعد عن الحزن وعن أسبابه ، وأن يرفع مستوى الصبر لديه ، لأن الذي يحدث الهم والحزن أحياناً هو ضعف الصبر وقلة الصبر ، فيرفع مستوى الصبر ، يعني؛ في المستقبل لا يهتم ؛ كل ماقدره الله -عز وجل- فسيكون ، والحزن نقول هذه مصيبة يسترجع فيها يقول إنا لله وإنا إليه راجعون ، يستحضر أن ما عند الله خير وأبقى ، ويكون منشرح الصدر منطلقاً متفائلاً ، وأيضاً يتكيف مع ظروفه ، يعني؛ بعض الناس قد تكون ظروفه صعبة ، يتكيف مع هذه الظروف ، أما أن الإنسان يعيش حزيناً كئيباً معظم وقته فهذا يؤثر عليه ، يؤثر عليه في صحته ، يؤثر عليه في تعامله مع الآخرين ، يؤثر عليه حتى في عبادته ، الحزين أو المهموم هل سيخشع في صلاته؟ هل سيقوم الليل بتضرع وبخشوع وحضور قلب وانكسار ، ستجد أن الهم والحزن غالب عليه ، ولذلك فالهم والحزن ينبغي أن يبتعد عنه الإنسان ما أمكن ، لكن أحياناً يكون رغماً عن الإنسان ، فإذا كان رغماً عن الإنسان فإن الله يكفر عنه به من سيئاته ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما يصيب المؤمن من هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه بها من سيئاته" ، إذا كان رغماً عن الإنسان ، لكن ليس مطلوباً ، المطلوب أن الإنسان يغلِّب جانب التفاؤل ، ويحرص على الإبتعاد عن الحزن وأسباب الحزن ، حتى على واقع الأمة يبتعد الإنسان عن أسباب الحزن ، الله متكفل بحفظ الدين ، الله -عز وجل- متكفل بحفظ الدين ، وأخبر سبحانه عن محاولات أعداء الإنسان إطفاء نور الله ، وأن الله حافظ دينه ، ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة: 32] ، فالله وعد بإتمام نوره بكره من الكافرين؛ حتى بكره من الكافرين (ولو كره الكافرون) ، الإنسان مطلوب منه أن يفعل ما هو مطلوب منه ولا يحزن ، ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في أصعب الظروف في غزوة الأحزاب التي وصفها الله -تعالى- بأنها قد بلغت القلوب الحناجر ، ﴿زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ إلى هذه الدرجة ، ومع ذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه ، وقال: "إنه قد زويت لي الأرض ورأيت مشارقها ومغاربها وإنه سيبلغ ملك أمتي مازوي لي منها ... " يقولها في تلك اللحظات العصيبة ، انظر إلى التفاؤل العظيم ، فكان -عليه الصلاة والسلام- عظيم التفاؤل .

و(العجز والكسل) أيضاً ينبغي أن يبتعد الإنسان عنه؛ لأن هذا العجز وهذا الكسل يحرم الإنسان من الخير في أمور دينه وأمور دنياه ، فالكسول لا يفلح ، وهكذا العاجز ، فينبغي أن يبتعد الإنسان عن ذلك ، وأن يكون صاحب مبادرة وصاحب قوة في العبادة ، "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، جاء في صحيح مسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " أنه يرفع يوم القيامة إلى الله من أهل النار أربعة - أربعة أشخاص- فيقول أحدهم: ياربِّ إذ نجيتني من النار فلا تعدني فيها ، فيأمر الله -تعالى- به فيدخله الجنة ، وأما الثلاثة الآخرون فيأمر الله بهم فيرجعون للنار" ، هم كلهم مستحقون للنار لكن الله أمر بأن يُعرضوا عليه لعلهم يعني؛ يطلبون من الله أن يرحمهم ويسألون الله أن يرحمهم ، واحد منهم يتكلم والثلاثة ساكتون ، هذا الذي تكلم أمر الله به فأُدخل الجنة ، والثلاثة ساكتون أُرجعوا إلى النار لأنهم مستحقونها أصلاً ، أخذ بعض الشراح من هذا فائدة وهي: ذم العجز والكسل ، يعني؛ ينبغي أن الإنسان يبادر ، كلما لاحت له فرصة خير يبادر ، هؤلاء -الله تعالى- أخرجكم من النار وأنتم مستحقون لها وتعلمون ذلك ، وعرضكم ، فينبغي أن تطلبوا من الله الرحمة وتسألوا الله الجنة ، أما أن تبقون ساكتين! هذا عجز وهذا تفريط ، ولذلك أمر الله بأن يرجعوا إلى النار  لأنهم أصلاً مستحقون لها ، ما ظلمهم الله -تعالى- ، بينما الأول تكلم وسأل الله أن يرحمه ؛ وقال: ياربِّ كما أخرجتني من النار فلا ترجعني إليها مرة أخرى ، فأدخله الله الجنة برحمته ، ففي هذا قال أهل العلم: حثٌّ على الكيس وذمٌّ للعجز والكسل ، و(الجبن والبخل) أيضاً من الأخلاق الذميمة ، فالبخل خلقٌ ذميم ، ومن أخلاق اليهود ، وسواء كان البخل بالمال أو البخل بالعلم أو البخل بالجاه ، وهكذا أيضاً الجبن وهو ضد الشجاعة ، أن يكون الإنسان كثير الخوف من الآخرين وليس عنده الشجاعة ، فالشجاعة خلق كريم بين التهور وبين الجبن ، و(غلبة الدين وقهر الرجال) يعني؛ استيلاء الآخرين على مال الإنسان ، لأن المال جبلت النفوس على محبته ، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا[الفجر: 20] ، فإذا استولى الآخرون على مال الإنسان ؛ إن كان بحق هذه غلبة الدين أو ضلع الدين ، وإن كان بغير حق فهذا هو قهر الرجال ، أن الإنسان يؤخذ ماله بغير حق ويعجز عن تخليص نفسه ؛ هذا هو قهر الرجال الذي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله منه .

فما أعظم هذا الدعاء وما أشمله ، دعاءٌ عظيم جامعٌ ، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر منه ، فينبغي لنا جميعاً أن نقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأن نكثر منه.

* * *

فائدة : ما يبقى للإنسان يوم القيامة

الإنسان ينسى يوم القيامة كل نعيم وكل بؤس مر به في الدنيا ، ولا يبقى له إلا ما قدمت يداه ، ففي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة ، فيصبغ في النار صبغة ، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يارب ، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا ، فيصبغ في الجنة صبغة ، ويقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يارب ، ما مر بي بؤس قط ، ولا مر بي شدة قط " ، فإذا كان أعظم بني آدم نعيماً وأشدهم بؤساً يقولان ذلك ، فما بالك بغيرهما ؟! .

الإنسان يوم القيامة ينسى جميع ما مر به في الدنيا من نعيم أو من بؤس ، بل حتى الإنسان في الدنيا ينسى ، الآن كلنا مر بنا مواقف فيها بؤس ومواقف فيها تنعم ؛ نسينا ما مضى ، كل ما مضى نسيناه ، وكلنا بالنسبة لما مضى شيء واحد ، يوم القيامة الإنسان ينسى كل شيء مر به ، ويؤتى يوم القيامة برجلين؛ الرجل الأول أنعم أهل الدنيا من أهل النار ، تصور أنعم أهل الدنيا من أهل النار! يعني؛ منذ أن خلق الله آدم إلى قيام الساعة ، هؤلاء البشر أكثرهم تنعماً وترفاً لكنه من أهل النار ، فيؤتى به ، فيصبغ في النار صبغة ، يغمس فيها غمسة ثم يخرج منها ، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ -يعني في الدنيا- ، ماذا يقول؟ يقول: لا والله يارب ما رأيت خيراً قط ، ولا مر بي نعيماً قط ، نسي كل نعيم مر به في الدنيا ، وهو أكثر أهل الدنيا ترفاً وتنعماً! فما بالك بغيره!؟ ، والرجل الثاني أشد الناس بؤساً في الدنيا ، تصور منذ أن خلق الله آدم إلى قيام الساعة! ، إنسان بئيس ، ما فيه أحد أشد بؤساً منه ، كل مصائب الدنيا على رأسه ، أشد بني آدم بؤساً ، لكنه من أهل الجنة ، فيصبغ في الجنة صبغة ، يغمس فيها غمسة ثم يخرج منها ويقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ ، ماذا يقول؟ يقول: لا والله يارب ، ما رأيت شدةً قط ، ولا مر بي بؤس قط ، إذا كان هذا أشد الناس بؤساً! فما بالك بغيره!؟ ، الإنسان ينسى ما مر به في هذه الدنيا ، ولا يبقى إلا العمل ، وهذا يبين لنا حقارة هذه الدنيا ، وأنها لا تستحق من الإنسان كل هذا العناء ، وكل هذا النصب ، وكل هذا الشقاء ، وكل هذا الكدح ، وأن الإنسان لابد أن يعرفها على حقيقتها ، وإذا لم يعرفها الآن على حقيقتها ، فإنه لابد أن يعرفها على حقيقتها عند لقاء الله ، عند ساعة النُقلة من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة؛ يعرف الدنيا على حقيقتها ، فينبغي ألا يغتر الإنسان بالدنيا ، لأن الدنيا تغر من لا يعرفها ، كما قال ربنا سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ[فاطر: 5،6] ، لاحظ قول الله -عز وجل-: (فلا تغرنكم) ؛ هذا دليل على أنها تغر ، وبعض الناس يكون في صحة وفي عافية وفي ترف ، ويعيش وكأنه سيخلد! ، ويستبعد الموت وربما يكون الأجل قريباً منه وهو لا يشعر! ، وحياة الإنسان هي فرصة واحدة ، فرصة واحدة غير قابلة للتعويض ، فلا مجال للمغامرة أصلاً! يعني لو كان هناك مجال للتعويض ربما يقول الإنسان أعوض فيما بعد ، لكن ما فيه مجال للتعويض! ، أمور الدنيا يمكن أن تعوض فيها ، يعني؛ صفة تجارية تخسر فيها ممكن تعوض ، اختبار مثلاً في الدنيا تعوض ، أي أمر من أمور الدنيا تعوض ، لكن حياتك في هذه الدنيا ما يمكن أن تعوض فيها ، خلاص هي مرة لك ؛ أعطاك الله الحياة فرصة فيها ، إن نجحت في هذا الإختبار العظيم سعدت السعادة الأبدية ، وإن فشلت خسرت الخسارة الأبدية ، ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ خسروا كل شيء حتى أنفسهم ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: 102،103] ، فهذه المعاني ينبغي أن تكون حاضرة في ذهن الإنسان ، لأن بعض الناس يغفل عنها ، وينعكس هذا على تصرفاته ، وينعكس هذا على تعاملاته مع الآخرين ، وينعكس هذا على نظرته للمال ، وتشبثه الشديد به وحرصه عليه وعلى أمور الدنيا ، لكن لو أنه عرف الدنيا على حقيقتها ما تشبث بها وتعلق بها هذا التعلق الشديد ، فانظر إلى أن هذين الرجلين يعني؛ ضرب الله -تعالى- بهما لنا المثل ، أشد بني آدم تنعماً وأشدهم بؤساً؛ كل واحد منهم ليس فقط يقول (لا) بل يحلف على ذلك ، يقول: لا والله يارب ، لاحظ قوله (لا والله يارب) ؛ الأول يقول: (لا والله يارب ما مر بي نعيم قط) والثاني يقول: (لا والله يارب ما مر بي بؤس قط) ، ويحلفان على ذلك ، فالإنسان ينسى ما مر به في هذه الدنيا ، فإذا كان هذا من رجلان؛ أشد بني آدم تنعماً وأعظمهم بؤساً ينسيان ما مر بهما في الدنيا فما بالك بغيرهما! .

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد ، والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1440/1/7هـ