الخثلان
الخثلان
كتاب الطلاق
25 رجب 1439 عدد الزيارات 1784

شرح التسهيل 71

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل في الفقه، وكنا قد وصلنا إلى: (كتاب الطلاق) هذا الباب أو هذا الكتاب هو من الكتب والأبواب المهمة لطالب العلم، إذا قرأت في كثير من كتب الفقه تجد أن الكلام فيها متشعب، وأيضا الخلافات فيها كثيرة، ولذلك في هذا الدرس سأذكر خلاصة في باب الطلاق من ضبط هذه الخلاصة سيضبط مسائل الطلاق بإذن الله تعالى، نقول: هذا حتى تحرصوا على التركيز، لأنك لو قرأت في كتب الفقه تجد أقوال كثيرة ومتشعبة لكن – إن شاء الله – سنأخذ خلاصة في هذا الباب إذا ضبطتها ضبطت مسائل الطلاق.

أولا: تعريف الطلاق: الطلاق معناه في اللغة: التخلية، والإرسال يقال: طلقت الناقة إذا سرحت حيث شاءت.

ومعناه شرعا: حل قيد النكاح أو بعضه.

وتدور على الطلاق الأحكام الخمسة فتارة يكون مباحا، وتارة يكون مكروها، وتارة يكون محرما، وتارة يكون مستحبا، وتارة يكون واجبا.

فيباح للحاجة كسوء خلق المرأة ونحو ذلك.

ويكره عند عدم الحاجة بأن تكون أحوال الزوجين مستقيمة، فيكره الطلاق في هذه الحال؛ لأن في ذلك إزالة لمصالح النكاح.

ويستحب عند تشوف المرأة للطلاق ورغبتها فيه، ورغبتها في الخلع، لكنها لا تستطيع لفقرها، فيستحب للزوج في هذه الحال الطلاق؛ لأنه يحقق رغبة المرأة بذلك.

ويجب الطلاق في حال الإيلاء إذا لم يطأ، ما معنى الإيلاء: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ما معنى يؤلون والإيلاء: أن يحلف الزوج على ترك وطء امرأته أربعة أشهر فأكثر، فهذا تضرب له أربعة أشهر فيؤمر بالوطء وإلا أجبر على الطلاق، فيكون الطلاق في حقه واجبا، لكن لا تبقى هذه المرأة معلقة، لا هي زوجة، ولا هي مطلقة، فيكون الطلاق واجبا.

أيضا يجب الطلاق إذا كانت المرأة تقع في الفاحشة، في الزنا، ولم تتب، فيجب على الزوج أن يطلقها، ولا يجوز له أن يمسكها، لقول الله تعالى - : ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ فإذا كانت الزوجة تقع في الزنا لا يجوز أن يبقيها إلا إذا تابت، أما إذا لم تتب، ولم يظهر عليها الندم، والتوبة فلا يجوز أن يمسكها وإلا كان ديوثا.

يحرم الطلاق إذا كان في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، وكذلك يحرم إذا كان أكثر من طلقه في وقت واحد.

إذا حملت المرأة من الزنا هل يجب الطلاق؟

نقول: يجب ما هو أعظم من الطلاق اللعان الموجب للفرقة الأبدية، يجب عليه ذلك؛ لأنه لو لم يلاعن لنسب الولد لنفسه، الولد للفراش، وأدى لاختلاط الأنساب.

أما إذا كانت المرأة متساهلة مع الرجال الأجانب لكنها لا تقع في الفاحشة فهل يجب طلاقها أو لا يجب؟

يستحب ولا يجب إلا إذا تابت، إذا تابت ينظر للمصلحة لكن إذا لم تتب يستحب ولا يجب، ويدل لذلك حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رجلا أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، إني امرأتي لا ترد يد لامس، قال: «طلقها» قال: إني أحبها، قال: «أمسكها» هذا الحديث أخرجه أبو داود، والنسائي، وضعفه الإمام أحمد، وذكر له طرق متعددة لكن على تقدير ثبوته فسره الحافظ بن حجر، وكذلك قبله أبو العباس بن تيمية، وجمع من أهل العلم قالوا: إن هذا الحديث لو ثبت، فالمقصود به أن هذه المرأة متساهلة مع الرجال الأجانب لكنها لا تقع في الفاحشة، وإلى لو كانت تقع في الفاحشة ما قال له: «أمسكها» وإنما هي متساهلة مع الرجال الأجانب، يكون عندها تبرج، وإذا نظر إليها الرجل لا تكره، وإذا وضع يده عليها لم تنفر منه، لكنه لو أرادها للفاحشة رفضت، فلا تمكنه من وطئها، وهذا يوجد عند شريحة من النساء فهذه لا يجب طلاقها، لكنه يجوز أو يستحب، لذلك هذا الرجل لما ذكر له أنه يحب هذه المرأة قال: «أمسكها» لأنه لا يجب عليك أن تطلقها، لكن هذه معنى لا ترد يد لامس يعني أنها متساهلة مع الرجال الأجانب، لكنها لا تقع في الفاحشة، وإلا لو كانت تقع في الفاحشة لأمره النبي – صلى الله عليه وسلم – بطلاقها.

نعود لعبارة المصنف – رحمه الله - قال: (إنَّمَا يَصِحُّ مِنْ زَوجٍ عَاقِلٍ، مُختَارٍ) أي: إنما يصح الطلاق من زوج عاقل، غير العاقل لا يصح طلاقه، وهو المجنون لا يصح طلاقه؛ لأن المجنون مرفوع عنه القلم، قال – عليه الصلاة والسلام - : «رفع القلم عن ثلاثة: وذكر منهم عن المجنون حتى يعقل» وقوله: مختار يشير إلى أن الزوج لو كان مكرها على الطلاق لم يقع طلاقه، وسيأتي الكلام عنه، عن طلاق المكره من كلام المؤلف بعد قليل عنده قوله: (أو إكرَاهٍ بِضَربٍ وَنَحوِهِ) سنتكلم عنه في ذلك الموضع.

وهنا المؤلف لم يذكر البلوغ وإنما قال: (مِنْ زَوجٍ عَاقِلٍ، مُختَارٍ) وظاهر كلامه أن طلاق الصبي يقع، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، والمراد بالصبي: الصبي المميز لأن غير المميز لا يعقل النية.

