الخثلان
الخثلان
من نازلة جوزة الطيب والزعفران إلى نازلة زواج المسيار
8 شعبان 1439 عدد الزيارات 756

النوازل الفقهية: من نازلة جوزة الطيب والزعفران إلى نازلة زواج المسيار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه ، واتبع سنته إلى يوم الدين، أما بعد:

هذا هو المجلس الثالث في هذه الدورة العلمية نوازل من غير العبادات، ننفتح هذه المجلس بالكلام عن مسألة قديمة جديدة، أما كونها قديمة فقد ذكرها بعض العلماء السابقين وسأبين وجه اعتبارها نازلة، هي مسألة جوزة الطيب والزعفران.

أولا: جوزة الطيب والزعفران هي مما يستخدم كمحسنات لبعض المطعومات والمشروبات، فجوزة الطيب هي نبات يستخدم لتحسين الطبخ، أكثر ما يستخدمه الطباخون، ويستخدم كذلك أيضا في التوابل، يضاف لبعض التوابل، وبعض البهارات، والزعفران معروف يستخدم في القهوة، والشاي، والنعناع، ابن حجر الهيتمي المكي له كتاب اسمه: «الزواجر عن اقتراف الكبائر» هو كتاب مشهور، قال: الكبيرة السبعون بعد المائة أقرأ كلام ابن حجر ليس ابن حجر العسقلاني وإنما الهيتمي قال: «الكبيرة السبعون بعد المائة أكل المسكر الطاهر كالحشيشة، والأفيون، والشيكران، وكالعنبر، والزعفران، وجوزة الطيب، هذه كلها مسكره» والحشيشة معروفة الحشيش والأفيون هذه من المخدرات المعروفة، والشيكران هو البنج، قال كما صرح به النووي في بعضها وغيره في باقيها، فهنا أفاد ابن حجر بأن هذه كلها من المسكرات، واعتبرها من الكبائر، صاحب عون المعبود تعقب ابن حجر الهيتمي في هذا وقال: «إن جوزة الطيب ليس فيها سكر، وإنما فيها تفتير وبعض التخدير، وليست من جنس المسكرات قطعا، وكذلك أيضا الزعفران قال: إنه يزرع بأرضنا هناك في الهند، وقال: إن قول ابن حجر أنه من المسكرات فيه مبالغة عظيمة؛ لأنه عد العنبر والزعفران من المسكرات، وجعل استعمالها من الكبائر كالخمر وهذا كلام باطل وساقط الاعتبار، ولم يثبت قطعا من الأئمة القدماء من العلماء بالنبات سكرهما، فمن أين قال العلامة القرشي - يقصد ابن حجر – فإن الزعفران يسكر مفردا هل حصلت له التجربة على أنه يسكر مفردا، كلا، بل ثبت بالتجربة أنه لا يسكر إلا مع شراب، وقد سألت غير مرة من أدركنا من الأطباء الحذاق أصحاب التجربة والعلم والفهم كلهم اتفقوا على أنه لا يسكر» إلى آخر ما ذكر، فصاحب عون المعبود تعقب ابن حجر الهيتمي في هذا.

نريد الآن تحقيق القول في هذه المسألة، الآن أصبح الزعفران وجوزة الطيب ترد إلينا مصنعة، تستخدم مع الأطعمة والأشربة.

فأما جوزة الطيب الذي يظهر أن استخدام بكميات كبيرة منها أنها قد تؤدي للإسكار، أو التفتير، ولذلك عندنا في المملكة هي ممنوعة من دخولها في المملكة إلا في التوابل بنسبة معينة، لكن لو استخدمت بكميات كبيرة قد تؤدي ربما ليس للإسكار ربما إلى التفتير والتخدير، لكن قد لا تصل للإسكار الذي مصحوب بالنشوة، لكن كما ذكرت هي ممنوعة عندنا في المملكة إلا على سبيل التوابل فقط.

وأما الزعفران الذي يظهر عند التحقيق أنه لا يدخل المسكرات، ولكنه من المفترات إذا استخدم بكميات كبيرة، أما إذا استخدم بكمية يسيرة لإصلاح القهوة أو الشاي ونحوه الذي يظهر أنه لا حرج فيه، ولا يعتبر من المفترات.

وأنا أحببت أن ألفت النظر لهذه المسألة لأن بعض طلبة العلم لا يتنبه لها، ورأيت فتاوى في بعض المواقع الشبكة العنكبوتية فتوى بتحريم الزعفران لأحد المشايخ من إحدى دول الخليج، ونقل كلام ابن حجر وقال: إنه يعتبر من المسكرات.

فالواقع أنه من المنبهات القوية والمفترات ولذلك لو تناولت الزعفران في الليل تلاحظ أنه في الغالب يصيب الإنسان بأرق، يرى تلك الليلة أنه لم يأتيه النوم، عندما يبحث يجد أن السبب هو الزعفران، هو منبه قوي جدا، وربما يدخل فيه المفترات لكنه لا يصل إلى الإسكار، النسبة المستخدمة عندنا هنا في الزعفران في القهوة أو الشاي أو نحوه نسبة يسيرة وقليلة، لكن لو استخدم بنسب كبيرة فهذا قد يؤدي إلى التفتير، وربما إلى التخدير أيضا، وهو مضر إذا استخدم بنسب كبيرة، مضر أيضا بالصحة، هذا هو الحاصل في هذه المسألة، ولابد أن يكون عند طالب العلم تصور عن هذه المسائل؛ لأن بعض طلبة العلم لما طرحت هذه المسائل ما كان عنده أدنى تصور عنها، قال: أول مرة أسمع عنها، لابد أن يكون عندك تصور عن ما قيل وما يقال عنها، فهذه كلها هناك من قديم، هناك من منعها كابن حجر الهيتمي وجماعة، والصواب أنها إذا استخدمت بكميات يسيرة أنه لا حرج فيها، إنما تمنع إذا استخدمت بكميات كبيرة، وهناك رسالة أشرفت عليها طبعت الآن في كتاب بعنوان: «النوازل في الأشربة» وتكلم عن هذه المسألة كلاما مفصلا الباحث وخلص إلى هذه النتيجة، أن استخدامها بكميات يسيرة لا حرج فيها، وأن الممنوع استخدامها بكميات كبيرة.

