الخثلان
الخثلان
من الفائدة 171-175
2 محرم 1440 عدد الزيارات 341

لطائف الفوائد / تتمة الفوائد الحديثية

 

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه ، واتبع سنته إلى يوم الدين .

اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ماينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا ، هذا هو الدرس الثاني في هذا اليوم الإثنين الثلاثين من شهر ذي الحجة / من عام ألف وأربع مئة وتسعة وثلاثين للهجرة ، ونبدأ أولاً بالتعليق على  ( لطائف الفوائد ) وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم 171 ، في فضل الدعاء للمسلم بظهر الغيب :

فائدة : فضل الدعاء للمسلم بظهر الغيب  

عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وعلى رأسه ملك يقول : آمين ولك بمثله " ، قال الميموني : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ستة أدعو لهم عند السحر أحدهم الشافعي ، فينبغي لك أخي المسلم أن تختار أناساً تحبهم وتخصهم بالدعاء ، ولا شك أن دعاء تؤمن عليه الملائكة حري بالإجابة .

الدعاء للمسلم بظهر الغيب ؛ هذا ورد فيه هذا الحديث العظيم وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وعلى رأسه ملك يقول : آمين ولك بمثله " ، فإذا دعوت لأخيك المسلم ؛ الملَك يقول : آمين ولك بمثل مادعوت به لأخيك ، ولهذا قد يكون دعاؤك لأخيك المسلم سبباً لإجابة دعوتك لنفسك ! وهذا فضل عظيم يغفل عنه كثير من الناس ، فينبغي أن يُعوِّد المسلم نفسه على أن يدعو لإخوانه المسلمين ، والدعاء لأخوانه المسلمين على ضربين:

الضرب الأول : أن يدعو لهم عامَّة .

والضرب الثاني : أن يدعو لأشخاصٍ يسميهم .

أما الضرب الأول وهو الدعاء لهم عامةً : فهذا قد ذكره الله - تعالى - عن بعض أنبيائه ، فقال - عز وجل - عن نوح - عليه الصلاة والسلام - أنه كان يدعو فيقول : ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ[نوح: 28] ، فدعا نوح - عليه الصلاة والسلام - للمؤمنين والمؤمنات ، وأيضاً ذكر الله - تعالى - هذا عن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أنه كان يقول : ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [ابراهيم: 41] ، قوله (وللمؤمنين) هذا دعاءٌ للمؤمنين ، وأيضاً أمر الله - تعالى - محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالإستغفار للمؤمنين والمؤمنات فقال : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: 19] ، وأيضاً أثنى الله - تعالى - على من جاء بعد الصحابة وهم يدعون لأخوانهم فقال : ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: 10] ، (من بعدهم) يعني : من بعد الصحابة إلى يوم القيامة ، فدعو لأنفسهم ، ثم دعوا لمن سبقوهم بالإيمان ، وهذا يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يدعو لإخوانه المؤمنين عامةً .

وأما الضرب الثاني وهو الدعاء لأشخاصٍ بأعيانهم : فهذا دل عليه حديث أبي الدرداء السابق ، وكان يفعله كثير من السلف ، ولهذا الإمام أحمد - رحمه الله - يقول : ستةٌ أدعو لهم عند السَحَر منهم الشافعي ، فينبغي أن يختار الإنسان من يتقرب إلى الله -تعالى- بمحبتهم ويخصُّهم بالدعاء ، يدعو لهم بالمغفرة ، يدعو لهم بالرحمة ، يدعو لهم بخيري الدنيا والآخرة ، لأنه إذا فعل ذلك ؛ الملَك يؤمِّن على دعائه ويقول : (آمين ولك بمثله) ، فهذا ينبغي أن يكون منهجاً للمسلم ، أن يحرص عليه ، أن يدعو لأخوانه المسلمين عامة ، ويدعو لمن شاء منهم خاصة .

* * *

فائدة : الدعاء بطول العمر وكثرة المال والولد

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن أمه أتت به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله هذا أنس غلام يخدمك فادع الله له، قال أنس: فدعا لي بثلاث دعوات رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأرجو الثالثة في الآخرة، قال: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه" قال أنس: "فكثُر مالي حتى أصبحت من أكثر الأنصار مالاً، وصار بستاني يثمر في السنة مرتين، وكثُر ولدي حتى قد دفنت من صُلبي أكثر من مئة، وطال عمري حتى قد استحييت من أهلي واشتقت للقاء ربي، وأما الثالثة - يعني المغفرة - فأرجوها في الآخرة" .

