الخثلان
الخثلان
أحكام النشوز - الخلع
16 رجب 1439 عدد الزيارات 1421

شرح التسهيل 70

ننتقل بعد ذلك إلى شرح كتاب التسهيل في الفقه، وكنا قد وصلنا إلى: (النشوز وأحكامه)

ابتدأ ذلك  المؤلف بقوله: (ومتى مَنَعَتْهُ حَقَّهُ ، أو تَكَرَّهَتْ به وَعَظَهَا وَزَجَرهَا قولاً) النشوز معناه في اللغة: مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا علا نشزا كبر فكأن المرأة ارتفعت وتعالت على زوجها، وأصبحت لا تطيعه، ولا تعاشره بالمعروف.

ومعنى النشوز اصطلاحا: كراهة أحد الزوجين للآخر لسوء عشرته، فإذا كرهت المرأة الزوج يقال لها: ناشز، وإذا كره الزوج المرأة يقال له: ناشز أيضا، النشوز قد يكون من الرجل، وقد يكون من المرأة ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا يعني من زوجها نشوزا، ولكن المقصود بالأحكام هنا هو نشوز المرأة.

قال: (مَنَعَتْهُ حَقَّهُ ، أو تَكَرَّهَتْ به) إذا أصبحت المرأة لا تطيع زوجها، ومنعته حقه من الاستمتاع فإذا دعاها للفراش لم تجبه (أو تَكَرَّهَتْ به) أي: تجيبه متكرهة متبرمة، مستثقلة، فإنها بهذا تكون ناشزا.

وقد ذكر الله – تعالى – علاج هذا النشوز فقال: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ.

قال: (وَعَظَهَا) هذه هي المرحلة الأولى من مراحل العلاج وهي الوعظ، وذلك بأن يخوفها بالله – عز وجل – وأن يذكرها بما أوجب الله عليها من الحق والطاعة، وما قد يلحقها من الإثم.

(وَزَجَرهَا قولاً) يعني انتهرها في القول، وقد تنفع هذه المرحلة من مراحل العلاج مع بعض النساء، خاصة إذا كانت المرأة متدينة تخاف الله – عز وجل – قد ينفع معها الوعظ، لكن بعض النساء لا تنفع معهن هذه المرحلة من العلاج، فينتقل للمرحلة الثانية.

قال: (فإنْ أبتْ هَجَرَهَا) ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ (فإنْ أبتْ هَجَرَهَا مَضْجَعاً ما شاء، وكلاماً دونَ ثلاث) هجرها في المضجع أي: أنه لا ينام معها في الفراش، ولا يجامعها، وهو هجر في المضجع هجر خاص، وليس هجرا في البيت، ربما لا يعلم به الأولاد؛ لأنه مشكلة خاصة بين الزوجين، ولاحظ قول الله – عز وجل - : ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ولم يقل: في البيوت، هو هجر بين الزوج والزوجة فقط.

(وكلاماً دونَ ثلاث) أيضا يهجر مع المضجع يهجرها في الكلام دون ثلاثة أيام، أما ما زاد على ثلاثة أيام فلا يجوز، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» إلا إذا كان في هجرها فوق ثلاث مصلحة بأن يكون ذلك رادعا لها عن النشوز فلا بأس؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم - هجر الثلاثة الذين خلفوا خمسين ليلة، وأمر بهجرهم، وهذه قاعدة في الهجر الأصل أنه «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» إلا إذا كان في هجره مصلحة شرعية فيجوز وإن كان فوق ثلاث، أما أن يهجره لأمر دنيوي لا يجوز أن يكون فوق ثلاث، لو كان مقيما على منكر، ويرى أنه لو هجره فوق ثلاث، لارتدع عن المنكر، جاز هجره فوق ثلاث.

قال: (فإنْ أصرَّتْ) إذا ما نفع هذه المرحلة الثانية من مراحل العلاج انتقل للمرحلة الثالثة ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ المرحلة الثالثة قال: (فإنْ أصرَّتْ فَلَهُ ضربُهَا يَسيراً) وعظها ولم ينفع، هجرها في المضجع ولم ينفع، ينتقل للمرحلة الثالثة وهو يستخدم شيئا من الحزم والقسوة التي تعيد للبيت نظامه، وهو لاشك أنه خير من الطلاق، ويكون ضربا غير مبرح، والضرب غير مبرح يعني غير شديد وإنما هو ضرب يسير، وبعض الفقهاء مثل له قال: بالضرب بمثل عود السواك، ضرب يسير؛ لأن الهدف منه إيصال رسالة لهذه المرأة الناشز بأنها مقصرة، وأنها مخطئة، وليس الهدف منه الانتقام، أو الإتلاف، وهذا يدل على أن الضرب قد يكون وسيلة للعلاج، وإقامة ما اعوج، وفيه رد على النظريات الغربية التي تجرم الضرب عندهم في الغرب الضرب جريمة، يلقنون الأطفال في المدارس إذا ضربك أبوك أو أمك اتصل على هذا الرقم، يعطونه رقم سهل من ثلاثة أرقام، فإذا اتصل الطفل على الشرطة تأتي الشرطة وتأخذ الطفل من والديه، وتقول: أنتم غير مؤهلين لتربيته، ويعاقبون حتى الضارب من الأب أو الأم، وأصبح المسلمون هناك لا يستطيعون تربية أولادهم التربية الإسلامية، الفتاة تذهب مع من تريد، ولا يستطيع أبوها أن يفعل معها شيئا، وهكذا أيضا الفتى هذه من أكبر الحقيقة الإشكاليات، وهذا يدل على أن ليس كل ما يأتينا من الغرب صحيحا، الله – عز وجل – خالق البشر هو الذي قال: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ وهو أعلم بما تصلح به أحوال البشر، ولو أنه علاج ناجع مع شريعة من البشر لما ذكره الله تعالى علاجا، وإن كان الأولى تركه لهذا النبي – عليه الصلاة والسلام – «ما ضرب امرأة ولا خادما» الأولى يعني ألا يفعل، لكن قد يلجأ إليه، قد يلجأ إليه مع شريحة من البشر ما ينفع معها إلا هذا الأسلوب، أسلوب الحزم، تستعمل مع أي أسلوب آخر ما ينفع معه، فإذا كان هذا الأسلوب سيعيد للبيت نظامه، واستقراره، ويقوم به ما اعوج ما المانع منه؟ وهو كما ذكرنا بضوابط شرعية ليس المقصود الضرب الذي فيه إتلاف أو انتقام وإنما هو مجرد ضرب يسير غير مبرح رسالة لهذا المرأة المقصرة الناشز. 

قال: (وإنْ مَنَعَهَا الحقَّ مُنِعَ مِنْهَا حتى يُحْسِنَ عِشْرتَهَا) انتقل المؤلف للكلام عن نشوز الزوج، إذا نشز الزوج وذلك بأن منعها من حقها من النفقة، أو القسم، أو أنه لسانه سيء الخلق، يؤذيها، ويضربها بدون سبب، فيعتبر الزوج هو الناشز في هذه الحال فيمنع منها حتى يحسن عشرتها، ولا يمكن من التسلط عليها، يمنع عن طريق من له القدرة من الحاكم الشرعي، أو من أهلها.

قال: (فإن ادَّعى كلُّ واحدٍ ظُلمَ الآخَرِ أُسْكِنَا بقُربِ ثقةٍ يُلزِمُهُمَا الإنصافَ) لو أن كل واحد من الزوجين ادعى أن الآخر هو الذي ظلم، وهو المخطئ، فادعت المرأة أن الزوج لا يؤدي حقها الواجب، وادعى أنها لم تؤدي حقه الواجب، يقول المؤلف: (أُسْكِنَا بقُربِ ثقةٍ) يشرف عليهما (يُلزِمُهُمَا الإنصافَ) والعدل.

والقول الثاني في المسألة: أن هذا الإسكان غير معتبر، ولا دليل عليه، ولأنه حل غير عملي، غير مفيد في الغالب، من هو هذا الإنسان الثقة الذي سيشرف على الزوجين بينهما خصومة ومشاكل؟ وهل سينتفعان بإشرافه؟ حل بعيد وغير عملي.

والقول الثاني هو القول الراجح أن إسكانهما قرب ثقة أنه غير معتبر، اختاره ابن تيمية، وجمع من المحققين من أهل العلم، قال ابن تيمية: إن مسألة نصب المشرف لم يذكرها القدماء من الحنابلة، وأن الصواب عدم اعتبار ذلك.

قال: (فإنْ صَارَا إلَى الشِّقاقِ بَعَثَ الحاكمُ عَدلينِ) هذه المرحلة الرابعة من مراحل العلاج، كل هذا قبل الطلاق، وهو بعث، هنا تأتي مسألة التدخل الخارجي من أهل الزوج ومن أهل الزوجة، لاحظ المرحلة الأولى، والثانية، والثالثة كلها ما فيها تدخل خارجي، الوعظ، والهجر في المضجع، والضرب غير مبرح كلها أمور داخلية، إذا نفعت هذه الحلول فهنا ينتقل لمرحلة مرحلة جديدة من العلاج وهو التدخل الخارجي من أقارب الزوج ومن أقارب الزوجة ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا.

قال: (بَعَثَ الحاكمُ عَدلينِ مُسْلِمَينِ، يَفْعَلانِ بِتوكيلِ الزَّوجَينِ الأَصْلَحَ مِنْ جَمْعٍ أو فُرْقَةٍ) المؤلف يرى أن الحكمين أنهما وكيلان عن الزوجين، ولهذا قال: (بِتوكيلِ الزَّوجَينِ) فينظران لسبب المشكلة، ويدرسان السبب، والأمور التي أدت إلى هذا الشقاق بين الزوجين، ويسعيان للإصلاح بينهما إن كان هناك مجال الإصلاح، أو بالتفريق بينهما إن لم يكن هناك مجال للإصلاح ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا.

وقد اختلف العلماء هل الحكمان وكيلان عن الزوجين أو حاكمان؟ فإذا قلنا إنهما وكيلان لابد أن يكون ذلك برضا الزوجين، وأيضا يتصرفان بإرادة موكليهما، وأيضا لا يكون حكمهما نافذا إنما مجرد توصية أو إصلاح، اختلف العلماء في الحكمين هل هما وكيلان أم حاكمان؟

القول الأول: أن الحكمين وكيلان عن الزوجين، وهذا الصحيح من مذهب الحنابلة، وأيضا هو مذهب الحنفية، وقول عند الشافعية، وهو الذي قرره المؤلف – رحمه الله - .

والقول الثاني: أن الحكمين حاكمان، وليس مجرد وكيلين، ويفعلان ما هو الأصلح من الجمع أو التفريق، ويكون حكمهما نافذا، وهذا هو مذهب المالكية، والصحيح من مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة.

والقول الراجح أن الحكمين حاكمان وليس مجرد وكيلين؛ وذلك لأن الله – عز وجل – سماهما حكمين، فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا فسماهما الله تعالى حكمين، وشأن الحكم أن يحكم الحاكم بغير رضا المحكوم عليه، وقال: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا فخاطب الحكمين بذلك، ولهذا قال الزركشي: «هذا هو ظاهر الآية الكريمة» وأيضا اختار هذا القول ابن تيمية، وابن القيم، وجمع من المحققين من أهل العلم، بل قال ابن القيم: «والعجب كل العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله قد نصبهم حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين، ولو كان وكيلين لقال: فليبعث وكيلا من أهله ولتبعث وكيلا من أهلها، وأيضا لو كان وكيلان لم يختصا بأن يكونا من الأهل، وأيضا جعل الحكم إليهما ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا والوكيلان لا إرادة لهما وإنما يتصرفان بإرادة موكليهما» وتسمية الوكيل حكما ليس له أصل لا في القرآن، ولا في اللغة العربية، ولا في العرف، فالقول الراجح أن الحكمين حاكمان وليس وكيلين.

ثمرة الخلاف في هذه المسألة: أننا إذا قلنا أنهما وكيلان لا يرسلان إلا برضا الزوجين، وبتوكيلهما، فإن امتنع عن التوكيل لم يجبرا عليه.

وأما على القول بأنهما حاكمان يفعلان ما يريانه من جمع، أو تفريق، بعوض، أو بغير عوض من غير رضا الزوجين، ويكون حكمهما نافذا.

هذه هي إذا المرحلة الأخيرة من مراحل علاج المشكلات الزوجية قبل الطلاق، هي المرحلة الرابعة، فإن لم تنفع هذه المرحلة فمعنى ذلك أن استمرار الحياة الزوجية والحال كذلك لا يحقق المقصود من النكاح، المقصود من النكاح هو السكن، أبرز مقاصد النكاح ما هو؟ السكن ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ حتى السكن يقولون إنه: أعظم من تحصيل الذرية من مقاصد النكاح، أعظم مقاصد النكاح السكن، إذا لم تنفع هذه المراحل من العلاج، وأصبح استمرار النكاح لا يحقق مقاصد النكاح، وأصبح عنتا، ومشقة، وكل يوم مشاكل، وعدم استقرار، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ربما أن هذا الرجل مع هذه المرأة لم يوفق، ربما يوفق هو مع امرأة أخرى، وهي توفق مع زوج آخر، لكن لا يصار الطلاق إلا بعد استنفاذ هذه المراحل من العلاج، الوعظ، والهجر في المضجع، الضرب غير المبرح، تدخل خارجي من الأهل، حكما من أهله وحكما من أهلها، كل هذه مراحل، بعض الناس وربما نقول: كثير من الناس يطلقون يتعجلون في إيقاع الطلاق قبل أن يستنفذوا مراحل العلاج، وهذا خطأ، لا يصار الطلاق إلا عند الضرورة، عندما تستنفذ جميع الحلول ولا تنفع هنا يصار للطلاق، أما قبل ذلك فيسلك في علاج المشكلات الزوجية هذه المراحل، فانظر إلى حكمة الشريعة، ثم إذا أراد أن يطلقها كما سيأتي يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، وله الخيار في إرجاعها طيلة العدة قرابة ثلاثة أشهر، ولذلك لن يتركها هذا الزوج ثلاثة أشهر ولم يرجعها إلا ونفسه قد طابت منها، فلن يندم على ذلك الطلاق.

نعود لعبارة المؤلف قال: (فإنْ امْتَنَعَا لَم يُجْبَرَا في روايةٍ) إن امتنعا من التوكيل لم يجبرا عليه، وهذا على القول بأنهما وكيلان، ونحن ذكرنا أن القول الراجحان أنهما حاكمان، وعلى ذلك يجبرا عليه، ويجبرا على ما يراه الحكمان.

قال: (لَكِنْ يَمْنَعُ الحاكمُ ظُلمَهُ) إذا امتنع الزوجان من التوكيل يمنع الحاكم الظلم، ويردع الظالم، وهذا كله تفريع على القول بأنهما وكيلان وليس حكمان.

ثم قال المؤلف – رحمه الله -: (بابُ القَسْمِ) القسم معناه في اللغة: مصدر قسم يقسم قسما بمعنى القسمة أي: العطاء، والمراد القسم بين الزوجات، وهو إعطاء المرأة حقها من البيتوته، ونحوها من الحقوق

 قال المؤلف – رحمه الله -: (تَجِبُ التَّسْوِيَةُ في القَسْمِ) أي: يجب على الزوج أن يسوي بين زوجاته في القسم الذي هو المبيت، لقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فإذا كان عنده زوجتان يبيت عند هذه ليلة، وعند الأخرى ليلة، أو يبيت عند هذه ليلتين، وعند الأخرى ليلتين، أو عند هذه أسبوع، وعند الأخرى أسبوع فيجب العدل في ذلك، والله تعالى قد شرط لمن أراد التعدد العدل ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وهو حديث صحيح، وهذا هو وعيد في حق من لم يعدل بين زوجتيه، أو زوجاته.

العدل كيف يكون العدل؟

يكون العدل أولا في المبيت وهذا محل إجماع، المذهب عند الحنابلة أن العدل يكون في المبيت فقط، وأن لا تجب التسوية في النفقة، ولا في الكسوة إذا كفل أخرى.

والقول الثاني في المسألة: هو وجوب التسوية في المبيت، وفي النفقة، وفي الكسوة، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهذا هو القول الراجح، ولا تجب التسوية في الوطء؛ وذلك لأن الجماع مرتبط بالمحبة، والمحبة محلها القلب، ولا يستطيع الإنسان أن يعدل في ذلك، ولهذا قال – عز وجل - : ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ يعني في المحبة والميل القلبي ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وفي الحديث أن النبي – عليه الصلاة والسلام – قال: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» هذا الحديث فيه ضعف، إذا الجماع لا يجب العدل فيه، إنما الواجب العدل في المبيت وهذا بالإجماع، وفي النفقة، والكسوة على القول الراجح، فأصبح العدل يجب في ثلاثة أمور: في المبيت، وفي النفقة، وفي الكسوة. 

قال المؤلف – رحمه الله -: (لا الوَطءِ) هذا ذكرناه أنه الجماع لا تجب التسوية فيه، ونقل الإجماع على ذلك.

(وعِمَادُهُ الليلُ) عماد القسم الليل؛ وذلك لأن الإنسان يأوي إلى فراشه في الليل، ويسكن إلى أهله في الليل، وأما النهار فإنه يخرج فيه الإنسان عادة إلى عمله، وقضاء حوائجه إلا من كان معاشه بالليل، ومبيته بالنهار، فيكون محل المبيت عنده النهار، إذا يجب العدل في المبيت في الليل، الذي هو الليل، أما النهار لا يجب العدل فيه، فله أن يجلس عند هذه دون هذه، لكن الأكمل والأحسن أن يبقى عند كل واحدة من الزوجات الليل والنهار، لكن القدر الواجب هو الليل.

قال: (لا لِحارسٍ وَنَحوِهِ) فيمن كان عمله بالليل كالحارس فإن القسم بالنسبة له في النهار.

(لِلحُرَّةِ ضِِعْفُ الأمَةِ) أي أن الرجل يقسم لزوجته الحرة ليلتين، وللأمة ليلة واحد؛ لأن القاعدة أن الأمة على نصف الحرة في الأحكام الشرعية كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ما على الحرائر.

(ولِلجَدِيدَة فَضْلٌ بالزِّفَافِ، للبكرِ سَبْعَاً، ولِلثيِّبِ ثلاثاً) أي: للزوجة الجديدة فضل على الزوجة القديمة بسبب الزفاف، فتختص بأن يبيت عندها سبعا إذا كانت بكرا، وثلاثا إذا كانت ثيبا لقول أنس – رضي الله عنه - : «من السنة إذا تزوج الرجل البكر أقام عندها سبعا وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم» في الصحيحين البخاري ومسلم، والحكمة من التفريق بين البكر والثيب؟ أن البكر بحاجة إلى مزيد من الإيناس وإزالة الوحشة، لكونها في الغالب أكثر خجلا، وحياء من الثيب، فلذلك كانت السنة أن يقيم عند البكر سبعا، وعند الثيب ثلاثا.

(فإنْ اسْتَوَيَا فالقُرْعَةُ) استويا في سبب الاستحقاق بأن مثلا تزوج بكرين في وقت واحد فيقرع بينهما، لكن لو أراد أن يقيم عند الثيب أكثر من ثلاثة أيام فيجوز ذلك، لكن يقضي جميع هذه الأيام لبقية نسائه جميعا، وليس ما زاد على الثلاثة أيام، والدليل لذلك قصة أم سلمة لما تزوجها النبي – صلى الله عليه وسلم – أقام عندها ثلاثا، ثم أراد أن يذهب فأمسكت بثيابه، فقال لها النبي – صلى الله عليه وسلم - : «إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي» والمعنى كما قال الشراح: اختاري إما ثلاثا تنفردين بها، أو سبعا وأقضي لبقية نسائي سبعا، إما ثلاثة تنفردين بها، أو أزيد على ثلاث لكن يسقط حقك في الانفراد، فإذا أراد أن يزيد على ثلاثة أيام هنا يسقط حقها في الانفراد، ويقضي للزوجة، أو للزوجات الأخيرات جميع الأيام، وليس ما زاد على الثلاث – انتبه لهذه الفائدة -.

هنا في قضية مهمة من اللطائف يغفل عنها كثير من الناس وهي أن المراد بهذا الفضل الإقامة عندها عند الزوجة الجديدة، ولا يدخل في ذلك السفر، بعض الناس الآن في الوقت الحاضر يسافر، ومثلا سبعة أيام، ويقول للبكر: سبعة أيام، نقول: لها سبعة أيام في الإقامة، أما السفر فهو قدر زائد على الإقامة، فيجب عليك أن تسافر بالمرأة الأخرى أيضا، فهذه نقطة يغفل عنها بعض الناس، إذا السفر ليس له علاقة بالزواج الجديد ماله علاقة، إنما الزوجة الجديدة لها حق في الإقامة فقط، ولذلك إذا سافر بالزوجة الجديدة يلزمه أن يسافر بالزوجة الأخرى أو الزوجات الأخيرات – انتبهوا لهذه المسألة – لأن بعض الناس يربطون الإقامة بالسفر، والسفر مع الإقامة ما أتى إلا في الوقت الحاضر، كان قديما ما كان فيه سفر، لكن إذا أراد أن يسافر بالزوجة الجديدة فلابد من أن يقضي سفرا للزوجة الأخرى، إنما الزوجة الجديدة تستأثر فقط في الإقامة وليس بالسفر – فانتبهوا لهذه المسألة التي يغفل عنها كثير من الناس – وربما لا تجد هذه الفائدة في كتاب، وذلك بسبب كما ذكرت لكم أن السفر لم يكن معروفا قديما، أن من تزوج سافر بزوجته، إنما وجد هذا في الوقت الحاضر.

قال: (فلو بدَأَ، أو سَافَرَتْ مَعَهُ بلا قُرْعَةٍ، أَتَمَّ وَيقضِي) لو بدأ بالقسم فبات عند إحدى نسائه، أو سافرت معه بلا قرعة فتم قضى للبقية، وفي نسخة: أثم، في كتب الحنابلة أثم بدل أتم، ويقضي للبواقي؛ وذلك لأنه خصها بمدة على وجه تلحقه التهمة.

إذا أراد إذاً أن يسافر إما أن يقضي للأخرى سفرا مثل السفر بالأولى، أو يقرع بين نسائه، يعني رجل عنده أربع زوجات يقول: ما عندي استعداد إذا سافرت بهذه أسبوع، أسافر بالأخرى أسبوع، وبالثالثة أسبوع، وبالرابعة أسبوع ذهب علي شهر كامل كله في سفر ما الحل؟

الحل تقرع بين نسائك كما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يقرع بين نسائك، إما أن تقرع بين نسائك ولا يلزمك القضاء، وإما أن تقضي، إذا كنت لا تريد أن تقرع تقضي للبقية. 

قال: (ولَهَا أن تَهَبَ حَقَّهَا لبعضِ ضَرَّاتِهَا) للمرأة أن  تهب حقها للقسم لبعض ضراتها «لقصة سودة بنت زمعة أنها وهبت يومها لعائشة فكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة، وإنما قسمت يومها لعائشة لأنها كانت تعلم بأن عائشة هي أحب زوجات النبي – صلى الله عليه وسلم – إليه، فأرادت أن تسر النبي – عليه الصلاة والسلام – بهذا، لأن سودة لما تقدم بها السن خشية أن يطلقها النبي – عليه الصلاة والسلام – رغبت أن تكون إحدى أمهات المؤمنين فمن كمال عقلها وحكمتها أنها وهبت يومها لعائشة».

قال: (لبعضِ ضَرَّاتِهَا، بِإذْنِهِ) بإذن الزوج لأنه حقه على المرأة الواهبة فلا ينتقل لغيرها إلا برضاه.

(وَلهُ فيجعَلُهُ لِمَنْ شَاءَ) للمرأة أن تهب حقها من القسم لزوجها، وللزوج أن يهب هذا القسم لمن يشاء من زوجاته، فهي مخيرة إن شاءت وهبت لضرتها مباشرة، وإن شاءت وهبته للزوج والزوج هو الذي يختار.

قال: (ويُسمِّي عِندَ الوطءِ، ويقولُ ما وَرَدَ) انتقل للمؤلف للكلام آداب التي تقال عند الجماع، عند جماع الزوجة، فقال: إنه يسن أن يسمي، والتسمية وردت في حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، لم يضره الشيطان أبدا» متفق عليه، وهذا الذكر العظيم ينال به الإنسان هذه الفائدة العظيمة، وهو أنه إذا قال: «بسم الله، اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا» لو قدر أنه رزق حملت المرأة من ذلك الوطء لم يضره الشيطان.

 فإن قال قائل: نجد من الصالحين من يسمي ومع ذلك يأتي ولده فيه انحراف، وفيه ضلال، وفيه فسق يعني ضره الشيطان فكيف نجمع بين ما نراه واقعا وبين الحديث؟

قوله: «بسم الله، اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا» هذا سبب، وقد يتحقق المسبب وقد لا يتحقق، مثل: الدواء يشربه المريض وقد يشفى وقد لا يشفى، الأمور بيد الله – عز وجل – هذه كلها أسباب، «من أتى منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء» قد تلدغه عقرب، قد يصاب، نقول: هذا سبب كسائر الأسباب قد يفيد وقد لا يفيد، الأمور كلها بيد الله – عز وجل – .

إذاً هذا هو الذكر الذي يقال عند الجماع، هل هذا الذكر خاص بالزوج أو أن الزوجة تقوله أيضا؟

هذا محل خلاف بين العلماء فقال بعض أهل العلم: إن هذا خاص بالزوج؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال» فوجه الخطاب للزوج.

والقول الثاني: أن المرأة تقوله كذلك؛ لأن الولد يخلق من مائهما جميعا، وهذا هو القول الراجح، أنه يقوله الزوجان جميعا لأن الأصل في الخطاب الموجه للرجال أنه موجه للنساء أيضا إلا إذا وجدت القرينة الدالة على التخصيص.

 قال المؤلف – رحمه الله -: (بابُ الخُلعِ) الخُلع بضم الخاء من الخَلع بفتحها وهو النزع والإزالة، وهو مأخوذ من خلع الثوب؛ لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما تخلع اللباس ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ.

ومعناه اصطلاحا: فراق الزوجة بعوض، بألفاظ مخصوصة.

والأصل فيه قول الله – عز وجل -: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ هذا هو الخلع، ولذلك يسمى فداء.

والحكمة منه: تخليص الزوجة من الزوج، على وجه لا رجعة للزوج عليها إلا برضاها، وعقد جديد.

أما أسباب الخلع فإن كان بسبب معتبر شرعا فإنه جائز؛ وذلك كأن تكره خلق زوجها، أن يكون مثلا سيء الأخلاق، أو خلقه كأن يكون مثلا دميم الخلقة، أو نقص دينه، أو كبره، أو خافت إثما بترك حقوقه، ونحو ذلك.. فيباح الخلع في هذه الأحوال.

وأما مع استقامة الحال بين الزوجين فقيل: إن طلب المرأة الخلع في هذه الحال مكروه، وقيل: إنه محرم وهو القول الراجح، وقد اختار هذا القول الموفق بن قدامه، وابن تيمية، وجمع من المحققين من أهل العلم، ويدل لذلك قول الله – عز وجل - : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ قال ابن قدامه: وهذا صريح في التحريم إذا لم يخافا أن لا يقيما حدود الله، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ فدل مفهومه على أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت به من غير خوف، ثم غلظ بالوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ويدل ذلك أيضا حديث ثوبان: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» رواه أبو داود، والترمذي، وأيضا جاء عند أبي هريرة حديث: «المختلعات، والمنتزعات هن المنافقات» أخرجه الترمذي، والنسائي، وهذا يدل على تحريم طلب الخلع من غير ما بأس، وهذا يحصل غالبا عندما تطمح الزوجة في رجل آخر، وهذا مع الأسف ليس قليلا في وقتنا الحاضر أصبح كثيرا مع الأسف، تأتينا قضايا ومسائل من أزواج يشتكون من واقع بعض نسائهم، تقيم الزوجة علاقة مع رجل أجنبي، ثم يعدها بالزواج، فتطلب الطلاق من زوجها فيرفض، فتطلب الخلع، هذا طلب محرم، الخلع في هذه الحال محرم، ويصدق عليها «المختلعات، والمنتزعات هن المنافقات» ويصدق عليها: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» هذا العمل لا يجوز إذا كان من غير بأس، من أجل الطموح في زوج آخر هذا لا يجوز.  

نعود لعبارة المؤلف قال: (وإذَا خَافَتْ ألاَّ تُقِيمَ حُدودَ اللهِ فَلَهَا فداءُ نفسِهَا) للآية الكريمة، ولقصة امرأة ثابت بن قيس وهي جميلة بنت عبد الله ابن أبي فإنها أتت النبي – صلى الله عليه وسلم – وقالت: يا رسول الله، ثابت لا أنقم عليه من خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، قالت: ثابت بن قيس والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام – يعني كفران العشير – فقال لها النبي – صلى الله عليه وسلم - : «أتردين عليه حديقته، قال: نعم، قال: أقبل الحديقة، وأمره بفراقها» وهذا في الصحيحين فكان أول فراق، أو أول خلع في الإسلام، جاء في سبب مخالعتها له: أنها قالت: لكني لا أطيقه بغضا، تبغضه، وجاء في رواية النسائي: أنه كسر يدها، ولكن هذه الرواية ضعيفة، ووقع التصريح بسبب آخر وهو أنه كان دميم الخلقة، وأنها كانت جميلة، اسمها جميلة وأنها كانت جميلة أيضا، وجاء في حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده وكان رجلا دميما، فقالت: «والله لولا مخافة الله لبصقت في وجهه إذا دخل علي» وجاء عند عبد الرزاق أنها قالت: يا رسول الله، بي من الجمال ما ترى، وثابت رجل دميم، يعني امرأة جميلة، والرجل دميم، كأنها استكثرت نفسها عليه، المهم أنها طلبت الخلع، هذا بغض النظر عن السبب، فالنبي – عليه الصلاة والسلام – قبل منها هذا قال: «أتردين عليه حديقته، قال: نعم، قال: أقبل الحديقة، وأمره بفراقها».

قال: (فَلَهَا فداءُ نفسِهَا، بِما يَريانِهِ) بما يتفقان عليه من العوض.

(وَتَبينُ به) تبين به بينونة صغرى، ما الفرق بين البينونة الصغرى والبينونة الكبرى؟

البينونة الكبرى: تكون بالطلاق الثلاث، إذا طلق ثلاث تطليقات بانت بينونة كبرى، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.

أما البينونة الصغرى: فتكون بالخلع، بحيث إذا خالعت المرأة زوجها لا تحل له إلا بعقد ومهر جديد، وبرضاها، وتكون كذلك في الطلقة الواحدة والثنتين إذا انقضت العدة هذه تسمى بينونة صغرى.

إذاً الخلع تبين به المرأة بينونة صغرى.

إذا قال: (وَتَبينُ به) تبين بهذا الخلع بينونة صغرى.

هل الخلع يعتبر طلاقا أو لا يعتبر طلاقا؟

هذه مسألة مهمة إذا كان الخلع بلفظ المخالعة وليس بلفظ الطلاق اختلف العلماء هل يقع طلاقا أو يعتبر فسخا على قولين؟

القول الأول أنه يعتبر طلاقا، وإليه ذهب الجمهور لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «أقبل الحديقة، وطلقها تطليقة».

والقول الثاني: أنه يعتبر فسخا وليس طلاقا، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو من المفردات، ما معنى من المفردات؟

انفرد به الحنابلة عن بقية المذاهب.

والقول الراجح أنه يعتبر فسخا وليس طلاقا؛ وذلك لما روي عن ابن عباس أنه كان يقول: «الخلع فسخ واحتج بقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» فذكر تطليقتين، والخلع، وتطليقه بعده، لو كان الخلع طلاقا لكان رابعا، الطلاق مرتان، ثم ذكر الخلع ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ هذا هو الخلع، ثم قال: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ لو اعتبرنا الخلع طلاقا لكان قوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ تطليقه رابعة وهذا يدل على أن الخلع فسخ وليس طلاقا، وهذا كما ترون استدلال قوي، وهذا هو القول الراجح أن الخلع فسخ وليس طلاقا.

ثمرة الخلاف في هذه المسألة تظهر: في أننا إذا اعتبرناه طلاقا فيحسب طلقة، فلو أن الزوج عقد عليها مرة أخرى ما بقي له إلا طلقتان، ولو اعتبرناه فسخا لم يعتبر طلقة، فلو أن الزوج عقد عليها مرة أخرى بقي له ثلاث تطليقات، هذا إذا كان بلفظ الخلع.

أما إذا كان بلفظ الطلاق، يعني خالع الرجل امرأته، لكنه ما أتى بلفظ الخلع قال: طلقتك، اختلف العلماء في هذه المسألة هل يعتبر فسخا أم طلاقا؟

على قولين: فمنهم من قال إنه طلاق وهو قول الجمهور، ومنهم من قال فسخ، والمذهب عند الحنابلة أنه طلاق، وهناك رواية عن الإمام أحمد أنه فسخ واختاره ابن تيمية وابن القيم، والحقيقة أن الخلاف في هذه المسألة قوي، من اعتبرها طلاق قال: أتى بلفظ الطلاق الصريح، كيف لا نعتبره طلاقا؟ ومن قال إنه فسخ قال: إن هذا خلع، والخلع لا يتقيد به بلفظ معين، سواء كان بلفظ الخلع، أو بلفظ الطلاق، أو بأي لفظ يدل عليه، والخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، وأنا متوقف في هذه المسألة لم يترجح لي فيها قول، الخلاف فيها قوي، القول بأنه طلاق هو قول أكثر أهل العلم، قول قوي له وجاهته، والقول ابن تيمية وابن القيم بأنه فسخ أيضا قول له وجاهته، والله تعالى أعلم.

قال: (فَلا يَلحَقُهَا بَعْدَهُ طَلاقٌ) أن المختلعة إذا طلقها في العدة لا يلحقها طلاق؛ لأنها قد بانت منه فلا يلحقها طلاق.

ثم ذكر المؤلف بعض مسائل وأحكام الطلاق قال: (وَيَجوزُ بِمَجهُولٍ) يجوز الخلع بمجهول، كمثلا سيارة غير معينة، أو على ما في بيتها من الدراهم، أو نحو ذلك.. يقول: لأن الخلع إسقاط لحقه من البضع، وليس بتمليك شيء، والإسقاط يدخله المسامحة.

قال: (وكلِّ مَا يَصِحُّ صَداقاً، مِنْ زوجٍ يَصِحُّ طَلاقُهُ)  يجوز الخلع بكل ما صح صداقا من عين، أو منفعة، وقد سبق بيان ما يصح صداقا في درس سابق (مِنْ زوجٍ يَصِحُّ طَلاقُهُ) وهو المكلف، الزوج المكلف أو المميز الذي يعقل الطلاق، فالذي يصح منه الطلاق يصح منه الخلع من باب أولى، لأنه إذا صح زوال النكاح بغير شيء فلا أن يصح بشيء من باب أولى.

(مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) وهو الحر الرشيد غير المحجور عليه.

(أَجْنَبِيٍ) حتى ولو بذل عوض الخلع أجنبي فإن يصح، إذا كان قصده الإصلاح، مثال ذلك: مشاكل زوجية بين زوجين، والرجل رافض أن يطلق، والمرأة تريد الخلع لكنها فقيرة، فأتى إنسان أجنبي وقال: كم يريد منك الزوج؟ قالت: يريد المهر أربعين ألف، قال: خذي هذا أربعين ألف، يصح هذا إذا كان قصده الإصلاح، أما إذا لم يكن قصده الإصلاح فإن هذا لا يجوز، إذا كان يريد أن يخالعها لأجل أن يتزوجها فلا يجوز، لكن إذا قصده الإصلاح فلا بأس.

قال: (ولا يُسَنُّ بأكثرَ مِما أعْطَاهَا) لا يسن أن يكون الخلع بأكثر مما أعطاها، فلو كان المهر خمسين ألفا، لا يسن أن يأخذ الخلع بأكثر من خمسين ألف، واستدلوا بما روي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في حديث جميلة: «اقبل الحديقة ولا يزداد» ولكن هذه اللفظة ضعيفة من جهة الإسناد لا تصح.

من هنا اختلف العلماء في حكم أن يكون عوض الخلع أكثر من المهر:

القول الأول: أنه مكروه، أو أنه غير مستحب لما ذكرنا من الرواية ولا يزداد، وهذا هو المذهب عند الحنابلة.

والقول الثاني: أن الزيادة على المهر إذا كانت برضا الزوجة فلا بأس، أما إذا لم تكن برضا الزوجة فإنها لا تجوز، وهذا هو القول الراجح؛ وذلك لأنها إذا كانت برضا الزوجة فقد ترضيا على ذلك الافتداء، أما إذا لم تكن برضا الزوجة فإن هذا ظلم، إذ أن الزوج يأخذ شيئا من غير مقابل، هو قد دفع مهرا يفترض ألا يأخذ إلا المهر الذي دفعه، ومما يدل ذلك أول الآية: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ وهذا يدل على أن الخلع لا يكون بأكثر مما آتى الزوج الزوجة.

إذا هذه المسألة فيها قولان: القول الأول: أنه لا يسن أن يكون العوض بأكثر من المهر، وهذا قول الجمهور، وهو المذهب، واستدلوا برواية ولا يزداد، وأيضا استدلوا بظاهر الآية وقالوا إن الله تعالى قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِوأطلق، وهذا يشمل بما كان قدر المهر، وأقل المهر، وأكثر من المهر.

والقول الثاني: أن هذا إذا كان برضا المرأة جاز، وإذا كان بغير رضاها لم يجز لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا فأسند الأخذ لما آتاه الزوج، ثم إن أخذ الزوج أكثر من المهر هو ظلم لهذه المرأة لأنه يأخذ شيئا من غير مقابل، ثم إن فيه دناءة، قلة مروءة، كيف يطلب الخلع بأكثر من المهر الذي دفع؟ ولهذا قال ميمون بن مهران: «من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرح بإحسان» وقال سعيد بن المسيب: «ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها، ليدع لها شيء» يعني كان العلماء يعتبرون هذا مخالفا للمروءة.

قال: (فإن قالت: عَلَيَّ ما في يَدِي مِنَ الدَّرَاهِمِ فَلَهُ ما فِيهَا) إن خالعها على ما في يدها من الدراهم فله ما في يدها من الدراهم؛ لأن ذلك هو المخالع عليها، والجهالة هنا لا تضر، وهذا تفريع على الخلع بمجهول الذي قلنا هو صحيح.

قال: (وإلاَّ فَثَلاثَةُ دَرَاهِمَ) إن لم يكن في يدها شيء فيقع على أقل ما يسمى دراهم وهو ثلاثة دراهم.

(وفِي المُبْهَمِ أَقَلُّهُ) إذا خالع على شيء مبهم كسيارة غير معينة، فيصح بأقل ما يسمى، يعطيها أي سيارة، قالت: أخالعك على سيارة قال: قبلت، قال: السيارة ما هي؟ ما صفاتها؟ ما مديلها؟ ما اتفقا على شيء، تعطيه أي سيارة، أقل ما يقع عليه الاسم.

هذه أبرز المسائل والأحكام المتعلقة بالخلع.

ونقف عند كتاب الطلاق.

والله أعلم،، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

نجيب عن ما تيسر من الأسئلة.

* * *

هذا سائل يقول: كيف يتوب الزاني والسارق قبل القدرة عليه؟

أشرنا لهذا بأن تظهر عليه آثار التوبة، وإصلاح العمل، مثلا: إنسان ما كان يصلي ولا يشهد جمعة ولا جماعة، ثم أصبح ملازما للمسجد، ما تفوته الصلاة، أصبح كثير القراءة للقرآن، كثير الذكر، هنا ظهرت عليه التوبة، فلو أنه قبض عليه بعد ذلك متلبس بالحد القول الراجح أنه لا يقام عليه الحد.     

* * *

هذا سائل يقول: كيف الجواب عن إشكال الوارد عن قصة جريج أن ذلك شرع من قبلنا، قد خالف شرعنا حيث أن النسب يثبت بطريق النكاح فقط؟

أولا: ما الدليل على أنه خالف شرعنا، ما فيه دليل، بل وافق شرعنا، لو كانت المزني بها فراشا فلا يلحق بالزاني بالإجماع، لكن الكلام فيما إذا لم تكن فراشا، امرأة ليست ذات زوج، وليست فراش، ثم زنى بها رجل، وولدت، ما المانع أصلا أن يلحق هذا الولد بأبيه من الزنا؟ إذا كان يلحق بأمه وهي زانية، ما المانع من أن يلحق بأبيه؟ وقد خلق من مائهما جميعا، وقصة جريج ليست الاعتماد عليها بل من باب الاستئناس لذلك قلت لكم أنه من لطائف الاستدلال، وإلا المعتمد عليه أنه أصلا ليس هناك دليل يمنع من الإلحاق، وهناك عدة أدلة ذكرتها في الكتاب الذي أشرت إليه هو كتاب موجود، ربما تجده أيضا في الانترنت لأنه طبعه المجمع الفقهي، فيه عدة أدلة ذكرت سبعة أو ثمانية أدلة

* * *

هذا سائل يقول: رجل طالب علم يهجره أخوه بسبب خلاف في مسألة من المسائل التي يسوء فيها الخلاف، واستمر ذلك ثلاث سنين أو أكثر هل يجوز لي هجرانه؟

لا يجوز هذا الهجر، «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» معنى ذلك أنهما يأثمان جميعا بهذا الهجر، وثلاث سنين كثيرة، هذا الهجر ليس من أخلاق المؤمنين، ونقول للأخ السائل: عليك أن تذهب وتلقي عليه السلام، حتى وإن لم يرد عليك، ألقي عليه السلام حتى يرتفع عنك الإثم، فإن لم يرد عليك السلام فإنه هو يبوء بالإثم، لكن ألقي عليه السلام ليزول الهجر، الحد الأدنى من زوال الهجر إلقاء السلام، وليس بالضرورة أنك توثق العلاقة معه، بعض الناس قد تكون الحكمة عدم توثيق العلاقة معه، يسيء لك، لا توثق العلاقة معه، لكن لا تهجره أيضا، فالهجر الأصل أنه لا يجوز أكثر من ثلاثة أيام إلا ما كان فيه مصلحة شريعة كأن يكون مرتكب لمنكر فيهجر ويغلب على الظن أن هذا الهجر سيكون ردعا له في زوال المنكر، أما في ما عرضه الأخ السائل ثلاث سنين هذا دليل على أنه ليس هناك أمر يردع من أجله، استمر هو ثلاث سنين، فهذا الهجران لا يجوز، ونقول للأخ السائل: أن تذهب لأخيك وتسلم عليه إن رد عليك السلام وعادت العلاقة فا الحمد لله وإن لم يقبل يبوء بالإثم هو.

* * *

هذا سائل يقول: ما حكم الدف الذي ثبت فيه أقراص معدنية لإصدار صوت؟

الدف كما ذكرنا في الدرس السابق الأصل فيه أنه من المعازف المحرمة، والدليل لهذا قصة عائشة لما كان عندها جارتان تضربان الدف في يوم عيد، فدخل أبو بكر مغضبا أمزمور الشيطان في بيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : «دعهما يا أبا بكر، فإن لكل أمة عيدا، وهذا عيدنا أهل الإسلام» الشاهد من هذه القصة: أن أبا بكر فهم بأن الدف من مزامير الشيطان، طيب هل أقره النبي – عليه الصلاة  والسلام – على هذا الفهم أم لم يقره؟ أقره، لكن بين له أن هذه الحالة مستثناة وهي أنه يوم عيد، هذه الحالة الأولى، الحالة الثانية: العرس، الحالة الثالثة: قدوم الغائب، فهذه الأحوال الثلاثة يجوز فيها ضرب الدف وما عداها يبقى على الأصل وهو المنع.

* * *

هذا سائل يقول: إذا قلنا بسقوط الحد عن القاذف للغيرة ألا يكفي أنه قد راعينا حاله ونفسية القاذف دون المقذوف، وأيضا يكون فيه تهاون من الناس في القذف بحجة الغيرة؟

ليس معنى قوله أنه لا يقام عليه حد القذف أنه لا يعاقب، يعاقب ويعزر، لكن الكلام في حد القذف الذي هو ثمانون جلدة، ورد شهادته أبدا، هذا هو الكلام في هذه المسألة، لكن هذا القاذف على سبيل الغيرة يعزر بعقوبة تعزيرية تناسبه، لكن الكلام على أنه يقام عليه حد القذف الذي هو ثمانون جلدة، وذلك لأن القاذف قد شوش فكره، ولأن المقذوف لا يلحقه من العار مثل ما يلحق المقذوف فيما لو لم يكن هناك غيرة.

* * *

هذا سائل يقول: ما حكم أخذ البنك غرامة تأخير تصرف في وجوه البر بسبب تأخر سداد القرض؟

لا يجوز، غرامة التأخير هي نظير ربا الجاهلية، فقد كانوا في الجاهلية إذا حل الدين على المدين قال الدائن للمدين: إما أن تقضي، وإما أن تربي، وأما قول بعضهم: إن نأخذ هذه الغرامة ونصرفها في وجوه البر فهذا لا يبيحها، هو ربا سواء أخذته أو صرفته في وجوه البر يبقى ربا، وهذه المسألة قد تعرضت لها بالتفصيل في كتاب: الزمن في الديون، كان بحثا وطبع في كتاب، اسمه الزمن في الديون، وموجود أيضا على الانترنت تجده، بحثت هذه المسألة بالتفصيل وذكرت أدلة المجيزين والمانعين ورجحت القول بعدم الجواز، وأنه لم يقل أصلا أحد بالجواز إلا بعض العلماء المعاصرين، وإلا العلماء السابقون كلهم على التحريم.

* * *

هذا سائل يقول: إذا كان عند الرجل زوجتان كل واحدة في بلد، ولا يستطيع أن يعدل في البيت هل يلام على ذلك؟

نعم يلام على ذلك لابد أن يعدل بينهما، فإما أن يأخذ هذه معه مدة، ثم يأخذ الثانية مدة، أو أن يتراضيا، أو أن يرضي الأخرى بمال، المهم لابد من حصول الرضا، أو يلزمه العدل، أن يأخذ هذه مثل ما أخذ هذه.

* * *

هذا سائل يقول: هل يأثم الزوج إذا لم يلاعن في حال تيقنه أن الولد ولد زنا؟

نعم يأثم، ولذلك سيأتي ذلك في باب اللعان أن اللعان يجب إذا تيقن الزوج أن امرأته حملت من الزن، يجب عليه، ولو لم يلاعن أثم، لأنه إذا لم يلاعن سينسب له ولد ليس من مائه، وسيكون محرما لبناته، وسيكون اختلاط في الأنساب، وسيترتب على ذلك أحكام عظيمة، فهنا هذا رجل قد ابتلي يجب عليه أن يلاعن، ليس هناك حل آخر غير الملاعنة، حتى الحمض النووي أو البصمة لا ينتفي بها لابد من الملاعنة، لابد، أما إذا لم يتيقن أنها حملت من الزنا لكن عندها تساهل مع الرجال الأجانب، فقد جاء عند الإمام أحمد وغيره أن رجلا أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال: «طلقها» قال: إني أحبها، قال: «أمسكها» ما معنى هذا الحديث: لا ترد يد لامس يعني متساهلة، لو وضع رجل أجنبي يده عليها ما ترده، لكنها لا تقع في الزنا، بين الشراح الحافظ بن حجر، وبين ذلك ابن تيمية وغيرهم قالوا: ليست هذه المرأة تقع في الزنا، لو كانت تقع في الزنا ما قال لها النبي – عليه الصلاة والسلام – أمسكها، لكن المعنى أنها متساهلة، بعض النساء عندها تساهل لكنها لا تقع في الفاحشة، هذه لا يجب طلاقها، لكن يجوز، ولهذا قال: «طلقها» قال: إني أحبها ذكره له مانع، قال: «أمسكها» يعظها، ويذكرها بالله – عز وجل – ولا يجب عليه أن يطلقها، لكن لو كانت تقع في الزنا فإن حملت يجب عليه أن يطلقها، إن لم تحمل هل يجب عليه أن يطلقها؟ رجل زنت امرأته ولم تحمل من الزنا هل يجب أو لا يجب؟ إذا لم تتب لا يجوز ﴿لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ لكن إذا تابت ينظر للمصلحة لو كان له منها أولاد، وأظهرت التوبة والندم يجوز له أن يمسكها، لكن يقولون: إن الزوج إذا زنت امرأته سقطت من عينه، فالغالب أنه لن يمسكها مهما كان السبب، لن يمسكها، حتى لو كان له منها أولاد؛ لأنه يعتبر أنها جرحت وخانته، فالغالب أنه لن يمسكها، لكن كحكم شرعي لا يجب عليه أن يطلقها إلا ويلاعنها إلا إذا حملت من الزنا.

* * *

هذا سائل يقول: هل وجود الالتهابات مزمنة عند المرأة مما يسبب عدوى متكررة للرجل يعد عيبا يوجب للرجل الفسخ، مع العلم أنها مستمرة على مدار على ثلاث سنوات؟

لا يعتبر هذا عيبا يوجب الفسخ؛ لأنه معنى قوله يوجب الفسخ أن المرأة أن ترد المهر كاملا على الزوج، وإلا الزوج بيده العصمة، وهو بإمكانه أن يطلق، فإذا كان من جانب المرأة ولا يعتبر مثل هذا عيبا، وقد سبق الكلام عن هذا في درس سابق.    

* * *

هذا سائل يقول: زوجة تريد ولد، وعندها بنات، ويوجد طريقة طبية تؤخذ عينة من الرجل، يحدد ذكر أم أنثى هل هذا يجوز؟

هذا تحديد نوع الجنين، أو جنس الجنين، هذه درست في المجمع الفقهي كنت حاضرا مشاركا في الجلسة، وحضر عندنا أطباء في المجمع، وذكروا أن تحديد جنس الجنين أنه ممكن لكن نسبة النجاح يعني قليلة، ليست كثيرة، من عشرة إلى ثلاثين في المائة فقط، وربما يتطور الطب وترتفع النسبة أيضا، ولكن رأى فقهاء المجمع أن هذا يجوز في الحالات العلاجية فقط، بعض الناس إذا أنجبت المرأة ذكور ما يصيبهم مثلا أمراض، وإذا أنجبت إناث أصابهم أمراض أو العكس، فهنا يجوز تحديد الجنس لأجل هذا، أما لغير الأمور العلاجية فلا يجوز؛ لأن هذا يترتب عليه أضرار تترتب عليه إشكالات كثيرة، تترتب عليه اختلال في تركيبة السكان، ولهذا نجد في الصين، وفي الهند عندهم مشكلة في هذا الموضوع لأنه مسموح لهم بطفل واحد، وإذا حملت الزوجة يذهب ويكشف عليها إذا كنت بنت أجهضها، أصبح الذكور عندهم أكثر من الإناث هذا يسبب إشكالية في هذا، والله تعالى من حكمته أن جعل الذكور والإناث متقاربين فإذا كان للعلاج فلا بأس، أما لغير العلاج فالأصل أنه لا يجوز.    

* * *

هذا سائل يقول: صفة أذكار الصباح والمساء هل ينفث في يديه ويمسح على جسمه عند القراءة أم لا؟

النفث لا يكون في أذكار الصباح والمساء إنما يكون في أذكار النوم، وفي أيضا قل هو الله أحد، والمعوذتين، سورة الإخلاص والمعوذتين، حتى آية الكرسي لا ينفث إنما في الإخلاص والمعوذتين عند النوم فقط هذا هو الذي ورد فيه النفث.    

* * *

هذا سائل يقول: تبليغ السلطان هل المقصود به القبض عليه أم الرفع إلى النيابة العامة أو القاضي؟

لعل الأخ يقصد إذا بلغت السلطان فلا تجوز الشفاعة في الحدود، إذا بلغت السلطان لعن الشافع والمشفع، ما المراد بالسلطان في الوقت الحاضر: الراجح أن المراد بالسلطان هو الذي يمثل السلطان هو القاضي؛ لأنه قبل القاضي لا زالت تهمة، حتى عند الشرطة، عند النيابة العامة، عند الهيئة ما زالت تهمة، إنما يثبت الأمر عند القاضي، القاضي هو الذي يحكم بالثبوت أو بعدم الثبوت، فإذا وصلت القضية للقاضي وكانت حدا لا تجوز الشفاعة فيها، ولا العفو، أما قبل ذلك فتجوز الشفاعة، ويجوز كذلك العفو.    

* * *

هذا سائل يقول: هل الهجر في الفراش يكون بعدم الجماع فقط مع نومه معها في الفراش، أو إعطاءه ظهره؟

المقصود بالهجر في الفراش أنه ما ينام في الفراش أصلا، ينام في غرفة أخرى، أو ينام في فراش آخر، هذا هو المقصود، وهذا يشق على بعض النساء، فيكون في هذا نوعا من علاج النشوز لتلك المرأة.    

* * *

هذا سائل يقول: إذا طلبت الخلع من زوجها لأنها ترغب في زوج آخر وقد تعلقت به حتى وصل إلى العشق، هل لها طلب الخلع إن خشت الوقوع في الزنا؟

لا يجوز لها ذلك، أصلا لماذا تتعلق برجل آخر، ولماذا تعشقه؟ ولماذا تتواصل معه وهي في ذمة رجل؟ هذا كله لا يجوز، وهذا يدل على ضعف الديانة عند هذه المرأة، وقلة خوفها من الله – عز وجل – وهل ترضى أن زوجها يفعل ذلك يتعلق بامرأة أخرى، وأجنبية؟ إذا كانت لا ترضى لماذا تفعل ذلك مع زوجها؟ فعلها هذا لا يجوز، وعليها أن تتقي الله – عز وجل – وأن تعرض عن هذا الزوج الذي تعلقت به، لا يجوز لها أن تطلب الطلاق، ولا الخلع من زوجها، «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» وهذا ينطبق على هذه  المرأة لأنها تريد أن تطلب الطلاق أو الخلع من زوجها لأجل أن تتزوج بهذا العشيق، وهذا محرم عليها، ولا يجوز لها، فعليها أن تتقي الله تعالى.    

* * *

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز - بحي الخزامى - 1439/7/9