ننتقل بعد ذلك أيضا لنازلة أخرى وهي زراعة الشعر.

زراعة الشعر كنت قد كتبت فيه بحثا، ثم طور فخرج في هذا الكتاب، خرج هذا العام في هذا الكتاب وإلا أصله بحث محكم واستعرضت فيه الآراء حول هذه النازلة، وأيضا صورت هذه النازلة وما أفاد المختصون من أراد التوسع في بحثها فليرجع لهذا الكتاب، ويقع في ثلاث وستين صفحة، لكن نأخذ خلاصة ما فيه.

أولا: تكلمت عن حقيقة وصل الشعر، وأن العلماء اتفقوا على تحريم وصل الشعر في الجملة، وقد جاء في ذلك حديث ابن عمر: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» بل جاء ما هو أشد وهو أن امرأة زوجت ابنتها فمرضت فتساقط شعرها فجاءت للنبي – صلى الله عليه وسلم – فقالت: يا رسول الله إني أنكحت ابنتي فاشتكت – يعني مرضت – فتساقط شعرها، وفي رواية: إن لي ابنة عريسا – يعني تزوجت حديثا – أصابتها حصبة فتمرق شعرها، أفأصل شعرها؟ فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «لعن الله الواصلة والموصولة» حتى في هذه الحالة لم يأذن لها النبي – عليه الصلاة والسلام – فهذا يدل على شدة الأمر، واختلف العلماء في علة النهي عن الوصل، وقد ذكرت الأقوال في هذا الكتاب ثم رجحت القول بأن العلة هي المنصوص عليها في حديث معاوية لما قدم المدينة، وأخرج كبة من شعر، وقال: «يا أهل المدينة أين علماءكم؟ سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينهى عن هذا، وسماه الزور» هذا في صحيح مسلم، وقوله: سماه الزور إشارة لعلة النهي عن الوصل، وهو التزوير، الزور من التزوير، فمعنى ذلك إنما الوصل حرم لما فيه من التزوير، والتدليس، والغش، والخداع، ونحوه.. هذا هو القول الراجح، وعلى ذلك إذا وصلت المرأة شعرها بشعر آدمي، فإنه محرم، أما إذا وصلت شعرها بشعر غير آدمي فإن كان على وجه لا يشبه الشعر الطبيعي بحيث يدرك الناظر لأول وهلة أنه غير طبيعي فإنه جائز، سواء أكان شعرا، أم صوفا، أم وبرا، أم قرامل؟ أما إذا كان الموصول بشعر المرأة يشبه الشعر الطبيعي بحيث إن الناظر يظنه شعرا طبيعيا فإنه يحرم، سواء أكان بشعر، أو بصوف، أو وبر، أو شعر صناعي أو غير ذلك..

ثم بعد ذلك تكلمت عن حكم زراعة الشعر والفرق بينها وبين الوصل، وأن زراعة الشعر تجري لمن يعاني من الصلع، والسقوط في شعر الرأس، والحاجبين، والأهداب، واللحية، والشارب، وربما مناطق أخرى من الجسم، وفكرة الزراعة تقوم على أخذ شريحة من جلدة فروة الرأس الذي يحتوي على شعر، وزرعها في المكان الخالي، يعني أخذ شريحة من جلدة فروة الرأس الذي يحتوي على شعر وزرعها في المكان الخالي، هو أخذ من جسم الإنسان من مكان ونقله للمكان الآخر هذا معنى زراعة الشعر وحقيقتها، ونقلت عن المختصين كيف تكون زراعة الشعر لكن هذه هي فكرتها.

آراء العلماء فيها اختلفوا على قولين:

القول الأول: جواز زراعة الشعر، ومن أبرز من قال به من العلماء المعاصرين الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله -.

القول الثاني: تحريم زراعة الشعر قال به بعض العلماء، لا أعرف أن أحدا من العلماء الكبار قد قال ببعض الباحثين، من أدلة القول بالجواز قصة الثلاثة من بني إسرائيل الأقرع، والأبرص، والأعمى الذين أراد الله أن يبتليهم، فبعث إلى كل منهم ملكا، فأتى الأبرص وقال: «أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يذهب عني هذا البرص، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، فمسح عليه فذهب عنه البرص، وأعطي ناقة عشراء وولد هذا ونتج هذا حتى أصبح له وادي من الإبل، ثم أتى للأقرع قال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يذهب عني هذا القرع، فمسح عليه فذهب عنه قرعه، قال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطاه بقرة، نتجت حتى أصبح عنده واد من البقر، ثم ذهب الأعمى وقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر الناس، فمسح عليه فأبصر، قال: أي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة، أيضا نتجت حتى أصبح عنده واد من الغنم» فهؤلاء بدل الله أحوالهم، فذهبت عنهم هذه العاهات، ورزقهم الله أموال عظيمة، ثم إن هذا الملك أتى لكل واحد منهم على هيئته الأولى، أتى للأبرص على هيئة أبرص فقير وقال: «إنني رجل فقير، وقد انقطعت بي حبال السفر، ولا بلاغ لي إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أذهب عنك البرص، وأغناك بهذه الإبل، أن تعطيني بعيرا واحدا أتبلغ به في سفري؟ قال: الحقوق كثيرة، المتطلبات والنفقات كثيرة لا أستطيع، قال: ألم تكن كذا، بدأ يذكره، ألم تكن فقيرا فأغناك الله؟ قال: لا إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، جحد نعمة الله، قال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت، ثم ذهب للأقرع فقال: مثل ما قال للأبرص، فرد عليه الأقرع بمثل ما رد الأبرص، فدعا عليه قال: إن كنت كاذبا فصير الله لك إلى ما كنت، ثم ذهب للأعمى فقال: قد كنت أعمى فرد الله علي بصري، وكنت فقيرا فأغناني الله، فخذ من الأموال ما شئت، ودع منها ما شئت، فو الله ما تأخذه أحب إلي مما تتركه، فقال: أمسك عليك مالك، وإنما أنا ملك بعثني الله تعالى لكم وقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك» هذه قصة عظيمة، قصها علينا النبي – عليه الصلاة والسلام – لأجل أن نأخذ العبرة، وأن الإنسان لا يزدري الفقراء والمساكين، وأن يعطف عليهم، وأن يتذكر نعم الله عليه، وألا يجحد نعمة الله عليه، بعض الناس إذا رأى الفقير ينظر إليه نظرة ازدراء واحتقار وهذا لا يجوز، هذا أخوك المسلم ابتلي بالفقر، فينبغي أن تسعى لمساعدته بقدر ما تستطيع، وبعض الناس من قلة التوفيق أنه يبخل ويأمر الناس بالبخل، لا هو الذي بيعطيه، ولا يترك الناس يعطونه، يقول للناس: لا تعطونه، هذا شحات، هذا كذاب، هذا كذا، هذا كذا، وهو غير متأكد، وغير متحقق، فإذا كنت لن تساعد هذا الفقير اتركه لا تساعده، لا تكون من الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، فازدراء الفقراء والمساكين هذا موجود لدى بعض النفوس، ينبغي الحذر، ولهذا كان الإمام أحمد يقولون: لا نرى الفقراء في مجلس أعز منه من مجلس الإمام أحمد، وكان شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله – لا يرضى بأن يهان في مجلسه فقير، كان يعزهم ويكرمهم ويحترمهم، ويدعوهم معه للغداء، الشاهد من هذه القصة: أن هذا الرجل الأقرع طلب أن يذهب عنه قرعه، فمسح الملك على الأقرع وأعطي شعرا حسنا، فدل ذلك على أن السعي في إزالة هذا العيب، واستنبات الشعر الحسن أنه لا بأس به، إذ لو كان محرما لما فعله الملك، وهذا كما ترون استدلال قوي، ثم إن الأصل الإباحة وزرع الشعر ليس من باب التغيير لخلق الله، أو طلب مزيد من التجمل والحسن، وإنما هو من باب رد ما خلق الله – عز وجل – وإزالة العيب، وما كان كذلك فإن قواعد الشرع لا تمنع منه، ثم إن الصلع والقرع يعتبران عيبا في الإنسان يجد من أصيب بهما الألم النفسي، وقد دلت الأدلة على جواز العلاج والتداوي، وإزالة العيوب التي تقع للإنسان.

وأما من قال بالمنع من زراعة الشعر فقالوا: إن هذا يدخل في الوصل المحرم.

والقول الراجح هو القول بجواز زراعة الشعر لقوة أدلته، وأما ما ذكره المخالفون من دخول ذلك في الوصل فهذا غير صحيح، وذلك للفروق الكثيرة بين الوصل وزراعة الشعر، فمن الفروق: أنه في الوصل يضاف إلى الشعر شيء آخر غير الشعر الأول، وهذا المضاف إما يكون شعرا أو غيره، بينما في زراعة الشعر المضاف هو الشعر نفسه مع جزء من الجلد، يحوي بصيلات الشعر، وغاية ما في الأمر أن الشعر ينقل من مؤخر الرأس إلى مقدمه، أو إلى المواضع التي يراد فيها زراعة الشعر.

ذكرت في هذا الكتاب ستة فروق بين الوصل والشعر لمن أراد مزيدا من التوسع في بحث هذه المسألة فليرجع إليها، والخلاصة أن القول الراجح هو جواز زراعة الشعر وأنه لا حرج في ذلك – إن شاء الله -.

ننتقل بعد ذلك للنوازل في فقه الأسرة.

من النوازل في فقه الأسرة التلقيح الصناعي أو ما يسمى بطفل الأنبوب، فإن بعض الناس قد لا يرزق بذرية، ويريد الإنجاب عن طريق التلقيح الصناعي، أو ما يسمى بأطفال الأنابيب فما حكم هذا؟

الإنسان بحاجة إلى الولد، والولد من النعم العظيمة ولذلك زكريا – عليه السلام – دعا الله تعالى قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ وجبل الإنسان على محبة الولد، وهذه الحاجة لها اعتبارها، والتلقيح الصناعي له عدة طرق فإن كان بين الزوجين بحيث تؤخذ النطفة الذكرية من الزوج وتحقن في رحم الزوجة نفسها، وتلقح هذا التلقيح بالجمع ما بين الحيوان المنوي وبالبويضة في رحم الزوجة فإن هذا لا بأس به؛ لأن هو تلقيح من ماء الزوج، وبويضة الزوجة لكن ذلك لم يتم بالطريقة الطبيعية، فاستدعى ذلك التدخل الطبي، وقد يترتب على ذلك كشف عورات، وكشف العورة هنا يجوز للضرورة، أو للحاجة الملحة التي تنزل منزلة الضرورة، فإن المنع من كشف العورة لأجل درأ الفتنة، وهنا كشف العورة إنما هو للحاجة الملحة، والفتنة هنا غير واردة مع أخذ الاحتياطات اللازمة، فإذاً إذا كان بين الزوجين، وكان ذلك عن طريق التلقيح الداخلي فهو أسلوب جائز.

وأيضا من الأساليب أن يؤخذ الحيوان المنوي والبويضة وتلقح خارج رحم المرأة بعد ذلك، ثم يتم إدخالها إلى رحم المرأة بعد ذلك بالطريقة الطبية، فهذه أيضا جائزة؛ لأنها تدور ما بين بويضة المرأة والحيوان المنوي للزوج.

أما إذا كان ذلك خرج عن نطاق الزوجين كما هو موجود في بعض البلاد غير الإسلامية فإن هذا محرم ولا يجوز، محرم بإجماع العلماء، فإن في البلدان غير الإسلامية يؤخذ إذا كان العقم من الزوج يؤخذ حيوان منوي من غير الزوج تلقح به هذه المرأة وهي زوجته، وهذا لا يجوز، هذا يعني هو معنى الزنا، لماذا حرم الزنا؟ لأجل الاختلاط الأنساب، هذا يحقق اختلاط الأنساب، هذا في معنى الزنا، هذا محرم قطعا.

إذاً التلقيح الصناعي إذا كان في دائرة الزوجين فلا بأس به لكن مع أخذ الاحتياطات الكبيرة بضمان ذلك، والضمانات الكافية وأن هذا إنما يدور في دائرة الزوج والزوجة فقط، وهذا هو ما أقره المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، وبذلك يكون هذا أسلوبا لمن لم يرزق بذرية أنه يلجأ لهذا الأسلوب الطبي، وقد نجح مع كثير من الأشخاص هناك أناس لم يرزقوا بذرية فلجئوا لطفل الأنابيب ورزقهم الله تعالى بذرية وهم يعيشون عيشة مستقرة، والحمد لله، هذا من نعم الله تعالى على الناس في هذا الزمن، والشريعة الإسلامية لا تمنع ما كان فيه مصالح، ولا يترتب عليه ضرر، ما دام أنه في محيط الزوجين فلا بأس به.

سيأتينا إن شاء الله الكلام عن اختيار جنس الجنين له ارتباط بهذه المسألة سيأتي الكلام عنها إن شاء الله.

أو ننتقل مباشرة ما دمنا أشرنا إلى اختيار جنس الجنين لعلنا ننتقل مباشرة لهذه المسألة نقدمها، كنت وضعتها متأخرة، لكن لها ارتباط بهذه المسألة ما حكم اختيار جنس الجنين، بأن يختار الإنسان أن هذا الجنين ذكرا أو أنثى؟

اختيار جنس الجنين أولا: هل هو من الممكن أو غير ممكن؟

أن بودي من يتصدى للفتوى، والبحث في المسائل الفقهية ألا يستعجل في الجزم بالنفي؛ لأنه لا يدري قد ينفي شيئا ويتبين أن الواقع بخلافه، أن هذا حصل في فتاوى اللجنة الدائمة أنهم قالوا: اختيار جنس الجنين هذا غير ممكن، ومن يقول بذلك فهو كذا، والواقع أنه ممكن طبيا، بودي أن من يتصدى للفتوى ألا ينفي، وإنما كان فقهاؤنا السابقون يفترضون أشياء غير واقعة ويقولون حتى لو وقعت يتصورها طالب العلم، جبلت النفوس على حب الذكور، وهذا أمر معروف من قديم الزمان، وكانوا في الجاهلية كانوا يحتقرون الأنثى، بل بلغ الأمر ببعضهم إلى أن يدفن الأنثى وهي حية، وهي الموءودة ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ هذا موجود في الجاهلية وعند العرب، وكتابات بعض المعاصرين أن هذا غير موجود، هذا مصادم للقرآن، هذا موجود، صحيح أنها لا تثبت نسبتها لبعض الصحابة كعمر، عمر لم يثبت عنه هذا أنه دفن ابنته وكانت تمسح التراب عن لحيته هذا غير صحيح، لم يثبت عن عمر، وإنما أكبر بناته حفصة، ولم يثبت عن عمر أنه وأد بنت قط، لكن هذا موجود عند العرب، والله تعالى ذكره في القرآن ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ يختفي ﴿مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ فمحبة الذكور موجودة، واختيار جنس الجنين أصبح ممكنا مع التقدم الطبي الآن، يستطيع الإنسان أن يطلب من الأطباء أن يختاروا له أن يكون أولاده ذكورا أو إناثا، هذا ممكن، ما حكم هذا من الناحية الشرعية؟

اختيار جنس الجنين بالطرق غير الطبية هذا موجود من قديم، والآن يوجد مشكلة في البلدان التي فيها كثافة عالية في السكان مثل: الهند والصين، فالصين والهند مسموح بطفل واحد، إذا حملت الزوجة يكشفون على الجنين، فإذا كان أنثى أجهضت، فأصبح الآن عندهم اختلال في التركيبة السكانية، أصبح الذكور أكثر من الإناث، وهذه المشكلة الآن في تزايد عندهم، هذه يتدخلون في ذلك عن طريق إجهاض الإناث، الحكم الشرعي لاختيار جنس الجنين؟

هذا بحث في المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي إذا كان بالطرق الطبيعية فلا بأس، الطرق الطبيعي مثل: النظام الغذائي يقولون: ما ندري عن صحة هذا لكن بعض العامة وبعض الناس يتناقلون أن المأكولات المعينة إذا أكلها الزوج أو الزوجة فإنها تسبب في أن ينجب الذكور مثلا، وكالغسول المهبلي، أو الغسول الكيميائي بأن المرأة تأخذ دشا من غسول يكون فيه أحماض، أو يكون فيه أشياء حمضية، وتغسل فرجها قبل الجماع، ثم إن حملت فإنها ستحمل بذكر، هذا قيل والله أعلم بصحته، أيضا بتوقيت الجماع بتحري وقت الإباضة فإذا كان قبل أو بعد يأتي ذكر أو أنثى، هذه عند بعض الناس فيها تجارب، وهذه الأصل فيها الجواز.

ولكن المسألة المهمة هي التدخل الطبي لاختيار جنس الجنين بحيث يتدخل الأطباء في الكروموسومات، يتدخلون ما بين البويضة والحيوان المنوي بحيث يكون الجنس الذي يرغبون فيه، والغالب هو الرغبة في الذكور أكثر من الإناث، لكن بعض قد يرغب في الإناث، بأن يكون عنده كل أولاده ذكور، فيرغب التدخل الطبي لأجل أن يكون المولود القادم أنثى، وبعض الناس يكون أولاده كلهم إناث فيرغب في التدخل الطبي بأن يكون المولود القادم ذكرا، نسبة نجاح التدخل الطبي ليست كبيرة حتى الآن، وحضر عندنا في المجمع الفقهي مجموعة من الأطباء المختصين، وقالوا: إن النسبة تدور ما بين عشرة إلى ثلاثين في المائة فقط، ولكن قد ترتفع هذه النسبة مستقبلا مع التقدم الطبي.