أنس بن مالك -رضي الله عنه - لما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - كان صبياً عمره عشر سنين ، فلما قَدِم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أتت به أمه - أم سُليْم - وكانت امرأةً عاقلة ، فوهبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليخدمه ، وهي تريد من ذلك أن يخالطه ، وأن يتربى في كنفه ، وأن يستفيد من علمه وأدبه وخُلُقِه ، وقالت لما وهبته: ادعُ الله له ، قال أنس: (فدعا لي بثلاث دعوات ، رأيت منها اثنتين في الدنيا وأرجو الثالثة في الآخرة) ، قال: (اللهم أكثر ماله وولد) هذه الدعوة الأولى ، والثانية: (اللهم أطل عمره) ، والثالثة: (اغفر ذنبه) ، أكثر الله ماله حتى أصبح أكثر الأنصار مالاً ، وحتى أن بستانه يثمر في السنة مرتين ، العادة البساتين تثمر في السنة مرة واحدة ، إلا بستان أنس يثمر مرتين في السنة ، ببركة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأكثر الله ولده ، حتى دُفن لصلبه أكثر من مئة ، جاء في رواية - البخاري - قال: (وحدَّثتني ابنتي أميمة أنه دُفِن لصلبي سنة الحجاج بضعٌ وعشرون ومئة من الولد) ، (لصُلبي) ليسوا أحفاداً ، هذا الذين أحصتهم ابنته ، فأصبحوا من كثرتهم لا يحصيهم ، ويظهر - والله أعلم - أن عنده إماء كثيرات ، حتى أربع زوجات يصعب أن يكون هذا العدد من أربع زوجات ، يظهر أن عنده إماء كثيرات ، فأكثر الله ولده ، وأطال عمره ؛ قال: حتى استحييت من أهلي واشتقت للقاء ربي ، حتى جاوز المئة ، جاوز المئة عام ، فقال: اشتقت للقاء ربي واستحييت من أهلي - يعني من طول العمر - ، وأما الثالثة وهي المغفرة قال: فأنا أرجوها في الآخرة ، كل هذا ببركة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يؤخذ من هذا ؛ أنه لا بأس بالدعاء بكثرة المال والولد ، لكن ينبغي أن يُقيَّد ذلك بأن يكون عوناً على طاعة الله ، وألا يكون فتنةً للإنسان ، لأن كثرة المال والولد قد تكون فتنة للإنسان ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ[الأنفال: 28] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ[التغابن: 14] ، فينبغي عند الدعاء بكثرة المال والولد أن يُقيَّد ذلك بأن يكون معيناً على طاعة الله ، وألا يكون فتنة ، وأما الدعاء بطول العمر فقد دل هذا الحديث على أنه لا بأس به ، لكن أيضاً ينبغي أن يقيد بأن يقال (على طاعة الله) ، فيقال: (أطال الله عمرك على طاعته) ، لأن طول العمر على طاعة الله نعمة ، فإن الإنسان يزداد حسنات ويكسب أجوراً وصالحات ، وأما طول العمر على معصية الله فهو نقمة ، تكثر عليه الذنوب والسيئات ، فطول العمر قد يكون نعمة وقد يكون نقمة ، إن كان على طاعة الله كان نعمةً ، وإن كان على معصية الله كان نقمة ، ولذلك ينبغي عند الدعاء للغير بطول العمر أن يقيد ذلك بأن يكون على طاعة الله ؛ فتقول: (أطال الله عمرك على طاعته) ، والدعاء بطول العمر لا ينافي القدر ، بل هو من القدر كالأدوية والرقى ونحو ذلك ، فإن الإنسان قد يتداوى من المرض ولا يرد ذلك من قدر الله شيئاً ، قدر الله ماضٍ في حق المريض والصحيح ، ومن دُعِي له ومن لم يُدعى له ، ولكن الله -تعالى- أمر بالأسباب المباحة ، ورتب عليها مايشاء ، وكل ذلك من قدر الله ، فالدعاء من قدر الله -تعالى- ، وقد دلت الأدلة على أن الصحف التي بأيدي الملائكة يأتيها المحي والإثبات ، وأما التي لا تُغيَّر ولا تُبدَّل هو ما كُتب في اللوح المحفوظ ، كما قال الله - تعالى -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ يعني : في الصحف التي بأيدي الملائكة ، ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ هذه : لايدخلها المحو ولا الإثبات ، فمثلاً صلة الرحم سبب لزيادة العمر ، سبب لطول العمر وسبب لبسط الرزق ، لكن في الصحف التي بأيدي الملائكة ، أما الذي في اللوح المحفوظ فإنه لا يتغير ولا يتبدل ، فقد يُطال في عمر الإنسان بسبب دعوة ، بأن دعى هو لنفسه أو دعى له غيره ، لكن الذي يتغير هو ما بأيدي الملائكة أما في اللوح المحفوظ فالله يعلم بأن هذا الإنسان أن عمره كذا وسيُزاد في عمره إلى كذا بسبب هذا الدعاء أو بسبب صلة الرحم ، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ[الرعد: 39] .

فمن أسباب طول العمر: الدعاء ، بأن يدعو الإنسان لنفسه أو يدعو له غيره .

ومن أسباب طول العمر : صلة الرحم ، كما قال - عليه الصلاة السلام - : "من أحب أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه" .

* * *

فائدة : بعض الحيوانات تستقبح الزنا

عن عمرو بن ميمون قال: (رأيت في الجاهلية قردة قد زنت اجتمع عليها قرود فرجموها فرجمتها معهم) ، وهذا يدل على أن استقباح الزنا موجود لدى بعض الحيوانات .

نريد أن نقف مع هذه المسألة ونناقشها ، هذا من كلام بعض أهل العلم أن بعض الحيوانات تستقبح الزنا ، ويستدلون لذلك بهذه القصة ؛ عن عمرو بن ميمون قال: (رأيت في الجاهلية قردة قد زنت اجتمع عليها قرود فرجموها فرجمتها معهم) هذا رواه البخاري في صحيحه ، ويستدل بها بعض الخطباء والوعاظ عندما يتكلمون عن استقباح الزنا ، لكن يشكل على هذا أن هذه حيوانات غير مكلفة أصلاً ، وغير مأمورة بإقامة الحدود ، فكيف يكون عندها الرجم! ولذلك العلماء لهم في هذا كلام كثير :

أولاً : هذا ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما من كلام عمرو بن ميمون.

ثانياً : عمرو بن ميمون ليس صحابياً ، مع أنه ولد في الجاهلية وتوفي سنة 74 هـ ، لكنه لم يرى النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولذلك نعتبره ماذا ؟ تابعيَّاً ، نعتبره من التابعين ، لأنه لم يرى النبي -صلى الله عليه وسلم- .

إذا هو ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وليس من كلام أحد الصحابة ، وإنما ساقه أحد التابعين ، وقال -ابن قتيبة-: أن -عمرو بن ميمون- يحتمل أنه رأى هذه القرود تتعارك فيما بينها فظن ذلك ، وإلا كيف يعلم أنها زنت! وهل هناك زواج أصلاً بين القرود! ، وهل هذا من أخلاقهم! بل إن القرود يضرب بها المثل عند العرب في أنها يعني أزنى البهائم ، فالعرب تقول في أمثلتها أزنى من قرد ، هذا يدل على أن الزنا عندها معروف ، وليس شيء أشبه بالإنسان في الزواج والغيرة منه من القرود ، فقالوا : يحتمل أن -عمرو بن ميمون- رأى أن هذه القرود اجتمعت على قرد ، فظنَّ أن ذلك لأجل الزنا ، فليس هناك مايقطع بأن هذه قصة أنها كانت كما ذكرها -عمرو بن ميمون- ، وكذلك -الحافظ بن عبدالبر- أيضاً أنكر هذه القصة ، وقال هذا عند جماعة من أهل العلم : منكر ، لأن فيه إضافة الزنا إلى غير مكلَّف وإقامة الحدود في البهائم ، وأيضاً -القرطبي- أنكرها وقال : إن صحَّت هذه الرواية فإنما أخرجها -البخاري- دلالة على أن -عمرو بن ميمون- أدرك الجاهلية ، ولم يخرجها -البخاري- ليبين أن الزنا قد يقع من بعض الحيوانات ، ونحن نرى أن الحيوانات لا تتحرج فيما بينها على أن ينزو بعضها على بعض ، نجد الحيوان ينزو على أمه ، وليس من شريعتهم الزواج أصلاً ، فضلاً حتى عن أن يرتب الزنا ، وإن كان قد يحصل بين بعض الحيوانات الغيرة ، الغيرة ؛ أن هذا مثلاً لا يعتدي على أنثى هذا يعني في وقت محدد ، لكن ليس ذلك على أن هذه زوجة هذا كما عند بني آدم ، ولذلك كثير من أهل العلم أنكر هذه القصة ، وقال: إنها وإن أخرجها -البخاري- في صحيحه إلا أن -عمرو بن ميمون- يحتمل أنه رأى هذه القردة تتعارك فيما بينها فظن أن ذلك إنما كان بسبب ذلك التسافد أو الزنا ، ومن أهل العلم من قال إن عالم الحيوانات عالمٌ عجيب ، يحتمل أن ماذكره -عمرو- أنه صحيح ، لكن الأول أقرب ، إذ أن الحيوانات غير مكلَّفة أصلاً ، كيف تجتمع القرود وتقيم الرجم على واحد منها ! يعني؛ مثل هذا بعيد ، فالحيوانات غير مكلفة ، ويوم القيامة تحشر ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ، إظهاراً لتمام عدل الله - عز وجل - ثم يقول الله لها : " كوني تراباً " ، فإذا كانت تراباً يقول الكافر حينئذ ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ، فإذاً هي غير مكلفة أصلاً ، وعلى هذا فالأقرب هو نكارة هذه القصة ، وإنها وإن صحَّت سنداَ إلا أن عمرو بن ميمون -رحمه الله- يحتمل أنه رأى هذه القردة تتعارك أو تتواثب فيما بينها ، فظن أن ذلك بسبب الزنا وأن هذه القرود إنما رجمتها لأجل الزنا ، والواقع بخلاف ذلك ، هذا هو الأقرب -والله تعالى أعلم- .

هذا هو التحقيق في هذه المسألة .

        * * *

فائدة : الحلم سيد الأخلاق

الحلم سيد الأخلاق ، وهو من الخصال التي يحبها الله ورسوله ، وهو أفضل من كظم الغيظ ، ويستدل به على كمال العقل ، وقد جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال : أوصني، قال : "لا تغضب" ، فردد مراراً ، فقال : "لا تغضب" ، ويمكن للإنسان سريع الغضب أن يصبح حليما ، لكن بالتدرج وتكلف الحلم في البداية ، فيحدد في اليوم الأول ساعة يقرر ألا يغضب مهما كان السبب ، وفي اليوم الثاني يجعلها ساعتين ، وفي اليوم الثالث يجعلها ثلاثاً .. وهكذا ، ومع مرور الوقت يكتسب صفة الحلم .

الحلم من أعظم الأخلاق الكريمة ،  بل هو سيد الأخلاق ، والله -تعالى- اتصف بصفة الحلم ، ومن أسمائه الحليم ، وكل وصف كمال اتصف به المخلوق لا نقص فيه بأي وجه من الوجوه فالخالق أولى به ، هذه قاعدة في باب الأسماء والصفات؛ (كل صفة كمال اتصف بها المخلوق وليس فيها نقص بأي وجه من الوجوه فالخالق أولى بها)، الحلم صفة كمال في المخلوقين وليس فيها نقص إذاً يوصف الله بها ، لكن الولد ؟ الولد بالنسبة للبشر كمال لكن فيها نقص لأنه يحتاج للولد ، ولذلك الله -تعالى- لا يتصف بهذه الصفة ، فانتبه لهذا القيد ، لكن إذا كانت صفة كمال ليس فيها نقص بأي وجه من الوجوه فالخالق أولى بها ، فالله -تعالى- يوصف بالحلم ومن أسمائه الحليم لكن على الوجه اللائق به ليس كحلم المخلوقين -جل وعلا- ، وأثنى الله -تعالى- على خليله إبراهيم فقال : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ[هود: 75] ، وكذلك محمد -عليه الصلاة والسلام- قال الله عنه : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ[القلم: 4] ، وكان على جانب عظيم من الحلم ، يقول أنس -رضي الله عنه- : " خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي قطٍّ أُف ولا قال لشيء فعلته لِمَ فعلته ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا " ، فكان أعظم الناس حلماً -عليه الصلاة والسلام- ، والغضب في المقابل -شدة الغصب- دليل على سوء الخلق ، وشدة الغضب تتفرع عنها أخلاق سيئة كثيرة ، من يغضب لا يتحكم في أقواله ولا في تصرفاته ، يتكلم بالكلام السيء والذي ربما ندم عليه فيما بعد ، ويتصرف تصرفات سيئة أيضاً ، ولذلك إذا تأملت كثيراً من حوادث القتل تجد أن معظمها سببه الغضب ، بسبب موقف تافه غضب أحد الطرفين وتطورالأمر إلى أن قتل الآخر ! ثم ندم ندماً عظيماً ، بل إنني رأيت أن معظم "معظم" الإستفتاءات في الطلاق التي ترد إلي معظمها يكون المطلِّق في حالة غضب شديد ! ولذلك فمن كان سريع الغضب -شديد الغضب- فإنه سيتعب كثيراً في حياته ، بل إن شدة الغضب تؤثر على الحالة الصحية للإنسان ، وقد ذكر -ابن القيم- في كتابه القيِّم (إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان) تكلم عن الغضب ، كتابٌ لطيف -إغاثة اللهفان الصغير- فيه إغاثة اللهفان الكبير (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) ، وفيه إغاثة اللهفان الصغير (إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان) ، تكلم عن الغضب وعن مساوئه وقال: إن الغضب منه ما يُمرِض ومنه ما يَقتُل ، منه مايمرض فيبقى الإنسان طريح الفراش! لا يدري مالسبب؟ والسبب هو شدة الغضب ، وهذا تفسيره من الناحية الطبية صحيح ، لأن شدة الغضب يرتفع معها السكر والضغط ، فيرتفع السكر والضغط وربما يتسبب في أمراض أخرى ، وقول ابن القيم: (ومنه ما يقتل) ذكر بعض القصص : ذكر أن رجلاً من العرب كان معروفاً بشدة الغضب ، فتكلم عليه أحد الحاضرين بكلمة سيئة فأراد أن يرد عليه ، وهو معروف بسلاطة لسانه ، فأتى أحد الحاضرين ووضع يده على فِيه ، فقال: قتلني ، ثم مات ، تفسير هذا من الناحية الطبية : أنه ربما ارتفع عليه الضغط ارتفاعاً شديداً فانفجر أحد العروق لديه ، فيعني؛ ماذكره -ابن القيم- صحيح ، أن الغضب منه ما يمرض ومنه ما قد يقتل ، ولذلك على الإنسان أن يتجنب الغضب ، وأن يكون حليماً.

 واكتساب الحلم وترك الغضب إما أن يكون بأمرٍ فطري وموهبة من الله ، بحيث يُخلق هذا الإنسان وهو حليم ، وهذا هو ماذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- للأشج بن عبد القيس لما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم- : "إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة" قال يا رسول الله أجبلت عليهما أم تخلقت بهما؟ قال: "بل جبلت عليهما" قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحبه الله ورسوله .

فهذه هبة من الله -تعالى- أن الإنسان يُخلق وهو حليم ، وهو متأنٍ غير عجل ، ولكن إذا لم يكن الإنسان على هذه الحال ، فيمكن أن يكتسب صفة الحلم ، وصفة الحلم يمكن أن تكون بالإكتساب، كيف بالإكتساب؟ يعني؛ بأن يدرب الإنسان نفسه بالتدرج ، [ويمكن للإنسان سريع الغضب أن يصبح حليما ، لكن بالتدرج وتكلف الحلم في البداية ، فيحدد في اليوم الأول ساعة يقرر ألا يغضب مهما كان السبب] مثلاً يقول : هذا اليوم من الساعة الرابعة إلى الخامسة لن أغضب مهما كان السبب ، [وفي اليوم الثاني يجعلها ساعتين] يجعلها من الرابعة إلى السادسة مثلاً ، في اليوم الثالث يجعلها مثلاً ثلاث ساعات ، اليوم الرابع يجعلها خمس ساعات ، وهكذا .. مع مرور الوقت سيرى نفسه أنه قد أصبح حليماً واكتسب صفة الحلم ، فهي تحتاج إلى تمرين وإلى تدريب ، ولهذا جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقال يارسول الله: أوصني، قال : "لا تغضب" ، قال: أوصني ، قال: "لا تغضب" فردد مراراً ، قال: " لا تغضب" .