قال: (لا مَنْ زَالَ عَقلُهُ بِمُبَاحٍ) من زال عقله بمباح لم يقع طلاقه إجماع كالنائم، إنسان في المنام سمع وهو يقول لزوجته: أنت طالق، يقع طلاقه وإلا ما يقع؟ ما يقع، هذا رجل بينه وبين زوجته مشكلة، ثم نام، ثم وهو نائم قال: أنت طالق، لا يقع طلاقه بالإجماع؛ لأنه أثناء النوم مرفوع عنه القلم.

كذلك أيضا المغمى عليه، لو افترضنا المغمى عليه طلق لا يقع طلاقه، من أعطي البنج لو طلق لا يقع طلاقه، إذاً لا يقع طلاقه إذا زال عقله بمباح.

أما إذا زال عقله بالسُكر وهي مسألة طلاق السكران، طلاق السكران هل يقع أو لا يقع؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أن طلاق السكران يقع، وإلى هذا ذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة، يعني المذاهب الأربعة أن طلاق السكران يقع، وقالوا: لأنه قد عصا الله تعالى بسكره فيقع طلاقه عقوبة له.

والقول الثاني: أن طلاق السكران لا يقع، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهي الرواية التي رجع إليها الإمام أحمد، فإن الإمام أحمد قال في رواية الميموني: كنت أقول إن طلاق السكران يقع حتى تبينت فأقول: إنه لا يقع؛ لأنه لو أقر لم يلزمه، ولو باع لم يجز بيعه، وهذا تصريح من الإمام أحمد برجوعه إلى القول بعدم وقوع طلاق السكران، وقال في رواية أبي طالب: الذي لا يأمر بالطلاق إنما أتى خصلة واحدة وهي تحليلها لزوجها، والذي يأمر بالطلاق قد أتى بخصلتين، حرمها عليه، وأحل لغيره، فهذا خير من هذا، إذاً القول بعدم وقوع طلاق السكران هي الرواية التي رجع إليها الإمام أحمد، أصحاب هذا القول استدلوا لعدم وقوع طلاقه لقول الله – عز وجل - : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ والسكران لا يعلم ما يقول، وإذا كان لا يعلم ما يقول فإنه غير مؤاخذ به، ومما يدل لذلك ما جاء في صحيح البخاري في قصة حمزة بن عبد المطلب عم النبي – صلى الله عليه وسلم – «لما عقر بعيري علي، فجاء النبي – صلى الله عليه وسلم – يلوموه، وكان سكران، كان هذا قبل تحريم الخمر، فصعد حمزة في النبي – صلى الله عليه وسلم – النظر وصوبه، ثم قال: هل أنتم إلا عبيد لأبي، فلما رآه النبي – عليه الصلاة والسلام – يقول ذلك: عرف أنه سكران فرجع القهقره وتركه» وهذه الكلمة كلمة عظيمة لو قالها غير سكران لكان ذلك ردة وكفرا، كيف والمقول له هو النبي – عليه الصلاة والسلام – كيف يجعله عبيدا لأبيه؟! لكنه لما قال هذا في حال السكر لم يؤاخذه النبي – صلى الله عليه وسلم – وصح عن عثمان – رضي الله عنه – أنه قال: «ليس لمجنون ولا لسكران طلاق» وذكر ابن القيم جملة من الآثار على الصحابة في عدم وقوع طلاق السكران، وهذا هو القول الراجح أن طلاق السكران لا يقع، وأن السكران عموما لا يؤاخذ بأقواله وإنما يؤاخذ بأفعاله، وهذا هو المأثور عن الصحابة وهو ظاهر الأدلة من الكتاب والسنة أن السكران يؤاخذ بأفعاله دون أقواله، معنى ذلك لو قتل يقتل أو لا يقتل؟ يقتل، لو أتلف؟ يضمن، لو قذف بالزنا هل يحد حد القذف؟ لا يحد لأن كلامه أصلا ما له قيمة، لو طلق لا يقع، فإذا السكران والقول الراجح وهو المأثور عن الصحابة والتابعين أن السكران يؤاخذ بأفعاله دون أقواله، وعلى ذلك فالقول الراجح أن طلاق السكران لا يقع؛ لأن السكران عندما يتكلم يتكلم بكلام لا قيمة له، أشبه بالهذيان، فهو يهذي بما لا يدري، ولا يعي ما يقول، والناس لا يعبئون بكلامه بل يضحكون عليه ويسخرون منه، ولذلك إذا أراد الناس أن يستهزئوا بأحد قالوا: هذا كلام ما يقوله إلا سكران، أليس كذلك؟ يدل على أن كلامه ماله قيمة، إذا كان كلامه ليس له قيمة وغير معتبر، وهو أشبه بالهذيان كيف نقول: بأنه ينحل به عقد الزوجية الذي سماه الله تعالى ميثاقا غليظا، فإذا القول الراجح الذي يدل له ظاهر القرآن والسنة والآثار عن الصحابة والتابعين، وأيضا القواعد والأصول الشرعية أن طلاق السكران لا يقع، وإن كان هذا القول خلاف ما عليه المذاهب الأربعة، هذا يدل على أنه ليس ما تتفق عليه المذاهب الأربعة هو الصواب، قد يكون الصواب في غيرها، المهم أن لا تكون المسألة مسألة إجماع، هذا تحقيق كلام أهل العلم في مسألة طلاق السكران.

ثم قال المؤلف – رحمه الله تعالى -: (أو إكرَاهٍ بِضَربٍ وَنَحوِهِ بِغَيرِ حَقٍّ) أي: إذا أكره الإنسان على الطلاق فإن الطلاق لا يقع في هذه الحال، ولكن لابد أن يكون الإكراه من إنسان قادر على تنفيذ ما هدد به، يكون بتهديد من قادر على تنفيذ ما هدد به، أو أنه يكون بضرب، أو بأخذ مال يضره، أو نحو ذلك.. إذا أكره على الطلاق فإن الطلاق لا يقع في هذه الحال، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «إن الله عفا عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» ولأن الإنسان إذا قال: كلمة الكفر وهو مكره لم يؤاخذ بها، فالطلاق من باب أولى كما قال الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ يعني أذكر من قضايا بعض المستفتين أن رجلا يقول: إن امرأته رفعت السكين على حلقها قالت: إن لم تطلق قتلت نفسي، وقلت: هل هي فعلا ممكن أن تنفذ ما هددت به، قال: نعم، فطلقها، هل يعتبر هذا إكراه؟ نعم يعتبر إكراه؛ لأنه ليس له خيار إلا أن ينفذ ما هدد به، أو كانت المسألة بالعكس، لو أنه هدد بسكين أو سلاح أو نحو ذلك، فقول المؤلف: (بِغَيرِ حَقٍّ) يفهم منه أنه إذا كان الإكراه بحق وقع الطلاق.

من يمثل لنا مثلا للإكراه بحق؟

إذا أكره القاضي المولي على الطلاق، يعني هذا إنسان آل من امرأته حلف ألا يطأها أربعة أشهر فأكثر، فأمره القاضي بعد أربعة أشهر إما أن تطأ أو تطلق، رفض أن يطأ، فيجبره القاضي على الطلاق، فإذا أجبر فيكون قد طلق مكرها لكنه إكراه بحق فيقع.

قبل أن ننتقل لقول المؤلف: (وَيَملِكُ الحُرُّ ثَلاثاً) هنا أيضا مسألة مهمة يعني هي في غاية الأهمية لم يذكرها المؤلف، لكن لابد من ذكرها، وهي مسألة طلاق الغضبان.

والحقيقة أن أكثر الذين يقع منهم الطلاق ممن يستفتون في مسائل الطلاق أقول: أكثر بدون مبالغة يقع منه الطلاق في حال الغضب الشديد، وتأتيني حالات استفتاءات في الطلاق يمكن لا يقل عن تسعين في المائة منها تكون في حالة غضب شديد، ولذلك لابد من فقه هذه المسألة، الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الغضب اليسير الذي في أوله، لم يشوش على الإنسان فكره، فهذه يقع معه الطلاق بالإجماع؛ لأنه ما من مطلق إلا ويصحب الطلاق شيء من الغضب اليسير، يعني هل يطلب منه يطلق عندما يطلق أن يطلق وهو مبتسم، لابد أن يصحب طلاقه شيء من الغضب اليسير، الغضب اليسير يقع الطلاق معه بالإجماع.

القسم الثاني: الغضب الشديد الذي يزول معه العقل، بحيث لا يعلم الإنسان هل هو في بر، أو بحر، أو أرض، أو سماء، فهذا لا يقع طلاقه بالإجماع، وكنت أعجب كيف يبلغ الغضب بالإنسان إلى هذه الحال إلى أن يفقد عقله، ولا يدري هل هو في بر، أو بحر، كنت أعجب من ذلك، ومن كلام الفقهاء في هذه المسألة حتى أتى إلي أحد الناس، وقال: إنه طلق زوجته، وأنه فقد عقله من شدة الغضب، وأنه لما عاد إليه عقله أخبرت زوجته بأنه قد طلق، فسبحان الله! هذه المسألة التي ذكرها الفقهاء تقع من بعض الناس، بعض الناس الغضب عنده شديد، يفقد عقله ما يدري، عندما يغضب لا يدري عن نفسه، فهذه الحالة لا يقع فيها الطلاق بالإجماع.

الحالة الثالثة: الحالة الوسطى، وهي حال الغضب الشديد لكن يكون مع الإنسان عقله، ويعلم ما يقول، لكنه مشوش الفكر بحيث يشعر بأن هناك من يدفعه للتلفظ بكلمة الطلاق، فكأنه مكرها على الطلاق، ومن علامة هذه الحالة: أنه قبل الغضب لم يخطر بباله الطلاق أصلا وأنه بسبب الغضب طلق، ومن علامتها أيضا: أنه يندم بعدما يذهب عنه الغضب ندما شديدا، فهذه هي الحالة الوسطى، وهي محل خلاف بين الفقهاء، وهي معظم حالات الطلاق تكون في هذه الحالة، الحالة الوسطى، عقله معه يعلم ما يقول، لكن فكره مشوش، يجد نفسه مدفوعا إلى التلفظ بكلمة الطلاق، وذكرنا علامة هذه الحالة: أنه قبل لك لم يخطر بباله الطلاق، وأنه يندم سريعا بعدما يهدأ الغضب، اختلف العلماء في وقوع الطلاق في هذه الحالة على قولين:

القول الأول: أن الطلاق يقع في هذه الحال، وإلى هذا ذهب الجمهور، وهو المذهب عند الحنابلة، وقالوا: لأن هذا الرجل طلق وهو يعلم ما يقول، فيقع الطلاق.

والقول الثاني: أن الطلاق لا يقع في هذه الحال، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «لا طلاق في إغلاق» وهذا الغضبان غضبا شديدا مغلق عليه بسبب شدة الغضب، ولأن المكره إذا كان لا يقع طلاقه فالغضبان غضبان شديدا لا يقع طلاقه من باب أولى كما ذكر ذلك ابن القيم؛ لأنه في الحقيقة هو كالمكره بل أشد، فإنه بسبب شدة الغضب يشعر بأن هناك من أكرهه كان هناك من أكرهه، ودفعه للتلفظ بكلمة الطلاق، ولأن الآثار عن الصحابة والتابعين تدل على أنه لا يقع الطلاق في هذه الحال، وهذا هو القول الراجح اختاره أبو العباس بن تيمية، وابن القيم، ومن مشايخنا سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين – رحمهم الله تعالى جميعا – وهو الذي تدل له الأدلة، وهو أيضا الذي تدل له الآثار عن الصحابة والتابعين، وقد صنف ابن القيم – رحمه الله – في هذه المسألة كتابا قيما عظيما سماه: «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» يسمى إغاثة اللهفان الصغير، إغاثة اللهفان الكبير من مصائد الشيطان، وهو كتاب قيم أنصح بقراءته، والإفادة منه، وقد ذكر في هذا الكتاب مساوئ وأضرار الغضب على الإنسان، وذكر أن بعض الناس قد يمرض من الغضب، وأنه بعد شدة الغضب يبقى أياما مريضا في بيته، لا يدري ما علته، وربما عاده الناس وهو مريض، كل ذلك بسبب شدة الغضب، بل ذكر ما هو أعجب من هذا، قال: إن بعض الناس قد يموت من شدة الغضب، وذكر أن رجلا من العرب كان شديد الغضب، فتكلم عليه أحد الناس بكلمة سيئة، فأراد أن يرد عليه، وقام أحد الحاضرين: ووضع يده على فيه، فقال: قتلتني ومات، يظهر والله أعلم أن تفسير هذا من الناحية الطبية في الوقت الحاضر أنه مع شدة الغضب يرتفع عليه الضغط، وإذا ارتفع الضغط ارتفاعا شديدا يؤدي إلى انفجار أحد العروق، فيهلك أو يمرض، يظهر والله أعلم أن هذا هو التفسير الطبي لما ذكره ابن القيم في هذا الكتاب، وذكر ابن القيم أدلة كثيرة، وآثار عن الصحابة والتابعين في أن طلاق الغضبان في هذه الحال أنه لا يقع، إذاً هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، ومن أراد مزيدا من التفصيل فيها فليرجع لهذا الكتاب فإنه أحسن ما صنف في بحثي هذه المسألة.

أيضا هناك مسألة لم يذكرها المؤلف وهي مهمة وهي مسألة طلاق الهازل.

طلاق الهازل يقع طلاق الهازل، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد، الطلاق، والنكاح، والرجعة» أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وله شواهد وطرق متعددة، ولأنه قصد التكلم بالطلاق وإن لم يقصد إيقاعه، فيقع الطلاق، لا يجعل النكاح الذي سماه الله ميثاقا غليظا محلا للهزل والمزاح فإذا جعله الإنسان محلا للهزل والمزاح فإنه يحكم عليه بموجبه ويقع طلاقه.

نعود لعبارة المؤلف – رحمه الله - قال: (وَيَملِكُ الحُرُّ ثَلاثاً، وَالعَبدُ طَلقَتَينِ) الحر له ثلاث تطليقات بالإجماع، لقول الله – عز وجل - : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ثم قال: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وأما العبد فالأصل أنه على النصف من الحر لكن لا يمكن أن تكون طلقة ونصف، فجبرت الطلقة الثانية فجعل له طلقتان، وهذا قد رويت فيه آثار عن بعض الصحابة – رضي الله عنهم – وروي فيه حديث مرفوع إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وفي سنده مقال.

قال: (ويَحرُمُ جَمْعُ الثّلاثِ) يعني يحرم جمع ثلاث تطليقات بأن يقول: أنت طالق ثلاثا، أو أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق، أو طالق وطالق وطالق، هذا من حيث الحكم هذا يحرم، والسنة أن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ولا يجوز أن يطلق طلقتين، أو ثلاثا، ولكن هل يقع طلاق الثلاث هذا له عدة صور هل يقع ثلاثا، أو يقع واحدة؟

له عدة صور – انتبه لهذه الصور – الصورة الأولى: أن يطلقها ثلاثا بكلمة واحدة، بأن يقول: أنت طالق بالثلاث، أو طالق ثلاثا، اختلف العلماء هل يعتبر ثلاث تطليقات أو طلقة واحدة، اختلفوا على قولين:

القول الأول: أنه يعتبر ثلاث طلقات، وإلى هذا ذهب المذاهب الأربعة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وقالوا: لأنه طلق ثلاثا فيقع ثلاثا، وهذا هو الأصل.

والقول الثاني في المسألة: أنه يقع طلقة واحدة، وهذا قول عند الحنابلة، واختاره أبو العباس بن تيمية، وابن القيم، واختاره أيضا شيخنا عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين – رحمهم الله تعالى جميعا – واستدل أصحاب هذا القول: بحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، كان طلاق الثلاث واحدة، ثم قال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم» قالوا: كان طلاق الثلاث بكلمة واحدة كان يعتبر طلقة واحدة في عهد النبي – عليه الصلاة والسلام – وأبي بكر والسنتين من خلافة عمر، وهذا هو الصواب في المسألة، وأما ما فعله عمر فهو اجتهاد منه – رضي الله عنه – والصواب: ما كان عليه الأمر في عهد النبي – عليه الصلاة والسلام – وفي عهد أبي بكر الصديق، وهذا هو القول الراجح، والله أعلم أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع طلقة واحدة، لحديث ابن عباس، ومما يدل لذلك أنه من حيث اللغة العربية هل يعتبر ثلاثا أو واحدة؟

نوضح هذا بأمثلة: لو أن رجلا قال: إنه مندوب دبر كل صلاة أن يقول المسلم: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر كم مرة؟ ثلاثا وثلاثين، قال: بدل ما أقولها ثلاث وثلاثين، سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاثا وثلاثين وأمشي، هل تقوم مقامها؟ ما تقوم، وهذا يدل على التكرار له أثر في لغات العرب، وفي الشرع، بل أبلغ من هذا في أيمان اللعان، يقول الزوج: فشاهدة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين يحلف بالله أربع مرات إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا، لو قال: أشهد بالله أربع مرات إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا هل يكفي؟ لا يكفي بالإجماع لابد أن يكررها أربع مرات، والزوجة كذلك تكرر أربع مرات، فلو كانت الكلمة المجموعة تغني عن التكرار لكان هذا معتبرا، ولا قيل: فإيمان اللعان قل: أشهد بالله أربع مرات إني لمن الصادقين ولا حاجة للتكرار، والإنسان أيضا بعدما يصلي يقول: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاثا وثلاثين وما فيه داعي أقول: سبحان الله، سبحان الله يكررها ثلاثا وثلاثين هذا مما يبين أن العرب في لغتها تفرق بين تكرار الشيء، وبين كونه مجموعا بكلمة واحدة، إذاً هذه الصورة الأولى، أن يقول: طالق بالثلاث، أو طالق ثلاثا محل خلاف والراجح أنها تقع طلقة واحدة.

الصورة الثانية: أن يطلق الرجل زوجته بأن يقول: طالق ثم طالق ثم طالق، أو أنت طالق وطالق وطالق، أو فطالق فطالق فطالق، فيقع طلاقه ثلاثا، لعموم الآية ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ولأنه لو قال: إنسان السلام عليكم، السلام عليكم ، السلام عليكم، يقال: سلم ثلاثا، ولم يخالف في هذا أبو العباس بن تيمية – رحمه الله – وقال: شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله – قال: إن هذا القول قول ضعيف، ابن تيمية – رحمه الله – ذهب إلى أنه يقع واحدة، قال عنه شيخنا عبد العزيز بن باز: «إنه قول ضعيف مخالف للأدلة الشرعية، ولا أعلم له سندا ولا سلفا».

الصورة الثالثة: أن يقول: طالق طالق طالق فهنا إن نوى تأكيدا وقع واحدة، وإن نوى ثلاثا وقع ثلاثا؛ لأن هذه تصلح أن تكون تأكيدا إذا قال: طالق طالق طالق، نوى تأكيدا وقع واحدة، وإن نوى ثلاثا وقع ثلاثا.

الصورة الرابعة: أن يطلق زوجته في أوقات متعددة، يطلقها الطلقة الأولى، ثم يراجعها بعد ذلك، ثم يطلقها الطلقة الثانية، ثم يراجعها، ثم يطلقها الطلقة الثالثة، أو أنه يطلقها الطلقة الأولى، ثم تنقضي عدتها، ثم ينكحها بعقد ومهر جديد، ثم الثانية، ثم الثالثة، فهنا تحسب ثلاث طلقات بالإجماع، فهذه هي صور الطلاق الأربع، لا يخرج الطلاق في الغالب عن هذه الصور الأربع.

ثم قال المؤلف – رحمه الله -: (وَطَلاقُ مَنْ دَخَلَ بهَا فِي حَيضٍ أو طُهرٍ أصَابَهَا فيهِ ويَقَعُ) أي: يحرم طلاق المرأة في حال الحيض، أو في حال طهر قد جامعها فيه وهذا بالإجماع أنه يحرم؛ لأن ابن عمر – رضي الله عنهما – لما طلق امرأته وهي حائض، غضب النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا يمكن أن يغضب إلا لأمر محرم، وقد نقل الإجماع على تحريم الطلاق في حال الحيض، نقله ابن قدامه، وابن منذر، والنووي، وجماعة من أهل العلم، وهو طلاق بدعة، لكن اختلف العلماء في وقوع الطلاق في حال الحيض وسبب الخلاف: هو الخلاف في طلاق ابن عمر لامرأته، هل حسبت عليه طلقة أو لم تحسب؟

اختلف العلماء على قولين:

القول الأول: أن طلاق الحائض يقع، وإليه ذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، ونقل الإجماع عليه، قال وزير ابن هبيرة: «اتفقوا على أن الطلاق في الحيض يقع» بل إن ابن المنذر قال: «لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال» كذلك النووي أيضا قال: «أنه لم يخالف في ذلك إلا الرافضة وبعض أهل البدع» يعني حكي الإجماع على ذلك.

القول الثاني: أن طلاق الحائض لا يقع، وهذا القول روي عن بعض التابعين، عن طاووس وهو قول الظاهرية، واختاره أبو العباس بن تيمية، وابن القيم.

نأتي للأدلة أما الجمهور فاستدلوا بقصة ابن عمر – رضي الله عنهما – لما طلق امرأته جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر نفسه أنه قال: «حسبت علي تطليقه» وهذا في البخاري، قالوا: هذا صريح في أن حسبت طلقة على ابن عمر، وهذا دليل صحيح صريح في وقوع طلاق الحائض.

وأما القائلون بعدم الوقوع فقالوا: استدلوا برواية لم يراها النبي – صلى الله عليه وسلم – شيئا عند أبي داود وقالوا: هذا دليل على أنها لم تقع، وأيضا قالوا: إن الطلاق في حال الحيض مخالف لأمر الله الذي أمر بالطلاق للعدة ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ومخالف لسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيكون باطلا، لقوله – عليه الصلاة والسلام - : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» قالوا: وأما قوله: «حسبت علي تطليقه» فلعل الذي حسبها غير النبي – صلى الله عليه وسلم – لعله عمر، أو بن عمر نفسه.

والقول الراجح في هذه المسألة نرجح قول الجمهور، خالفناهم في المسائل السابقة لكن هذه المرة قول الجمهور هو القول الراجح، الصواب في هذه المسألة هو قول الجمهور وهو أن طلاق الحائض يقع؛ وذلك لقوة أدلته، فإن ابن عمر يقول: «حسبت علي تطليقه» وهذا في صحيح البخاري، وأما القول بأنه لعل الذي حسبها غير النبي – عليه الصلاة والسلام – فهذا بعيد كما قال الحافظ بن حجر وغيره؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – غضب على ابن عمر وهو الموجه له، والمرشد له في هذه القضية، وبعيد جدا أن يقصد ابن عمر أن الذي حسبها غير النبي – صلى الله عليه وسلم – ولأن المسألة أيضا حكيت إجماعا، ابن المنذر، والنووي قالوا: إنه أصلا لم يخالف في وقوع طلاق الحائض إلا أهل الضلال والبدع، فهما يحكيان عن قول عامة أهل العلم في زمنهم، فالمسألة تكاد تكون إجماع على وقوع طلاق الحيض، وقوع الطلاق في حال الحيض، وعندي أن القول بعدم الوقوع قول ضعيف؛ لأن الأدلة واضحة وظاهرة في الوقوع، ابن عمر يقول: «حسبت علي تطليقه» وأيضا حكي إجماعات عن العلماء في هذه المسألة، فعندما يحكي ابن المنذر، والنووي، وجماعة ويقول: لم يخالف في زمننا إلا أهل البدع، لم يخالف إلا الرافضة وأهل البدع، ولم يؤثر عن أحد من الصحابة أنه قال: أنه لا يقع، ولا حتى عن التابعين إلا عن طاووس إن صح عنه، فالصواب في هذه المسألة أن الطلاق في حال الحيض أنه يقع هذا هو القول الراجح، وهكذا أيضا الطلاق في طهر أصابها فيه هو كالكلام عن الطلاق في حال الحيض.    

ثم قال المؤلف – رحمه الله -: (وَلا سُنَّةَ وَلا بِدعَةَ لِحَامِلٍ، وآيِسَةٍ، وَصَغِيرةٍ كغير مَدخُولٍ بهَا) ولا سنة ولا بدعة القول بأنه لا سنة ولا بدعة عبارة المقنع الموفق في المقنع يقول: (لا سنة لطلاقها ولا بدعة إلا في العدد) السنة عندما تطلق هي ما وافق أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – ومن طلق إحدى هؤلاء النساء التي ذكرهن المؤلف حامل، والآيسة، أو الصغيرة، فقد وافق طلاقه السنة، ولذلك يمكن وصفه بأنه طلاق سنة، فالقول بأنه لا سنة في طلاق هؤلاء هذا محل نظر؛ لأنه يمكن أن يطلق طلقة واحدة للحامل، أو للآيسة، أو للصغيرة، ويقال: إنه طلاق سنة، فلا وجه بوصفه بأنه لا سنة، فهذه العبارة من المؤلف محل نظر، ولكن الصواب في العبارة أن يقول: لا بدعة في طلاق هؤلاء من حيث الزمن؛ لأن الصغيرة، والحامل، والآيسة يعني لسن ممن يحضن، فلا بدعة في طلاقهن من حيث الزمن، أما من حيث العدد فالصحيح أنهن كغيرهن من النساء باعتبار بدعية الطلاق أو عدم بدعيته، فمن طلق مثلا امرأته وهي حامل ثلاث طلاق دفعة واحدة فقد وقع في البدعة، على القول الراجح، وعلى كلام المؤلف أنه لا سنة ولا بدعة على طلاقه، وهذا غير صحيح، وهكذا لو كانت آيسة، أو صغيرة، إذاً نقول: إن كلام المؤلف هنا لا سنة ولا بدعة وهذا يتناقله فقهاء الحنابلة قوله: لا سنة هذا محل نظر، الصواب: أن هناك سنة وأن يطلقها طلقة واحدة يكون قد أصاب السنة، وأما البدعة فإنه لا بدعة من حيث الزمن وهذا صحيح، نوافق المؤلف على هذا، أما من حيث العدد فقد تقع البدعة في طلاق الحامل، والآيسة، والصغيرة، لو طلقها أكثر من طلقه وقع في البدعة حينئذ هذا هو الصواب في هذه المسألة.

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للكلام عن صريح الطلاق وكنايته والكناية الظاهرة والكنايات الخفية، وأيضا هل يقع الطلاق بالكتابة أو لا يقع، لو أرسل رسالة بالجوال إلى زوجته أنت طالق هل يقع أو لا يقع؟ وأيضا الاستثناء في الطلاق، وأيضا الشرط، وطلاق المعلق هذه المسائل كلها تحتاج إلى مزيد بيان، وتفصيل نؤجل الكلام عنها للدرس القادم – إن شاء الله تعالى – .

ونكتفي بهذا القدر في هذا الدرس.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

نجيب عن ما تيسر من الأسئلة.

* * *

هذا سائل يقول: هل هناك نسبة معينة لا يسكر من شرب كثيرها كحد أعلى؟

هذه المسألة في الحقيقة محل خلاف بين المختصين، ما هي النسبة المحددة؟

وسبب الخلاف يقولون: إن هذا يختلف باختلاف الأجسام، فبعض الناس قد تكون نسبة معينة يحصل معها الإسكار، وبعض الناس نفس النسبة لا يحصل معها إسكار، وتختلف باختلاف الناس لكن هناك نسب تقريبية معتمدة في بعض الدول، بالنسبة لقيادة السيارة يمكن أن يستفاد منها، وحتى الآن ما حسمت هذه المسألة يعني ما هو الحد الذي إذا وصله، أو الحد الذي نقول إن الأقل منه نسبة مستهلكة، وإذا وصلته نقول: نسبة قليلة لا تجوز، حتى الآن يعني ليس هناك نسبة قاطعة في هذا المجال، وفيه هناك دراسات نحو هذا الموضوع لكن بشكل عام أقل من واحد بالمائة في الجملة أنها تعتبر بنسب المستهلكة، إذا وصلت واحد بالمائة فأكثر فتعتبر من النسب القليلة وإن كان هذا يحتاج إلى مزيد تحرير أيضا من المختصين، ومزيد دراسات.     

* * *

هذا سائل يقول: ما حكم شراء المشروبات المباحة من الشركة التي أغلب منتجاتها من الخمر؟

هذا لا يجوز لأن في هذا إعانة على الإثم، الشركة التي تبيع الخمر ينبغي مقاطعتها، وألا تشترى منتجاتها؛ لأن هذا هو أقل درجات إنكار المنكر، فأقل ما يمكن إنكار هذا المنكر هو أن تقاطع منتجات هذه الشركة.

* * *

هذا سائل يقول: انتشرت التجارة بالإصلاح في الديات حيث أصبحت تجارة عند بعض المصلحين، فما توجيهك؟

لا شك أن هذا من الأمور السيئة وينبغي ألا تكون الدماء محلا للتجارة، وأن يوجه الناس إلى عدم المغالاة في طلب الأموال مقابل الصلح عن الدم، وأن يرشد الناس في الخطب والمحاضرات ونحو ذلك وفي الوسائل الإعلامية ولكن تحديد حد أعلى بحيث يقال: إنه ليس لأحد أن يطلب أكثر من هذا الحد، هذا درس في هيئة كبار العلماء، ورأت الهيئة عدم تحديد هذا الحد؛ لأن المأثور عن السلف في القرون الماضية كلها أنهم لم يحددوا حدا أعلى، ولأنه إذا حدد حد أعلى كم هذا الحد؟ لو قيل مثلا: مليون معنى ذلك أننا كأننا الآن نقول: لكل من يطالب بدية اطلب هذا القدر مليون، وهذا غير صحيح، ولأن هذا القاتل الآن هو أصلا مطلوب للقصاص، فإذا قال أولياء الدم: نحن نعفو عن القصاص مقابل خمسة ملايين، فلهم الحق في هذا، هو الذي قد تسبب في هذا الغرم بالنسبة لهم، لكن يثقف الناس ويوجه الناس، ويرشد الناس إلى عدم المغالاة في المصالحة على أكثر من الدية.

* * *

هذا سائل يقول: احتج أبو العباس بن تيمية بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – «مره فليراجعها ويطلقها في طهر» ما معنى أن يأمرها بطلاقها ومرة أخرى في طهر وقع الطلاق الأول ومعنى هذا تكون طلقة ثانية؟

هذا محتمل الحديث روي بعدة ألفاظ، لكن قالوا إن المقصود بالمراجعة هنا المراجعة من حيث اللغة، هي وقعت طلقة واحدة، لكن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمره تصحيحا لهذا الذي وقع أن يراجعها، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، وهذا يدل على أنه حسبت عليه طلقة.

* * *

هذا سائل يقول: ما حكم الزيت الذي به نسبة من دهن الخنزير؟

إذا كانت نسبة مستهلكة فكالخمر لا حرج، أما إذا كانت نسبة قليلة أو كثيرة فإنها لا تجوز، فيقال فيه مثل ما قيل في نسبة الكحول.

* * *

هذا سائل يقول: هل يلحق طلاق الموسوس بالغضبان لأن الوسواس يشوش على الذهن ويتم وسوس بأفعال ليس له فيها اختيار؟

نعم الموسوس لا يقع طلاقه عند عامة أهل العلم؛ لأن الموسوس كالمكره، بل ربما يكون أشد، الموسوس مغلق عليه، عندما يطلق يطلق بغير اختياره، قد يبتلى بعض الناس بالوسواس في الطلاق، وأذكر مرة بي حالات كثيرة لبعض الناس حتى إن أحد الناس تزوج امرأة ثم طلقها بسبب الوسواس في الطلاق، ثم ثانية، ثم ثالثة، وأيضا أخبرني أنه سيطلقها، بل وصل به الأمر يقول: إذا كنت أسمع الشريط في السيارة إذا أتت آيات الطلاق يقول: أقلب الشريط، ما أريد أن أسمعها أخشى من الوسواس، ولا يقرأ أيضا إذا أتى كتاب الطلاق في كتب الفقه والحديث ما يقرأ، بلغ الوسواس بعض الناس إلى هذه الدرجة، فهذا إذا طلق لا يقع طلاقه.

* * *

هذا سائل يقول: أصبت بالوسواس في مسألة نواقض الإيمان لدرجة أنني أجدد النطق بالشهادتين في اليوم أكثر من مرة، ومن ذلك أنه دخل علي من باب الخوف من الوقوع في بغض ما أنزل الله، ومثال ذلك: الإحساس بالضيق من إلقاء السلام أو رده، أو من بعض الشعائر الإسلام الظاهرة مع أني أكره هذا الذي يقع في قلبي من الضيق، إلى آخر ما ذكر؟

أولا: البغض لشريعة الله كاملة هذا هو الذي من نواقض الإسلام، أما للبعض لا يحصل به الكفر وإن كان قد قال به بعض أهل العلم لكن الصواب أنه لا يحصل به الكفر إلا إذا أبغضها كاملة، أبغض الشريعة كاملة، وأما بالنسبة لما ذكر الأخ السائل الوسواس إذا كان في أول الأمر سواء في هذا الأمر الذي ذكره أو في الطلاق، أو في الطهارة، أو في أي مجال إذا كان في أوله فيمكن أن يعالج بالنصائح، وبالتوجيهات، وبأن يرشد من به وسواس إلى تقوية الإرادة، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إلى آخره، لكن إذا استحكم الوسواس بالإنسان بحيث وصل إلى درجة الوسواس القهري فهنا لا تنفع معه التوجيهات، التوجيهات مضيعة للوقت ما تنفع معه؛ لأنه أصبح مريضا، ويوجه للعلاج عند الأطباء المختصين، الأطباء النفسانيين، وعندهم طرق في العلاج، عندهم علاج عضوي، وعلاج نفسي، أذكر أنني وجهت أحد الإخوة وبعد سنة تواصل معي وقال: أبشرك أني شفيت ولله الحمد تماما، لكن يقول: في السابق كنت أرى أنه ما يذهب للطبيب النفسي إلا إنسان مجنون، أو كذا، فلما شرحت له وبينت له أن ذهابك للطبيب المختص ليس عيبا، وهذا دليل على الوعي إلى آخره ذهب للطبيب ووجد العلاج وشفي بإذن الله تعالى، إذا استحكم الوسواس بالإنسان فننصحه بأن يذهب للطبيب المختص لأنه سيبقى في معاناة كبيرة إن لم يذهب.

* * *

هذا سائل يقول: ما هو التركيز المعفو عنه بالنسبة الكحول الإثيلي في أدوية السعال وغير ذلك، وكيف نميزها، وهل يجوز استعمال أدوية فيها نسبة من الكحول، وإن كانت النسبة في الدواء خمسة بالمائة أو أكثر؟

الكحول الذي في أدوية الكحة قد يصل إلى عشرين في المائة ليس خمسة بالمائة عشرين في المائة، لكن أنا أسألكم الآن الدواء النسبة التي تؤخذ من الدواء هل هي كثيرة أم قليلة؟ قليلة يعني يمكن خمسة مل إذا قلنا نسبتها عشرين في المائة كحول، كم عشرين بالمائة من خمسة مل، قليلة جدا، أنت لا تنظر لنسبتها من العبوة، لا انظر نسبتها من القطرة التي يتناولها المريض، فلذلك هي قليلة في الحقيقة، حتى وإن كتب عشرين في المائة إلا أن المريض ما يأخذ يمكن إلا خمسة مل أو أقل، ليس متر مل لتر، وخمسة مل لتر أيضا يأخذ عشرين في المائة من خمسة مل متر هذه لا تؤثر، ولا تضر على أن دواء الكحة الذي في عشرين في المائة منع من المملكة ليس لأجل هذه المسألة كما أفادني بذلك الأخوة في هيئة الغذاء والدواء وإنما يقول: لأنه أثبت عدم فعاليته، ما له كبير فائدة، لكن هذه النسب موجودة في الأدوية، لكن الأدوية تختلف عن الأغذية في النسب؛ لأن الدواء لا يأخذ إلا نسبة قليلة، لاحظ القطرة كم نسبة عشرين بالمائة منها؟ قليلة جدا، فلابد من أن ينظر بهذا المنظار.

* * *

هذا سائل يقول: هناك أكلات كالشوكولاته بها نسبة من الكحول الغير المائع حيث لو أكثرت منها أحسست بالدوخة، وعدم التركيز؟

الشوكولاتة الموجودة الآن في بعض الدول، وفي الدول الغربية يوضع عليها قطرات من الخمر هذه لا تجوز، يعتبرونها من المحسنات؛ لأن هذه ليست من النسب المستهلكة هذه من النسب القليلة التي لو أكثر منها لسكر، وكما ذكر الأخ السائل أنه قد يشعر الإنسان ببعض المشاعر لو استخدم هذه الشوكولاته، فعندهم في الغرب على وجه الخصوص، وأيضا مع الأسف في بعض الدول الإسلامية، وبعض الدول العربية عندهم هذا النوع من الشوكولاتة، ويضعون عليها يصبون عليه الخمر، أو الكحول، هذه لا يجوز استخدامها، عندنا في المملكة الحمد لله هذا غير موجود لكن في الدول الأخرى قد يوجد ما ذكره الأخ السائل فهذا النوع من الشوكولاتة لا يجوز لأنه لا يدخل في النسب المستهلكة، وإنما في النسب القليلة.

* * *

هذا سائل يقول: ما حكم اللحم المطهي بالخمر؟

اللحم المطهي بالخمر هذا لا يجوز يعني ماذا بقي، لاشك أنه سيتشرب من هذا الخمر، ويتأثر به.    

* * *

هذا سائل يقول: مستقر في كتب التخريج أن حديث الخضاب بالسواد رواه أحمد حديث صحيح، وردوا على ابن الجوزي وقال: اختلط عليهم عبد الكريم فظنه في البخاري؟

الحديث ضعيف، الحديث من حيث الصناعة الحديثية حديث ضعيف، الذي هو كحواصر الطير، ثم أيضا هل يعقل ثبوت هذا الوعيد الشديد وأكثر الصحابة يفعلونه؟! تسعة من الصحابة أين هم عن هذا الوعيد أنه لا يرح رائحة الجنة؟ ثم أين بقية الصحابة عن الإنكار عليهم في أمر علني؟ ليس في أمر خفي في أمر علني، الخضاب في السواد في اللحية، فلو كان هذا محفوظا لأنكر الصحابة على من فعل ذلك ولما وجد هذا العدد الكثير، تسعة من الصحابة ذكرهم ابن القيم، والحديث من حيث الصناعة الحديثية ضعيف لا يصح، لكن ما صححه صححه على طريقة الفقهاء والأصولية وطريقة بعض المتأخرين، لكنه من حيث التحقيق لا يصح، وأما ما ذكره الأخ السائل صحيح لكنه فيه علل أخرى غير ما أشار إليه.    

* * *

هذا سائل يقول: أقرضت صاحبا لي مالا، ولد لي بنت، فأهداني حلقا يوضع بأذن البنت من الذهب، ولا أعلم قيمته، حيث إنه ضاع قبل أن أزنه فماذا أصنع هل أقدر المبلغ وأخصمه منه؟

نعم تقدر هذا المبلغ وتخصمه من القرض كما قال ابن عباس في قصة الرجل الذي أقرض شخصا قرضا عشرين درهما، وكان يهدي إليه السمك، فسئل ابن عباس فقال: كم قيمة السمك؟ قال: ثلاثة عشر درهما، قال: أعطه سبعة دراهم، فنقول للأخ الكريم: تخصم مقدار هذا الذهب من قيمة القرض، وتتحرى في ذلك.    

* * *

هذا سائل يقول: هل يقع طلاق المريض النفسي؟

المرض النفسي أنواع هناك مرض نفسي خفيف، هذا يقع طلاقه، لكن هناك بعض أنواع الأمراض النفسية التي تجعل الإنسان يطلق كالمكره، فهذا لا يقع طلاقه، مثل مثلا: مرض الفصام، وبعض الأمراض النفسية التي تجعل الإنسان يطلق وكأنه مكره، فهذا لا يقع طلاقه، أما إذا كان أمراض نفسية مثلا: شخص عنده وسواس في غير الطلاق، هذا نوع من المرض النفسي هذا يقع طلاقه، أو عنده أمراض نفسية متعلقة بالشكوك، أو نحو ذلك.. هذا يقع طلاقه، لكن إذا كان من الأمراض النفسية التي يكون الإنسان فيها كالمكره فإنه لا يقع الطلاق.    

* * *

هذا سائل يقول: ذكرتم أن طلاق السكران لا يقع ما حكم من طلق بغير سكر بسبب تعاطي مواد مخدرة مثل: الحشيش والحبوب المخدرة؟

الذي وقع الآن الذي تناول المخدرات هل عقله معه؟ هو أولى بعدم وقوع الطلاق من السكران، على الأقل السكران كما أخبرنا بذلك رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن يتعامل معهم يقولون: إن من يتعاطى السكر أكثر من مرة لا يذهب عقله بالكلية، عقله معه، لكنه يخلط، يخلط تسمع منه كلام يكون من ضمن الكلام كلمة غير مناسبة، يدخلها في غير موضعها، فهو عنده خلط، وعدم تمييز، أما المتعاطي المخدرات أحيانا ما عنده عقل، وأنا أذكر لما كنت في جامع الأميرة سارة دخل علينا رجل متعاطي المخدرات مثل ما ولدته أمه، ما عليه شيء يريد أن يصلي معنا، جعلوا يقنعونه ويقول: لا مصر على أنه يصلي معنا وما عليه شيء كما ولدته أمه، ذهب العقل تماما، أما السكران لا عقله معه لكن عنده تخليط، وينعدم عنده التمييز، لا يميز السكران، مشكلته في عدم التمييز، إذا وجد أي امرأة يريد أن يقع فيها سواء كانت زوجته أو كانت أجنبية، لا يميز، فالسكران مشكلته في التخليط، وعدم التمييز وإلا لو كلمته  يتكلم ويرد الجواب، يتكلم معه ولكن يخلط في كلامه، فإذا قلنا إن طلاق السكران لا يقع فطلاق متعاطي المخدرات لا يقع من باب أولى.    

* * *

ونسأل الله – عز وجل – للجميع التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1439/7/16