الخثلان
الخثلان
شرح متن التسهيل - كتابيً(الظهار و اللعان)
2 محرم 1440 عدد الزيارات 1092

شرح متن التسهيل / كتاب الظهار-الإيلاء

 

ننتقل بعد ذلك إلى شرح التسهيل ، وكنا قد وصلنا إلى: (كتابُ الظِّهَارِ) .

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: [كتاب الظهار]، والظِّهَارُ معناه في اللغة : مشتقٌ من (الظَّهَر) وخُصَّ به من بين سائر الأعضاء لأنه موضع الركوب من البعير وغيره ، ولذلك سُمِّي المركوب ظهراً ، وفي الحديث قالت: (مالنا من ظهر) يعني: من مركوب .

واصطلاحاً -عرَّفه المؤلف- : قال :[هُوَ تَشْبِيهُ امرأةٍ أو عُضوِهَا بِمَنْ تَحْرُمُ عليهِ أبداً، أو بِعُضوِهَا] تشبيه امرأةٍ أو عضوها (بمن تحرم عليه أبداً ) يعني: تحريماً مؤبداً ، أو بعضوها [نَحو: أنتِ عَليَّ كَظهرِ أُمّي] إذا قال (أنتِ علي كظهر أمي) هذا هو الظهار ، أو قال (أنتِ كأمِّي) أو (كظهر أختي) أو (أنتِ كأختي) ؛ هذه كلها من صيغ الظهار .

والظِّهَارُ : مُحَرَّم ، لأن الله -تعالى- قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا[المجادلة: 2] ، فوصفه الله -تعالى- بأنه منكر من القول ، فهو منكرٌ من القول في الإنشاء ، وزورٌ في الخبر ، عندما ينشئ هذا الكلام يقول لزوجته (أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي) هذا منكر من القول ، وهو خبراً كاذب في هذا ، هذه زوجته ليست كأمه !  فهو أيضاً زور ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا .

إذاً ؛ الظِّهَار محَرَّم ، وقد كان موجوداً في الجاهلية ، ظهر -أنس بن الصامت- من -خولة بنت ثعلبة- فجاءت للنبي -صلى الله عليه وسلم- تشكو إليه وتجادله ، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول :"اتقِّ الله فإنه ابن عمك" ، تقول عائشة : "والله إني لا أسمع صوتها " يعني؛ كانت تقوله بصوت منخفض ، فأنزل الله-تعالى-: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ[المجادلة : 1] ، ثم ذكر الله -تعالى- بعد ذلك الكفارة -كفَّارَة الظِّهَار- ، وهنا في قول المؤلف : [هُوَ تَشْبِيهُ امرأةٍ] هذا ظاهرٌ في أن الظِّهار يصِحُّ من زوجته ومن الأجنبية ، لأن قوله (امرأةٍ) يشمل زوجته وهذا بالإجماع ، ويشمل الأجنبية ؛ وذلك إذا قيل له: تتزوج بفلانة؟ قال: (فلانة عليَّ كظَهرِ أمِّي) ثم أراد أن يتزوجها ، فهل يقع هذاالظهار؟ أم لا ؟ إذا تزوجها هل نقول لا تطئها حتى تُكَفِّر؟ هذا مبني على ؛ هل هذا ظِهارٌ أو ليس بظهار ؟ هذه المسألة محل خلافٍ بين أهل العلم ، واختلفوا فيها على قولين :

فمنهم من ذهب إلى : أنه ظهار ، وهذا هو ظاهر كلام المؤلف ، وهو المذهب عند الحنابلة ، والقول الثاني : أنه ليس بظهار ، وهو مذهب الحنفية والشافعية ، قالوا: لأن الله -تعالى- قال : ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم[المجادلة : 2] ، فخصَّ الظِّهار بالزوجات ، والأجنبية ليست من نسائه ، وهذا هو الأقرب -والله أعلم- أن الظِّهار من الأجنبية ليس بظهار ، إنما الظِّهار خاصٌ بالزوجة ، وقوله: [تَشْبِيهُ امرأةٍ أو عُضوِهَا] (أو عضوها): كيَدِهَا ، أو رجْلِهَا ، أو ظهْرِهَا ؛ فهذا ظِهَار ، إذا قال مثلاً: (شعْرُكِ عليَّ كظهر أمِّي) أو (يَدُكِ عليَّ كظهر أمِّي) وهو ظِهارٌ لأن التحريم لا يتَبَعَّض ، وقول المؤلف: [بِمَنْ تَحْرُمُ عليهِ أبداً] يعني: إذا شبَّه زوجته بمن تحرم عليه تحريماً مؤبداً ؛ كأمه وأخته ونحو ذلك ، ومفهوم كلام المؤلف : أن من تحرم عليه تحريماً مؤقتاً ؛ وهن المحرمات إلى أمد كأخت زوجته ، وعمة زوجته وخالتها ، أنه لا يكون التشبيه بها ظهاراً ، فلو أن رجلاً قال لزوجته: ( أنتِ عليَّ مثل أختك) أو (أنتِ عليَّ كظهر أختك) ، وأختها محرمة عليه تحريم مؤقت ، هل يعد هذا ظهاراً ؟ هذا محل خلاف بين العلماء على قولين:

القول الأول: أنه ليس بظهار ، وهذا هو رواية عن الأمام أحمد وهو ظاهر كلام المؤلف ، وهو قول أيضاً الحنفية والشافعية ، قالوا: هو ليس بظهار ، لأن الله -تعالى- قال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِممَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْإِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة : 2] ، قالوا : والمحرمة إلى أمد ليست بالأم ولا في معناها .

والقول الثاني: أنه يعتبر ظهاراً ، وهو رواية عند الحنابلة ؛ قيل إنها هي المذهب وهو مذهب المالكية ، قالوا: لأن التشبيه بالمحرمة تحريماً مؤقتاً يعتبر منكراً من القول .

والقول الراجح: هو القول الذي قرره المؤلف أنه ليس بظهار ، أن التشبيه بمن تحرم عليه تحريماً مؤقتاً ليس بظهار ،لأنه ليس في الشناعة والقبح كالتشبيه به بالأم والأخت ، حيث شبَّه أحلَّ الناس له بأحرم الناس عليه ، فلا يقوى التشبيه بالمحرمة على سبيل التأقيت على إيجاب الكفارة المغلَّظة ، وإنما يكون حكمه حكم اليمين .

هذا هو الأظهر في هذه المسألة ، وعلى هذا نحن نوافق المؤلف في هذا القيد ؛ أن الظهار فيمن تحرم عليه تحريماً مؤبداً ، مع أن الرواية المشهورة من المذهب أنه يعتبر ظهار .

قال: [أو بِعُضوِهَا] يعني؛ إذا شبَّه الرجل زوجته بعضو من أعضاء أمه ، وقال لزوجته: (أنتِ عليَّ مثل شعر أمِّي) أو (مثل ظفر أمي) أو (مثل يد أمي) ، أولاً: إذا كان العضو منفصلاً كالسنِّ والشعر وغيره ؛ فإنه لا يكون ظهاراً ، لأنه لا يقع الطلاق بإضافته إليه فكذا الظهار ، لو قال لزوجته: (شعرك طالق) أو (ظفرك طالق) مرَّ معنا أنه لا يقع طلاقاً ، هكذا أيضاً الظهار .

أما إذا كان العضو غير منفصل ؛ كاليد والرجل ، كأن يقول: (أنتِ عليَّ كيد أمي) أو (كرجل أمي) ، ففيه قولان لأهل العلم :

القول الأول: أنه ظِهَار ، قياساَ على الظهر ، كما لو قال: (أنتِ عليَّ كظهر أمي) .

