الخثلان
الخثلان
رمضان شهر الجود
11 رمضان 1439 عدد الزيارات 149

رمضان شهر الجود

الخطبة الأولى

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ[سبأ: 1، 2] أحمده تعالى وأشكره حمدا وشكرا كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، أحمده وأشكره حمدا وشكرا عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضا نفسه، ومداد كلماته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[آل عمران: 102] .

عباد الله، شهر رمضان هو شهر الجود والإحسان، وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، ولئن كان الجود والإنفاق في وجوه البر محمودا في كل وقت إلا أنه يتأكد في هذا الشهر المبارك ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[البقرة: 261، 262].

وقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأنه ينزل كل يوم ملكان من السماء يدعوان للمنفق بالخلف، ويدعوان على الممسك بالتلف، يقول – عليه الصلاة والسلام -: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» متفق عليه.

وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة، اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان – للاسم الذي سمع في السحابة – فقال له: يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيها ثلثه».

عباد الله، إن البذل والإنفاق في سبيل الله برهان على صدق إيمان صاحبه، ولهذا يقول – عليه الصلاة والسلام -: «الصدقة برهان» فهي برهان على إيمان العبد؛ وذلك لأن المال محبوب إلى النفوس، والنفوس شحيحة به، فإذا بذله الإنسان لله فإن الإنسان لا يبذل ما يحب إلا لما هو أحب منه.

وقد كان صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان عندهم حرص عظيم على البذل والإنفاق في سبل الخير، على قلة ما في أيديهم من الأموال، كان هناك بئر يقال لها: بئر رومة، وكانت ليهودي، هي بئر ما أهل المسلمين، كل قربة بدرهم، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - للصحابة: «من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، وله الجنة» قال عثمان: أنا يا رسول الله، فاشتراها عثمان، وأوقفها على المسلمين.

وعن أنس – رضي الله عنه – قال: «كان أبو طلحة – رضي الله عنه – أكثر الأنصار مالا من نخل بالمدينة، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزل قول الله – عز وجل -: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَجاء أبو طلحة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، إن الله أنزل عليك ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَوإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى أرجوا برها، وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «بخ، ذاك مال رابح، بخ، ذاك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، قسمها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمه» متفق عليه.

وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: «أصبت مالا بخيبر لم أصب في حياتي مالا أنفس عندي منه، فذهبت للنبي – صلى الله عليه وسلم – أستشيره، فقال: حبس الأصل، وسبل الثمرة، فحبسه عمر – رضي الله عنه – أي: أوقفه في وجوه البر -».

وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: «لما نزلت ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًاقال أبو الدحداح: يا رسول الله، إن الله يريد منا القرض؟ قال: نعم، قال أبو الدحداح: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وكان حائطه له فيه ستمائة نخلة، ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وفيه أم الدحداح وعيالها، فناداها يا أم الدحداح قالت: لبيك، قال: اخرجي فإني قد أقرضت ربي حائطي هذا».

وذكر بعض أهل السير قصة عجيبة فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: «حدث في خلافة أبي بكر – رضي الله عنه – أن أصاب الناس قحط، ثم قدم في المدينة عير لعثمان بن عفان من الشام، فلما جاءت خرج الناس يتلقونها، وإذا هي ألف بعير، موسوقة برا، وزيتا، وزبيبا، فأناخت بباب عثمان، فلما جعل أحمالها في دارك، جاءه التجار، تجار المدينة فقالوا: بعنا من هذا الذي وصل إليك، إنك تعلم حاجة الناس إليه، فقال لهم عثمان: كم تربحونني على شراءه؟ قالوا: الدرهم بدرهمين، قال: أعطيت زيادة على هذا، قالوا: نعطيك أربعة؟ قال: أعطيت أكثر، قالوا: نربحك خمسة؟ قال: أعطيت أكثر، قالوا: ما في المدينة تجار غيرنا، وما سبقنا أحد إليك، فمن الذي أعطاك أكثر ممن أعطينا؟ قال: الله، إن الله أعطاني من كل درهم عشرة، فهل عندكم زيادة على ذلك، قالوا: لا، قال: فإني أشهد الله أني جعلت ما حملت هذه العير صدقة لله تعالى على الفقراء، والمساكين، ثم وزعها على فقراء المدينة، فما بقي أحد منهم إلا أخذ ما يكفيه وأهله».

وكان ابن عمر – رضي الله عنهما – إذا أعجبه شيء من ماله، وتعلقت به نفسه، تصدق به، يتأول قول الله تعالى : ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّأي: الجنة ﴿حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.