المجمع الفقهي منع من التدخل الطبي لاختيار جنس الجنين إلا في حال الضرورة العلاجية في الأمراض الوراثية، نص قرار المجمع أقرأه أولا ثم أعلق قالوا أولا: يجوز اختيار جنس الجنين بالطرق الطبيعية كالنظام الغذائي، والغسول الكيميائي وتوقيت الجماع بتحري وقت الإباضة لكونها أسباب مباحة لا محذور فيها.

ثانيا: لا يجوز أي تدخل طبي لاختيار جنس الجنين إلا في حالة الضرورة العلاجية في الأمراض الوراثية التي تصيب الذكور دون الإناث أو بالعكس، فيجوز حينئذ التدخل بالضوابط الشرعية المقررة على أن يكون ذلك بقرار من لجنة طبية مختصة، لا يقل عدد أعضاءه عن ثلاثة من الأطباء العدول، يقدم تقرير طبي بالإجماع يؤكد أن حالة المريضة تستدعي أن يكون هناك تدخل طبي حتى لا يصاب الجنين بالمرض الوراثي، ومن ثم يعرض التقرير على جهة الاختصاص لجهة الإفتاء المختصة لإصدار ما ترى.

إذاً فقط أجازوا التدخل الطبي لاختيار جنس الجنين في حالات الضرورة العلاجية، حالات الضرورة العلاجية هي الحالات التي إذا كان الإنجاب فيها للذكور فإنه يصيب الأمراض الوراثية، وإذا كان للإناث لا يصيب، أو العكس، إذا كان الإنجاب إناثا يصاب النسل بأمراض وراثية، وإذا كان ذكورا لا يصاب، يقولون: هذه حالات معروفة طبيا فقالوا: هنا يجوز إذا أتى مثلا هذا الزوج وقال: إنني إذا رزقت بإناث فإن هؤلاء الإناث يصبن بأمراض وراثية، وإذا رزقت بذكور لا يصابون بأمراض وراثية، فيجوز التدخل لجعل نسله من الذكور، أو العكس، لأن هذه حالات ضرورة، وفيها تلافي لهذه الأمراض الوراثية.

أما اختيار جنس الجنين لأجل التشهي، ليس للضرورة العلاجية للتشهي، شخص يريد أن يكون عنده ذكور أو أن يكون عنده إناث فهذا لا يجوز؛ لأن فيه تدخلا لخلق الله – عز وجل – وفيه إخلالا بالتركيبة السكانية التي وضعها الله تعالى لمصلحة البشر، فإن أي مجتمع لابد أن يكون فيه ذكور وإناث، وإذا سمح للناس بالتدخل لاختيار جنس الجنين ربما اتجه الناس لهذا المجتمع لاختيار الذكور فقط، فيحصل في هذا من المفاسد ما لا يخفى، ولذلك رأينا بعض هذه المفاسد في الدول ذات الكثافة السكانية، لما اتجه الناس لإجهاض الإناث والإبقاء على الذكور أصبح الذكور أكثر من الإناث، فحصل في ذلك اختلالا في التركيبة السكانية، وترتب على ذلك مفاسد.

إذاً اختيار جنس الجنين إنما يجوز فقط في الحالات العلاجية في الأمراض الوراثية فقط، ولا يجوز في غيره.

ننتقل بعد ذلك لأيضا نازلة من النوازل المتعلقة بفقه الأسرة وهي إسقاط الجنين المشوه.

أولا: الجنين يبدأ في التخلق في بطن أمه نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم تنفخ فيه الروح، ونفخ الروح إنما يكون في طور المضغة بعد مرور مائة وعشرين يوما، ولهذا قال الله – عز وجل - : ﴿مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ يعني بعد مرور مائة وعشرين يوما بعد طور المضغة، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم تنفخ الروح، فهو بعد طور المضغة، وقد وضح هذا النبي – عليه الصلاة والسلام – فقال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك  - كم أصبحت أربعين، وأربعين، وأربعين كم؟ مائة وعشرين يوما – ثم يرسل إليه الملك ينفخ فيه الروح - إذاً نفخ الروح بعد مائة وعشرين يوما - ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» سبحان الله، رزق الإنسان مكتوب وهو في بطن أمه، أول ما بدأ الرزق بكتب رزقه لن يأتيك من الرزق إلا ما كتبه الله لك، يعني حقيقة هذه المعاني إذا استقرت لدى المسلم تورث الطمأنينة، وتزيل عنه القلق والتوتر، الرزق مكتوب وأنت في بطن أمك، لا يزيد الرزق حرص حريص، لكن أنت مأمور فقط بفعل الأسباب لكونها أسباب، لكن اطمئن لن يأتيك من الرزق إلا ما كتب الله لك، وهكذا الأجل، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد إذاً نفخ الروح ذكرنا أنه بعد مائة وعشرين يوما.

تأتي لنا مسألة إسقاط الجنين المشوه إذا كان الجنين المشوه في طور الأربعين فهنا لا حرج في الإسقاط لأي سبب، وعند الحنابلة أنه يجوز الإسقاط مطلقا حتى يعني بدون سبب، وإن كان الأولى ألا يكون الإسقاط إلا بسبب لأنه لا زال نطفة ليس بإنسان، ما فيه روح، ولأنه إذا كان يجوز العزل فكذلك أيضا بعد أن تصل النطفة للرحم، أما إذا كان ما بين الأربعين ومائة وعشرين فهو أيضا لم تنفخ فيه الروح، لكن الإسقاط أشد منه في الأربعين، لا يكون إلا وجود حاجة، أو مصلحة، فإذا أخبر الأطباء بأن الجنين سيكون مشوها، وعمره أقل من مائة وعشرين يوما فهنا لا بأس بإسقاطه؛ لأنك في الحقيقة لم تقتل إنسان إنما أسقطت نطفة أو علقة أو مضغة، ولا يترتب على هذا أي شيء آخر.