والقول الثاني: أنه ليس بظِهَار .

 والذي رجَّحهُ المؤلف أنه ظِهَار ، ولذلك المؤلف قال: [أو بِعُضوِهَا] ، والقائلون بأنه ظهار ، قالوا: أنه لا فرق بين أن يقول (أنتِ عليَّ كظهر أمي) أو (كيد أمي) أو (كرجل أمي) ، لا فرق ، وأما من قال: إنه ليس بظهار ؛ فقال: إنه ليس على صورة الظهار المعهودة المعروفة في الجاهلية ، فلا يقوى على إيجاب الكفارة المغلَّظة ، ولأنه ليس في الشناعة مثل لو قال: (أنتِ عليَّ كظهر أمي) ، وهذا هو الأقرب أنه ليس بظهار مادام أنه لم يقل: (كظَهرِ أمي) أو (كأُمِّي) ، وإنما قال: (كيَدِ أمِّي) أو (كرجل أمي) ونحوها ، الراجح: أنه ليس بظهار ، فلا يقوى على إيجاب الكفارة المغلظة ، وإنما فيه كفار يمين .

قال المؤلف: [نَحو: أنتِ عَليَّ كَظهرِ أُمّي] تكلمنا عنها ، [أو حَرَامٌ] إذا قال لزوجته: (أنتِ عليَّ حرامٌ) أو قال: (عليَّ الحرام) وهذه يكثر السؤال عنها ؛ أن يقول الرجل لزوجته: (عليَّ الحرام أنكِ ماتفعلين كذا) أو (إن فعلتي كذا فأنتِ عليَّ حرام) فهذه شائعة في الناس أكثر من شيوع (أنتِ عليَّ كظهر أمي) .

فهل إذا قال (أنتِ عليَّ حرام) أو (عليَّ الحرام) هل هو يكون ظهاراً أم لا ؟

المؤلف يقول: أنه ظهار لأنه قال: [أو حَرَامٌ] ، فإذا قال: (حرام) يعني؛ أنه حرَّم زوجته عليه ، وهذه المسألة فيها خلافٌ بين أهل العلم ، فالمذهب عند الحنابلة هو ماقرره المؤلف ؛ من أنه إذا حرَّم زوجته بأي صورة من صور التحريم فإنه يكون ظِهاراً ، حتى ولو نوى به الطلاق أو اليمين ،  وعلى ذلك لو قال لزوجته: (أنتِ عليَّ حرام) أو قال: (عليَّ الحرام) فيكون ظِهاراً ، هذا هو المذهب عند الحنابلة ، قالوا: لأن الله -تعالى- جعل التشبيه بمن تحرم عليه ظهاراً ، فالتصريح بالتحريم أولى بأن يكون ظهاراً ، قالوا: لأنه إذا قال: (أنتِ عليَّ كظهر أمي) كان ظهاراً ، يعني؛ أنتِ عليَّ كظهر أمي في أنكِ محرَّمة ، فإذا صرَّح بذلك قال: (أنتِ حرامٌ علي) فيقولون هذا أولى بأن يوصف بأنه ظهار .

القول الثاني: أنه إذا قال: (أنتِ عليَّ حرامٌ) أو (عليَّ الحرام) ؛ يقع ما نواه من ظهارٍ أو طلاقٍ أو يمين ، يكون بحسب نيته ، يقع ما نواه من طلاقٍ أو ظهارٍ أو يمين ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرءٍ مانوى" فإن قَصَدَ الظِّهار فهو ظهار ، وهذا عند عامة أهل العلم ؛ أنه إن قصد الظهار يكون ظهاراً ، هذا الذي قال: (أنتِ عليَّ حرام) أو (عليَّ الحرام) نقول: ماقصدك ؟ مانيتك ؟ قال: نويت أنه ظهار ، إذاً يكون ظهار ، أما إن لم ينوي كونه ظهاراً وإنما نوى أن يكون طلاقاً ؛ فإنه يقع طلاقاً ، لأنَّ هذا اللفظ يصلح لأَنْ يكون كنايةً عن الطلاق ، وكناية الطلاق إذا نوى بها الطلاق وقع طلاقاً ، وإن نوى به اليمين بأن أراد بذلك الحثَّ أو المنع أو التصديق أو التكذيب ، ولم ينوي ظهاراً ولا طلاقاً ؛ فإنه يكون يميناً ، لقول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ[التحريم: 1]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ[التحريم: 2]، فجعل الله التحريم يميناً ، لأن المقصود به معنى اليمين ؛ وهو تأكيد إمتناعه من هذا الشيء فصار يميناً فيكون فيه كفارة يمين ، وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد واختاره أبو العباس ابن تيمية -رحمهم الله- ، وهو أيضاً اختيار شيخنا عبدالعزيز بن باز -رحمه الله تعالى- وهو القول الراجح .

إذاً ؛ إذا قال لزوجته: (أنتِ عليَّ حرامٌ) أو (عليَّ الحرامأنكِ ماتفعلين كذا) :

المذهب عند الحنابلة : أنه ظهار وفيه كفارة الظهار ، وهو القول الذي قرره المؤلف .

والقول الثاني : أنه يكون بحسب نيته ، إن نوى أنها ظهار يكون ظهار ، إن نوى طلاق يكون طلاق ، إن نوى يمين يكون يميناً .

الغالب على الناس ماذا يقصدون بهذا اللفظ ؟ اليمين ، يقول: (عليَّ الحرامأنكِ ماتذهبين للسوق) يقصد منعها من السوق ، مايقصد الطلاق ولا الظهار في الغالب ، (عليَّ الحرامأنكَ تأكل ذبيحتي)(عليَّ الحرامأنك تفعل كذا)(عليَّ الحرامإن كان هذا الخبر غير صحيح) ، فالغالب أنه يكون يميناً ، لكن مع ذلك لابد من التأكد من قصد من وقع منه هذا اللفظ ، ولذلك قضايا الطلاق والظهار لا يُفتى فيها بواسطة ، ولا يُفتى فيها عبر وسائل الإعلام ، وإنما لابد أن يُؤتى بالشخص ويُسأل عدة أسئلة حتى يتأكد من نيته ، لأن بعض العامة ما يعرف نيته ! يقول: نويت كذا ، لكن لابد تتأكد تسأله عدة أسئلة حتى تتأكد فعلاً أنه قصد هذا الشيء ، وأيضاً يُنظر للسياق ، كيف قال هذا الكلام؟ لماذا قال هذا الكلام؟ هل كان مثلاً كارهاً لزوجته! ويعني؛ كأنه إذا فعلت هذا الشيء طابت نفسه منها! ونوى الطلاق؟ إذاً يقع طلاق ، هل كان في باله الظهار ونوى الظهار؟ يقع ظهاراً ، مانوى الطلاق ولا الظهار لكن يقصد الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب ؛ لا يقع طلاقاً ولا ظهاراً وإنما يقع يميناً وفيه كفارة يمين ، انتبه! هذه خلاصة الكلام في هذه المسألة ، قد لا تجدها في كتاب لكن تجدها مشتتة في بعض الكتب ، هذه خلاصة الكلام فيها ، فهذه من المسائل التي يكثر عنها السؤال ، وتقع من بعض العامة كثيراً ، يقول لزوجته: أنتِ عليَّ حرام ، وعليَّ الحرام مايحصل كذا ، وعليَّ الحرام ماأفعل كذا ..، عند الحنابلة يعتبرونه ظهار ، فيه كفارة الظهار -كفَّارة مغلَّظة- ، القول الراجح وهو الذي كان يفتي به شيخنا عبدالعزيز بن باز وهو رأي ابن تيمية : هو حسب نيته ؛ إن نوى الظهار يكون ظهاراً ، إن نوى الطلاق يكون طلاقاً ، إن نوى اليمين بأنه حثَّاً أو منعاً أو تصديقاً أو تكذيباً فيكون يميناً ويكون فيه كفارة يمين .

إذاً هذا هو تحقيق الكلام في هذه المسألة .

ثم قال المؤلف -رحمه الله- :[فتَحرُمُ] أي تحرم عليه زوجته إذا ظاهر منها ، ويحرم عليه وطؤها ودواعي الوطء أيضاً كالقبلة ونحوها ، لقول الله -تعالى-: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ، فإذاً تحرم عليه حتى يكفِّر ، ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا[المجادلة : 3] ، إذاً من وقع في الظهار؛ من ظاهر من زوجته لا يجوز له أن يطأ زوجته ولا دواعي الوطء حتى يأتي بالكفارة ، ماهي الكفارة ؟

وضحها المؤلف؛ قال: [بِتَحرِيرِ رَقبةٍ] جاء في سورة المجادلة ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا فهي على هذا التسلسل:

الأول: تحرير رقبة ، قال: [بِتَحرِيرِ رَقبةٍمُؤمنةٍ مِنْ قَبلِ أن يَتَمَاسَّا] يعني؛ بعتق رقبةٍ مؤمنة ، وإنما قلنا مؤمنة لأن الله -تعالى- قيَّد الرقبة في آية النساء (القتل الخطأ) بكونها مؤمنة ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ ، ولـمَّا كان الحكم واحداً وهو تحرير رقبة ؛ فيُحمَل المطلَق على المقيَّد ، هذه من القواعد عند الأصوليين ؛حمل المطلق على المقيد ما دام الحكم واحد، ثم أيضاً من جهة النظر أنها إذا أُعتقت الرقبة وهي كافرة فلا يُؤمن أن يلحق بالكفار ؛ لأنه أصبح حرَّاً ، فلابد إذاً تكون الرقبة مؤمنة ، ولابد أن يكون هذا قبل الجماع ، لقوله: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ هذا بالإجماع ، ولكن في وقتنا الحاضر إنقرض الرِّقْ في العالم ، وأصبح مجرَّماً دولياً في جميع دول العالم ، وممنوع رسمياً في جميع دول العالم ، وما يُذكر من وجود رق في بعض البلدان مشكوك في شرعيته ، لأن تلك البلدان لا يُعلم أنه قام فيها جهاد في سبيل الله قريب ، وحتى ما يُذكر بالتوالد مشكوك فيه ، لأن دول العالم كلها تمنع منه وتجرمه ، ولذلك نقول: أن عتق الرقبة في الوقت الحاضر؛ أنه غير ممكن ، فينتقل للصيام ، ولهذا تأمل الآية التي بعدها ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ ولم يقل الله (لم يجد ثمن الرقبة) وإنما قال (لم يجد) وسكت ، لأن الله يعلم أنه سيأتي على الناس زمانٌ لا توجد فيه الرقاب أصلاً؛ مثل زماننا هذا .

﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِمِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ فيصوم شهرين متتابعين قبل الوطء ودواعيه ، وهنا لابد أن تكون الشهرانِ متتابعين ، التتابع شرطٌ لابد منه ، فلو أنه صام ثمانية وخمسين يوماً ثم أفطر في اليوم التاسع والخمسين لزمه أن يعيد من جديد ، التتابع شرطٌ لابد منه ، طيب؛ كيف تحسب شهران متتابعان ؟ هل تحتسب بالأهلَّة أو تُحتسب بستين يوماً ؟ يعني؛ بالعدد ؟ اختلف العماء في هذه المسألة ؛ فمنهم من قال: أنها تحتسب بالعدد ، فيصوم ستين يوماً سواء كان في كفارة القتل الخطأ أو في كفارة الظهار ، أو حتى في كفارة الجماع في نهار رمضان ، الحكم في هذه المسائل واحد .

فالقول الأول؛ أن الشهرين تحسبان بالعدد -يعني ستين يوماً- .

والقول الثاني؛ أنها تحتسب بالأهلَّة ، وهذا هو القول الراجح ؛ واختاره أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله- وقال: هذا هو الصواب وعليه عمل المسلمين قديماً وحديثاً ، لأن الله قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ[البقرة: 189] ، وعلى ذلك فيُتبَع الرؤية فمثلاً؛ شهر شوال كان تسعة وعشرين يوماً ، وشهر ذو القعدة الماضي أيضاً  كان تسعة وعشرين يوماً ، فلو أن شخصاً صام شوال وذو القعدة معنى ذلك أنه سيصوم ثمانية وخمسين يوماً ، إلا أنه إذا كان يوم العيد لايجوز صيامه فهو سيبدأ باليوم الثاني يعني ينتهي 2/ذي الحجة ، لو بدأ في 2/شوال ؛ ينتهي 2/ذي الحجة ، معنى ذلك أنه صام 58 يوماً ، لكن لو قلنا بالعدد سينتهي متى ؟ 4/ذي الحجة ، لاحظ الفرق ، فالصواب إذاً أن الشهرين تحسبان بالأهلة ، فإذا كان الشهر 29 يوماً؛ صام 29 ، وإذا كان 30 يوماً؛ صام 30 ، لكن يُشكل على هذا في الوقت الحاضر عندنا هنا في المملكة أن الجهة المسؤولة عن إثبات الأهلة وهي المحكمة العليا ؛ إنما تُعلن عن إثبات الأهلة في الفترة من شعبان إلى محرَّم ، فهذه يمكن يعتمد فيها على الأهلة ، ورمضان غير داخل فيها يعني ماتبقى منها ، لكن عندنا من صفر إلى شعبان لا يُعلن فيها عن إثبات الأهلة ، ولا يعتمد على الحساب في باب الإثبات ، فما العمل ؟

العمل نلجأ للقول الآخر؛ نقول يصوم ستين يوماً ، والحقيقة أنه ينبغي للجهة التي أناط بها ولي الأمر وهي المحكمة العليا ، أنها تُعلن ذلك للناس ، هي تثبت دخول الشهر أو عدم دخوله ، لكنها لا تعلن هذا ؛ من صفر إلى شعبان ، وهذا تقصير كبير الحقيقة ، وقد خاطبت معالي رئيس المحكمة ووعد خيراً ، لكن ماوجدنا أثراً في هذا ، لكن نحن الآن في مقام الفتوى للناس نقول مابين شهر صفر إلى شهر شعبان يصوم ستين يوماً ، ونُأمِّل إن شاء الله مستقبلاً أن الجهة المسؤولة عن إثبات الأهلة أنها تعلن ذلك للناس ، لأنه يترتب عليه أحكام شرعية ، منها هنا الكفارة المغلظة ، منها أيضاً عدَّة العِدد ، العدد أيضاً تتأثر بهذه المسألة ، عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا ، إذا كان مثلاً حصل هذا الفترة مابين صفر إلى شعبان معنى ذلك أنها تبقى 130 يوم ، ففيه مسائل كثيرة شرعية مترتبة على هذه المسألة ، فنأمل إن شاء الله مستقبلاً أن الوضع يتعدل ويتصحح ، مع أنه في بعض البلدان في العالم الإسلامي عندهم متابعة للأشهر بالأهلة -بالرؤية- موجود هذا في بعض بلدان العالم الإسلامي .