عباد الله، وإنه لينبغي المبادرة بالبذل الإنفاق، وعدم التأخير والتسويف، فإن الإنسان لا يدري متى يفجئه الموت، عن عقبة بن الحارث – رضي الله عنه – قال: «صليت وراء النبي – صلى الله عليه وسلم – بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعا، يتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس بسرعته، وخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، قال: ذكرت شيئا من تبر، أي: قطع من ذهب أو فضة عندنا من الصدقة، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته» رواه البخاري.

فينبغي للمسلم المبادرة لفعل الخير، وألا يتوانى في ذلك.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: «جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» متفق عليه.

إن من الناس من عنده آمال في أنه سيمتد به العمر فيؤخر البذل والإنفاق في سبل الخير، مؤملا أنه سيطول به العمر، ثم إذا به يفجئه الموت على حين غرة فيندم ندما عظيما، ويقول: ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

فينبغي للمسلم أن يبادر بالبذل والإنفاق في سبل الخير، وألا يتوانى في ذلك، فإن الصدقة أمرها عظيم، وآثارها حميدة في الدنيا والآخرة، ففيها الأجر والثواب، والإنسان يكون تحت ظل صدقته يوم القيامة.

ذكر في ترجمة أحد السلف الصالح أنه كان قد التزم أن لا يمر عليه يوم إلا تصدق فيه لله بصدقة، وذات مرة لم يجد شيئا يتصدق به، فأخذ بصل من البيت، وحمله على رأسه، يريد أن يتصدق به، فلقيه أحد الناس فقال: - رحمكم الله – لم يكلفك الله بهذا، قال: إني أردت ألا يمر علي يوم إلا تصدقت فيه لله بالصدقة، إنه بلغني عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «إن المؤمن يكون في ظل صدقته يوم القيامة».

﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم [محمد: 38].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله، وإنه في هذا الشهر المبارك يحرص كثير من الناس على إخراج زكوات أموالهم، فينبغي للمسلم أن يتفقد الأموال التي عنده، فيخرج ما وجب فيه الزكاة، فإن الزكاة هي الثالث من أركان الإسلام، فهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين وبعد الصلاة، فعلى المسلم أن يحرص على إخراجها، طيبة بها نفسه، وقد توعد الله – عز وجل – من يكنز المال ولا يزكيه فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ فقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن الذي يكنز المال ولا يزكيه أنه يعذب به يوم القيامة في الموقف قبل أن يقضى بين العباد، يعذب بهذا المال الذي كنزه، وتعب في جمعه وتحصيله، يعذب به يوم القيامة، ويقال: هذا كنزك، وكل مال لم يزكى فهو كنز يعذب به الإنسان يوم القيامة، أما إذا زكي فإنه يكون مالا بركة على صاحبه.

عباد الله، وعلى المسلم أن يسأل عما يشكل عليه من مسائل وأحكام الزكاة، وألا يفتي نفسه بنفسه، فإن بعض الناس يفتي نفسه بنفسه بأنه ليس عليه زكاة، ولا يريد أن يسأل خشية أن يفتى بوجوب الزكاة، فيشق عليه إخراجها، وهذا لا تبرأ به الذمة، بل الواجب عليه أن يحرص على سؤال أهل العلم عما يجهله، وعما يشكل عليه من مسائل وأحكام الزكاة حتى تحصل له براءة الذمة.

والأصناف التي تجب فيها الزكاة أربعة: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، والسائمة من بهيمة الأنعام، والنقدان وهما الذهب والفضة وما كان في معناهما، وعروض التجارة.

أما الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، والسائمة من بهيمة الأنعام فتفاصيل أحكامه مذكورة في كتب الفقه.

وأما النقدان فهما الذهب والفضة وقد أصبح في معناهما في الوقت الحاضر الأوراق النقدية من الريالات، والجنيهات، والدولارات، وسائر العملات فهي بمعنى الذهب والفضة تجب فيها الزكاة إذا بلغت نصابا، نصاب الأوراق النقدية هو نصاب الفضة في الوقت الحاضر، ونصاب الفضة هو خمسمائة وخمس وتسعين جرام، فنضرب الجرام من الفضة النقية، في خمسمائة وخمس وتسعين فيعادل نصاب الأوراق النقدية هذه الأيام، ألف ومائة وثمانية وسبعون ريال تقريبا، فمن ملك هذا المبلغ فأكثر وحال عليه الحول فيجب عليه أن يزكيه.

وأما الدخل الشهري الذي يدخل على الإنسان كل شهر من مرتب، أو تقاعد، أو غيره.. فإن كان الإنسان لا يدخر منه شيء فليس عليه زكاة، أما إذا كان يدخر منه قد بلغ المدخر نصابا فأكثر فيجب عليه أن يزكيه؛ وذلك مما أن يطلب كشف حساب بنكي، وينظر إلى أقل رصيد في السنة فيزكيه، أو أنه يجعل له تاريخا محددا في السنة كمنتصف شهر رمضان مثلا ويزكيه فيه جميع رصيده، ناويا تعجيل الزكاة فيما لم يحل عليه الحول، وبذلك لا ينظر إلى زكاة رصيده إلا مرة واحدة في السنة، كلما أتى منتصف رمضان زكى جميع ما عنده، هذه الطريقة أسهل وأحوط وأضبط.

وأما القسم الرابع: فهو عروض التجارة، والمقصود بها: العروض التي أعدها الإنسان للتجارة، للبيع، يبيع ويشتري فيها، فهذه يجب عليه أن يقيم هذه العروض عند نهاية الحول، ويخرج ربع عشر قيمتها، وهو اثنان ونصف المائة، ومن ذلك: المحلات، والبقالات، والدكاكين، فيجب على أصحابها أن يقيموها عند تمام الحول، بأن يجردوها، كأنهم يريدون أن يبيعوا البضاعة التي فيها، ثم يخرج ربع عشر قيمتها.

وأما الأسهم فإن كان المساهم مستثمرا أي: أنه لا يبيع ولا يشتري فيها، إنما اكتتب فيها وتركها، أو اشتراها وتركها، أو أنه كان يبيع ويشتري فيها ثم ترك ذلك، فيكفي زكاة الشركات عنها، والشركات عندنا في المملكة، الشركات المساهمة ملزمة من قبل الدولة بدفع الزكوات إلى مصلحة الزكاة والدخل، والمال لا يزكى مرتان.

أما إذا كان المساهم مضاربا بمعنى أنه يبيع ويشتري في الأسهم فيجب عليه أن يزكيها، بأن ينظر إلى التاريخ الذي يحول فيه الحول بعد دخوله في المضاربة في الأسهم، فينظر إلى محفظته كم فيها من أسهم، لو أراد أن يبيع هذه الأسهم التي فيها كم قيمتها؟ ثم يخرج ربع عشر قيمتها، أي اثنين ونصف في المائة.

وأما زكاة الأراضي فإنها تتأثر بنية المالك فإن كان المالك لهذه الأرض يريد بها التجارة، والتربح والتكسب إما في الحال، أو في المستقبل فهذه من عروض التجارة فيجب عليه أن يقيمها، وأن يزكيها عند تمام الحول.

أما إذا كان لا يريد بها التجارة وإنما يريد أن يبني عنها مسكنا، أو استراحة، أو يبني عليها عقارا لتأجيره، أو أن نيته غير جازمة لم تتضح، فهو متردد تارة يريد أن يبني عليها، وتارة يريد أن يبيعها فهذه الأرض لا زكاة فيها.

وأما الصناديق الاستثمارية فيجب على من دخل في صندوق استثماري في أحد البنوك يجب عليه أن يزكي ما يخصه في ذلك الصندوق؛ لأن هذه الصناديق لا تخرج زكواتها إلى مصلحة الزكاة والدخل، فالمسؤولية فيها على ملاك تلك الصناديق.

عباد الله، وعلى المسلم أن يتفقد جميع الأموال التي عنده، وأن يخرجها طيبة بها نفسه، وأن يتحرى بها المستحقين، وبخاصة المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافا ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ هذه الشريحة من المجتمع ينبغي أن نبحث عنها، وأن نعطيها زكواتنا، وصداقتنا، هم أناس يستحون، ولا يسألون الناس إلحافا، وهم فقراء، لكنهم متعففون، وإذا رآهم الجاهل، رآهم يلبسون الثياب النظيفة، ورأى أشكالهم حسبهم أغنياء من التعفف، لكنهم فقراء، ولكن الفطن يعرف أحوالهم، ولهذا وصف الله تعالى من لا يعرف أحوالهم بالجاهل ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ لكن الكيس الذي عنده فراسة وفطنة ينظر إلى دخلهم، وينظر إلى نفقاتهم، وينظر إلى أحوالهم فيعرف أنهم فقراء متعففون، هؤلاء هم الذين ينبغي أن نحرص عليهم، وأن نبحث عنهم، وأن نوصل إليهم زكواتنا، وصدقاتنا.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.[الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، ارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك، يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، اللهم اخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

ونسألك اللهم من الخير كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم.

ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الحق وتعينه عليه، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم بارك لنا فيما تبقى من شهر رمضان، اللهم أعنا على إتمام صيامه وقيامه على الوجه الذي يرضيك.

اللهم وفقنا فيه لما تحب وترضى، واجعلنا ممن يصومه ويقومه إيمانا واحتسابا، واجعلنا ممن تغفر لهم في هذا الشهر، ومن عتقاءك من النار، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *