الخثلان
الخثلان
التعليق على كتاب لطائف الفوائد - من الفائدة 136
25 ذو الحجة 1439 عدد الزيارات 300

لطائف الفوائد / بداية الفوائد الحديثية

 

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .

أما بعد ؛ فنستأنف هذا الدرس بعد التوقف فترة الإجازة ، ونسأل الله - تعالى - الإعانة والتوفيق ، اللهم آتنا من لدنك رحمةً وهيء لنا من أمرنا رشدا ، اللهم علمنا ماينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، ونسألك اللهم علماً نافعاً ينفعنا .

ولعلنا نبتدئ بمقدمة موجزة عن فضل العلم وفضل طالب العلم ، أقول إن طلب العلم من أفضل وأجل العبادات ، بل إنه مقدم على نوافل العبادات ، قال الإمام الشافعي - رحمه الله - : طلب العلم مقدم على نوافل العبادات ، وذلك لأن طلب العلم نفعه متعدٍ ، بينما نوافل العبادات نفعها قاصرٌ على صاحبها ، وهو لا يعدله شيء لمن صحَّت نيته ، وهو علامة على أن الإنسان أُريد به الخير ، إذا رأى الإنسان من نفسه الإقبال على طلب العلم ، وعلى التفقه ، فهذه علامة على أنه أريد به الخير ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " ، ويكفي العلم شرفاً ؛ أنه يفرح به من نسب إليه وإن لم يكن من أهله ، ويكفي الجهل ذماً ؛ أنه يغضب من نسب إليه وإن كان من أهله ، ولهذا يقول الله - تعالى - : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ[الزمر:9] ، والعلم لا يأتي للإنسان دفعة واحدة ، إنما يأتي شيئاً فشيئاً ، وهو يحتاج إلى صبر ومصابرة وإلى جد وإجتهاد .

 ومن أبرزآداب طالب العلم : إخلاص النية لله - عز وجل - في طلبه للعلم ، وقد سُئل الإمام - أحمد - عن إخلاص النية ، كيف يكون ؟ قال : أن ينوي رفع الجهل عن نفسه ، وينوي أن يتواضع لله - تعالى - به ، فيطلب العلم لرفع الجهل عن نفسه ، وأيضاً لرفع الجهل عن غيره ، وذلك ؛ بالدعوة إلى الله - تعالى - ، ونشر العلم ، وأيضاً من آداب طالب العلم : أن يعمل بما يعلم ، وإلا علمٌ بلا عمل ؛ لا فائدة منه ، بل إنه يكون حجة على صاحبه يوم القيامة ، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أول من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة ثلاثة ، ذكر منهم رجلاً تعلم العلم وعلَّمه ، وقرأ القرآن ، فكان من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ، ويقال له تعلمت ليقال هو عالم ، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ ، فقد قيل .

فعلى سبيل المثال ؛ إذا كان طالب العلم لا يصلي صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد ، يكون هذا يعني ؛ بصفة دائمة ، إذا مالفائدة من طلب العلم ، إذا كان يُخل بآكد أركان الإسلام بعد الشهادتين ! وعمود دين الإسلام ، مالفائدة من طلبه للعلم ؟! أو أن يكون مثلاً عاقاً لوالديه ، أو أن يكون سيء الخلق ، أو نحو ذلك ، لابد أن يظهر أثر العلم على صاحبه ، وأن يعمل به ، ولهذا قال الإمام - أحمد - : إنه لم يبلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُنَّةٌ إلا وقد عملت بها ، حتى إني احتجمت ، حتى إنه بلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى الحجام ديناراً ، فاحتجمت وأعطيت الحجام ديناراً ، انظر إلى الحرص على الإتباع ، ولهذا أيضاً من آداب طالب العلم : أنه ينبغي أن يكون حريصاً على اتباع السنة ، معظِّماً للدليل من الكتاب والسنة ، وأن يكون هذا هو هدفه ، ومقصده ، وإذا تبين له الدليل من القرآن والسنة ، فيجب عليه أن يتبعه ، والله - تعالى - يقول : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ[القصص: 65] ، ولا يقول ماذا أجبت فلاناً أو فلاناً ، إنما ماذا أجبتم المرسلين ، وماهذه الكتب ؛ كتب الفقه ، والكتب التي يصنفها أهل العلم ، إلا لتقريب الوصول إلى حكم الله ورسوله ، كل هذه المصنفات تصنف لأجل تقريب معرفة الحكم الشرعي - حكم الله ورسوله - في هذه المسائل .

 ومن آداب طالب العلم : الصبر ، فمن أراد أن يُحصِّل علماً بلا صبر فهذا غير ممكن ، كما قال - يحيى بن أبي كثير - : ( لا يستطاع العلم براحة الجسد ) ، وقد كان السلف الصالح يرتحلون في سبيل طلب العلم ، - جابر بن عبد الله - ارتحل من المدينة إلى الشام ، - أبو أيوب الأنصاري - كذلك ارتحل من المدينة إلى مصر ، والرحلة في طلب العلم مشهورة ، وصنف فيها مصنفات ، وكانت الرحلة في ذلك الزمن ؛ أو في تلك الأزمنة ، ليست كالرحلات في وقتنا ، من يرتحل ينقطع عن أسرته تماما ، مافيه وسائل مواصلات ، ولا اتصالات ، ماعندهم إلا الإبل ؛ يسيرون عليها ، وينقطع من يرتحل عن أسرته ، ينقطع لمدد طويلة ، لا يدري عنه أهله ، ينقطع عنهم سنين ، كل ذلك من أجل تحصيل العلم ، وطلب العلم ، فانظر إلى الفرق بين السلف ، الذين يتحملون المشقة ، ويرتحلون في سبيل طلب العلم ، وبين بعض الأخوة في الوقت الحاضر ، الذين يتكاسلون عن حضور الدروس وحلق العلم ، بحجة أن المكان الذي فيه الدرس بعيد ، مع أنه يأتي بالسيارة ، والبُعد يعني ؛ بُعد نسبي ، لن يرتحل ، هو في نفس المدينة ، في نفس البلد ، هو يأتي بالسيارة ، ومع ذلك يتكاسل ويقول المكان بعيد ! ، السلف الصالح يرتحلون ، ليس على سيارات ، وإنما بعضهم راجلين ، وبعضهم على الجمال ، ويتغربون ، كل ذلك لأجل طلب العلم وتحصيله ، فلابد من الصبر ، وأيضاً ينبغي أن يرفع طالب العلم همته في طلب العلم ، وأن يحرص على الإنتظام في حضور الحِلَق والدروس ، وأن يكون جاداً في ذلك ، أما الذي لا يكون جاداً ، مرَّة يحضر ، ومرَّة يغيب ، وغيابه أكثر من حضوره ، لا يستفيد كثيراً .

 وأفضل الطرق لطلب العلم ؛ طريقتان ، وقد ذكر هذا - الشاطبي رحمه الله - ذكر هذا في الموافقات ، قد نقلته في كتاب ( لطائف الفوائد ) - صفحة 258 - يمكن الطبعات تختلف ، الفائدة رقم 511 ، - الشاطبي رحمه الله - يقول : لذلك طريقان - يعني لطلب العلم طريقان - :

 الطريقة الأولى : المشافهة ، والثانية : مطالعة كتب المصنفين ، ومدوني الدوواوين ، يعني بالقراءة والإطلاع والحفظ ، يعني الطريقة الشخصية ، والطريقة الأولى هي طريقة أخذ العلم عن أهله ، بحضور الدروس والحِلَق ، قال : والطريق الأولى أنفع ، يعني ؛ التي هي عن طريق حضور الدروس وحِلَق العلم ، إما لخاصية يجعلها الله - تعالى - بين المعلم والمتعلم ، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء ، فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب ، ويحفظها ، ويرددها على قلبه ، فلا يفهمها ، فإذا ألقاها إليه المعلم ؛ فهمها بغتة ، وحصل له العلم بها بالحضرة ، وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي من قرائن أحوال ، وإيضاح موضع إشكال ، لم يخطر للمتعلم ببال ، وقد يحصل بأمر غير معتاد ، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم ، ظاهر الفقر بادي الحاجة إلى مايلقى إليه .

هذا كلامٌ نفيس من الشاطبي - رحمه الله - ، فذكر هاتين الطريقتين ؛ طريقة الإجتهاد الشخصي بالقراءة والإطلاع والحفظ ، والطريقة الثانية ؛ أخذ العلم عن أهله ، بحضور الدروس والحلق ، أخذ العلم عن أهله أنفع ، وأكثر فائدة ، وتختصر لك الوقت والجهد ، لأن هذا الذي يلقي الدرس ؛ مرت عليه هذه المسائل سنين طويلة ، تعلماً وتعليماً ومناقشةً وبحثاً وربما سئل عن إشكالات فيها ، يعطيك خلاصة ماعنده ، فأنت تقطف الثمرة ، وتختصر الوقت والجهد ، لذلك ينبغي الحرص على حلق العلم ، ودروس العلم ، وينبغي أيضاً لمن حضر أن يكون لديه آلية لضبط العلم ، لأن مجرد الحضور من غير ضبط يؤجر عليه الإنسان ، وهو بكل حال مستفيد ، وحلق العلم والذكر تحفها الملائكة ، لكن إذا أراد أن يستفيد ؛ لابد أن يضبط العلم ، وأبرز طرق الضبط طريقتان :

الطريقة الأولى : طريقة الكتابة ، لكن الكتابة لابد أن تكون منظمة ، بحيث يسهل رجوعك إليها من حين لآخر ، وأن تكون سريعاً في الكتابة أيضاً .

الطريقة الثانية : طريقة التسجيل ، بأن تسجل الدرس وتستمع إليه مرة أخرى ، ولا يكفي أن تستمع إليه مرة واحدة ، تستمع إليه أكثر من مرة ، ويمكن في الوقت الحاضر أن تستمع إليه في السيارة ، الناس تمضي كثير من أوقاتهم الآن في السيارة مع الزحام في الطرق وكذا ، يمكن تستمع للدرس مرة أخرى في السيارة أو في البيت ، المهم أنك تضبطه عن طريق التسجيل ، فهذه أيضاً طريقة أخرى ، فيختار الإنسان الطريقة التي مناسبة له ، ويقولون أن بعض الناس عنده ؛ يسمونه سمعي ، وبعضهم الناس بصري ، يعني بعض الناس إذا سمع الشيء ضبطه أكثر مما  لو كتبه وقرأه ، وبعض الناس العكس ، فيعرف الإنسان شخصيته ؛ هل هو من النوع السمعي أو البصري ؟ إذا كان من النوع السمعي الأحسن يسجل ويستمع للدرس مرة أخرى ، إذا كان من النوع البصري يكتب ويراجع ماكتبه مرة أخرى .

ولعلِّي أكتفي بهذا القدر في هذه المقدمة ، وإن شاء الله في هذا الدرس سنستمر في التعليق على لطائف الفوائد ، وفي استكمال شرح التسهيل ، وهناك درسٌ يوم الثلاثاء بعد المغرب ، سنكمل إشاء الله فيه شرح العمدة وهو على وشك أن ننتهي منه ، وإذا انتهينا منه يمكن بعد أسبوعين أو ثلاثة سنشرح الفرائض كاملة ، سنخصص الدرس للفرائض ، لأننا في درس التسهيل ماشرحنا الفرائض وواعدنا بشرحها في درس مستقل ، وسننبه إن شاء الله - تعالى - عليها في حينه ، يمكن نحتاج أسبوعين إلى ثلاثة ننتهي من شرح العمدة في الفقه ، ثم نشرح الفرائض شرحاً مفصَّلاً ، سيكون الدرس كله للفرائض ، درس الثلاثاء بعد المغرب ، لكن بعد ماننتهي من شرح العمدة إن شاء الله - تعالى - ، فمن أراد أن يضبط الفرائض ليستعد لهذا الدرس الذي هو أشبه بالدورة ، لمدة فصل دراسي واحد ، سيكون هناك شرح أيضاً على شاشة العرض على البروجيكتور ، وأيضاً وضع لأبرز الضوابط والقواعد في الفرائض ، المقصود من أراد أن يضبط الفرائض يلتحق بهذه الدورة أو هذا الدرس ، لكن ليس هذا الأسبوع يمكن بعد أسبوعين أو ثلاثة ، سننبه عليه في حينه إن شاء الله - تعالى - .

إذاً نبدأ بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد ، وكنا قد انتيهنا من الفوائد العقدية والفوائد الفقهية ، وتوقفنا عند الفوائد الحديثية ، عند الفائدة رقم 167 ، نستمع لهذه الفائدة :

 

فائدة : التواتر في علم دون أخر

ليس من شرط التواتر أن يصل إلى جميع الأمة ، فعند القراء أشياء متواترة دون غيرهم ، وعند الفقهاء مسائل متواترة عن أئمتهم ، لا يدريها القراء ، وعند المحدثين أحاديث متواترة ، قد لا يكون سمعها الفقهاء ، أو أفادتهم ظنا فقط ، وعند النحاة مسائل قطعية ، وكذلك اللغويون ، وليس من جهل علما حجة على من علمه ، وإنما يقال للجاهل : تعلم ، وسل أهل العلم إن كنت لا تعلم ، ولا يقال للعالم : اجهل ماتعلم .

نعم هذه الفائدة منقولة من سير أعلام النبلاء - للذهبي - ، والتواتر معناه في اللغة : التتابع ، ومنه قول الله - تعالى - : ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ أي : متتابعين ، ومعناه ؛ التواتر اصطلاحاً : إخبار قوم يمتنع تواطؤهم على الكذب لكثرتهم ، والمتواتر يفيد العلم ، ويجب تصديقه وإن لم يدل عليه دليل آخر ، والتواتر يكون في جميع العلوم ، يعني ؛ في العلوم الشرعية وفي غيرها ، يعني مثلاً حتى في العلوم الدنيوية ، لو قيل مثلاً أن هناك دولة اسمها الصين ، تقول مالذي يثبت أن فيه دولة اسمها الصين ؟ أنا مارأيتها وماذهبت لها وماسافرت لها ؟! كيف عرفت ؟ بالتواتر ، أخبرت هنا وهنا وقرأت هنا وسمعت هنا ، فمع هذه الأخبار الكثيرة أصبح عندك تواتر أن هناك دولة اسمها الصين ، مثلاً دولة اسمها الهند ، دولة اسمها كذا ، ودولة اسمها كذا ، هذا مثال بسيط ، فبعض الاشياء نقلت لنا بالتواتر ، فحصل العلم بها ، لو قيل هناك دولة اسمها الدولة الأموية ، تقول مالذي يدري أن هذا صحيح ؟ يمكن يكون كذب ؟! هناك خليفة اسمه - معاوية بن أبي سفيان - مثلاً ، طيب ؛ كيف نعرف هذا ؟ بالتواتر ، نُقل لنا نقلاً مستفيضاً ، وهذا النقل المستفيض حصل به التواتر ، وهذا التواتر يفيد العلم ، وأيضاً في الجوانب الشرعية هناك أيضاً بعض الأمور المتواترة ، وهنا يقول - الذهبي - : أن التواتر ليس من شرطه أن يصل إلى جميع الأمة ، وإنما يكون عند أهل كل علم ، ولا يلزم أن يكون عند غيرهم ، فعند القراء أشياء متواترة ليست عند غيرهم ، القراءات السبع مثلاً ؛ متواترة ، كيف عرف أنها متواترة ، هذا ؛ يعني القراء والمتخصصون في علم القراءات والتفسير يعرفون ذلك ، ويكون عندهم فيها أشياء متواترة وأشياء غير متواترة ، الفقهاء هناك مسائل متواترة عن أئمتهم ، لا يدريها القراء ، المحدثون هناك أحاديث متواترة ، يقال هذا الحديث بلغ حد التواتر ، على سبيل المثال ؛ ماجمعه الناظم في قوله :

مما تواتر حديث من كذب         ومن بنى لله بيتاً واحتسب

ورؤيةٌ شفاعةٌ والحوض              ومسخ خفين وهذا بعض

يعني هذه بعض الأحاديث المتواترة ، ومما تتواتر حديث من كذب ( من كذب علي متعمداَ فليتبوأ مقعده من النار ) هذا بلغ حد التواتر ، ومن بنى لله بيتاً واحتسب ( من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة ) هذا متواتر ، أحاديث الرؤية متواترة ، أحاديث الشفاعة متواترة ، أحاديث إثبات الحوض - حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم - متواترة ، أحاديث المسح على الخفين ؛ متواترة ، فبض الأحاديث متواترة ، لكن الأكثر من الأحاديث غير متواتر ، لكنه حجة ؛ أحاديث الآحاد إذا صحَّ إسنادها فهي حجة ، كذلك اللغويون عندهم أيضاً مسائل متواترة ، وهكذا أهل كل صنعة وأهل كل علم عندهم أمور متواترة ، فأراد بهذا الذهبي - رحمه الله - أن يبين أنه ليس من شرط التواتر أن يصل إلى جميع الأمة ، وإنما عند علماء هذا الفن ، أو هذا العلم ، يكفي ذلك .

 قال : وإنما يقال للجاهل تعلَّم ، وسل أهل العلم إن كنت لا تعلم ، وقال : وليس من جهل علما حجة على من علمه ؛ الجاهل يقال له تعلَّم إذا كنت لا تدري ، تعلم واعرف ، ولا يقال للعالم : أجهل ماتعلم ، هذا يبين أيضاً فضل العلم .

* * *

فائدة : الإسرائيليات تذكر للإستشهاد لا للاعتضاد

أخبار بني إسرائيل تذكر للاستشهاد ، لا للاعتضاد ، وهي على ثلاثة أقسام :

أحدها : ما علمنا صحته مما بأيدينا ، مما يشهد له بالصدق ، فذاك صحيح .

والثاني : ماعلمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه .

والثالث : ماهو مسكوت عنه ، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل ، فلا نؤمن به ، ولا نكذبه ، ويجوز حكايته قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " ، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني .

نعم ؛ الإسرائيليات هذا المصطلح نسمعه ويتكرر ذكره في كتب أهل العلم ، ما معناه ؟ ومالموقف منه ؟

الإسرائيليات معناها : أخبار بني إسرائيل ،  الأخبار المنقولة عن بني إسرائيل ، من اليهود وهو الاكثر ، ومن النصارى ، وهذه الأخبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : ما علمنا صحته مما بأيدينا ، مما يشهد له بالصدق ، فذلك صحيح ، مثاله : ماجاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : " جاء حبرٌ من الأحبار - يعني من علماء اليهود - فقال : يامحمد ، إنا نجد أن الله يجعل السموات على اصبع ، والأرضين على اصبع ، والشجر على اصبع ، والماء والثرى على اصبع ، وسائر الخلائق على اصبع ، فيقول : أنا الملك ، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ، ثم قرأ قول الله - تعالى - : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ " .

فهنا هذا خبر من أخبار بني إسرائيل ، أتى هذا الحبر من اليهود وذكر هذا الخبر ، صدَّقه النبي - صلى الله عليه وسلم - فما جاء شرعنا بتصديقه فهذا نعلم صحته وصدقه ، بل يكون حجة أيضاً ليس لكونه من أخبار بني إسرائيل بل لتصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - له .

القسم الثاني : ماعلمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه ، فهذا لا نصدقه ، بل نكذبه ، مثال ذلك : ماجاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - قال : " كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول - يعني إذا جامع الرجل زوجته من الخلف جاء الولد أحول - فنزل قول الله - تعالى - : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ " ، فكذَّب الله - تعالى - مقولتهم وأن هذا غير صحيح ، وأن الزوج له أن يأتي أهله بأية طريقة إذا كان ذلك في القُبُل ، فهذا مثال لما ورد تكذيبه من كلام بني إسرائيل ، أن إسرائيل كانوا يقولون هذه المقولة فكذبهم الله - عز وجل - وأنزل هذه الآية .

القسم الثالث : ماهو مسكوت عنه ، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل ، الموقف منه : لا نؤمن به ، ولا نكذبه ، ويجب التوقف فيه ، وهذا هو غالب ما يُروى عنهم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " ، قال - ابن كثير - : وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني ، ليس لك كبير فائدة ، وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم " ، ومثال هذا القسم - القسم الثالث - ؛ مثاله مثلاً ؛ تعيين لون كلب أصحاب الكهف ، ما لونه ؟ هل هو كلب لونه أسود ؟ هل هو أحمر ؟ هذه ورد فيها إسرائيليات لا تصدق ولا تكذب ، وليس فيها فائدة أيضاً ، ليس لها كبير فائدة ، أو أسماء الطيور الأربعة التي أمر الله - تعالى - إبراهيم بذبحها : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ.. إلى آخر الآية[البقرة : 260]، ما هي هذه الطيور الأربعة ؟ فيها كلام كثير ، فيها إسرائيليات ، فهذه تذكر للاستشهاد ، لا للاعتضاد ، ولا تصدق ، ولا تكذب ، ومن حدث بها لا حرج ، لا حرج في التحديث بها ، لا حرج في ذكرها ، ولهذا نجد أن كتب التفسير مليئة بها ، كتب التفسير مليئة بهذا النوع من الأخبار ، كتاب - تفسير ابن جرير الطبري - فيه إسرائيليات كثيرة لكنه يذكرها بالإسناد ، - ابن كثير - أيضاً يذكر لكنه أحياناً يتعقبها وينكرها ، - الثعلبي - مليء بالإسرائيليات الكثيرة من غير أن يتعقبها ، وهو كما قال - ابن تيمية - كحاطب ليل ، مع أن - البغوي - اختصره في تفسيره ، هذا إذا هو الموقف من الإسرائليات .

        * * *

فائدة : ساعة الإجابة يوم الجمعة

جاء في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن في الجمعة لساعة لا يوافقها ملسم يسأل الله فيها خيراً ، إلا أعطاه إياه " ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في تحديدها (43) قولا ، ورجح ابن القيم وجمع من المحققين أنها آخر ساعة بعد العصر ، وقال : ( هو قول أكثر السلف وعليه أكثر الأحاديث ، وهذه الساعة - آخر ساعة بعد العصر - يعظمها جميع أهل الملل ، وعند أهل الكتاب أنها هي ساعة الإجابة ، وهذا مما لا غرض لهم في تحريفه وتبديله ، وقد اعترف به مؤمنهم ) .

ساعة الإجابة ، أولاً مالمقصود بالساعة ؟ المقصود بالساعة أنها لحظات يُستجاب فيها الدعاء ، وليس المقصود بها الساعة التي هي ستون دقيقة ، ولهذا جاء في إحدى الروايات الصحيحة : " وأشار بيده يقللها " يعني ؛ أنها مجرد لحظات ، الساعة تطلق على اللحظات ، " إن في الليل لساعة لا يدعو المسلم فيها إلا استجاب الله له " كما قال - عليه الصلاة والسلام - وهي ساعة الإجابة ، فالمقصود بها : لحظات يستجاب فيها الدعاء .

اختلف العلماء في تحديد هذه الساعة ؛ ساعة الإجابة يوم الجمعة ، ذكر - ابن حجر - في فتح الباري ثلاثةً وأربعين قولاً ، ورجح - ابن القيم - وجمع من المحققين من أهل العلم أن ساعة الإجابة هي آخر ساعة بعد العصر ، يعني ؛ قُبيل غروب الشمس ، وقال : إنه قول أكثر السلف وعليه أكثر الأحاديث ، وهو المنقول عن أكثر الصحابة ، قال : وهذه الساعة - يعني آخر ساعة بعد العصر يوم الجمعة - يعظمها جميع أهل الملل ، وعند أهل الكتاب أنها هي ساعة الإجابة ، وهذا مما لا غرض لهم في تحريفه ولا تبديله ، يعني اليهود والنصارى حرفوا التوراة والإنجيل ، لكن التحريف ليس كاملاً ، وإنما فيه بعض ماورد في التوراة والإنجيل لم يحرَّف ، ومن ذلك ساعة الإجابة ، فيعظمون أهل الكتاب هذه الساعة ، آخر ساعة من الجمعة بعد العصر ، فهي الأقرب - والله أعلم - ، لكن - ابن القيم - أيضاً في زاد المعاد قال : (يلي هذا القول ؛ القول بأن ساعة الإجابة هي ساعة الصلاة ، أي : من حين دخول الخطيب إلى أن تُقضى الصلاة ) ، وهذا قد ورد فيه حديث في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن في الجمعة لساعة لا يسأل الله عبد مسلم شيء إلا أعطاه الله إياه وهي من حين دخول الإمام إلى أن تُقضى الصلاة " ورد بهذا التحديد ، لكن هذا الحديث وإن كان أخرجه - مسلم - في صحيحه إلا أن في سنده انقطاعاً ، ولذلك أعلَّه كثير من المحدثين ، ولكن يبقى تخريج مسلم له ؛ له اعتباره أيضاً ، ولهذا - ابن القيم - يقول : يلي هذا القول ؛ القول بأن ساعة الصلاة هي ساعة الإجابة ، ثم قال - ابن القيم - : وعندي أن آخر ساعة و ساعة الصلاة ترجى فيها الإجابة ، فكلاهما - يعني آخر ساعة وساعة الصلاة - كلاهما ساعة إجابة ، لأن اجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرعهم وابتهالهم إلى الله له تأثيره في الإجابة ، فكأنه يقول : أن أقرب ماتكون ساعة الإجابة يوم الجمعة آخر ساعة بعد العصر ومن حين دخول الخطيب إلى أن تقضى الصلاة ، فاحرص على هذين الوقتين ادعو فيهما ، مثلاً من دخول الخطيب إذا أذن الأذان الثاني تدعو بعده ، قبل أن يبدأ الخطيب الخطبة ، بين الخطبتين مثلاً ، وبعد الفراغ من الخطبة الثانية وقبل الصلاة مثلاً ، في صلاة الجمعة مثلاً في التشهد الأخير ، هذا الوقت وقت مظنة إجابة ، أيضاً الدقائق التي تسبق غروب الشمس يوم الجمعة ، هذه أيضاً تُرجى أن تكون هي ساعة الإجابة .

* * *

فائدة : حديث ( أفرضكم زيد)

من الأحاديث المشتهرة حديث : " أفرضكم زيد " ، وهو حديث ضعيف لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق أبي قِلابة عن أنس ، ولم يسمع منه هذا الحديث ، وقد ضعفه جمع من الحفاظ كالدار قطني والخطيب والبغدادي والبيهقي وابن حجر ، والألباني كان قد صححه ثم رجع عن ذلك فضعفه ، وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية : ( حديث ضعيف ... ولم يكن زيد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - معروفاً بالفرائض ..)

هذا الحديث : " أفرضكم زيد " من الأحاديث المشتهرة ، حتى إن - الرحبي - في منظومته المشهورة قال فيها :

وأن زيد خُص لا محالة          بما حباه خاتم الرسالة

بفضله في قوله منبهاً            أفرضكم زيد وناهيك بها

فكان أولى باتباع التابعي       لا سيما وقد نحاه الشافعي

وقالوا إن مذهب الشافعي بني على آراء زيد بن ثابت ، بناءً على هذا الحديث ، ولكن عند التحقيق ؛ هذا الحديث أوله : " أعلم أمتي بالحلال والحرام أبو بكر وأقرؤهم أبي و ... إلى أن قال .. وأفرضهم زيد ثم قال ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة " ، البخاري أخرج هذا الحديث ، أخرج آخره فقط " لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة " ، أما أوله فأعرض عنه البخاري ، لكن أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وفيه انقطاع ، أخرجوه من طريق أبي قلابة عن أنس ولم يسمع أبي قلابة الحديث من أنس ، وإنما المحفوظ منه آخره فقط الذي اقتصر عليه البخاري ، وسبق أن ذكرنا في دروس سابقة أن الشيخين - البخاري ومسلم - إذا رويا حديثاً وأعرضا عن زيادة فيه ففي الغالب أن هذه الزيادة غير ثابتة ، في الغالب ؛ بالإستقراء إذا رأيت أن الحديث رواه البخاري ومسلم وفيه زياده لم يروياها ففي الغالب أن هذه الزيادة غير ثابتة ، لأنها لو كانت ثابتة لذكراها ، فالبخاري إنما أخرج آخر الحديث " لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة " ، أما أوله فعرض عنه ، وهو معلول ، ولذلك عند كبار المحدثين أنه غير محفوظ - كالدار قطني والخطيب البغدادي والبيهقي وابن حجر وأيضاً أبو العباس ابن تيمية ضعَّفه أيضاً ؛ الشيخ الألباني كان صححه لكن نقل عنه بعض تلامذته أنه روجع فيه في آخر حياته وأنه رجع إلى تضعيفه ، فهذا الحديث من جهة الصناعة الحديثية ضعيف مع شهرته ، والشهرة لا تكفي ، هناك أحاديث مشتهرة لكنها ضعيفة ، وهناك من صنف الأحاديث المشتهرة الضعيفة والمقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة ، فإذا هذا الحديث حديث ضعيف ، والعجيب ماذكره ابن تيمية - رحمه الله - يقول : إن زيد بن ثابت لم يكن أصلاً معروفاً بالفرائض في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكيف اشتهر هذا الحديث ، وكيف أيضاً ؛ حتى الشافعية عملوا به ، معظم آراء زيد بن ثابت إن لم يكن جميعها ذهب إليها الشافعية ، ولهذا قال :

وأن زيد خُص لا محالة          بما حباه خاتم الرسالة

بفضله في قوله منبهاً            أفرضكم زيد وناهيك بها

فكان أولى باتباع التابعي        لاسيما وقد نحاه الشافعي

اتبعه الشافعي في آرائه الفرضية ، وهذا من التحقيق في هذه المسألة ، طالب العلم دائماً ينبغي له أن يحقق في كل مسألة ، لا يعتمد على الشهرة ، قد يكون أحياناً بعض المسائل أو بعض الأحاديث تكون مشتهرة لكنه إذا حقق فيها وجد أن الصواب في غير ما اشتهر ، فهذا الحديث " أفرضكم زيد " من الأحاديث المشتهرة لكنه عند التحقيق حديث ضعيف ، لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحتى لو افترضنا أنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هل يلزم أن تكون آراء - زيد بن ثابت - في الفرائض هي الصواب ؟ لا يلزم ، وإنما العبرة بالدليل من الكتاب والسنة ، كما أن آراء - ابن العباس - لا يلزم أن تكون في التفسير هي الصواب ، قد يكون الصواب في التفسير خلاف ماذهب إليه - ابن عباس - ، وكما قال - الإمام مالك - : كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ونكتفي بهذا القدر في - لطائف الفوائد - ، ونقف عند الفائدة رقم 171 .

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 23/12/1439هـ