الخثلان
الخثلان
من الفائدة 137 إلى 142
1 رجب 1439 عدد الزيارات 623

لطائف الفوائد 20

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه ، واتبع سنته إلى يوم الدين .

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمنا نافعا ينفعنا.

هذا هو الدرس العشرون من هذا العام الهجري ، في اليوم الرابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

نبدأ أولا: بالتعليق على لطائف الفوائد.

 وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم مائة وسبعة وثلاثين : في حكم تحديد نصيب المضارب في المضاربة.

فائدة: حكم تحديد نصيب المضارب في المضاربة (لا يجوز تحديد نصيب المضارب في المضاربة بمبلغ مقطوع وإنما يكون بنسبة شائعة كالربع، أو الثلث ونحو ذلك.. وبنسبة مئوية كعشرين بالمائة، أو ثلاثين في المائة، ونحو ذلك.. قد جاء في القرار رقم تسع وسبعون: خمسة على أربعة عشر من قرارات المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي: لا يجوز المضاربة أن يحدد للمضارب لرب المال مقدارا معينا من المال؛ لأنها هذا يتنافى مع حقيقة المضاربة، ولأنه يجعلها قرضا بفائدة، والفرق جوهري الذي يفصل بين المضاربة والقرض بفائدة هو أن المال في يد المضارب أمانة، لا يضمنه إلا إذا تعدى أو فرط، فيقسم بنسبة شائعة، متفق عليها بين المضارب ورب المال) نعم في المضاربة لا يجوز تحديد نصيب المضارب بمبلغ مقطوع كأن يقال له مثلا: خمسة آلاف ريال شهريا، أو عشرة آلاف ريال شهريا، أو أقل، أو أكثر، هذا لا يجوز؛ وذلك لأنه قد يربح وقد يخسر، ولأن المضاربة مبنية على الربح والخسارة، مال المضاربة أمانة في يد المضارب، لا يضمن هذا المال إلا إذا تعدى أو فرط، ولأن ضمان أو تحديد نصيب المضارب بمبلغ مقطوع يقلبها من كونها مضاربة مشروعة إلى كونها قرضا بفائدة، ما الفرق بين القرض بفائدة والمضاربة؟

الفرق هو في مسألة الضمان، فالمضاربة مال المضارب ليس مضمونا قد يربح وقد يخسر، بينما في القرض بفائدة الفائدة مضمونة، وهذا هو الفرق الجوهري بين القرض بفائدة وبين المضاربة، فإذا كان هذا الشخص الذي تعطيه المال يضمن لك عدم الخسارة فهذا يحولها من كونها مضاربة إلى كونها قرضا بفائدة، وكذلك أيضا إذا كان يعطيك مبلغا مقطوعا، بغض النظر عن الربح والخسارة فهذا أيضا يقلبها من كونها مضاربة إلى كونها قرضا بفائدة.

ما هو المخرج؟

المخرج هو أن يحدد نصيب المضارب بنسبة مشاعة كالربع، أو الثلث، أو الخمس، أو بالنسبة المئوية، كعشرة في المائة، عشرين في المائة، خمس وعشرين في المائة، وهكذا.. فإن ربح، إن ربحت المضاربة يحصل العامل على هذه النسبة، وإن خسرت المضاربة لا يحصل على شيء، إنما خسر جهده.

 وعند الفقهاء قاعدة وهي: أن الخسارة تكون على رب المال، والربح على ما شرطا، الخسارة تكون على رب المال ولا تكون على المضارب، المضارب إنما يخسر جهده، وأما الربح فعلى ما شرطا، بحسب الاتفاق، حتى لو كان لأحدهما خمس بالمائة وللآخر خمس وتسعون بالمائة لا بأس، فالربح على ما شرطاه، وأما الخسارة فهي على رب المال.

 إذاً حتى تكون المضاربة مشروعة لا يجوز فيها ضمان عدم الخسارة، ولا ضمان الربح، ولا أن يكون الربح مبلغا مقطوعا، بل لابد أن تكون قابلة للربح والخسارة، وأن يكون الربح بنسبة مشاعة، فبهذا تكون المضاربة مشروعة.

 فائدة: حكم عروض بعض الشركات للدخول في السحب (عروض بعض الشركات بإرسال رسالة بقيمة خمسة، أو عشرة ريالات، أو أكثر بالدخول في سحب على سيارات، ونحو ذلك.. من الجوائز تعتبر من اليانصيب، والميسر المحرم؛ وذلك لأن من يدخل فيها يتردد بين الغنم والغرم فيدخل تحت قاعدة الميسر، وبما فيها من أكل المال بالباطل) هذه من صور اليانصيب وهي موجودة في بلاد الغرب بكثرة، وهي أن بعض الناس يطرح عروضا ويقول: أرسل رسالة على الجوال أو حتى على غير الجوال، يقول: أرسل رسالة قيمتها خمسة ريالات، أو عشرة ريالات، ثم بعد ذلك يأتي السحب على السيارة، أو على جائزة قيمتها كبيرة، فيصل مثلا عدد المرسل للرسائل بعشرات الألوف، قد يصلون خمسين ألفا، أو مائة ألف، والسحب على سيارة أو سيارتين فهذا من الميسر، وهذا الذي يضع هذا العرض، أو هذه المسابقة يربح الملايين، ويدفع القليل، يدفع على السيارة أو السيارتين أو الثلاثة لكن يربح في مقابلها الملايين، فهذا لا يجوز، وهذا من ضروب الميسر، ومن أكل المال بالباطل، لا يقول الإنسان إن المبلغ الذي أدفعه زهيد خمسة ريالات، أو عشرة ريالات؛ لأنه بالنسبة لمجموعه هو كبير، ويصل لملايين الريالات، ثم أيضا يعني مسألة إنها زهيدة أو ليست بزهيدة من المسائل النسبية، ما دام أنها فوق التكلفة المعتادة فيدخل تحت قاعدة الميسر، وهو أنه دخل في مسابقة وهو متردد بين الغنم والغرم، فهذا لا يجوز إلا فيما ورد فيه النص، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر» أما ما عدا ذلك فلا يجوز.

هذه إذا العروض التي يطلب من الإنسان فيها إرسال رسالة، تكلفة فوق التكلفة المعتادة خمسة ريالات، أو عشرة ريالات، أو أكثر، هذه من الميسر، أما لو كانت التكلفة معتادة نفس تكلفة الرسالة مثلا ثلاثين هللة، فهذه يظهر أنها لا تدخل في الميسر؛ لأنها هي تكلفة معتادة، وهذه أيضا تأخذها شركة الاتصالات، هذه لا تدخل في الميسر، وهكذا أيضا لو كان الذي يدخل في المسابقة، أو في العروض لو كان مترددا بين الغنم والسلامة فلا بأس بها؛ وذلك بأن تبذل هذه الجوائز مجانا، ومن يدخل فيها لا يدفع أي عوض، لا يدفع أي عوض، فلا بأس، مثل: موجود في بعض محلات التسوق يقول: نعطيك بطاقة بدون مقابل، لكن إذا اشتريت منا مبلغ قدره كذا، فتحصل على خصم، أو تخفيض، تجمع لك نقاط هذا لا بأس به، فإذا كنت لا تدفع عوضا مقابل هذه البطاقة، وتحصل على تخفيضات فهذا لا بأس به، سواء كان من محلات تسوق، أو من صيدليات، أو من الاتصالات، أو من الطيران، أو غير ذلك.. مثل ذلك أيضا: جوائز وهدايا محطات الوقود، هذه لا بأس بها، هي في الحقيقة تخفيض بطريق غير مباشر، ما دام يخفض لك مباشرة يقول: أنا ما استطيع أن أخفض لجميع العملاء، أو الزبائن، لكن أخفض لمن يتعامل معي أكثر، أعطيه هدية، أعطيه مناديل، أعطيه هدية من الهدايا.

 فهذه المسائل كلها يجمعها هذه القاعدة وهي أن من دخل في مسابقة، أو مغالبة، أو عروض وهو متردد بين الربح والخسارة، والغرم والغنم فهذه من الميسر، أما إذا دخل فيها وهو متردد بين الربح والسلامة فلا بأس، أو الغنم أو السلامة فلا بأس، هذه هي القاعدة التي تجيب لك على المسائل كلها.

فائدة: حكم البيع بالتقسيط (البيع بالتقسيط جائز ولو زيد في ثمن السلعة لأجل التقسيط، فمثلا إذا كانت قيمة السيارة نقدا خمسين ألفا وبيعت بتقسيط لسنتين بستين ألفا جاز ذلك، وقد حكي الإجماع على جوازه، ويجوز أثناء المدة أن يسقط الدائن بعض الدين مقابل تعجيل الدين، مسألة ضع وتعجل، ويجوز الاتفاق على أنه إذا تأخر المدين عن سداد أي قسط فتحل بقية الأقساط مع المستحقة ما لم يكن المدين معسرا، وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي) البيع بالتقسيط جائز وقد حكي الإجماع على جوازه، مما حكا الإجماع الحافظ بن حجر في الفتح وغيره، ويدل له قول الله – عز وجل - : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُأيضا حديث عبد الله بن عمرو قال: «أمرني النبي – صلى الله عليه وسلم – أن أجهز إبل الصدقة، فنفدت الإبل، فكنت أشتري البعير بالبعيرين، والبعيرين بالثلاثة، إلى إبل الصدقة» هذا بيع بالتقسيط، وبالأجل حتى لو زيد في ثمن السلعة لأجل زيادة الأجل، لا بأس بهذا؛ لأن البائع عندما يريد أن يبيع السلعة هو حر في تحديد الثمن، هو يقول: أنا أبيعك هذه السلعة الآن مثلا هذه السيارة نقدا بخمسين ألفا، وتريد أن تشتريها مني لكن ما تدفع الثمن إلا بعد سنتين، أو مقسطا بسبعين ألفا هو حر في تحديد الثمن، لا يقال له: لابد أن تبيع المؤجل بمثل سعره حالا، لا بأس بهذا، إنما الممنوع أنه إذا باع بالأجل، وثبت الدين في الذمة، بعدما يستقر الدين يزيد في الثمن مقابل زيادة الأجل، هذا هو الذي لا يجوز، إذا زاد في الثمن مقابل زيادة الأجل هذا لا يجوز، فلو أنه باع السيارة بخمسين ألفا، وبعد سنة قال: سدد، قال: ما عندي شيء، قال: إذا أنا أؤجلك مقابل أن تزيد لي في مقدار الدين، بدل خمسين ألفا، تكون ستين ألفا هذا لا يجوز، فزيادة الدين مقابل زيادة الأجل هذه لا تجوز بعد استقرار الدين، أما عند ابتداء العقد فلا بأس أن يقول: أبيعك هذه السيارة خمسين ألفا نقدا أو سبعين ألفا مؤجلة، هذا لا بأس، وعليه العمل سنين من قديم الزمان، بل يكاد يكون إجماعا عمليا، تناقل المسلمون جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، وحكي إجماع العلماء عليه، فلا بأس به، وأما من منع ذلك من بعض العلماء المعاصرين فهو مسبوق بالإجماع، واعتبره كثير من أهل العلم قوله قولا شاذا لم يسبق إليه، وقد التبس عليه الأمر حيث قال: هذه المسألة مسألة البيع بالآجل على مسألة ما إذا استقر الدين في ذمة المدين، ثم زاد الدائن في الدين لأجل زيادة الآجل هذا هو الذي لا يجوز، وهو ربا الجاهلية، أما في ابتداء العقد البائع حر، حر في تحديد الثمن، أنا أبيعك هذه السلعة تنقدها لي خمسين ألفا، لن تسلم الثمن إلا بعد سنتين سبعين ألف، لا بأس بهذا، هذا كله جائز، ولا بأس به، وليس فيه حتى شبهة، وكما ذكرنا في قصة عبد الله بن عمرو «كان يشتري البعير بالبعيرين، والبعيرين بالثلاثة، إلى إبل الصدقة» «وتوفي النبي – صلى الله عليه وسلم – ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير» اليهودي لن يبيع ثلاثين صاعا من شعير، لن يبيعها مؤجلة بسعرها حال قطعا، فسيزيد في الثمن مقابل زيادة التأجيل في تسديد الثمن.

 فإذا بعت تقسيط لا بأس به، والزيادة في ثمن السلعة لأجل التقسيط، أو لأجل الأجل هذا كله لا بأس به.

وأيضا مسألة ضع وتعجل أيضا هي جائزة على القول الراجح، ومعنى ضع وتعجل: - مرت معنا في درس سابق – في باب الصلح، في شرح التسهيل، وقلنا: إن فيها قولين:

القول الأول: قول الجمهور أنها لا تجوز، وعليه المذاهب الأربعة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.

القول الثاني: القول بالجواز، وقلنا هذا هو القول الراجح، واختاره جمع من المحققين من أهل العلم، عليه الفتوى عندنا هنا في المملكة، والقول بالجواز، وذكرنا أدلة القول بالجواز، وأنها تختلف عن زيادة الدين مقابل زيادة الأجل، فضع وتعجل معناها: إذا كان شخص يطلبك مثلا: خمسين ألفا، تحل بعد سنة، وبعد ستة أشهر احتاج وقال: يا فلان أنا أطلبك خمسين ألفا بعد سنة، أعطني الآن أربعين ألفا، وأسقط عنك عشرة آلاف، فهذا لا بأس به على القول الراجح؛ لأن فيه مصلحة للطرفين، ولأن فيه إبراء للذمة، ولأن الأصل الحل والإباحة، وليس هناك دليل يمنع من الجواز.

أيضا من المسائل هنا المذكورة في هذه الفائدة يجوز الاتفاق على أنه إذا تأخر المدين عن سداد أي قسط، فتحل بقية الأقساط مع المستحقة، ما لم يكن المدين معسرا، يعني يجوز اشتراط هذا الشرط عند البيع بالتقسيط أو الأجل أنه إذا تأخر المدين عن سداد أي قسط من الأقساط فتحل جميع الأقساط المؤجلة، هذا لا بأس به؛ وذلك لأن التأجيل حق للمدين، فإذا رضي المدين بهذا الشرط فلا بأس، هو اتفق الآن البائع والمشتري على البيع بالأجل، فأصبح الأجل الآن حقا للمدين، فإذا شرط عليه الدائن، بأن المدين إذا تأخر عن سداد أي قسط من الأقساط حلت بقية الأقساط، فلا بأس، معنى ذلك أنه رضي بالتنازل عن حقه، فلا بأس بهذا، ولكن ينبغي عند حلول بقية الأقساط أن يخصم منها بمقدار الأجل، فتعامل معاملة الأقساط الحالة، فإذا كان القسط مثلا يؤخذ عليه ربح مقداره مثلا ألفي ريال، ثم حل هذا القسط ينبغي أن يسقط الألف هذه، وأن يعامل معاملة القسط الحال، فإذا نقول: هذا الشرط لا بأس به، إذا تأخر المدين عن سداد أي قسط فتحل جميع الأقساط المتبقية لا بأس به، لكن ينبغي أن يسقط عن المدين بمقدار الأرباح التي كان سيأخذها الدائن لو لم تحل هذه الأقساط، وأيضا نشترط ما لم يكن المدين معسرا، فإن كان معسرا فيجب إنظاره، ولا يجوز اشتراط هذه الشرط عليه إذا كان معسرا.

فائدة: حكم استلام بعض المبلغ في الصرف (عندما يحتاج شخصا لصرف مبلغ خمسمائة ريال مثلا، ولا يجد إلا أقل منه، أربعمائة ريال، فهل له أن يأخذها ويستلم الباقي مائة فيما بعد؟ منع من ذلك بعض العلماء لعدم تحقق التقابض في المبلغ المتبقي، وأجاز ذلك آخرون بشرط أن ينوي المصارفة في المبلغ المقبوض، وأما المتبقي فينوي أنه أمانة، أو وديعة عند صاحبه، وهذا هو الأقرب، وقد نص بعض فقهاء الحنابلة على ما يشبه هذا) هذه مسألة يكثر السؤال عنها عندما يحتاج إنسان لصرف مبلغ، ولنفترض مثلا خمسمائة ريال، فأتى شخص وقال: أنا أصرف لك لكن ما عندي إلا أربعمائة، أعطيك أربعمائة، ومائة ريال غدا – إن شاء الله – بعض العلماء المعاصرين منع من هذا وقال: إن هذه مصارفة، ولابد فيها من التقابض يدا بيد، وهنا لم يحصل التقابض في المائة ريال المتبقية.

والقول الثاني: أن هذا لا بأس به إذا نوى المصارفة في المبلغ المصروف، ونوى أن ما بقي أمانة ووديعة فيقول: أنا الآن أصرف لك أربعمائة بأربعمائة، ومائة ريال تبقى أمانة ووديعة في ذمتي، وهذا هو القول الراجح، وعليه كلام الفقهاء المتقدمون.

