الخثلان
الخثلان
الإرهاب معول هدم في الأمة
3 ذو القعدة 1439 عدد الزيارات 126

الإرهاب معول هدم في الأمة

الخطبة الأولى

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا[الكهف: 1] أحمده تعالى وأشكره حمدا وشكرا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[آل عمران: 102] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70، 71].

عباد الله، سمعتم بالعمل الإرهابي الذي قامت به الجهة الضالة يوم الأحد الماضي وترتب عليه مقتل أحد رجال الأمن، وعامل مسلم، ومقتل اثنين من هؤلاء المعتدين، هؤلاء المقتلون جميعا في هذا الحادث ليسوا يهودا، وليسوا نصارى، وليسوا بوذيون، ليسوا كفارا، إنهم جميعا مسلمون، لكن هذه الفئة الضالة انحرفت في فهم الإسلام فنزلوا النصوص الواردة في الكفار على إخوانهم المسلمين، وما أشبه الليلة بالبارحة فالذين قتلوا عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب – رضي الله عنهما – كانوا يعتبرون قتلهم جهادا، ويتقربون به إلى الله تعالى.

بل إن الذي قتل علي بن أبي طالب كان رجلا من العباد، ويرى في جبهته أثر السجود، ولما قتله قال: هذا أرجى عمل أتقرب به إلى الله، فانظروا إلى الانحراف الشديد في فهم الإسلام، في فهم الجهاد، وفي فهم الإسلام.

والسؤال المهم من المستفيد من هذه الأعمال الإجرامية؟ من المستفيد من أن يأتي طائفة من أبناء المسلمين ويقتلون مسلمين من جنود الوطن، يمارسون عملهم للحفاظ على أمن البلاد؟ وما الفائدة التي يجنيها أولئك من هذا العمل الإجرامي؟ وهل هو إلا ضرب من ضروب الإفساد في الأرض؟

نعم إن المستفيد الأكبر من هذا العمل الإجرامي هو أعداء المسلمين.

إن هذه الفئة الضالة المنحرفة في فهم الإسلام ينبغي أن يقف ضدها المجتمع بجميع أطيافه، وأن يتعاون ويتكاتف أبناء المجتمع مع ولاة أمر هذه البلاد للقضاء على هذه الفئة، وعلى هذا الفكر الخبيث المنحرف.

وإن هذه الفئة أشبه ما تكون بالخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، جماعة مبتدعة منحرفة في فهم الإسلام، على مر التاريخ أضروا بالإسلام والمسلمين ضررا عظيما، أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

وفي صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، أي: الصغار في السن، سفهاء الأحلام، أي: قليل العقول، يقولون من خير قول البرية، أي: يأتون بنصوص من القرآن والسنة، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

وفي صحيح مسلم أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في وصفهم : «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان».

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال في الخوارج: «هم شر الخلق والخلقة».

وإنما كانت هذه الطائفة هم شر الخلق والخليقة لعظيم ضررهم، فهم يحرفون النصوص، وينزلون النصوص التي نزلت بالكفار، ويجعلونها في المسلمين.

ثم إن هذه الفئة الضالة من السهل اختراقها من قبل أعداء المسلمين، وإلا لماذا لم نسمع عن هذه الفئة أنها أطلقت يوما رصاصة واحدة على الصهاينة المعتدين، المحتلين لفلسطين، مسرى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؟ وهذا سؤال كبير ومهم لماذا لم يطلق هؤلاء رصاصة واحدة على أعداء المسلمين؟ إنما ضحاياهم هم من المسلمين، ومن أبناء المسلمين.

عباد الله، فقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بافتراق هذه الأمة إلى فرق كثيرة، يقول – عليه الصلاة والسلام -: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كانت على ما أنا عليه وأصحابي» وفي رواية قال: «هي الجماعة» وهذا خبر من الصادق المصدوق – صلى الله عليه وسلم – من لا ينطق عن الهوى عن افتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كل فرقة تدعي أنها على الحق، وبين النبي – صلى الله عليه وسلم – أن هذه الفرق كلها في النار ما عدا فرقة واحدة هي الفرقة الناجية، ووصفها – عليه الصلاة والسلام – بأنها ما كانت على ما عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه، أي: أن هديها موافق لهدي النبي – صلى الله عليه وسلم – ولهدي صحابته – رضي الله عنهم – وهذا الخبر عن افتراق الأمة يستدعي من المسلم أن يكون حذرا أشد الحذر من أن تزل به القدم فيكون مع هذه الفرق المنحرفة التي أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأنها كلها في النار، وأن يحرص المسلم على التأسي بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وصحابته – رضي الله عنهم – وأن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم حتى يكون مع الفرقة الناجية.

وفي حديث حذيفة لما أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – عن شرور وفتن ستقع في هذه الأمة، قال حذيفة: فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك؟ قال: «فألزم جماعة المسلمين وإمامهم» ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[الأنعام: 153].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله، نعيش الآن في زمن قد انفتح فيه العالم بعضه على بعض، وأصبحت وسائل التقنية الحديثة تنقل للإنسان ما في هذا العالم بخيره وشره، واستغل أعداء الإسلام استغلوا هذه الوسائل في التغرير بشباب الأمة، واستهدفوهم لإيقاعهم في فتن الشبهات، وفي فتن الشهوات، ليسلبوهم عن التمسك بدينهم، وكان من جراء ذلك وقوع فتن من الشباب في الغلو، وما يتبعه من التكفير، والتفجير، والإرهاب بشتى ألوانه وصوره، ووقوع فئة أخرى من الشباب في التحلل حتى وصل ببعضهم الوقوع في الإلحاد، والتخلي عن الدين والمبادئ والقيم.

ومطلوب من المجتمع وبخاصة من أرباب التأثير والتوجيه والإرشاد من العلماء، والخطباء، والمعلمين، والإعلاميين، والمربين، ومن الآباء والأمهات أن يعززوا في نفوس هؤلاء الشباب التمسك بدينهم من غير غلو ولا تفريط، وأن يحذروهم من أن يسلكوا مسالك الفرق الضالة المنحرفة التي تعج بها الساحة في هذا العالم.

هذه الفرق تبدأ أول ما تبدأ مع الشاب في تشكيكه في المسلمات، وفي تشكيكه فيما هو عليه، وفي إسقاط الرموز، وفي شيطنة الرموز حتى تكون هذه الرموز تكون ليست محل ثقة عنده، وحينئذ إذا أسقطت الرموز، وشكك في المسلمات يكون هذا الشاب مهيأ لتقبل سموم تلك الفرق، وتبدأ تلك الفرق في بث سمومها الزعاف لدى ذلك الشاب حتى يعتنق تلك الأفكار ثم يكون عدوا لمجتمعه، ولأمته.

وإن المسؤولية فتقع أولا على الوالدين فعلى الآباء والأمهات عليهم مسؤولية عظيمة في هذا الشأن، على الآباء والأمهات أن يحرصوا على تربية أولادهم التربية الصالحة، أن يعززوا فيهم التمسك بدينهم، وأن يعززوا فيهم الاعتزاز بدينهم، وأن يحذروهم من مسالك هذه الفرق المنحرفة، على الآباء والأمهات أن يبذلوا أسباب هداية الدلالة والإرشاد، وأن يسألوا الله لأولادهم هداية والإلهام والتوفيق.

ثم إننا في هذه البلاد نعيش في نعم كثيرة، ومن أعظم هذه النعم: نعمة يغفل عنها كثير من الناس وهي نعمة صفاء العقيدة والمنهج، فنحن – ولله الحمد – في هذه البلاد نعيش في صفاء العقيدة، ليس عندنا شركيات، وليس عندنا بدع ظاهرة، نعيش على التوحيد، وعلى الدين الصحيح – ولله تعالى الحمد والمنة –.

وإن الرسل الذين أرسلهم الله تعالى للأمم السابقة التي انحرفت عن دين الله – عز وجل – لم تكن تنكر أن الله هو الخالق الرازق المدبر، ولكن كان عندها انحراف في جانب العقيدة، فأرسل الله الرسل لأجل تصحيح العقيدة، وتخليص الدين لله – عز وجل – وتحقيق التوحيد، ولذلك فإن صفاء العقيدة، وتحقيق التوحيد هو أهم المهمات، فنحن نعيش في هذه البلاد، في هذه النعمة – ولله تعالى الحمد والمنة –.

ينبغي أن نستشعر هذه النعمة، وأن نبين عظيم قدر هذه النعم لأولادنا من البنين والبنات، وأن نبين لهم نعمة تمسك هذه البلاد وأهلها في العقيدة الصافية، وأن نحذرهم من الفرق المنحرفة التي تخالف هذه العقيدة الصحيحة.

عباد الله، ينبغي أن نبين أن العقيدة الصحيحة وهذا المنهج الصحيح الذي عليها هذه البلاد وأهلها أننا إنما نقول ذلك ليس تقليدا، وليس تعصبا، وإنما نقول ذلك بالأدلة، والبراهين الكثيرة، وقد قام علماء الإسلام بقرون ماضية بجهود كبيرة في سبيل تحقيق ذلك، تحقيق صفاء العقيدة في هذه البلاد – ولله تعالى الحمد والمنة – فلابد من أن نبين لهذا الجيل لأبنائنا وبناتنا هذه النعمة حتى يعرفوا عظيم قدر ما هم عليه، وحتى يتمسكوا بهذه العقيدة الصحيحة، وبهذا المنهج الصحيح، وحتى يحذروا من أن يسلكوا مسالك الفرق المنحرفة.

ثم إن الآباء والأمهات عليهما أن يدعوا الله – عز وجل – في أن يحفظ أولادهما من الانحراف بشتى أنواعه وصوره، من الانحراف إلى الغلو، أو من الانحراف إلى التحلل، وأن يجعل أولادهم قرة أعين لهم، وهذا الأمر يغفل عنه بعض الآباء والأمهات، يركزون على بذل أسباب هداية الدلالة والإرشاد، لكنهم يغفلون عن هداية الإلهام والتوفيق والتي لا يملكها إلا الله وحده، يغفلون عن أن يدعو لأولادهم بهذه الهداية.

وإن الأب والأم مهما بذلا من أسباب هداية الدلالة والإرشاد إذا لم يرد الله هداية هذا الولد من ابن أو بنت فإنه لن يهتدي، ولهذا لم يستطع  نوح – عليه الصلاة والسلام – أن يهدي ابنه مع أنه نبي مرسل من عند الله – عز وجل –.

ومن هنا فينبغي أن يسأل الوالدان يسألان الله – عز وجل – لأولادهما هداية الإلهام والتوفيق، وألا يقصرا في بذل أسباب هداية الدلالة والإرشاد.

اللهم من أرادنا أو أراد بشبابنا فتنة ومكيدة اللهم اجعل كيده في نحره، اللهم اجعل تدبيره تدميرا عليه، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك.

اللهم أحفظنا وأحفظ بلادنا وأمننا وإيماننا وعقيدتنا.

اللهم أحفظنا بالإسلام قائمين، وأحفظنا بالإسلام قاعدين، وأحفظنا بالإسلام راقدين.

اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

اللهم إنا نعوذ بك من مظلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمرا رشدا، يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، والعمل بكتابك، وسنة نبيك محمد – صلى الله عليه وسلم – واجعلهم رحمة لرعاياهم.

اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تذكره إذا نسي، وتعينه إذا ذكر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *