الخثلان
الخثلان
أعمال القلوب
14 شعبان 1439 عدد الزيارات 26

أعمال القلوب  

الخطبة الأولى

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ[سبأ: 1، 2]  أحمده تعالى وأشكره حمدا وشكرا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأحمده وأشكره حمدا وشكرا كما يحب ربنا ويرضى، وأحمده وأشكره حمدا وشكرا عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضا نفسه، ومداد كلماته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله الله تعالى بشيرا ونذيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ما من خير إلا دل أمته عليه، وما من شر إلا حذرها منه، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين،  أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى؛ فإنها وصية الله للأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70، 71].

عباد الله، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم، فالقلب هو محل نظر الله – عز وجل – من العبد فإذا صلح القلب صلح الجسد كله، وإذا فسد القلب فسد الجسد كله، كما قال – عليه الصلاة والسلام - : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

القلب هو محل معرفة الله – عز وجل – ومحل محبته، وخشيته، وخوفه، ورجائه، والتوكل عليه، القلب هو محل النية التي بها تصلح الأعمال وتقبل، أو ترد وتبطل «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

أشرف ما في الإنسان قلبه، فهو العالم بالله، والساعي إليه، والمحبب إليه، وهو محل الإيمان والعرفان، وإنما الجوارح تبع للقلب، هذه المضغة الصغيرة شأنها عجيب جدا، فكل عضو من أعضاء البدن خلق لعمل خاص به، كل عضو من أعضاء البدن خلص لعمل خاص به، وكماله في حصول ذلك بالفعل منه، ومرضه أن يتعذر عليه الفعل الذي خلق له، فمثلا: فمرض اليد أن يتعذر عليها البطش، ومرض العين أن يتعذر عليها النظر، ومرض اللسان أن يتعذر عليه النطق، ومرض البدن أن يتعذر عليه حركته الطبيعية، أو يضعف عنها، فما مرض القلب، مرض القلب هو أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة الله – عز وجل – ومحبته والشوق إلى لقائه، والإنابة إليه، وإيثار ذلك كله على شهوته وهواه، فإذا لم يصل الإنسان إلى ذلك فمعنى هذا أن القلب لم يصل إلى كماله، وأن القلب مريض.

عباد الله، وقد يمرض القلب ولا يشعر صاحبه بمرضه، وقد يشعر بمرض ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها، ولهذا فعلى المسلم أن يعنى بصلاح وإصلاح قلبه، فإن الفلاح معلق على سلامة هذا القلب، يقول ربنا – عز وجل - : ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 88، 89].

ومرض القلب له أنواع متعددة، فمن الناس من يكون قلبه مريضا فيما يتعلق بالشبهات، فتجد أن أية شبهة يسمعها تؤثر عليه، وتجعله يقلق وربما دخله شيء من الشك والريبة، تجده سماع للشبه، قابلا لها، متأثرا بها، فهذا مريض القلب مرضا متعلقا بالشبهات.

ومن الناس من يكون قلبه مريضا مرضا متعلقا بالشهوات، ومن أبرزها شهوة الزنا، وهذا النوع من أمراض القلوب قد ذكره الله – عز وجل – في كتابه، فقال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا[الأحزاب: 32] فتأمل هذه الآية وكيف أن الله – عز وجل – بين أن الذي يطمع في المرأة عندما تخضع بالقول إنما هو الذي في قلبه مرض أي مريض القلب؛ لأن مريض القلب متهيئ إذا رأى امرأة فإنه يتشوف لأدنى محرك يحركه لها ولو كان ذلك مجرد لين في القول، وهذا الصنف نراه في المجتمع فتجد مَن مِن الناس من هو مولع في النظر للنساء الأجنبيات، ومعاكستهن، وليس ذلك بسبب شدة الشهوة، ليس ذلك بسبب شدة الشهوة ولكن بسبب مرض في قلبه، هذا إنسان مريض القلب، فهو يحتاج إلى علاج، وقد يكون الأمر بالعكس بأن تكون المرأة هي التي عندها مرض القلب فهي مولعة بهذه الأمور.

ومن الناس من يكون المرض في قلبه فيما يتعلق بجمع المال، فتجد أنه مولع بجمع المال، وتحصيل المال من أي طريق، جموع منوع، همه الأكبر في الحياة أن يجمع المال بأي طريق، قد سيطر حب المال على قلبه، فهو عنده مرض القلب مرضا متعلقا بمحبة المال والتعلق الشديد به.

ومن الناس من يكون المرض في قلبه متعلقا بالجاه وبحب المنصب.

ومن الناس من قلبه مريض مرضا متعلقا باللهو واللعب، فمعظم وقته في لهو، وفي لعب، وفي غفلة، وفي هزل، وفي مزاح، وفي غير ذلك.. وهكذا نجد أن أمراض القلوب متنوعة، وإن كان الله – عز وجل – قد ذكر نوعا واحدا منها، إلا أن هذا المثال لأمراض القلوب وإلا فهي أنواع كثيرة، ولهذا فعلى المسلم أن يسعى لإصلاح قلبه، ومن كان عنده شيء من هذه الأمراض فليبادر إلى علاجها.

عباد الله، إن القلب الحي يقود صاحبه إلى فعل الطاعات، حتى إنه لييسر لليسرى، ييسر لفعل الخير من غير كلفة، ومن غير مشقة يجدها، صاحب القلب السليم لا يجد عناء ولا مشقة في أن يحافظ على صلاة الفجر مع الجماعة في المسجد كل يوم؛ لأنه يحمل قلبا سليما يدفعه للمحافظة على الطاعات، وعلى الواجبات الشرعية.

صاحب القلب الحي يجد الطمأنينة والسعادة، ويجد اللذة والراحة، يقول ربنا – عز وجل - : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[الرعد: 28]  تأملوا هذه الآية ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ هذه الطمأنينة يعجز اللسان عن وصفها، هذه الطمأنينة التي يجدها الذاكر لربه، يعجز الواصفون عن وصفها، يقول أحد السلف في وصف هذه الطمأنينة: «مساكين أهل الدنيا خرجوا منها ولم يذوقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه» أي: هذه الطمأنينة المذكورة في الآية.

ويقول آخر: «إنني والله لتمر بي أوقات يطرب لها القلب فرحا، وإني لأقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم إنهم والله لفي عيش طيب».

ويقول آخر: «إنه لتمر بالقلب أوقات يجد فيها نعيما ولذة لو يعلم عنها الملوك، وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف».

عباد الله، وإن الأعمال التي تتفاضل بتفاضل ما في القلوب تفاضلا عظيما، وإن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة يكونان في الصف الواحد متجاوران، ولكن بينهما في الفضل والأجر والثواب كما بين السماء والأرض، كما قال حسان بن عطيه – رحمه الله - : «وذلك لأن أحدهما مقبل على الله – عز وجل – والآخر غافل لاهي ساهي» ولهذا ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – أعمال يسيرة رفعت أصحابها درجات كما في قوله – عليه الصلاة والسلام – : «في قصة المرأة البغي التي رأت كلب فسقته فغفر الله لها» وكما في قوله: «عن رجل رأى غصنا في الطريق أذى المسلمين فأخره فشكر الله له» وكما في قوله: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه» هذه أعمال يسيرة كلمة خرجت بصدق وإخلاص، عمل يسير خرج بصدق وإخلاص، فكان سببا لمغفرة الذنوب، ولرفعة الدرجات، وهذه الأعمال اليسيرة ليس كل من أتى بها يحصل على هذا الفضل، ولكن كما يقول الإمام ابن تيمية – رحمه الله -: «هؤلاء أناس قامت بقلوبهم من الأعمال ما رفعهم إلى هذه المنزلة وإلا فليس كل من سقى كلبا يغفر له، وليس كل من أخر غصنا عن طريق المسلمين يغفر له، وإنما هؤلاء أناس قام في قلوبهم من التعظيم لله – عز وجل – واليقين، والصدق، والإخلاص فحصلوا على هذه المرتبة وهذه المنزلة» وربما يتصدق رجلان بصدقة واحدة ولكن بينهما في الفضل والأجر والثواب بون شاسع، وفرق كبير، وهكذا بالنسبة للصيام، وهكذا بالنسبة للحج، وهكذا بالنسبة لسائر الأعمال، فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، وتتفاوت بتفاوت ما في القلوب.

عباد الله، وتأملوا حديث السبعة الذين يظلهم الله تعالى تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، فنجد مَن مِن هؤلاء السبعة إنما كان له الفضل والمنقبة والجزاء بأن يظله الله تعالى تحت ظله بسبب أعمال قلبية، فقد ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – من هؤلاء السبعة: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» وهذه الصدقة قد تكون بمبلغ يسير لكن اقترن بها إخلاص عظيم، فأخفى هذه الصدقة، حتى لو قدر أن اليد الشمال تبصر لما استطاعت أن ترى اليد اليمنى وهي تعطي الصدقة، وهذا الإخلاص إخلاص عظيم، وهو عمل قلبي، رفع صاحبه بأن يكون من الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.

وذكر – عليه الصلاة والسلام – في هذا الحديث: «رجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» والمحبة عمل قلبي.

ذكر منهم «رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» من خشية الله والخشية عمل قلبي.

وذكر منهم «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله» والخوف عمل قلبي، فانظروا إلى هؤلاء كيف أن هذه الأعمال القلبية رفعتهم درجات علية، فأصبحوا من الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، فعلى العبد أن يعنى بأعمال القلوب، وأن يعنى بصلاح قلبه، فإنها هي التي عليها المدار، وهي التي تتفاضل وتتفاوت بها الأجور والأعمال.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله، أعمال القلوب لها أثر في قبول العمل، ولها أثر على حرص الإنسان على العبادة، وعلى إقباله على الله – عز وجل – والدار الآخرة، أعمال القلوب من المحبة، والخشية، والإخلاص، والخوف، والرجاء، واليقين، هذه لها أثر كبير في تفاضل الأعمال، وفي تفاوتها، ولنأخذ مثلا يوضح المقصود: لو أخذنا من أعمال القلوب اليقين، واليقين من الإيمان، كما يقول ابن القيم وغيره: «اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون» هذا اليقين يتفاوت فيه الناس تفاوت عظيما، فمثلا المسلمون كلهم يؤمنون بالدار الآخرة، وبما أعد الله – تعالى – للمؤمنين من النعيم، وبما أعد للكافرين من العذاب، ويؤمنون بما جاء في النصوص من الحشر، والميزان، ونشر الدواوين، والصراط، والجنة، والنار، إلى غير ذلك مما ورد.. ولكنهم يتفاوتون في اليقين بهذه الأمور تفاوتا عظيما، فمن أهل التقوى والصلاح من تبلغ درجة اليقين عنده أعظم مما لو رآها بالعين؛ لأنه يقول: إن الرؤية بالعين ربما يعتريها ما يعتريها من الوهم، فربما رأى الإنسان السراب يحسبه ماء وهو ليس بماء، فيكون في هذا خداع بصري، ولكن ما أخبر الله به، وما أخبر به رسوله – صلى الله عليه وسلم – ليس فيه وهم قطعا، فهو يؤمن بما أخبر الله به، وما أخبر به رسوله أعظم مما لو رآه، نعم قد يصل اليقين لبعض الناس إلى هذه الدرجة، فإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة من قوة اليقين فلاشك أن هذا سوف يثمر ثمرات عظيمة من المحبة، والخشية، والرجاء، والخوف، والتوكل، والصدق، والتعظيم لله – عز وجل – وفي عبادته وسيره إلى الله – سبحانه وتعالى – وفي معرفة الدنيا على حقيقتها، وفي الرغبة في الآخرة، ولكن هذه المرتبة مرتبة عالية، لا يوفق لها إلا القلة من الناس.

ومن الناس من يضعف اليقين عنده ضعفا شديدا بحيث إن أدنى شبهة تؤثر عليه، يسمع كلمة في مجلس فيتأثر بها، يسمع كلام في وسيلة إعلامية فيتأثر بها، فأدنى شبهة تثار يؤثر على يقينه، فهذا اليقين عنده ضعيف، والناس في هذا متفاوتون ودرجات.

ومما يذكر من قوة اليقين عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة تغير وجهه فسئل قال: «أتدرون بين يدي من أقف؟ أقف بين يدي رب العالمين» فهو يستحضر عظمة هذا المقام، وأنه سوف يقف بين يدي رب العالمين، بين يدي ملك الملوك يناجيه، فقوة اليقين هذه لاشك أنها سيكون لها الأثر الكبير في الخشوع في الصلاة، والقلب الذي امتلأ يقينا لابد أن يخشع صاحبه في صلاته، وله ثلاث درجات: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فعلم اليقين ما علمه بالسماع والخبر، وعين اليقين ما شاهده وعاينه بالبصر، وحق اليقين ما باشره وذاقه ووجده، ويمثل الإمام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – بمثال يوضح المقصود يقول: «لو أخبرك رجل بأن هناك عسل، ووثقت بخبره ثقة تامة، هذا علم اليقين، وإذا رأيت هذا العسل وشاهدته بعينيك هذا هو عين اليقين، وإذا ذقت هذا العسل فهذا هو حق اليقين» فهذه هي درجات اليقين، فعلم اليقين هي الدرجة الأولى، والدرجة التي أعلى منها عين اليقين، والدرجة التي أعلى منها حق اليقين، والناس يتفاوتون في هذا تفاوتا كبيرا، وقد أشار الله تعالى إلى شيء من هذا فقال: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر: 3، 4، 5، 6، 7] فذكر الله تعالى الدرجتين علم اليقين، وعين اليقين.

إن يقين العبد له أثر على قوة إيمانه، وتعبده، وعلى مقدار قوة اليقين يكون سيره إلى الله – عز وجل – وإذا ضعف عنده اليقين عظمت عنده الغفلة واللهو، ولهذا نجد أن من هو غافل عن الدار الآخرة من أبرز أسباب ذلك: ضعف اليقين عندهم، وإلا لو كان عنده قوة يقين لكان لهذا الأثر الكبير في سيره إلى الله – عز وجل – كما ذكر ربنا ذلك في الآية السابقة ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر: 3، 4، 5، 6، 7] أي: لو تعلمون الأمر الذي أنتم سائرون إليه علما يقينيا لانشغلتم عن التكاثر، وعن التفاخر، ولا بادرتم إلى الأعمال الصالحة.

وهكذا يقال بالنسبة لبقية أعمال القلوب فلها الأثر العظيم على الإنسان، لها الأثر العظيم عليه في عباداته، وله الأثر العظيم عليه في سيره إلى الله – عز وجل – فعلى المسلم أن يعنى عناية كبيرة بهذا الأمر، وأن يعنى بصلاح قلبه، وأن يعنى بأعمال القلوب.   

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.[الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك، يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، اللهم اخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمرا رشدا يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه إذا ذكر، وتذكره إذا نسي، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

ونسألك اللهم من الخير كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *