الخثلان
الخثلان
من 149 إلى 151
16 رجب 1439 عدد الزيارات 451

لطائف الفوائد 22

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه ، واتبع سنته إلى يوم الدين .

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمنا نافعا ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس الثاني والعشرون من هذا العام الهجري، هذا اليوم الاثنين التاسع من شهر رجب، من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

نبدأ أولا: بالتعليق على لطائف الفوائد.

 وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم مائة وتسعة وأربعين : من أحكام العقيقة.

فائدة: من أحكام العقيقة (قال ابن باز – رحمه الله - : «السنة حلق رأس الطفل الذكر عند تسميته في اليوم السابع فقط، أما الأنثى فلا يحلق رأسها» لقوله – صلى الله عليه وسلم - : «كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح يوم سابعه، ويحلق، ويسمى») هذه من أحكام العقيقة، العقيقة هي: الذبيحة التي تذبح شكرا لله – عز وجل – على نعمة المولود، وإذا كان المولود ذكرا فالسنة أن يذبح عنه شاتان، وإذا كانت أنثى فشاة واحدة.

 كذلك أيضا يسن حلق رأس المولود الذكر في اليوم السابع، وهذا خاص بالذكر دون الأنثى، فالأنثى لا يحلق رأسها، إنما حلق الرأس خاص بالذكر.

وكذلك أيضا يسمى في اليوم السابع، فهذه ثلاثة أحكام كلها مرتبطة باليوم السابع «كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح يوم سابعه، يحلق، ويسمى» هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو من رواية الحسن عن سمرة لكن الحسن سمع من سمرة هذا الحديث كما في البخاري أن الحسن ممن سمعت هذا الحديث قال: سمعت من سمرة، فهذا الحديث حديث صحيح، وقد تضمن هذه الأحكام الثلاثة، كلها تفعل في اليوم السابع.

 ولكن إذا أردنا أولا أن نحقق المراد باليوم السابع، ما المراد باليوم السابع؟

المراد باليوم السابع هو: اليوم الذي يسبق اليوم الذي ولد فيه المولود من الأسبوع المقبل، نوضح هذا بالأمثلة: لو ولد المولود يوم الخميس فاليوم السابع يوم الأربعاء، لو كان المولود يوم الأربعاء اليوم السابع الثلاثاء، لو كان ولد يوم الأحد اليوم السابع السبت، وهكذا، هو بعد مرور أسبوع لكن اليوم الذي يسبق مرور هذا اليوم من الأسبوع الذي يليه، إذا ولد السبت يكون السابع الجمعة، إذا ولد يوم الأحد يكون اليوم السابع يوم السبت، إذا ولد الاثنين يكون اليوم السابع الأحد، وهكذا.. هذا هو اليوم السابع، هذا اليوم مرتبط به هذه الأحكام الثلاثة الأول: أنه تذبح فيه العقيقة، هذه هي السنة، والعقيقة مختصة بالغنم على القول الراجح، ولا تكون من الإبل، ولا من البقر إنما هي من الغنم، قال الترمذي: «والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم يستحبون أن يذبح عن الغلام العقيقة يوم السابع، فإن لم يمكن ففي اليوم الرابع عشر، فإن لم يمكن ففي اليوم الحادي والعشرون» أما اليوم السابع فالحديث فيه ظاهر، هو حديث سمرة، وأما اليوم الرابع عشر، والحادي والعشرين فلم يرد في ذلك شيء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ولكن روي في ذلك أثر عن عائشة الذي يظهر أنها قالت: من باب الاستحسان، ولا يقال: إن هذا سنة، وإنما السنة أن يكون في اليوم السابع، فإن لم يتيسر ففي أي يوم، فإن لم يتيسر ففي أي يوم؛ لأن اليوم الرابع عشر والحادي والعشرون لم يثبت فيها شيء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا بالنسبة للعقيقة.

وأما الحلق حلق الرأس فهذا يكون عن المولود الذكر كما ذكرنا ولا يكون عن الأنثى، لكن جاء في رواية أنه يتصدق بوزن شعره ورقا يعني فضة، ولكن هذه الرواية ضعيفة، لا تثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وأيضا هي منكرا سندا ومتنا، حتى المتن ماذا يصل وزن شعر؟ كم سيساوي؟ فهذه لا تثبت.

الحكم الثالث: ويسمى السنة أن يسمى في اليوم السابع، وهذا إذا لم يهيأ الاسم قبل الولادة، أما إذا هيأ الاسم قبل الولادة فالسنة أن يسمى يوم الولادة، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «إنه قد ولد لي الليلة ولد، وإني سميته إبراهيم» رواه مسلم، فسمى النبي – صلى الله عليه وسلم – ابنه إبراهيم في اليوم الذي ولد فيه، فإذا إذا كان قد اتفق الزوجان، وهيأ اسما للمولود قبل الولادة فالسنة أن يسمي يوم الولادة، لكن إذا لم يهيأ له اسم فالسنة أن يسمى في اليوم السابع.

 فائدة: الغيرة عند النساء (قال القاضي عياض: «مغاضبة عائشة للنبي – صلى الله عليه وسلم – هو مما سبق من الغيرة التي عفي عنها للنساء في كثير من الأحكام؛ لعدم إفكاكهن منها» حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة: «يسقط عنها الحد إذا قذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة») الغيرة تشوش الفكر، وهي أشد تشويشا للفكر من الغضب، وأكثر ما تكون الغيرة عند النساء، وتكون أيضا عند الرجال، لكنها عند النساء أظهر، وخاصة بين الضرائر، وتكون الغيرة بين أيضا الأقران، لكن كما ذكرنا أكثر ما ترتبط بالنساء حتى قال مالك: وغيره من علماء المدينة: «يسقط عنها الحد يعني إذا تكلمت بكلام من شدة الغيرة، إذا تكلمت المرأة بكلام فيه قذف لغيرها من شدة الغيرة فإنه لا يقام عليها حد القذف» وذلك لتشويش فكرها، فهي كالمكره على ذلك، وهذا عند الإمام مالك وجماعة من أهل العلم، والمسألة خلافية لكن هذا الذي قاله الإمام مالك: هو الأظهر قال: «يسقط عنها الحد إذا قذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة» وقول القاضي عياض: «مغاضبة عائشة للنبي – صلى الله عليه وسلم –» يشير لحديث عائشة في الصحيحين قالت: قال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : «إني أعرف إذا كنت راضية عني، وإذا كنت علي غضبى، قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ قال: أما إذا كنت راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم، قالت: أجل يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك» فكانت عائشة – رضي الله عنها – يحصل منها المغاضبة للنبي – عليه الصلاة والسلام – لكن على سبيل الغيرة، فلم تؤاخذ بذلك، ولهذا قال القاضي عياض: «لولا ذلك لكان على عائشة من الحرج ما فيه» لأن الغضب على النبي – صلى الله عليه وسلم – وهجره كبيرة عظيمة، ولذلك قالت: «ما أهجر إلا اسمك» وهذا يدل على أن الكلام الذي يقال وقت الغيرة: معفو عنه، وجاء في الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: «استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد، استأذنت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فعرف النبي – صلى الله عليه وسلم – استئذانها، فارتاح لذلك، وقال: اللهم هالة بنت خويلد، فغارت عائشة مع أنها ميتة، مع أن خديجة ميتة، فغارت عائشة وقالت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء شدقي، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيرا منها» طبعا هذا كلام سيء في حق خديجة، لكن النبي – صلى الله عليه وسلم – عفا عن عائشة لأنها قالت ذلك على سبيل الغيرة، ولهذا قال الطبري: «الغيرة مسامح للنساء فيها، لا عقوبة عليهن فيها، لما جبل عليهن من ذلك» ولهذا لم يزجر النبي – صلى الله عليه وسلم – عائشة، ولهذا يقال: ما تدري الغيراء أعلى الوادي من أسفله إلى هذه الدرجة، وقد روي هذا مرفوعا عن النبي – صلى الله عليه وسلم – صاحب الآداب الشرعية مرفوعا عن النبي – صلى الله عليه وسلم – لكنه لا يصح، لكنها مقولة معبرة، وهذا يدل على أن الغيرة تفعل في النفس مثل ما تفعل شدة الغضب أو أعظم، وجاء في الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها – روي في ذلك قصص وأحاديث من ذلك: ما جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: «أقرع النبي – صلى الله عليه وسلم – بين نسائه في سفر، فصارت القرعة على عائشة وحفصة، وكانت عائشة على بعير، وحفصة على بعير، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا كان الليل سار مع عائشة يتحدث معها، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري، وأركب بعيرك، فتنظرين وأنظر، يعني يتبادلن، قالت عائشة: نعم، فجاء النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى جمل عائشة، وعليه حفصة، فسلم عليها ثم سار معها، حتى نزلوا، ففتقدته عائشة فغارت، فلما نزلت جعلت تجعل الإذخر بين رجليها، أو جعلت على رجليها الإذخر، هكذا لفظ البخاري، وهي تقول: يا رب سلط علي عقربا أو حية يلدغني، يعني تقول: من شدة الغيرة يا رب سلط علي عقربة أو حية تلدغني، يعني استريح، هذا رسولك لا أستطيع أن أقول له شيئا» القصة في الصحيحين هذا الكلام لم يؤاخذها النبي – عليه الصلاة والسلام – لماذا؟ لأنها قالت هذا على سبيل الغيرة، لأنها حفصة عملت معها هذه الحركة، وسببت لها غيرة شديدة، تبادلوا في البعير ثم ذهبت مع النبي – عليه الصلاة والسلام – ثم بحثت عائشة عن النبي – عليه الصلاة والسلام – ما وجدته فأصابها غيرة شديدة، فجعلت تجعل الإذخر على رجليها وتقول: يا ربي سلط علي عقربا، أو حية تلدغني، فهذه كلمات كلها لم تؤاخذ عائشة عليها، وبعض هذه الكلمات كان النبي – صلى الله عليه وسلم – حاضرا مثل مقولتها في خديجة، وذلك لأنها قالت هذا الكلام على سبيل الغيرة، ولذلك ما قاله الإمام مالك هو الأقرب والله أعلم، أن من قذف غيره على سبيل الغيرة فإنه لا يحد، ثم أيضا من قذف غيره على سبيل الغيرة هل تلحق المقذوف المسبة والعار؟

ما يلحق إذا كان على سبيل الغيرة ما يلحقه مثل ما يلحق المقذوف العار عندما يقذف في غير ذلك.

 لكن يرد علينا إشكال إذا رجحنا رأي الإمام مالك في أن من قذف غيره على سبيل الغيرة لا يحد كيف نضبط هذه المسألة؟ أي قاذف سيدعي أنه قال ذلك على سبيل الغيرة فكيف نعرف أن هذا القاذف قال تلك الكلمة على سبيل الغيرة؟

ينظر للسياق والقرائن، لو أن امرأة قالت هذا الكلام لزوجها وعندها ضرها: عرفنا مثلا أنها قالت هذا على سبيل الغيرة، فينظر للسياق الكلام، والقرائن، ومن السهل تميز ما يقال على سبيل الغيرة من غيره.

الحكمة من مشروعية حد القذف هي: دفع العار عن المقذوف، ورد الاعتبار له، فإذا كان لا يلحق المقذوف العار فإنه لا يحد حد القذف، ولهذا إذا قال إنسان لآخر: يا حيوان مثلا، أو قال له: يا حمار، يا كلب، ناداه بحيوان، عند الحنفية أنه لا يعاقب يقولون: لأن القاذف هو الذي يلحقه العار أكثر من المقذوف، لأنه لو قال له: يا حيوان هل الناس تصدق أنه هذا أصبح حيوان، أو أصبح حمار، أو كلبا؟

طبعا الجمهور على خلاف الحنفية، الجمهور يقولون: يعزر لكن لا يحد حد القذف، لكن أبين لك أن من الفقهاء وهم فقهاء الحنفية قالوا: إن القاذف في هذه الحال هو الذي يلحقه العار أكثر من المقذوف، فأحيانا بعض الكلمات لا يلحق المقذوف فيها العار، كما في هذا المثال، وكما إذا قذف الإنسان الآخر على سبيل الغيرة مثلا، أو شدة الغضب، لا يلحق المقذوف العار، فلا يحد في هذه الحال، لكن بشرط أن يثبت ذلك، وهذا بناء على القول الراجح وإلا فإن الفقهاء أنه يحد على كل حال، لكن القول الراجح هو أنه لا يحد في هذه الأحوال