الإشكال إذا بلغ عمر الحمل مائة وعشرين يوما فأكثر هنا نفخت فيه الروح، وأخبر الأطباء بأن هذا الجنين سيكون مشوها، لو ولد فهل يجوز إسقاطه أو لا يجوز؟

إذا نفخت فيه الروح فقد أصبح إنسانا لأن الإنسان مكون من جسد وروح، وإسقاطه بعد مائة وعشرين يوما هو في الحقيقة قتل لنفس معصومة، وعلى هذا فلا يجوز إسقاط الجنين المشوه إذا بلغ عمر الحمل مائة وعشرين يوما فأكثر.

وأما القول بأنه سيخرج مشوها الله تعالى هو الذي خلقه، وهو متكفل برزقه، وربما أنه لا يخرج مشوها، كم من حالات التي قرر الأطباء بأن الجنين سيخرج مشوه ولم يخرج، وربما إذا خرج مشوها أن الله تعالى يعوضه بأمور أخرى، وقد يكون سبب لرزق الوالدين، وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم لكن لا يجوز الاعتداء عن نفس معصومة وقتلها بحجة أن هذه النفس ستكون مشوهة، دعها لخالقها، حتى وإن كانت مشوهة، فبعد مائة وعشرين يوما لا يجوز الإسقاط، والذي يسقط، ويأمر بالإسقاط قد قتل نفسا معصومة، سواء كان طبيبا، أو ممرضا، أو حتى الوالدان اللذان يأمران بالإسقاط مشتركان في جريمة القتل.

لكن ترد عندنا مشكلة أخرى وهي عمر الحمل الآن عرفنا أن هذا الحكم الشرعي مرتبط بعمر الحمل فكيف نحدد عمر الحمل مائة وعشرين يوما؟

الأطباء الآن يحددون عمر الحمل بأول يوم من آخر حيضة،  يحسبون عمر الحمل من هذا الوقت، وهذه الحسبة شرعا غير صحيحة.

الحساب الصحيح هو من حين التقاء الحيوان المنوي بالبويضة، هنا يبدأ عمر الحمل، لكن نحن الآن أمام أمر واقع.

هل يمكن أن يحسب عمر الحمل بالموجات فوق الصوتية؟

هو يمكن لكن الإشكال أن الموجات فوق الصوتية مرتبطة بالحاسب المبرمج على حساب الحمل بأول يوم من آخر حيضة، أفادني أحد الأطباء وهو موجود معنا الآن بهذه المعلومة، ونقلها عن بعض الأطباء المختصين، وهذه الآن نقع في إشكالية الآن مع الأسف أن الطب عند المسلمين مرتبط بالطب عند الغرب، والغرب ما يهمهم عمر الحمل، مائة وعشرين، أو مائة وعشرة، أو مائة وثلاثين ليس عندهم هذا الاعتبارات التي عندنا نحن المسلمين، فالإشكال الآن الأطباء المسلمين يقلدون الآن أطباء الغرب في حساب عمر الحمل، يحسبونه من أول يوم من آخر حيضة، المرأة الآن في حال الحيض كيف تحسب الحمل؟

لهم طبعا، لهم فلسفتهم في هذا، لكن من الناحية الشرعية يحسب من أول من حين التقاء الحيوان المنوي بالبويضة، ولذلك لابد للأطباء المسلمين أن يوجدوا حلا لهذه الإشكالية لأنها ترتبط بها أحكام شرعية، هنا هذه المسألة التي بين أيدينا الآن، لو أتانا الآن شخص قال: عمر الحمل مائة وعشرين يوم، كيف حسبتها مائة وعشرين يوم؟

قال: أخبرني الطبيب، كيف حسبها الطبيب؟

حسبها من أول يوم من آخر حيضة، هل هذه حسبة صحيحة؟

هذه ليست حسبة صحيحة، لكن هم يقولون: من أول يوم من آخر حيضة يضاف لها أسبوعان أيضا، فيه فرق الحقيقة من أسبوعين إلى خمسة عشر يوما، هذه بالنسبة لنا مؤثرة، نحن قلنا مائة وعشرين يوم تنفخ فيه الروح، طيب الآن عندنا هذا الفرق يصل من عشرة أيام إلى أسبوعين، إلى خمسة عشر يوما، فما عندنا الآن حساب دقيق لعمر الحمل، ولذلك لابد أن الأطباء المسلمين يسعون لإيجاد حل لهذه الإشكالية، لأن الآن حساب عمر الحمل منقول لنا من الطب الغربي، الطب الغربي ما تهمه هذه القضايا، لكن نحن المسلمين تهمنا كثيرا، يهمنا حتى اليوم الواحد مؤثر، ولذلك يعني المسألة كما سمعتم تقريبية عمر الحمل، ما عندنا قطع، يصل التفاوت إلى أسبوعين ما بين التقدير الطبي، والتلقيح، فأسبوعين مؤثرة في الفتوى، فلذلك أنا أطرحها لكم جميعا ونوصي الأطباء بأن يسعوا لإيجاد حل لهذه الإشكالية، ولعلي أيضا أذكرها لبعض المشايخ في المجامع الفقهية لكي يبحثوها، ويستدعوا الأطباء أيضا، ويسمعوا منه، ويطلبوا منه أيضا لإيجاد حل لهذه الإشكالية بحيث يمكن تحديد عمر الحمل بدقة؛ لأنه تترتب عليه أحكام شرعية ومنها هذه المسألة التي بين أيدينا وهي إسقاط الجنين المشوه، لكن لاحظوا هذه المسألة أنا لم أسمع أو أقرأ أن أحدا تعرض لها، وهي مسألة مهمة يا إخوان ومؤثرة وكبيرة وتترتب عليها أحكام شرعية، وتجد الفتاوى مباشرة يعتمدون على رأي الطبيب، الطبيب كيف حسبها، كيف حسب عمر الحمل؟ نحن الآن أمام هذه الإشكالية، أنا أثير الإشكال فيها، وإن شاء الله تعالى نسعى لإيجاد حلول لها مستقبلا إن شاء الله تعالى.

ننتقل بعد ذلك مسألة أخرى وهي ما يسمى بزواج المسيار.

وهذا المصطلح معروف في دول الخليج زواج المسيار، لكن في غير دول الخليج ما يعرفونه، في دول الشام، ومصر، والمغرب العربي، وبقية الدول ما يعرفون زواج المسيار وهو موجود عند دول الخليج، وإن كان الفقهاء قد يبحثون مسائل شبيهة به مثل: نكاح النهاريات، والليليات، هذا موجود، رجل يتزوج امرأة تعمل خارج منزلها، وترجع إلى زوجها نهارا، أو العكس مثلا، زواج ما يسمى بزواج المسيار هو نكاح مكتمل الأركان والشروط، وهو نكاح بولي، وشاهدين، وإيجاب، وقبول، مكتمل الأركان والشروط، لكن يتفاهم الزوج مع الزوجة على أن تسقط عنه بعض حقوقها فتسقط عنه النفقة، وتسقط عنه مثلا المبيت، وربما يتفاهم معها على تأخير الإنجاب، ما حكم هذا الزواج؟

بحث هذا في المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي كنت معهم مشاركا في البحث، الحقيقة أننا أمام زواج مكتمل الأركان والشروط لا نستطيع أن نبطله، لكنه ليس هو الزواج المثالي المنشود، هو زواج قد يكون غير لائق اجتماعيا عند بعض الناس، لكنه من الناحية الشرعية مكتمل الأركان والشروط، هو بولي، وشاهدين، وإيجاب وقبول، فهو من الناحية الشرعية زواج صحيح، لكنه غير لائق اجتماعيا عند بعض الناس، وهناك بعض الأنكحة الصحيحة شرعا، وغير لائقة اجتماعيا، أرأيت مثلا زواج الرجل بخادمته، خادمة في البيت، أو زواج المرأة بسائق، هو من الناحية الشرعية إذا كان بولي، وشهود، وإيجاب وقبول، صحيح، لكنه اجتماعيا غير لائق، كونه غير لائق اجتماعيا لا يجعلنا أن نقول غير صحيح شرعا، هكذا أيضا بالنسبة لما يسمى بزواج المسيار، وقد يصلح لشريحة من المجتمع، قد تكون مثلا المرأة مطلقة أو أرملة، وعندها أولادها، لا تريد أن تترك أولادها، وتريد زوجا يتردد عليها في بيتها مع أولادها، يكون زوجا لها، وتتنازل عن بعض حقوقها في المبيت، ونحو ذلك فهو يحقق مصلحة لها من جهة إعفافها، ووجود زوج لها يتردد عليها من حين لآخر، ويحقق مصلحة للزوج من جهته أيضا إعفافه أنه له زوجة يتردد عليها من غير أن تشترط عليه المبيت، ففيه مصلحة للطرفين، فإذا حصل التراضي فلا مانع.

وأما قول بعض الناس أن زواج المسيار يجعل المرأة كالسلعة، كالممتهنة التي يتزوج بها الرجل لأجل المتعة، وأن هذا لا يليق، وفيه امتهان لكرامة المرأة، فنقول: نحن نشترط رضا المرأة، هذا الكلام إنما يكون صحيحا لو أن المرأة أجبرت عليه، لكن يشترط رضا المرأة، إذا رضيت المرأة بهذا هل تكون لكم وصاية على المرأة أن هذا الزواج ما يصلح لها؟ هي رضيت به ظروفها ما تساعدها في أن تقبل بالزواج المعتاد، ظروفها تجعلها لا تقبل إلا بهذا النوع من الزواج كما ذكرنا أرملة، أو مطلقة، أو عندها أولادها، تريد أن تبقى لتربية أولادها، وتقبل بزوج يتردد عليها من وقت لآخر هي ترضى بهذا، فليس فيه امتهان لكرامة المرأة، إنما الامتهان لكرامة المرأة لو أن المرأة أجبرت على ذلك، لكن المرأة يشترط أول شرط رضا المرأة الآن بهذا الزواج، فإذا حصلت التراضي من الزوجين، وحصلت الشروط، وحصلت الأركان، والشروط، ما المانع من الجواز؟ هو جائز شرعا.

لكن هناك بعض الشروط التي لا تصح، من هذه الشروط شرط عدم الإنجاب هذا شرط غير صحيح، حتى لو كتب؛ لأنه منافي لمقتضى عقد النكاح، لكنه لا يؤثر على صحة النكاح، لكن الشرط نفسه غير صحيح، وشرط عدم النفقة أيضا شرط غير صحيح؛ لأنه منافي لمقتضى عقد النكاح، وهذه يمكن ألا تجعل شروطا وإنما تكون بالتفاهم بين الزوجين، لكن لا تجعل شروطا لأنه شروط غير صحيحة، لكن تكون بالتفاهم، يتفاهم الزوج مع الزوجة أنا أرغب في تأخير الإنجاب، أو لا أريد الإنجاب في هذه الحال، وفي هذا الوقت، أو لا أريد تعفيني من النفقة، ونحو ذلك.. إذا كان بالتفاهم بين الزوجين لا حرج، لكن أن يجعل شرطا فهذا شرط غير صحيح، لكنه لا يؤثر على صحة عقد النكاح.

والضجة التي أثيرت في بعض الصحف، أثيرت من جهة أن بعض الناس صوروا هذا النكاح بغير صورته الحقيقية، قالوا: إن فيه امتهان لكرامة المرأة، وفيه كذا، وفيه إرضاء لمتع الزوج وغرائزه، هذا إنما يكون لو كانت المرأة مجبرة، لكن نحن الآن نشترط رضا المرأة، فلا حرج فيه من الناحية الشرعية.

الإشكال حقيقة في تسميته بالمسيار، حتى المجمع في قراره ما سماه بالمسيار، لكن الناس هم الذين تعارفوا على تسميته بالمسيار، وهو يختلف عن بعض الرافضة يقولون: عندكم أيتها السنة شيء يشبه نكاح المتعة عندنا وهو زواج المسيار؟

هذا غير صحيح، نكاح المتعة محرم، نكاح المتعة أن يتمتع الرجل بالمرأة مدة معينة ثم يطلقها، هذا لا يجوز، واستقر إجماع أهل السنة والجماعة على تحريمه، أما نكاح المسيار هو نكاح بولي وشاهدين، وإيجاب وقبول، نكاح مكتمل الأركان والشروط ومؤبد ليس مؤقتا، فرق بينه وبين نكاح المتعة.

هناك ما يسمى بنكاح الأصدقاء، وهو شبيه بزواج المسيار، لكن على الطريقة الأوروبية هو زواج مسيار على الطريقة الأوروبية، تعرفون أنه في أوروبا تكاليف المعيشة باهضة، والإيجار عندهم مرتفع، والشاب ما يستطيع أن يوفر مسكنا للزوجة، فيتعرف هذا الشاب على فتاة، هو مسلم وهي مسلمة، ويقولون: بدل ما تبقى هذه العلاقة محرمة، يعقد الزوج على هذه المرأة بعقد مكتمل الأركان والشروط، ولي وشاهدين، ومهر، وإيجاب وقبول، لكن لا يكون للزوجة مسكن، وغير ملزم بالمبيت، وإنما يأخذها كالصديق، تذهب معه للفندق، للمطعم، لأي مكان، وترجع لبيت أهلها، فهو كزواج المسيار لكن بالطريقة الأوروبية، هذا الزواج أيضا نقول فيه كما قلنا في نكاح المسيار أنه لا بأس به من الناحية الشرعية، وإن كان من الناحية الاجتماعية قد يكون غير لائق لدى بعض الناس، لكنه من الناحية الشرعية ما دام مكتمل الأركان والشروط فلا بأس به، وبدل ما تكون علاقة بين هذا الشاب والشابة علاقة غير شرعية، تحول لعلاقة شرعية بدل ما يمشي معها ويذهب معها على أنه صديق، يذهب معها على أن زوج وهذا يحتاج له المسلمون في أوروبا وفي بعض البلدان التي فيها أقليات إسلامية.

النكاح بنية الطلاق هذا ذكرناه عرضا وإلا هو ليس نازلة، ومذكور ذكره الفقهاء السابقون، والخلاف فيه معروف بين أهل العلم، فمنهم من أجازه، وقال: إن النية لا تؤثر على صحة النكاح، ومنهم من منع منه، والحقيقة أنه هو نكاح أيضا مكتمل الأركان والشروط، ويتم بولي، وشاهدين، ومهر، وإيجاب، وقبول، مكتمل الأركان والشروط لكن ينوي الرجل أن يطلق هذه المرأة بعد مدة معينة، كمبتعث مثلا للدراسة أو العمل يقول: أريد أن أتزوج بهذه المرأة مدة، ثم إذا أردت أن أرجع إلى بلدي طلقتها فمن أهل العلم من أجازه وابن قدامه في المغني نسبه لأكثر أهل العلم، ومن أبرز من أجازه من العلماء المعاصرين سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله – وقالوا: إنه مكتمل الأركان والشروط النية غير مؤثرة، ورجع شيخنا عبد العزيز في هذه المسألة مرارا وقال: إن الرجل قد يتزوج بنية الطلاق، ثم يرغب في المرأة فلا يطلقها.

والقول الثاني: أنه لا يجوز، وهذا هو الذي أقره المجمع الفقهي الإسلامي، ورجحه الشيخ محمد بن عثيمين أيضا، وجمع من أهل العلم، وجهة أصحاب هذا القول أن فيه غشا، وجه الغش: أن هذه المرأة لو علمت بأن هذا الزوج سيطلقها، أو علم بذلك وليها لم يرضوا، فإن أي عاقل يعلم بأن الوج يتزوج موليته وهو سيطلقها بعد مدة، لا يرضى بذلك، فإن علم ورضي قد أصبح نكاح متعة، وهذا يحصل في بعض البلدان، يعرفون بأن الزوج سيتزوج شهر ثم يطلقها، هذا الآن تحول إلى نكاح متعة، في هذا العرف والموجود، فنقول: لا يخلو أن تعلم الزوج ووليها بأن سيطلق أو لا، فإن علمت بأنه سيطلق فإن هذا أصبح نكاح متعة وهو محرم، وإن لم تعلم بأنه سيطلق فإن هذا يعتبر غشا، كان الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – لولا الغش لقلت بالزواج، هو كذلك ليس فيه إشكالية إلا الغش، ثم إن هذا النوع من النكاح قد أسيء استخدامه فبعض الناس يذهب لبعض الدول الفقيرة، ويتزوج عدد من النساء، يتزوج ويطلق، يتزوج ويطلق، بل ذكر أحد المشايخ في أثناء مناقشة هذا الموضوع في المجمع الفقهي يقول: إن رجلا في سنة واحدة تزوج ثلاثين امرأة، حتى العدد يمكن الآن ما يضبطها ثلاثين امرأة، لو حسبت على أيام السنة ما تأتي، لكن هم يتساهلون في مسألة العدة، فقد أسيء استخدامه، وأحد المشايخ أيضا من فقهاء المجمع يقول: كنت أجيزه فذهبت إلى إحدى البلدان، واستقبلني أناس في  المطار، فقالوا: ماذا تريد؟ هذا اللون أحمر يعني زنا، وهذا أخضر زواج دائم، وهذا لون كذا أصفر زواج بنية الطلاق، نقول: فأصبح عبث، يقول: فتراجعت عن قولي بجواز النكاح بنية الطلاق، وأصبحت أفتي بعدم جوازه؛ لأنه أسيء استخدامه.

والذين أجازوه من الفقهاء السابقين مثل: الشيخ ابن باز أجازوه لرجل ذهب لبلد غربة، مثل: إنسان ذهب لتجارة، أو لدراسة، ويبقى سنين، ويريد أن يعف نفسه، فيقول: إن هذه المرأة بقيت معه سنين ربما يرغب فيها، هذه وجهتهم، ولم يجيزوا الزواج بهذا العبث الذي نسمع به الآن، يذهب إنسان لبلاد فقيرة، ويتزوج عددا من النساء، يتزوج ويطلق، يتزوج ويطلق، مثل هذا، هذا أشبه بالعبث، وهذا لا يجوز.

ولذلك نقول: القول الراجح أن النكاح بنية الطلاق أنه لا يجوز؛ لأجل ما فيه من الغش.