إذاً نقول الأصل أنه شهرين ممتابعين ؛ أنه يعتمد على الأهلة فإن لم يوجد هناك رؤية فيصام 60 يوماً .

قال: [فَمَن لم يَستَطِعْ، فَإطعَامُ سِتِّينَ مِسكِيناً] لقول الله -تعالى-: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ، ومقدار الإطعام محل خلاف بين أهل العلم ، فالمذهب عند الحنابلة أنه مُدُّ برٍّ أو نصف صاع من غيره ، والقول الثاني في المسألة: أن المرجع في الإطعام للعرف ، فما عدَّه الناس إطعاماً فهو إطعام ، وهذا هو القول الراجح ، وهو اختيار أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ، لأنه ورد في الشرع مطلقاً ، فالمرجع فيه إلى العرف ، وعلى ذلك لو أنه جمع المساكين فغدَّاهم أو عشَّاهم أجزأ ، ولو أنه ذهب لمساكين مثلاً وجد ستين مسكينا واشترى لهم ستين وجبة -أرز مع لحم- ووزعها عليهم أجزأ ، يقول مثلاً لصاحب المطعم أعطني ستين وجبة أرز مع لحم ، وأتى لهؤلاء الستين من عمالة وغيرهم ووزعها عليهم يجزئ ذلك ، لكن لا يجوز أن يلجأ للإطعام إلا أذا عجز عن الصيام .

وهنا العجز عن الصيام : بعض العامة تسمِّي المشقة في الصيام عجزاً ، عندما يقال له: صُم شهرين متتابعين ، يقول: لا أستطيع ، ينبغي لمن يُفتيه أن يسأله هل صمت رمضان؟ فإذا قال: نعم صمت رمضان ، إذاً؛ إذا كنت قادر على صيام رمضان فأنت قادر على صيام شهرين متتابعين ، وأما المشقة لابد منها ، لأن الذنب كبير ، فلابد أن يتحمل ، هو الذي أوقع نفسه في الحرج ، المشقة لابد منها ، إذا كان شابَّاً صحيحاً وصام شهر رمضان كاملاً ، فما الذي يمنعه من صيام شهرين متتابعين؟ لكن بعض العامة يعبِّر عن المشقة بعدم الإستطاعة ، نقول له مثلاً: صُم شهرين متتابعين ، يقول: ما أستطيع ، وهو يقصد أن عليه مشقة ، فنقول: المشقة لابد منها ، لكن لو كان مثلاً كبيراً في السن أو مريضاً ونحو ذلك ، فنقول انتقل إلى الإطعام مباشرة ، ولذلك ينبغي أن يُسأل هل صمت رمضان؟ إن قال: نعم ، فمعنى ذلك أنه قادر على صيام شهرين متتابعين في الغالب .

في برامج الفتوى يأتي أحياناً أُناس يقع منهم الجماع في نهار رمضان عدة مرات ، ليس مرة ولا مرتين ولا ثلاث وإنما عدة مرات! ويقول أطعم ستين مسكين وربما يكون أيضاً إنسان ثرياً يطعم ستين مسكين ثم يتكرر منه هذا في كل سنة! ولذلك لابد من ردع هؤلاء المتلاعبين بحدود الله -عز وجل- .

(سؤال من أحد الحضور : بالنسبة للإطعام هل لابد يكون مسلم أو غير مسلم؟

لابد أن يكون مسلم ، لابد ، الإطعام -الكفَّارات- والزكوات لابد فيها من الإسلام إلا المؤلفة قلوبهم في الزكاة ، أما صدقة التطوع فتجوز لغير المسلم ) .

نعود لعبارة المؤلف -رحمه الله- : [فَمَن لم يَستَطِعْ، فَإطعَامُ سِتِّينَ مِسكِيناً] لو تأملنا آية الظهار نجد أن الله -تعالى- قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ ثم في الآية التي بعدها قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ ثم في الآية التي بعدها قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا هل قال (من قبل أن يتماسَّا) ؟ ماقال (من قبل أن يتماسَّا) سكت ! ، ومن هنا اختلف العلماء ؛ هل يحرم على المظاهر الوطء قبل أن يكفِّر بالإطعام ؟ يعني لو كان الواجب عليه الإطعام ، طبعاً مافيه رقاب ، وقال أنا ما أستطيع أن أصوم شهرين متتابعين ، قلنا أطعِم ، طيب؛ هل يجوز أن يطأ قبل الإطعام ؟ هذا محل خلاف بين العلماء ، لا يجوز أن يطأ إذا كانت الكفارة بعتق رقبة ؛بالإجماع ، ولا يجوز أن يطأ إذا كانت الكفارة بصيام شهرين متتابعين ؛ بالإجماع ، وأما الإطعام فمحل خلاف ؟! سبب الخلاف أن الله لم يقل (من قبل أن يتماسَّا) قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وسكت ؟!

فاختلف العلماء هل يجوز الوطء قبل أن يكفر بالإطعام أم لا ؟

القول الأول : أنه يحرم الوطء قبل أن يكفر بالإطعام ، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء وقالوا: لأن السُنَّة مفسرة للقرآن ، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : "لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به" ، من غير تفريق بين العتق والصيام والإطعام ، قالوا: (ولأن المظاهر لما كان ممنوعاً من الوطء حتى يكفر؛ إذا كان التكفير بالصيام مع طول زمنه فمنعه منه إذا كان التكفير بالإطعام الذي لا يطول زمنه من باب أولى) ، إذا مُنع من الوطء إذا كانت الكفارة بالصيام مع طول زمنه وهو شهرين متتابعين فمنعه إذا كانت الكفارة بالإطعام مع قصر زمنه من باب أولى.

والقول الثاني : أنه يجوز الوطء قبل أن يكفِّر بالإطعام ، وهو قول -أبي ثور- ورواية عن -الإمام أحمد- ، واستدلوا بظاهر الآية ؛ قالوا: إن الله قيَّد الكفارة بكونها قبل المسيس في العتق والصيام ، ولم يقيِّدها في الإطعام ، ولو أراد التقييد في الإطعام لذكره كما ذكره في العتق والصيام .

والقول الراجح -والله أعلم- هو: القول الأول وهو قول الجمهور ؛ وهو أنه لا يجوز للمظاهر أن يطأ إذا كانت الكفارة بالإطعام ، وذلك لأن الله -تعالى- ذكره في أول الكلام ، لو اقتصر الله -تعالى- على قوله (من قبل أن يتماسا) في العتق ؛ لأوهم ذلك اختصاصه به ، ولو اكتفى بذكره في آخر الكلام ؛ لأوهم اختصاصه به ، ولو أعاده في كل كفارة لكان تطويلاً من غير فائدة ، فكان الأنسب أن يذكره مرتين ؛ للتنبيه على تكرر حكمه في كل الكفارات ، فالقول الأول هو قول الجمهور وهو أنه لا يجوز أن يطأ حتى يكفر ولو كانت الكفارة بالإطعام ، هذا هو الأظهر في هذه المسألة .

نعود لعبارة المؤلف -رحمه الله- قال: [ومَنْ كَرَّرهُ قَبلَ التَّكفِيرِ فَوَاحِدَةٌ كَاليَمِينِ] أي من كرر الظهار قبل أن يُكفِّر فعليه كفارةٌ واحدة ، لو قال لزوجته أول النهار: (أنتِ عليَّ كظهر أمِّي) ثم قال لها آخر النهار: (أنتِ عليَّ كظهر أمِّي) من غير أن يكفِّر؟ فكفارة واحدة كاليمين بالله -تعالى- ، فإنه لو قال: (والله لا أفعل كذا) ثم قال: (والله لا أفعل كذا) ؛ فعليه كفارةٌ واحدة ، فالكفارات هنا تتداخل ، [وَكَمَا لَو ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ] يعني ؛ بكلمة واحدة بأن قال لزوجاته: (أنتنَّ عليَّ كظهر أمي) ، أغضبنه زوجاته فقال؛ أنتن علي كظهر امي ، فعليه كفارة ظهار واحدة ، أما لو ظاهر منهن بكلمات ؛ بأن قال للأولى: أنتِ عليَّ كظهر أمي ، ثم قال للثانية: أنتِ عليَّ كظهر أمي .. ، فيكون عليه كفارات بعددهن .

قال: [وَإن ظَاهَرَ مِنْ أمَتِهِ أو حَرَّمَهَا ، أو مُبَاحاً، أو هِيَ مِنهُ، لَمْ تَحْرُمْ] إن ظاهر من أمتِه ؛ بأن قال لأمته: (أنتِ عليَّ حرامٌ) ، أو قال لأمته: (أنتِ عليَّ كظهر أمي) ؛ فيقول المؤلف: أنه لا يكون ظهاراً وإنما يكون فيه كفارة يمين ، لأن الله -تعالى- قال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم يعني: من زوجاتهم ، والأمة ليست زوجة ، فيكون تحريمها كتحريم المباح ، [أو مُبَاحاً] حرَّم شيئاً مباحاً ؛ بأن قال: (هذا الثوب عليَّ حرام) (هذه السيارة عليَّ حرام) (هذا القلم عليَّ حرام) ، أو مثلاً أهدى له إنسان هدية وامتن عليه فيها ، قال: (حرام علي أن آخذ هذه الهدية) ثم أخذها ، حرَّم على نفسه شيئاً مباحاً ؛ فما الحكم؟

الحكم: أن فيه كفارة يمين ، لا يحرم هذا الشيء الذي حرمه ، وإنما يكفر كفارة يمين ، والدليل قول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ[التحريم: 1،2]،النبي -صلى الله عليه وسلم- حرَّم على نفسه شيئاً مباحاً ؛ اختلف العلماء في هذا الشيء الذي حرمه ، قيل: أنه حرَّم العسل ، وقيل: حرَّم وطء الأمة ، وكلاهما مباح ، فعاتبه الله -تعالى- ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ لأن زوجاته هنَّ الذين اكتشفنه فحرَّم على نفسه أن يفعل ذلك مرة ثانية ، ثم أرشده الله -تعالى- إلى الحكم ؛ فبين أن هذا لا يحرم عليه وقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ نستفيد من هذا فائدة : أن كل من حرم على نفسه شيئاً غير الزوجة فلا يحرم عليه وإنما فيه كفارة يمين ، كل من حرَّم على نفسه شيئاً غير الزوجة فلا يكون حراماً عليه ، لكن يكفِّر كفارة يمين ، أما لو حرَّم عليه الزوجة فذكرنا التفصيل في ذلك ، إذاً هذا الذي قال لما أهدى له إنسان هدية (حرامٌ علي) (والله حرام علي آخذ هذه الهدية) ثم أخذها ماذا عليه؟ كفارة يمين فقط .

قال: [أو هِيَ مِنهُ] قوله (أو هي منه) يعني: ظاهرت المرأة من زوجها ، المرأة الآن هي التي ظاهرت ، قالت للزوج: (أنتَ عليَّ كأبي) أو (أنتَ عليَّ كأخي) ، فهل يكون هذا ظهاراً ؟ يقول المؤلف: أنه لا يكون ظهاراً ، وهذا هو الصحيح أنه لا يكون ظهاراً ، وهو قول عامة أهل العلم ، والدليل لهذا قول الله -عز وجل- : ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم (منكم) هذه لها فائدة ؛ يعني: منكم أيها الأزواج ، ويُفهم منها أن الظهار إنما يكون من الأزواج ولا يكون من الزوجات ، فقوله ﴿مِنكُم يدل على اختصاص الظهار بالأزواج ، وعلى ذلك فلا يقع الظهار من الزوجة لزوجها ، فلو قالت الزوجة لزوجها : (أنتَ عليَّ كأبي) فلا يكون ظهاراً ، وإنما يكون فيه كفارة يمين ، قال: [وَكَفَّارَتُهُ كاليمينِ] يعني: كفارة يمين في المسائل السابقة ، [والعَبْدُ بِالصِّيَامِ] يعني: أن العبد إذا وقع منه الظهار فكفارته لا تكون بالعتق ، ولا بالإطعام ، وإنما بالصيام ، لأن العبد لا يستطيع العتق ولا الإطعام لأنه لا مال له ، فكفارته تكون بالصيام .

هذا حاصل كلام أهل العلم في الظهار ، طيب؛ نأخذ الإيلاء ، قصير ليس طويلاً .

 

* * *

قال المؤلف -رحمه الله-: (بابُ الإيلاءِ) .

الإيلاء: مصدر (آلى) (يولي) (إيلاءً) إذا حلف ، فهو من (الحَلِف) ، والأليَّة : اليمين ، قال الله -تعالى-: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ[البقرة : 226].

وعرَّفه المؤلف ؛ قال: [وهو حَلِفُ زوجٍ مُكَلَّفٍ ولو ذِمِّيٍّ باللَّهِ أو صفتِه عَلى تركِ وطءِ زوجَتِهِ في القُبُل أَكْثَرَ مِنْ أربَعةِ أشهُرِ] هذا هو تعريف الإيلاء .

وهو المذكور في قوله -تعالى- ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[البقرة : 226،227] ، فإذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر ؛ فهذا هو الإيلاء .

حكمه: محرَّم ، لأنه يمين على ترك واجب .

الإيلاء يشترط له عدة شروط نأخذها من كلام المؤلف ؛ قال: (هو حَلِفُ زوجٍ مُكَلَّفٍ ولو ذِمِّيٍّ باللَّهِ) ؛ إذاً الشرط الأول: أن يحلف بالله -تعالى- أو صفةٍ من صفاته على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر (أن يحلف).

الشرط الثاني؛ قال: (زوجٍ مُكَلَّفٍ) أن يكون من زوج مكلَّف ، فإن كان من غير الزوج ، إن كان من الزوجة لا يعتبر إيلاء ،إن حلفت الزوجة على ألا تمكِّن زوجها من وطئها أكثر من أربعة أشهر ؛ لا يعتبر إيلاء ، لابد أن يكون من الزوج وأن يكون الزوج مكلَّفاً وهو البالغ العاقل ، هذا هو الشرط الثاني ، (ولو ذِمِّيٍّ) الذِّميِّ في هذا كالمسلم .

الشرط الثالث: أن يكون المحلوف عليه؛ (تركِ وطءِ زوجَتِهِ) ، بعضهم يقيِّدُها (في القُبُل) كما قال المؤلف ، هذا هو الشرط الثالث .

الشرط الرابع: أن يكون الحلف على ترك الوطء (أَكْثَرَ مِنْ أربَعةِ أشهُرِ) ، فإن كان أقل من أربعة أشهر فلا يعتبر إيلاء ، بل هو جائز إذا كان للمصلحة ؛ كالتأديب ، الله -تعالى- قال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ[النساء : 34]، الهجر في المضجع قد يكون وسيلة من وسائل علاج النشوز ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- آلى من نسائه شهراً ، كما جاء في الصحيحين عن أنس قال: "آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شهراً" ، في القصة -القصة المشهورة- لما اجتمع زوجات النبي -عليه الصلاة والسلام- واشتكين من قلة النفقة ، فغضب النبي -عليه الصلاة والسلام- من هذا الترتيب وهذا الإجتماع ، فحلف بالله ألا يدخل عليهن شهراً كاملاً ، وبقي في مشربةٍ له ، وأُشيع في المدينة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طلَّق زوجاته ، فأتى عمر فزعاً مسرعاً ووجد حفصة ابنته تبكي ، قال: أطلَّقَكِ رسول الله ؟ قالت: ما أدري ، وذهب وتكلم على بعض أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- وحصل بينه وبين أم سلمة أيضاً بعض الكلام ، قالت: ما بقي يا ابن الخطاب إلا أن تدخل بين النبي -عليه الصلاة والسلام- وزوجاته ، ثم ذهب للنبي -عليه الصلاة والسلام- فوجد عنده غلامه ، فقال: استئذن لي ، فاستئذن له ، فوجد النبي -عليه الصلاة والسلام- في مشربةٍ له مُغضباً ، فنظر ..أولاً أراد أن يُضحكه ، فقال: يارسول الله لو أن بنت خارجة ضربتها فكسرت عنقها تفعل بي كذا وكذا ، فضحك النبي -عليه الصلاة والسلام- ، ثم نظر إلى المشربة فليس فيها إلا قبضة من شعير ، فبكى عمر ، قال: ما يبكيك؟ قال: كسرى وقيصر في الأنهار والقصور والثمار ، وأنت رسول الله خير البشر وحالك إلى ما أرى! أثَّر الحصير في جنبك وليس عندك إلا قبضة من شعير ! ، قال: أوَ في شكٍّ أنت يا ابن الخطاب! ، أولئك قومٌ عُجِّلت لهم طيباتهم في دنياهم ، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا! - انظر إلى هذا الجواب العظيم - ، ثم رجع عمر إلى الناس وأخبرهم بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يطلَّق نسائه ، قال له قبل ذلك : أطلقت زوجاتك؟ قال: لا ، فحمد الله وكبر ، فذهب عمر وأخبر الناس بأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يطلق زوجاته ، وأنزل الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ[النساء: 83] ، بقي النبي -صلى الله عليه وسلم- على تلك الحال شهراً كاملاً ، لا يدخل على زوجاته ، يؤتى له فيها بالطعام والشراب ، لما مضى 29 يوماً ؛ دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- أول مادخل على عائشة ، قالت: يارسول الله بقي يوم ، والله إني لأعدهن عدَّاً ، فقال -عليه الصلاة والسلام-: إنما الشهر تسعةٌ وعشرون ، يعني ذلك اليوم وافق أنه 29 ، ثم خيرها النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يا عائشة إني ذاكر لك أمراً لا تستعجلي حتى تستشيري أبويك ، قالت: في ماذا؟ قرأ عليها ﴿إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا[الأحزاب: 28،29]، قالت: يارسول الله أوَ فيك أستشير أبويَّ ! والله إني لأريد الله ورسوله والدار الآخرة ، ثم خيَّر بقية زوجاته ، كلهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.

الشاهد من هذه القصة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- آلى من نسائه شهراً كاملاً ، فدون الأربعة أشهر مايعتبر إيلاءً بالمعنى الإصطلاحي ، لكن بالمعنى اللغوي أنه حلف يعني؛ يعتبر ، لكن بالمعنى الإصطلاحي الذي معنا في هذا الباب لابد أن يكون أكثر من أربعة أشهر ، فهذه هي شروط الإيلاء .

طيب؛ مالذي يترتب على ذلك؛ من حلف على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر؟

قال المؤلف: [فَيُمْهَلُ أربعةَ أشهُرٍ، فَإن فَاءَ وإلاَّ أُمِرَ بِالطّلاقِ] يمهل أربعة اشهر منذ حلف ألا يطأ زوجته ، لقول الله -تعالى- ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، [فَإن فَاءَ]يعني؛ انقضت المدة ولم يرجع لوطء زوجته ، فيؤمر إما بأن يطأ زوجته وإما أن يطلقها ، لقول الله -تعالى-: ﴿فَإِن فَاءُوا﴾ يعني؛ رجعوا إليهن بالجماع ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ إن أبى أن يطأ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌيعني؛ يجب عليه أن يطلِّق ، وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌختم الله -تعالى- ذلك بقوله (إن الله سميع عليم) بينما قال ﴿فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌهذا فيه إشارة إلى أن الرجوع أحب إلى الله -تعالى- من الطلاق ، رجوعه إلى زوجته ووطئه لها واجتماعه معها ، أحب إلى الله من الطلاق ، لأن الله قال: ﴿فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، طيب فإن أبى أن يجامع وأبى أن يطلق فإن القاضي يطلق عنه ، يطلق عنه القاضي طلقة واحدة ، واختلف العلماء هل هذه الطلقة تقع رجعية أو بائنة ؟ قولان لأهل العلم والأظهر أنها تقع بائنة ، لأنها فُرقةٌ لأجل رفع الضرر ، فلا يملك الزوج إرجاعها .

قال: [وإن أنْكَرَ الإيلاءَ، أو مُضِيَّ الأربَعَةِ، أو ادَّعى الوَطءَ وهي ثيِّبٌ قُدِّمَ قولُهُ] يعني في هذه المسائل الثلاث :

المسألة الأولى: أنكر الإيلاء ، ادَّعت الزوجة الإيلاء وأنكر الزوج أنه آلى ، ولا بيِّنة ، فيُقدَّم قول الزوج ، لأن الأصل عدم الإيلاء .

المسألة الثانية: أنكر مضي مدة الإيلاء وهي أربعة أشهر ، فتدَّعي المرأة انقضاء الأربعة أشهر والزوج يدَّعي أنها لم تنقضي ، ولا بيِّنة ، فالقول قول الزوج لأن الأصل بقاء النكاح ، والمرأة تدَّعي رفعه ، فيرجَّح جانب الزوج .

المسألة الثالثة: ادَّعى الوطء ، وهذه أكثر ماتحصل هذه المسألة ، ادَّعى الوطء والمرأة أنكرت ، المرأة رفعت شكوى على زوجها بأنه لا يطأ ، الزوج قال: لا كلامها غير صحيح ، وذكر أنه يطأ ، فإن كانت المرأة ثيِّباً يقدَّم قوله ، لأن الوطء أمر خفي لا يُعلم إلا من جهته ، وأما إن كانت المرأة بكراً فيقول الفقهاء ؛ أنها تعرض على إمرأة عدلٍ تنظر إلى بكارتها ، لأنها لو وطئت لزالت بكارتها ، وفي الوقت الحاضر يمكن أن يعرف ذلك عن طريق الطب ، فإذا كانت بكراً ؛ الأمر سهل يمكن أن يعرف هل وطئها أم لا عن طريق النظر للبكارة ، أما إذا كانت ثيباً فإذا وجدت بينة ؛ القول قول صاحب البينة ، إذا لم توجد بينة فيقدم قول الزوج ، قال بعض أهل العلم أنه يطلب منه الحلف ، وقال آخرون أنه لا يطلب منه الحلف ، والمرجع لإجتهاد القاضي ، ولو طُلب منه الحلف لكان مُتَّجهاً .

قال: [وفَيئَةُ العَاجِزِ قَولُهُ : إذا قَدِرْتُ جَامَعْتُ] يعني؛ هذا رجلٌ آلى من زوجته أكثر من أربعة أشهر ، فطُلب منه الرجوع ، لكنه كان مسافراً أو كان مريضاً أو كان مسجوناً مثلاً ، فطُلب منه الرجوع فماذا يفعل ؟ مايستطيع مسافر مثلاً أو مريض مايستطيع أن يطأ ! فيقول بالكلام -بلسانه- ؛ يقول : إذا قدرت جامعت ؛ فيحصل بذلك الرجوع .

هذا معنى كلام المؤلف -رحمه الله تعالى- ونقف عند باب اللعان ، والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

* * *

الآن نجيب عما تيسر من الأسئلة :

هل يجوز دفع الزكاة لمدرسة تحفيظ قرآن ؟ تركيب مكيف للطلاب لأنهم يعانون من شدة الحر علماً بأن ابني موجود معهم في هذه المدرسة ؟

هل يجوز دفع الزكاة لحلقات تحفيظ القرآن الكريم ؟ هذه المسألة ترجع لمسألة اختلف فيها العلماء وهي مصرف في سبيل الله ، هل هو خاص بالجهاد بالسلاح أو يشمل جهاد الدعوة ؟ والقول الراجح أنه يشمل جهاد الدعوة ، وهو الذي أقره المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي ، وتبقى حلقات تحفيظ القرآن الكريم هل تدخل في الدعوة ؟ الله -تعالى- يقول : ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا الضمير يرجع على ماذا؟ القرآن ،كانت هذه الآية في الفترة المكية ، سورة الفرقان مكية ، فوصف الله -تعالى- الجهاد بالقرآن بالجهاد الكبير ، فيعتبر لاشك أنه يدخل في جهاد الدعوة ، وعلى هذا فيجوز دفع الزكاة لحلقات التحفيظ لكن بشرط ؛ أن تدفع فيما تمحَّض ، فلا تدفع مثلاً في جوائز ، ولا في رحلات ، لكن توضع مثلاً في رواتب المعلمين ، أو في استئجار المقر ، المكيف الآن لطلاب الحلقات هل يعتبر من الأمور الأساسية أو من الأمور الهامشية ؟ الذي يظهر من الأمور الأساسية ، فلا بأس بذلك ، لا بأس أن يشترى هذا المكيف من الزكاة إن شاء الله .

* * *

ماحكم إنكار عذاب القبر ؟

إنكار عذاب القبر تكذيب للنصوص ، النصوص من القرآن والسنة دلت على إثبات عذاب القبر ، فالله -تعالى- يقول عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ[غافر : 46] ، صريح في إثبات عذاب القبر ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : مرَّ بقبرين فوجدهما يعذبان ومايعذبان في كبير ثم قال : "أحدهما كان يمشي بالنميمة والآخر كان لا يستبرئ من بوله" في الصحيحين ، وأحاديث كثيرة بل بعضهم عدها من المتواتر ، فالذي ينكر عذاب القبر يخشى عليه ، إذ أنكر أمراً معلوماً ظاهراً مستفيضاً ، وهذا يدل على -الذي ينكر عذاب القبر- شدة الإنحراف عنده ، وأن عنده ضلال كبير ، فينبغي ألا تؤخذ العقيدة عن أمثال هؤلاء ، نحن نقول هذا ونحن الآن في هذ الزمن الذي فتح العالم بعضه على بعض ، وأصبحت المقاطع تنتشر بين العامة ، فتنتشر مقاطع لبعض الناس فيها أمور سيئة ومنها أمور فيها انحراف عقدي ، ومنها بعض المقاطع التي انتشرت فيها إنكار عذاب القبر ، فهؤلاء الذي انتشرت عنهم إنكار عذاب القبر هؤلاء أناس عندهم إنحراف أصلاً في العقيدة ، ليس في هذه المسألة وإنما في مسائل كثيرة ، وعند السلف مقولة عظيمة (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) ، لا يأخذ الإنسان دينه عمن هب ودب ، كلما رأى مقطعاً تأثر به! هذا غير صحيح ، لابد أن تعرف هذا الشخص هل هو محل ثقة أم لا ! ، وعندما ننظر؛ القصص كثيرة على مر التاريخ ، نجد أناس يلبسون لباس الإصلاح والصلاح ، ولكنهم قصدهم خبيث وسيء ، يريدون إفساد المجتمع ، فينبغي الحذر منهم وألا يُستغفل الإنسان ، كلما رأى مقطعاً تأثر به ! إنما لابد أن يكون هذا المتحدث إنسان ثقة ، مزكَّى ، معروفاً عند أهل العلم .

* * *

لو كان عليه إطعام ستين مسكين لكنه فقير فماذا عليه ؟

تبقى في ذمته حتى يستطيع ، متى ما استطاع دفع الكفارة ، وبعض أهل العلم يقولون أنه تسقط عنه في هذه الحال ، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر ذلك الرجل ، لم يقل له هي باقية في ذمتك .

* * *

هل من السنة قول: (مطرنا بفضل الله ورحمته اللهم صيباً نافعا) ؟

نعم هذه هي السنة ، السنة عند نزول المطر أن تقول : "مطرنا بفضل الله ورحمته اللهم صيباً نافعاً " ، وليحذر الإنسان بعد نزول المطر من نسبة المطر لغير الله ، فهذا كفر النعمة ، قد جاء في الصحيحين : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلَّى بأصحابه صلاة الصبح على إثر سماء من الليل في الحديبية ثم بعدما صلى بهم صلاة الصبح التفت إليهم وقال أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ، قال: ( قال أصبح اليوم من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ) والمراد بالكفر في هذا الحديث: كفر النعمة ، وهو كفر أصغر ، إذا كان هذا حصل من بعض الصحابة ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أظهرهم؛ فكيف بزماننا هذا ! ولذلك ينبغي أن يكون الإنسان حذراً عند نزول المطر ، فلا يقول مثلاً مطرنا بسبب المنخفض الجوي أو مطرنا بسبب الأنواء أو بسبب كذا .. ، هذا كفر النعمة ، إذا نزل المطر لا تنسب المطر إلا لله ، قل: مطرنا بفضل الله ورحمته ، طيب قبل نزول المطر هل تجوز التوقعات الجوية ؟ التوقعات بنزول المطر ؟ يعني نجد الآن في نشرات الأخبار وفي بعض المواقع ، وتتناقل الرسائل ، توقع نزول المطر غداً أو بعد غد أو مثلاً الساعة كذا ؟ هل هذا يجوز أو لا يجوز ؟

يجوز ، لا بأس به ، لأن هذا لا يعدو أن يكون تفسيراً لسنن الله في الكون ، هو يقول أن الله -تعالى- أجرى العادة بأن الرياح إذا كانت كذا ، والرطوبة إذا كانت كذا ، والجو إذا كان كذا ..، أن الله ينزل المطر ، فهو تفسير لسنن الله في الكون ، هذا لا بأس به ، لكن الممنوع بعد نزول المطر أن ينسب لغير الله ، هذا هو الممنوع ، أما قبل نزول المطر مجرد توقعات هذه لا بأس بها .

* * *

كيف يلزم الزوجة كفارة يمين إذا قالت لزوجها ( أنتَ عليَّ كظهر أبي ) ؟

لأن الزوجة لا يقع منها الظهار أصلاً ، لأن الله قال : ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِممنكم: يعني أيها الأزواج ، فلا يقع الظهار أصلاً من الزوجة ، إنما يقع من الزوج ، فإذا لم يقع من الزوجة فهو تحريم ، حرمت هذا الزوج على نفسها ، فيدخل في قول الله -تعالى- : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ فيكون عليها كفارة يمين .

* * *

لو طرأ عذر على من عليه صيام شهرين متتابعين هل يستأنفها ؟

لا يستأنفها ، كالمرأة مثلاً إذا حاضت هي عليها صيام شهرين متتابعين ثم أتاها الحيض فتقطع الصوم لأجل الحيض ثم تكمل ولا تستأنف من جديد ، أو مثلاً مرض هذا الإنسان أو سافر ولم يكن لسفره حيلة ، فإنه يكمل ولا يستأنف الصيام من جديد .

                                    * * *

هل تجب الكفارة على من آلى من زوجته ثم رجع ؟ وهل يمكن أن يستفاد من قول الله -تعالى-: ﴿فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ على عدم وجوب الكفارة ؟

تجب عليه الكفارة ، إذا آلى ثم رجع تجب عليه الكفارة ، وأما قول الله -تعالى-: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يعني في ارتفاع الإثم إذا كفَّر ، أما الكفارة لابد منها ، لأنه حلف على أمر ثم فعل مايخالفه ، وقع منه الحنث ، حنث في هذه اليمين فتجب عليه الكفارة .

* * *

من أدرك الإمام ساجداً ولما كبر المسبوق تكبيرة الإحرام شرع الإمام في الرفع من السجود والقيام للركعة ، هل يجب على المسبوق أن يسجد ويأتي بالقيام أم يلبث واقفاً ؟

المسبوق الأفضل أنه يكون مع الإمام في الحال التي هو فيها ، فإذا وجد الإمام ساجداً سجد معه ، وإذا وجد الإمام مثلاً بين السجدتين جلس معه ، هذا هو الأفضل ، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- :" فما أدركتم فصلوا" ، ولا ينتظر حتى يقوم الإمام للركعة التي بعدها ، وعلى ذلك نقول للأخ السائل؛ إذا كبر تكبيرة الإحرام قائماً ثم سجد ورفع الإمام يكمل السجدة ثم يرفع ويتابع الإمام .

* * *

ما حكم قراءة القرآن من المصحف أو الجوال في صلاة الفريضة أو النافلة ؟

أما صلاة الفريضة ؛ فيكره أن يقرأ المصلي من المصحف سواء من الجوال أو من المصحف الورقي ، بل إن بعض فقهاء الحنفية يشدد في هذه المسألة ، بعضهم يبطلها ، لكن أكثر أهل العلم على أن الصلاة صحيحة مع الكراهة ، لأنه يترتب على ذلك حركات في الصلاة وتفويت سنن ، فهو الآن سيتحرك ويأخذ المصحف ثم يرجعه ، وتفوت عليه سنة مثلاً وضع اليدين على الصدر أو فوق السرة ، فهذا في الفريضة ؛ ينبغي ألا يفعل ذلك ، وأن يقرأ من حفظه ولو من قصار السور .

أما في صلاة النافلة ؛ فالأمر واسع ، ولا فرق بين أن يقرأ من مصحف ورقي أو من المصحف الذي في الجوال ، بعض العامة يستنكر القراءة من المصحف الذي في الجوال ، لأنه لم يألفه وإلا هو مصحف ، يعني في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- هل كانت المصاحف الورقية مثل هذه موجودة ! ماكنت ، كان المصحف مكتوباً على الألواح وعلى كرب النخل وعلى الرقاع ، ثم تطورت الصنعة فأصبح يكتب على الألواح ، إلى أن وصل إلى هذه المرحلة ، الآن أيضاً مع تقدم التقنية أصبح المصحف يصور ويوضع في الجوال ، أو يكتب في الجوال ، إما يوضع صورته أو يكتب ، طيب؛ هذا المصحف الذي في الجوال هل يأخذ حكم المصحف الورقي ؟ يعني هو مجرد ذبذبات ، ولذلك لا يظهر إلا إذا فتحت البرنامج -برنامج المصحف- ، فقد نقول أنه لا يأخذ حكم المصحف الورقي ، لأنه مجرد ذبذبات وإشارات كهربائية تتجمع فتكون على شكل المصحف ، لكن هناك من ينازع من المعاصرين في هذا ؛ يقول : لا أن هذا يأخذ حكم المصحف الورقي هذا مطبوع بحبر وهذا كذلك أيضاً بهذه الذبذبات لا فرق ، طيب لو سلَّمنا بهذا ؛ فالهاتف الجوال فيه شاشتان شاشة داخلية وشاشة خارجية؛ أليس كذلك؟ لو كسر الآن الشاشة الخارجية ترى الشاشة الداخلية ، فإذاً مس هذا المصحف؛ لو مسسته عن طريق الشاشة الخارجية تكون مسسته من وراء حائل ، هذا إذا سلمنا بأنه يأخذ حكم المصحف الورقي ولذلك على كل تقدير يجوز مس المصحف من شاشة الهاتف الجوال على غير طهارة ، لا فرق في الأجر بين أن تقرأ في المصحف الورقي أو المصحف الذي في الهاتف الجوال ، هذا مصحف وهذا مصحف بل ربما تكون صورة هذا موجودة أصلاً في الجوال ، لا فرق ، المهم أنك تقرأ سواء من حفظك أو من المصحف الورقي أو مصحف الهاتف الجوال ، وبعض العامة ينكر على من يقرأ من المصحف الذي في الهاتف الجوال ، وإنكار بعض العامة للشيء الذي لم يألفوه ، العبرة بالدليل والأصول والقواعد الشرعية ، لا فرق في الأجر والثواب بين أن تقرأ من المصحف الورقي أو من الصحف الذي في الهاتف الجوال ، بل إنني أقول إن وجود المصحف في الهاتف الجوال من نعم الله -تعالى- علينا في هذا الزمان ،لأنه يكون معك المصحف دائماً ، دائماً في أي مكان ، تستطيع أن تقرأ في أي مكان ، في السفر في الحضر في الطريق في أي مكان ، مجرد أنك تفتح الجوال وتفتح على المصحف وتقرأ ، هذا من نعم الله -تعالى- علينا ، ولذلك لا بأس بالقراءة من المصحف في الهاتف الجوال ، وله نفس الأجر من القراءة في المصحف الورقي ، حتى في صلاة النافلة لا بأس ، من يأتي مثلاً لصلاة الجمعة ويريد أن يشتغل بالصلاة حتى وقت النهي قبيل دخول الخطيب ؛ أفضل عمل يشتغل به ماذا؟ الصلاة ، مثنى مثنى ، ركعتين ركعتين ، وإذا أراد أن يقرأ من المصحف الذي في الهاتف الجوال لا بأس ، يقرأ فيه ثم إذا انتهى يدخله في جيبه ، الأمر واسع لأن هذه صلاة نافلة ، الأمر فيها واسع ، فهي أوسع من الفريضة .

* * *

سؤال عن أفضل التفاسير ؟

أفضل التفاسير؛ تفسير (ابن جرير الطبري) و (تفسير ابن كثير) ، وابن كثير يذكر آراء ابن جرير ويتعقبه أحياناً ، لكن ابن جرير ميزته حسن الترتيب ، وصياغة العبارة ، كأنه معاصر -سبحان الله - ، وأيضاً يأتي بالخلاف ثم يرجِّح ، فأفضل التفاسير تفسير ابن جرير وتفسير ابن كثير ، هناك (التفسير الميسر) أيضاً لمن أراد التفسير مختصراً ؛ جيد ، يعطيك المعنى مباشرة هو تفسير جيد .

السيرة ؟

الرحيق المختوم ، حاز على جائزة الملك فيصل من أفضل كتب السيرة .

* * *

نكتفي بهذا القدر، والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 30/12/1439هـ