فائدة: استلحاق ولد الزنا (إذا استلحق الزاني ولده من الزنا، فإن كانت المزني بها فراش لزوج فلا يلحق الولد بالزاني بالإجماع، وإنما يلحق بالزوج إلا أن يلاعن فلا يلحق به، وأما إذا لم تكن فراشا لزوج فجمهور الفقهاء يرون أنه لا يلحق به كذلك، وذهب بعض العلماء إلى أنه يلحق به، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم – رحمهما الله – وهو القول الراجح، ومن لطائف الاستدلال الذي ذكرها ابن القيم قصة جريج العابد أن جريج قال لغلامه التي زنت أمه بالراعي، قال يا غلام: «من أبوك؟ قالت: فلان الراعي، فجاء أباه الراعي الزاني فجعل أباه الراعي الزاني» فدل على أنه يصح أن يكون أبا له مع كونه زانيا، قال ابن القيم: «وهذا إنطاق من الله لا يمكن فيه الكذب») إذا زنا إنسان بامرأة – نسأل الله العافية والسلامة – إذا زنا إنسان بامرأة فحملت وولدت، ثم تابا بعد ذلك، وأراد أن يستلحق هذا الولد، أراد الزاني أن يستلحق هذا الولد، معنى أنه يستلحقه: يعني أنه يصبح ابنا له، يلحقه بنسبه، فإن كانت المزني بها فراشا لزوج ليس له أن يستلحقه بالإجماع؛ لأن الولد ينسب لمن؟ للفراش، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» فينسب هذا الولد للفراش، حتى وإن تيقن الزاني أن هذا الولد ولد من مائه؟ حتى وإن تيقن، وأما صاحب الفراش وهو الزوج فإذا أراد أن ينفي هذا الولد فليس له إلا طريق واحد للنفي وهو اللعان، يلاعن وينتفي الولد، وإذا انتفى الولد ينسب لأمه، ولا ينسب للزاني، ولا للزوج.

إذاً إذا كانت فراشا فالأمر واضح، وأيضا المسألة مجمع عليها أنه لا يلحق الولد بالزاني.

أما إذا لم تكن فراشا رجل زنا بامرأة، ثم ولدت، ثم أراد أهلها أن يستروا عليها، وقالوا للزاني: نزوجك إياها، وتابا جميعا، ثم تزوج هذا الزاني بالمزني بها، وقالا: إذا قال الزاني: إذا نستلحق هذا الولد، هو خلق من مائي، فاستلحق هذا الولد، وألحقه بنسبي، فهل هذا يصح أو لا يصح؟

هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين:

القول الأول: أن ولد الزنا لا يلحق بالزاني في هذه الحال، وإلى هذا ذهب الجمهور الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، واستدلوا بقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «الولد للفراشر».

القول الثاني: أن ولد الزنا يلحق بالزاني في هذه الحال؛ وذلك لأنه خلق من مائه، وكما أنه يلحق بأمه الزانية، فما المانع من أن يلحق بأبيه الزاني، وهو قد خلق من مائهما جميعا؟ هذا القول ثم أيضا ما المانع من الإستلحاق؟  ليس هناك ما يمنع من الإستلحاق، وهذا هو القول الراجح في المسألة، اختاره أبو العباس بن تيمية، وابن القيم، وجمع من المحققين من أهل العلم، وقد ذكر ابن القيم هذا القول في كتابه: «زاد المعاد» وذكر استدلالا لطيفا له، وهو قصة جريج العابد «فإن جريج كان رجلا عابدا، بقي في صومعة منقطعا للعبادة، فتذاكر بنو إسرائيل جريجا، وهو ما فيه من العبادة، والانقطاع عن الدنيا، والزهد، وكان هناك امرأة بغي من بغايا بني إسرائيل يتمثل بحسنها، كانت جميلة جدا، فقالت: والله لا أفتننه، قالوا: لا تستطيعي، يعني أصبح بينها وبينهم تحدي، فتزينت وتهيأت، وأتت له في صومعته، وتعرضت له، فأعرض عنها، حاولت معه، حاولت معه ما استطاعت، فذهبت إلى الراعي كان قريبا من الصومعة، فأمكنت من نفسها فواقعها فحملت، فقالت: هذا من جريج، فأتوا إليه في صومعته، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، ويسبونه، وهو لا يدري ما الموضوع؟ قالوا: أنت زنيت بهذه المرأة، وهذا الابن منك، قال: أين هو؟ فأتوا به، قام فتوضأ، وصلى ركعتين، ثم أتى لهذا الغلام، انظر إلى قوة يقينه وثقته بالله، وطعنه في بطنه، وقال يا غلام: من أبوك؟ قال: فلان الراعي، أنطقه الله في المهد، فجعلوا يقبلون جريج، ويتمسحون به، ويقولون له: نعيد لك بناء صومعتك من ذهب، قال: لا أعيدوها كما كانت» وجه الاستدلال بهذه القصة: أن جريج لما طعن في بطن الغلام قال: من أبوك؟ قال: فلان الراعي، جعل أباه الراعي الذي هو الزاني، جعله أبا له، فصح أن يطلق عليه أب، وأن يسمى أبا، مع كونه زانيا، قال ابن القيم: «وهذا إنطاق من الله لا يمكن فيه الكذب» الله تعالى هو الذي أنطلق هذا الطفل في المهد، فلا يمكن أن يقول: أبوي فلان الراعي وهو ليس له أبا له، ولا يصلح أن يكون أبا له، فهذا من لطائف الاستدلال.

ثم إن هذا الغلام ينسب لأمه بالإجماع، فلماذا لا ينسب إلى أبيه؟ وهو قد خلقه من مائهما جميعا؟ قال ابن القيم: «وأما الجمهور الذين قالوا لا يلحق بأبيه فليس معهم دليل سوى حديث الولد للفراشن ونحن أول القائلين به، لكن هذا فيما إذا كانت المزني بها فراشا، أما هذه المسألة التي في أيدينا فهي فيما لم تكن المزني بها فراشا» .

إذا القول الراجح أن ولد الزنا إذا لم تكن المزني بها فراشا، إذا استلحقه أبوه من الزنا فإنه يلحق به، بشرط أن تحصل التوبة منهما جميعا من الزاني ومن الزانية، وهذه المسألة سبق أن عرضت على مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي وطلب مني أن أكتب فيها بحثا، كتبت فيها بحثا مفصلا، استقصيت فيه معظم أدلة الفريقين، وخلصت إلى ترجيح القول الثاني قول ابن تيمية وابن القيم وهو أنه يلحق به، وهذا الكتاب صدر حديثا، صدر قبل تقريبا أسبوع في معرض الكتاب، بعنوان: «أحكام أولاد الناتجين عن الزنا» وفيها أيضا تفصيلات أخرى حول هذه المسألة، فمن أراد مزيد بحث لهذه المسألة فليرجع لهذا الكتاب.

فائدة: حكم سقوط الحدود بالتوبة قبل الوصول إلى الحاكم (من تاب من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر قبل أن يرفع إلى الإمام فالأقرب أن الحد يسقط عنه، كما يسقط عن المحاربين بالإجماع إذا تابوا قبل القدرة) حد الحرابة ذكره الله تعالى في سورة المائدة ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فإذا تابا المحارب قبل القدرة عليه فيسقط عنه حد الحرابة بالإجماع لهذه الآية، لكن هل هذا خاص بحد الحرابة أو يشمل جميع الحدود؟

هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء فمنهم من قال: إن هذا خاص بحد الحرابة وهم الجمهور.

والقول الثاني: أن هذا يشمل جميع الحدود، فمن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه الحد، سواء كان الحد حد زنا، أو شرب المسكر، أو كان أي حد من الحدود، أو حد السرقة، أو أي حد، إذا تاب قبل القدرة عليه فيسقط عنه الحد، وهذا القول هو المذهب عند الحنابلة، وهو من المفردات، وهذا القول هو القول الراجح؛ لأنه إذا أسقط الله تعالى الحد على المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم مع شناعة فعلهم، فإن المحاربين فعلهم شنيع جدا، وهو أعظم من السرقة، وأعظم من شرب الخمر، فإذا كان الله تعالى أسقط عنهم الحد إذا تابوا قبل القدرة عليهم فمن باب أولى أن تسقط بقية الحدود إذا تاب أصحابها قبل القدرة عليهم، ولكن هنا يشترط لذلك إصلاح العمل، بأن يظهر مع التوبة صلاح، أما مجرد دعوة من قبض عليه أن قد تاب قبل ذلك فلا يقبل منه، لكن لابد من أن يظهر منه صلاح، مثلا: رجل حصل منه سرقة، ثم بعد ذلك تغيرت أحواله للأحسن، أصبح لا تفوته الصلاة، وأصبح كثير تلاوة القرآن، والعبادة، ثم قبض عليه، وشهد شاهدين على أنه سرق، فإذا ادعى التوبة فيأتي بشهود يشهدون شاهدين على الأقل بأنه فعلا قد تاب، وأنه قد حصل منه صلاح العمل، وأنا رأيناه من شهر تقريبا يحافظ على الجمعة والجماعة، وكثير تلاوة القرآن، وكثير الصدقة، وكثير صلة الرحم، فإذا قامت البينة بذلك فيدرأ عنه حد السرقة، وهكذا بالنسبة لبقية الحدود، هذا هو القول الراجح وقد اختاره الإمام ابن تيمية، وابن القيم وجمع من المحققين من أهل العلم، فإذا من تاب مما يوجب الحد قبل القدرة عليه سقط عنه الحد لكنه يشترط لذلك إصلاح العمل.

 

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد.

 نقف عند الفائدة رقم مائة وثلاثة وخمسين.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز - بحي الخزامى - 9/7/1439