الخثلان
الخثلان
وقفات مع غزوة بدر و فتح مكة
23 رمضان 1439 عدد الزيارات 130

وقفات مع غزوة بدر وفتح مكة

الخطبة الأولى

الحمد لله نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، أحمده تعالى وأشكره حمدا وشكرا كما يحب ربنا ويرضى، وأحمده وأشكره حمدا وشكرا عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضا نفسه، ومداد كلماته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[آل عمران: 102] .

عباد الله، شهر رمضان شهر القرآن والفرقان، قرآن وفرقان يملأ العقول حكمة، والقلوب طهارة، والنفوس انشراحا وبهجة ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ.

وفي شهر رمضان فرقانا من نوع آخر فرقان بين الحق والباطل، إنه فرقان بدر، المعركة الكبرى، ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ هذه الغزوة الفاصلة في تاريخ الإسلام والمسلمين، قد تضمنت دروس وعبر كثيرة للأمة على مر الأجيال، وقد وقعت هذه الغزوة في العشر الأواسط من شهر رمضان، وجمع الله تعالى بين المسلمين وبين عدوهم من غير ميعاد؛ وذلك أنه قد بلغ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خبر العير المقبلة من الشام لقريش، فندب النبي – صلى الله عليه وسلم – الناس للخروج إليها، واستطاع قائد تلك العير أبو سفيان استطاع النجاة بها، لكن قريشا أصرت على الخروج لقتال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بطرا ورئاء الناس وصدا عن سبيل الله، حتى يقول أبو جهل: والله لا نرجع حتى نبلغ بدرا، ونقيم فيها ثلاثا، ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمور، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا.

وأعلم النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه أن الله قد وعده إحدى الطائفتين، إما العير، وإما قريشا، واستشار النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه، وكان يستشير أصحابه في جميع أموره امتثالا لأمر ربه بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ  مع أنه – صلى الله عليه وسلم – أصوب الناس عقلا، وأعظمهم بصيرة، وأحسنهم رأيا، لكنه يريد أن تتأسى به أمته في الاستشارة، لاسيما مما له نوع رعاية وقيادة.

ولما استشار النبي – صلى الله عليه وسلم – أصحابه تكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيا فتكلم المهاجرون وأحسنوا، ثم استشارهم ثالثا ففهمت الأنصار أنه يعنيهم؛ وذلك لأنهم إنما بايعوه على أن يمنعوه وينصروه في ديارهم، فاستشارهم ليعلم ما عندهم، فقال سعد بن معاذ – رضي الله عنه -: «كأنك تعرض بنا يا رسول الله، لعلك تخشى أن نكون الأنصار حقا علي ألا ينصرك إلا في ديارها، وإن لأقول عن الأنصار، وأجيب عنهم فاضعن حبل من شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطينا منها ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فو الله فإن سرت بنا حتى تبلغ البركمن من غمدان – وهو مكان معروف باليمن – والله لنسيرن معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك، إنا لصبر عند اللقاء، صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك».

ثم قام المقداد بن الأسود – رضي الله عنه – فتكلم وقال: «امض بما أمرك الله يا رسول الله، فو الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ولكن نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، فأشرق وجه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وسر بما سمع من أصحابه وقال: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني انظر إلى مصارع القوم».

وسار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بأصحابه إلى الموقع، واختار المكان الأصلح بعد الاستشارة، فلما طلع المشركون، وتراءى الجمعان، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : «اللهم هذه قريش قد خرجت بفخرها وخيلاؤها جاءت لتحاجك وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك وعدك، وما زال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يستغيث، ويتضرع، حتى إن الجميع في تلك الليلة في ليلة بدر، كان نائما إلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قائم يدعو ربه ويستغيث، ويتضرع، حتى سقط ردائه من على منكبه، فأخذ أبو بكر ردائه، وأردئه على منكبه، والتزمه من ورائه، وقال: يا رسول الله، كفاك مناشدتك لربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، وأغفى – عليه الصلاة والسلام – إغفاءة، ثم خرج وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر، وأخذ كفا من الحصباء، فرمى بها وجوه الأعداء فلم تترك رجلا منهم إلا ملأت عينيه، وشغلوا بالتراب في أعينهم، وشغل المسلمين بقتلهم ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ».

قال ابن عباس – رضي الله عنهما – لما كان يوم بدر سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أنه لن يغلبكم أحد، وإني جار لكم، وقام الشيطان فيهم واعظا، فلما التقوا ونظر الشيطان إلى أمداد الله بالملائكة، نكص على عقبيه، وقال: إني أرى ما لا ترون، إني بريء منكم.

ووعظ النبي – صلى الله عليه وسلم – الصحابة، وحثهم على القتال بكلمات معدودة، فقال: «والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم مسلم صابر مقبل غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، فقام عمير بن حمام – رضي الله عنه – وكان بيده تمرات، وقال: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض، إنها إذا لحياة طويلة، وألقى بتمرات كانت في يده، وقاتل مع المسلمين حتى قتل – رضي الله عنه – ونصر الله تعالى أوليائه، وهزم المشركون، فقتل منهم سبعون، وأسر منهم سبعون، وقتل أبرز صناديدهم، وأبرز زعمائهم» ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ[آل عمران: 13].

نصر الله عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: 123].

ودخل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المدينة مؤيدا، منصورا، قد أخافه كل عدو، وأسلم بشر كثير من أهل المدينة، فكانت تلك الغزوة فاتحة خير، ونصر عظيم للإسلام والمسلمين.

عباد الله، كما كان في هذا الشهر كان في مثل هذا الشهر، في شهر رمضان، في أواخر العشر الأواسط منه، كان فيه فتح مكة، فتح البلد الأمين؛ وذلك في السنة الثامنة من الهجرة، لما تم الصلح بين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبين قريش في الحديبية، بعدما تم الصلح في السنة السادسة، كان من أحب أن يدخل في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – فعل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش فعل، فدخلت خزاعة في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وكان بين القبلتين دماء في الجاهلية، فانتهزت بنو بكر هذه الهدنة، فأغارت على خزاعة، وهم آمنون، وأعانت قريش حلفائها بني بكر بالرجال والسلاح سرا على خزاعة حلفاء النبي – صلى الله عليه وسلم - فقدم جماعة من خزاعة إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وأخبروه بما صنعت بنو بكر وإعانة قريش لها، أما قريش فسقط في أيديهم، ورأوا بفعلهم هذا قد نقضوا عهدهم، وأرسلوا زعيمهم أبا سفيان إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليشد العقد، ويزيد في المدة، فكلم النبي – صلى الله عليه وسلم – فلم يرد عليه، ثم كلم أبا بكر وعمر ليشفعا له إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلم يفلح، ثم كلم علي بن أبي طالب فلم يفلح، وسار النبي – صلى الله عليه وسلم – بجيش عظيم، سار إلى مكة، وقال: اللهم خذ الأخبار والعيون عن قريش حتى نبغتها، سار في نحو عشرة آلاف مقاتل، وفي الطريق أسلم عمه العباس، وأخذ أبا سفيان واستأمنه ثم أسلم، ثم أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – العباس أن يوقف أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى يمر به المسلمين، فمرت به القبائل على راياتها، ما تمر قبيلة إلا سأل عنها أبو سفيان العباس فيخبره، فيقول: ما لي ولها، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال العباس: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فلما حاذه سعد قال يا أبا سفيان: اليوم يوم الملحة، اليوم تستحل الكعبة، ثم جاءت كتيبة هي أقل الكتائب وأجلها، فيهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه، ورايته مع الزبير، فلما مر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بأبي سفيان، أخبر أبو سفيان النبي – صلى الله عليه وسلم – بمقولة سعد بن عبادة، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم فيه الله الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة».

ثم أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – أن تأخذ الراية من سعد بن عبادة، وأن تدفع إلى ابنه قيس، ورأى أنها لم تخرج من سعد خروجا كاملا، إذ صارت إلى ابنه، انظروا كيف عالج النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا الموقف، لم يترك الراية مع سعد لكونه تكلم بهذه المقولة غير المناسبة، بل أخذها منه، لكنه – عليه الصلاة والسلام – كان يجبر خواطر أصحابه، لما أخذ الراية منه، جبر خاطره بأن دفعها إلى ابنه، ورأى أنه بدفعه إلى ابنه لم تخرج عن سعد خروجا كاملا – فصلوات الله وسلامه عليه -.

ثم مضى – صلى الله عليه وسلم – وأمر أن تركز رايته بالحجون، ثم دخل مكة فاتحا، مؤزرا منصورا، قد طأطأ رأسه تواضعا لله – عز وجل – حتى إن جبهته لتكاد تمس رحله، وهو يقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا [الفتح: 1] يرجعها، وبعث على إحدى المجنبتين خالد بن الوليد، وعلى الأخرى الزبير بن العوام، وقال: «من دخل المسجد فهو آمن» قيل: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو قلت فيه شيئا، قال: «من دخل دار أبا سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته وأغلق بابه فهو آمن» ثم مضى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى أتى المسجد الحرام ففاض على راحلته، وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بقوس معن، وهو يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ والأصنام تتساقط على وجوهها، ثم دخل الكعبة فإذا فيها صور، فأمر بها فمحيت، ثم صلى فيها، فلما فرغ دار فيها، وكبر في نواحيها، فوحد الله – عز وجل – ثم وقف على باب الكعبة، وقريش تحته ينظرون ما يفعل، فأخذ بعضالتي الباب، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده».

ثم قال: «يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[الحجرات: 13] ثم قال: يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَاذهبوا فأنتم الطلقاء» لم يستغل لحظة النصر هذه في الانتقام مما أذاه أشد الأذى سنين طويلة، أذوه أذى عظيما، حتى ألقوا سلا الجزور على ظهره وهو ساجد، ومع ذلك لما انتصر عليهم لم يستغل تلك اللحظة، وإنما أعلن العفو والصفح عنهم، هذه هي أخلاق الأنبياء، وهذه هي أخلاق العظماء، وهذه هي أخلاق الكبار – فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار، وصلوات الله وسلامه عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار.

وبهذا الفتح المبين تم نصر الله، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأصبحت مكة بلدا إسلاميا، وصارت الدولة للمسلمين، واندحر الشرك وأهله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: 1، 2، 3]. 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله، قد مضى أكثر من نصف شهر رمضان، ونستقبل بعد أيام قلائل موسما عظيما، هو أفضل مواسم السنة على الإطلاق، نستقبل العشر الأواخر من رمضان، هذه الليالي التي هي أفضل ليال السنة على الإطلاق، والتي فيها ليلة هي خير من ألف شهر، فيها ليلة القدر، التي أنزل الله تعالى فيها قرآنا يتلى، بل سورة كاملة تتلى إلى قيام الساعة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ  *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ[القدر: 1، 2، 3، 4، 5] هذه الليلة العظيمة العمل الصالح فيها خير من العمل في ألف شهر، وألف شهر تعادل ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر، فيا له من خير عظيم لمن وفق لهذه الليلة، وهذه الليلة قد أخبر – عليه الصلاة والسلام – بأنها في العشر الأواخر من رمضان، ولكن الله تعالى أخفاها لكي يجتهد الناس بالعبادة، ويتبين من كان جاد في طلبها، وممن كان كسلانا متهاونا.

عباد الله، وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يخلط العشرين الأول من رمضان بصلاة ونوم، فإذا دخلت العشر الأواخر شمر وشد المئزر، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، وكان – عليه الصلاة والسلام – إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان انقطع عن الدنيا، وانقطع عن الناس، وتفرغ للعبادة تفرغا كاملا، فكان يعتكف في مسجده طيلة العشر الأواخر من رمضان، مع أنه – عليه الصلاة والسلام – هو قائد دولة الإسلام، ومفتي الأنام، وهو الموجه والمرشد، والنبي، والرسول، والمرجع للأمة في كل شيء، ومع ذلك كان إذا دخلت هذه العشر انقطع عن الدنيا، وتفرغ للعبادة طلبا لليلة القدر، فينبغي أن نقتدي بالنبي – صلى الله عليه وسلم – ومن تيسر له أن يعتكف في هذه العشر الأواخر فهذا هو السنة، ومن لم يتيسر له أن يعتكف فليعتكف ولو بعض الليالي خاصة ليال الوتر التي ترجى فيها ليلة القدر، ومن لم يتيسر هذا ولا ذاك فلا أقل من أن يتخفف من مشاغل الدنيا التي لا تنقضي، وأن يزيد الوقت المخصص للعبادة، فإنها ليال معدودة، وسرعان ما تنقضي، وتطوى صحائفها، وعمر الإنسان في هذه الدنيا قصير، وهذا موسم عظيم مبارك، ينبغي أن نجتهد فيه، أن نجتهد فيه بالعبادة، والطاعة.

عباد الله، وإن واقع بعض الناس إذا دخلت هذه العشر انشغل بالاستعداد ليوم العيد، وانشغل بالذهاب للأسواق، ونحو ذلك في هذه الليالي المباركة وهذا والله من الحرمان، ينبغي أن تؤجل الأعمال التي يمكن تأجيلها، وأن يخصص المسلم ما يستطيع من ليال هذه العشر المباركة في العبادة، والطاعة، وأفضل عمل ينشغل به الإنسان في ليال هذه العشر هو الصلاة، فإن الصلاة أحب العمل إلى الله، ثم إن هذا هو هدي النبي – صلى الله عليه وسلم – فقد كان يحيى هذه الليالي العشر كان يحييها بالصلاة، وقد صلى معه نفر من أصحابه ليلة ثلاث وعشرين، وصلى بهم إلى ثلث الليل، ثم صلى بهم ليلة خمس وعشرين إلى منتصف الليل، فقالوا: لو نفلتنا بقيت ليلتنا هذا؟ قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» ثم صلى بهم ليلة سبع وعشرين الليل إلا شيئا يسيرا حتى قال الصحابة: حتى خشينا أن يفوتنا السحور، ثم ترك النبي – صلى الله عليه وسلم – أداء صلاة التراويح بالناس بالمسجد خشية أن تفرض على أمته، ثم بعد وفاته – عليه الصلاة والسلام – حيث إن الوحي قد انقطع، اجتمع الصحابة، وجمعوا الناس على إمام واحد، فأصبح صلاة التراويح تصلى في المساجد من عهد عمر – رضي الله عنه – إلى وقتنا هذا، إذ قال – عليه الصلاة والسلام - : «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» «ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».

فاجتهدوا – رحمكم الله – اجتهدوا في هذه الليالي الفاضلة فإنها غنيمة مباركة لمن وفقه الله – عز وجل – ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.

اللهم وفقنا لليلة القدر، اللهم وفقنا لليلة القدر، اللهم وفقنا لليلة القدر، اللهم اجعلنا ممن يقومها إيمانا واحتسابا.

اللهم اجعلنا ممن يقوم رمضان إيمانا واحتسابا، واجعلنا في هذا الشهر ممن تغفر لهم، واجعلنا من عتقاءك من النار.

اللهم بارك لنا فيما تبقى من شهر رمضان، وأعنا على إتمام صيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيك، ووفقنا فيه لما تحب وترضى من الأقوال، والأعمال، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

اللهم وأعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، والعمل بكتابك، وسنة نبيك محمد – صلى الله عليه وسلم -.

ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الحق وتعينه عليه، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *