الخثلان
الخثلان
وقفات مع سيرة الصحابي الذي اهتز لموته عرش الرحمن
5 شعبان 1439 عدد الزيارات 256

وقفات مع الصحابي الذي اهتز لموته عرش الرحمن  

الخطبة الأولى

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده تعالى وأشكره حمدا وشكرا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا،  أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله – عز وجل – فإنها وصية الله للأوليين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾.

عباد الله، الحديث في هذه الخطبة عن وقفات مع سيرة صحابي عظيم، صحابي لما مات اهتز عرش الرحمن لموته فرحا بقدومه، هذا الصحابي عاش ست أو سبع سنوات في الإسلام فقط، إنه سعد بن معاذ، سيد الأوس، الأنصاري الأشهلي، أسلم وعمره واحد وثلاثون سنة، ومات وعمره سبع أو ثمان وثلاثون، أي: أنه بقي في الإسلام ست أو سبع سنين، أسلم وعمره واحد وثلاثون، ومات وعمره سبع أو ثمان وثلاثون، بقي في الإسلام ست أو سبع سنين، وهي سنوات قليلة، ومع ذلك لما مات اهتز لموته عرش الرحمن، فيا ترى في أي شيء أمضى هذه السنوات؟ ما هي الأعمال التي عملها وقضاها في هذه السنيات؟ ست أو سبع سنين، عمل فيها أعمالا عظيمة، جعلته لما مات يهتز عرش الرب الرحمن لموته فرحا بقدومه، فما هي الأعمال التي كان يعملها – رضي الله عنه – في هذه السنوات القليلة، إنها جديرة بأن نقف معها، وأن نتأملها، وأن نعتبر بسيرة هذا الصحابي الجليل.

هذا هو سعد بن معاذ – رضي الله عنه – أسلم في المدينة بين بيعة العقبة الأولى والثانية، أسلم على يد الصحابي الجليل مصعب بن عمير الذي أرسله النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة داعيا إلى الله – عز وجل – فما إن دعا مصعب دعا سعد بن معاذ إلا شرح الله صدره للإسلام، فلما أسلم أتى إلى قومه فجمعهم وقال لهم: «كيف أنا فيكم؟ قالوا: أنت أفضلنا، وأصدقنا، وأكرمنا، قال: فإن كلام رجالكم ونساءكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فما أمسى ذلك اليوم إلا وقد أسلم جميع قومه».

جاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: «انطلق سعد بن معاذ معتمرا، فنزل على أمية بن خلف، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام مر بالمدينة فنزل على سعد، فقال له أمية: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس طفت، فبينما سعد يطوف إذا أتاه أبو جهل فقال: من الذي يطوف آمنا؟ قال سعد: أنا، قال: أتطوف آمنا وقد أويت محمدا وأصحابه؟ قال: نعم، فتلاحيا وتنازعا، فقال أمية لسعد: يا سعد، لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي، قال سعد: والله لو منعتني لقطعت عليك متجرك بالشام، فجعل أمية يقول: لا ترفع صوتك، فغضب سعد وقال يا أمية: دعانا منك فإني سمعت محمدا – صلى الله عليه وسلم – يقول: إنه قاتلك، قال: إياي، قال: نعم، قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث، إلى أن قتله النبي - صلى الله عليه وسلم – بيده، قتل أمية بن خلف بيده، وهو الرجل الوحيد الذي تولى النبي – صلى الله عليه وسلم – قتله بيده» وكان أمية منذ أن سمع تلك المقولة كان خائفا من أن يقتل النبي – صلى الله عليه وسلم – ويقال: إنه ضربه برمية تعد سهلة، لكن الرجل لما رأى تلك الرمية خاف وخار وظن أنه ميت؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يكذب، وبالفعل مات من تلك الضربة فقتله النبي – صلى الله عليه وسلم -.

وتأتي غزوة بدر أول غزوة بين المسلمين والمشركين، ويستشير النبي – صلى الله عليه وسلم – الناس فيتكلم أبو بكر وعمر، ولكن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يريد الأنصار فقام سعد بن معاذ فقال: «كأنك تريدنا يا رسول الله، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخوض البحر لخضناه معك، ولعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها ألا ينصرك إلا في ديارهم، وأني لا أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فامضي بما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسئلن من شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه بأمر فأمرنا تبع لأمرك، والله لئن سرت حتى تبلغ برك عمدان من اليمن لنسيرن معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى معك عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك» فسر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واستنار وجهه كالبدر، وقال: «سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم».

وشهد سعد بن معاذ غزوة أحد فأبلى بلاءً حسناً، ثم شهد غزوة الخندق الأحزاب حين اجتمعت قريش وغطفان وقبائل أخرى مع يهود المدينة ومنافقيها ضد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والمؤمنين ولكن الله فرق جموعهم، وأبطل كيدهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وأرسل عليهم ريحا شديدة ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب: 25] وخرج سعد بن معاذ مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه، وهناك رماه رجل من الكفار رماه بسهم فقطع منه الأكحل وهو عرق في الذراع، فما زال ينزف دما، عاش بعد ذلك شهرا، ثم انتقض ذلك الجرح، وتفجر الدم من وريده، وأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن يؤتى به، فأمر بكي جرحه فتوقف الدم، ثم النبي – صلى الله عليه وسلم – من محبته له أمر بأن يؤتى بسعد إلى مسجده، وأن ينصب له فيه خيمة، ليكون قريبا من النبي – صلى الله عليه وسلم – وليتم علاجه، وليزوره، ولما رجع النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه من غزوة الأحزاب، أتاه جبريل وقال: «وضعت السلاح، الملائكة ما وضعت السلاح» انطلق إلى بني قريظة، ويخرج المسلمون مع نبيهم إلى بني قريظة الذين نقضوا العهود، وحينئذ تطلب بني قريظة بعدما انتصر عليهم النبي – صلى الله عليه وسلم – تطلب منهم أن يحكم فيهم رجلا من الأوس؛ لأنهم كانوا من حلفاؤهم فقال: «أترضون أن يحكم فيهم رجل من الأوس؟» قالوا: بلى، قال: فذاك إلى سعد بن معاذ، فقال اليهود: قد رضينا، وكانوا يظنون أنه سيجاملهم، فأرسل النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى سعد بن معاذ، وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به، فأركب حمارا، وجرح يثعب دما، وجاء إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وجعل الناس وهم محيطون به يقولون: يا سعد أجمل إلى مواليك، فأحسن إليهم، فإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد حكمك فيهم لتحسن فيهم، وهو ساكت لا يتكلم، فلما أكثروا عليه قال: «لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم» فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى بعض، ونعى إليهم القوم، فلما انتهى سعد إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – قال للأوس: «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، فلما أنزلوه قالوا يا سعد: إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك، قال: حكمي نافذ عليهم، قالوا: نعم، قال: وحكمي نافذ على المسلمين، قالوا: نعم، قال: على من ها هنا، وأشار بوجهه أشار إلى ناحية رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إجلالا له وتعظيما، قال: نعم حكمك نافذ علي، قال: فإني أحكم فيهم بأن يقتل الرجال، وأن تسبى الذرية، وأن تقسم الأموال، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات» فأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن ينفذ ذلك الحكم، وحفر لهم خنادق في سوق المدينة، وضربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة من اليهود، وكان سعد – رضي الله عنه – لما حكم في بني قريظة قال: «اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة» وقر الله تعالى عينه بذلك، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم - : «جزاك الله خيرا من سيد قوم فلقد أنجزت ما وعدته، ولينجزن الله  لك ما وعدك».

ولما حضرته الوفاة فإن جرحه انتقض دما فحضرته الوفاة، وحضر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر وعمر، فلما توفي وكانوا حاضرين تقول عائشة – رضي الله عنها - : «والذي نفس محمد بيده أني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا بحجرتي، وكانوا كما قال الله: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا[الفتح: 29] وجعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رأس سعد في حجره وقال: «اللهم إنا سعدا قد جاهد في سبيلك، وصدق رسولك، وقضى الذي عليه، فأقبل روحه بخير ما تقبلت به الأرواح» ثم أخبر – عليه الصلاة والسلام – :«بأن سعد لما مات اهتز لموته عرش الرحمن فرحا بقدومه» ثم قال – عليه الصلاة والسلام - : «لما أوتي بمنديل فجعلوا يتعجبون من حسنه لما أوتي بثوب حرير فجعلوا يتعجبون من حسنه ولينه، فقال – عليه الصلاة والسلام -: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها» متفق عليه، وحمل سعد إلى مقبرة البقيع، وصلى عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصحابته، عن جابر – رضي الله عنه – قال: جاء جبريل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: «من هذا العبد الصالح الذي فتحت له أبواب السماء، وتحرك له عرش الرحمن؟».

هذا هو سعد بن معاذ – رضي الله تعالى عنه وأرضاه – صدق الله تعالى فصدقه الله – عز وجل - ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

عباد الله، وحينما نتلمس مظاهر العظمة في سيرة هذا الصحابي الجليل فبالإضافة لصدقه وجهاده مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وشهوده جميع الغزوات نجد أن من مظاهر العظمة ما حدث به – رضي الله عنه – عن نفسه كما ذكر ذلك في سيرته وترجمته قال: «ثلاث أنا فيهن رجل قوي، وما سوى ذلك فأنا رجل من الناس، الأولى: ما سمعت من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حديث قط إلا علمت أنه حق من الله، والثانية: ما كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، الثالثة: ما كنت في جنازة قط فحدثت نفسي بغير ما تقول ويقال لها حتى انصرف عنها».

عقب على هذه الخصال سعيد بن المسيب فقال: «هذه الخصال ما كنت أحسبها إلا في نبي» هذه الخصال الثلاث خصال عظيمة، الخصلة الأولى: هي قوة اليقين، ما سمعت من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حديثا قط إلا علمت أنه حق من عند الله، قوة اليقين والاستسلام لله – عز وجل – وهذا هو مقتضى العبودية الاستسلام لله، ولما قاله الله، وقاله رسوله – صلى الله عليه وسلم – ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ المهم أن يصح الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإذا صح فلا مجال حينئذ للعقل ولا لاجتهاد بشري في الاعتراض عليه؛ لأن ما قاله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حق، وما قاله وحي يوحى، هذا هو المطلوب من المسلم الاستسلام لله – عز وجل – والانقياد له، والاستسلام لما قاله الله، وما قاله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بأن هذا من مقتضى العبودية أن تكون عبدا لله أن تستسلم لما قاله الله، وما قاله رسوله، وأما من كان يأخذ من كلام الله وكلام رسوله ما وافق هواه، وأما ما لا يوافق هواه فإنه يعترض عليه فهذا ليس عبدا لله وإنما هو عبد لهواه ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان: 43] فالواجب على المسلم إذا صح الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يستسلم وأن ينقاد له، وألا يعترض عليه برأيه، ولا بفكره، ولا باجتهاده، هذا هو مقتضى كونه عبدا لله – عز وجل – وهذا هو مقتضى الإيمان الصادق.

وأما الخصلة الثانية: فهي الخشوع في الصلاة، قال: ما كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، أي: أنه يخشع في صلاته خشوعا كاملا، وهذا الخشوع الكامل أجره عند الله – عز وجل – عظيم جدا؛ لأن هذه الصلاة هي أحب عبادة إلى الله – عز وجل – فإذا خشع الإنسان فيها خشوعا كامل كان الأجر عظيما، وكان الثواب جزيلا، ولكنها تحتاج إلى مجاهدة عظيمة من النفس والشيطان؛ لأن الشيطان كبر الإنسان في صلاته غار منه، فأقبل عليه بخيله ورجله حتى يوسوس له، وحتى يذكره بالأشياء التي نسيها ولا يذكرها إلا في صلاته، والمطلوب هو مجاهدة النفس، ومجاهدة العدو الشيطان حتى يخشع الإنسان في صلاته.

وأما الخصلة الثالثة: فهي أنه إذا رأى جنازة اعتبر واتعظ بها، قال: حدثت نفسي قال: ما كنت في جنازة قط فحدثت نفسي بغير ما تقول ويقال لها أي: أنه يمثل نفسه كأنه صاحب الجنازة، كأنه ذلك الإنسان الميت، كيف تكون حاله؟ ويمثل نفسه كأنه ذلك الميت، ماذا سيقول له الملائكة؟ وبأي شيء يسأله الملكان؟ وبماذا سيجيب؟ فيمثل نفسه كذلك، وهذا له أثر كبير في الزهد في الدنيا، وفي معرفة الدنيا على حقيقتها، وفي عدم التعلق الشديد بها، وفي الإقبال على الدار الآخرة.

فهذه خصال ثلاث يذكرها سعد – رضي الله تعالى – عن نفسه مع صدقه وقيامه بالحق، وأنه لم يخف في الله تعالى لومة لائم، هذه سنوات ست أو سبع قضاها هذا الصحابي الجليل في الإسلام لكنه لما مات اهتز لموته عرش الرحمن، وهذا دليل ظاهر على أنه ليس العبرة بعدد السنوات التي يقضيها الإنسان ولكن العبرة بكيف يقضي تلك السنوات، كيف يقضي الإنسان عمره؟ كيف يقضي حياته؟ العبرة بذلك، فانظروا واعتبروا بسيرة هذا الصحابي الجليل – رضي الله تعالى عنه وأرضاه -.

اللهم ارض عن سعد بن معاذ وارض عن صحابة نبيك أجمعين، اللهم ارض عن أبي بكر الصديق، وعن عمر بن الخطاب، وعن عثمان بن عفان، وعن علي بن أبي طالب، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك، يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، اللهم اخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمرا رشدا يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك.

اللهم أصلح أحوال إخواننا المسلمين في كل مكان، اللهم كن لهم ناصرا ومعينا.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، والعمل بكتابك، وسنة نبيك محمد – صلى الله عليه وسلم –

ووفق إمامنا وولي أمرنا وولي عهده اللهم وفقهما لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهما للبر والتقوى، وارزقهما البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهما على الحق وتعينهما عليه، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

* * *