إذاً الحلم من مكارم الأخلاق ، بل هو سيد الأخلاق ، ويستطيع الإنسان أن يحصِّل هذه الصفة الكريمة ، إن كان الله -تعالى- وهبه إياها فالحمد لله ، وإن كان لم يوهب إياها ويعرف من نفسه سرعة الغضب وشدة الغضب ؛ يستطيع أن يمرِّن نفسه وأن يدربها حتى يكتسب صفة الحلم .

 

* * *

فائدة : من السنن عند نزول المطر

السنة عند نزول المطر أن يحسر الإنسان عن رأسه وذراعيه وما استطاع من جسده ، حتى يصيبه المطر ؛ لما جاء في صحيح مسلم عن أنس -رضي الله عنه- قال : أصابنا ونحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مطر ، قال : فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر ، فقلنا : يارسول الله ؛ لم صنعت هذا؟ قال: "لأنه حديث عهد بربه تعالى" ، معنى حديث عهد بربه : أي بتكوين ربه إياه.

هذه من السنن عند نزول المطر ، أن الإنسان يحسر عن رأسه وذراعيه وما استطاع من جسده ، حتى يصيبه المطر ، إذا كان مثلاً قد لبس شماغ أو غتره يحسره حتى يصيب المطر رأسه ، وهكذا يحسر ذراعيه حتى يصيبه المطر ، وما استطاع من جسده ، هذه هي السنة ، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك ، ولما سُئل ؛ قال : "إنه حديث عهد بربه" يعني: بخلق الله له وتكوينه إياه ، كأنه -عليه الصلاة والسلام- يعني ؛يفعل هذا لأجل ذلك تبرُّكاً بأنه حديث عهد بالله -عز وجل- ؛ حديث عهد بخلق الله -تعالى- وتكوين الله -تعالى- له ، فهذه من السنن التي تُفعل عند المطر ، نحن نفعلها لا لأنه مطر وإنما لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفعلها ، فهي سُنَّةٌ من السنن .

* * *

ونكتفي بهذا القدر -والله أعلم- وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

* * *

سؤال : هل صحَّ حديث على أنه عند نزول المطر يستجاب الدعاء ؟

لا أعلم أنه ورد في ذلك حديثٌ صحيح أنه عند نزول المطر يستجاب الدعاء ، ولكن يعني؛ بعض العلماء استنبط من أن نزول المطر رحمة ، وأنه عند نزول الرحمة يُرجى إجابة الدعاء ، فقط بهذا الإستنباط ، لكن لا أعلم أنه صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديث صحيح ، وروي في ذلك حديث لكنه ضعيف ، أما من حيث الثبوت لا أعلم أنه ثبت في ذلك شيءٌ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- .

* * *

سؤال: إخبار من يدعى له ؟

هذا قد جاء في حديث عند -أبي داوود- ؛ أن رجلاً قال : يارسول الله؛ والله إني أحب فلان ، قال: "هل أخبرته؟" قال: لا ، قال: "إذهب فأعلِمهُ أنك تحبه " ، ثم إن إخباره فيه زيادة ألفة ومحبة ومودة ، وهذه الأمور تدعو لها الشريعة ، فإخباره مستحب .

* * *

سؤال : ماضابط الغضب لوجه الله ؟

الغضب لوجه الله إذا اُنتهكت محارم الله ، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله ، عند انتهاك محارم الله -تعالى- يغضب ، كأن يرى منكراً من المنكرات مثلاً فيغضب لأجل وجود هذا المنكر ،يعني؛ يغضب لله -تعالى- ليس لمصالحه الشخصية ، فييغضب لوجود منكر ، أو مثلاً لتقصير في واجب ، رأوا ناس مثلاً الصلاة تقام وهم مايصلون ونحو ذلك ، فالغضب هنا ؛ هذا غضب محمود ، كان النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله -تعالى-.

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 30/12/1439هـ