وأنقل هنا كلام الموفق بن قدامه في المغني في مسألة تشبه هذه المسألة قال الموفق: لو صارفه عشرة دراهم بدينا، فأعطاه أكثر من دينار، جاز، ويكون الزائد أمانة في يده، ولا شيء عليه في تلفه، نص عليه أحمد، فهذه المسألة التي ذكرها الموفق، وذكرها بعض فقهاء الحنابلة شبيهة بمسألتنا، فنقول: إذا ينوي المصارفة في المبلغ المقبوض، أعطيتك خمسمائة ما عندك إلا أربعمائة إذا أنوي المصارفة في أربعمائة بأربعمائة، إذاً حصل هنا تقابض وتماثل، وأما مائة ريال متبقية، فهذه تبقى أمانة ووديعة عندك، استلمها غدا، هذا لا بأس به، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، أن هذه المسألة لا حرج فيها، ولا بأس بها، والمبلغ الزائد يبقى أمانة ووديعة لدى الشخص الذي بقي عنده المبلغ الزائد.

وهناك مسألة أخرى تلتبس أيضا على بعض الناس وهي: إذا ذهب لمحل تسوق، أعطاه خمسمائة، واشترى مثلا بمائة ريال، وقال: الباقي أسلمه لك غدا، هذه لا بأس بها بالإجماع؛ لأن المبلغ المتبقي دين في ذمة صاحب المحل، أشبه لو ما كان العكس، لو كان العكس أتى إنسان للبقالة، واشترى منها، قال: أسدد لك آخر الشهر، أليس هذا يجوز؟ هذه المسألة عكسها، فهو يقول: أنا أعطيك الآن خمسمائة ريال، قال: ما عندي صرف، إن شاء الله غدا أعطيك الباقي، أشترى بمائة ريال، وقال الباقي: أعطيك إياه، يبقى دينا في ذمة صاحب البقالة، هذه مسألة ليس فيها خلاف، إنما الخلاف في هذه المسألة إذا كانت نقد بنقد، أما إذا ذهب لمحل البقالة وأعطاه مبلغ، واشترى ببعض هذا المبلغ، والباقي قال: أستلمه غدا، هذه لا بأس بها، وليس فيها أي إشكال، وحتى مسألتنا هذه القول الراجح أنه ليس فيها بأس، إذا قال: هذه خمسمائة صرف في أربعمائة وقال: المبلغ المتبقي اجعله عندك أمانة أو وديعة أستلمه منك غدا أو في وقت آخر أيضا هذا لا بأس به.

فائدة: حكم قبول المودعين لهدايا البنوك (لا يجوز قبول هدايا البنك بمن كان لديه عنده حساب جاري؛ لأن هدية من مقترض إلى مقرض، وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله – أن بعض البنوك تقوم بإهداء بعض كبار المودعين هدايا قيمة مثل: بخور، أو دهن عود، إلى آخره.. هل يقبلها ويتخلص منها، أم يردها عليهم؟

فأجاب: قبولها من الربا؛ لأنه قرض جر نفعا، وأرى أن يردها تعزيرا لهم، ولا يأخذها بنية التخلص) الحساب الجاري التكييف الفقهي له: أنه قرض، والعميل هو المقرض، والبنك هو المقترض، ويدل على أنه قرض أن البنك ضامن للمبلغ الذي يودعه العميل على أي حال، حتى لو حصل للبنك ما حصل، لو أنك أودعت مالا في البنك، ثم احترق هذا البنك، فيضمن لك المبلغ، وهذا يدل على أنه ليس وديعة وإنما هو قرض، فالبنك إذاً ضامن، والأمر الثاني أيضا: يدل لذلك أيضا أن البنك يتصرف في هذا المبلغ مباشرة، ولو كان وديعة لما تصرف فيه، ولحفظه لك، بل ربما تودع المبلغ لدى موظف البنك، يأخذه منك، ويعطيه عميل آخر وأنت تنظر، هذا دليل على أنه قرض وليس وديعة، فالحساب الجاري هو في الحقيقة قرض، وإن سمي وديعة، يسمونها الناس حساب ودائع، أو قسيمة إيداع، التسمية لا تغير من الحقيقة شيئا، هو في الحقيقة قرض، العميل هو المقرض، والبنك هو المقترض، وبناء على ذلك: فإذا أهدى البنك للعميل هدية فهي هدية من مقترض إلى مقرض قبل الوفاء، ومعنى يعني قبل وفاء القرض، لا زال القرض عنده، وهدية المقترض للمقرض قبل الوفاء محرمة، وحكي الإجماع على ذلك، وعلى ذلك فلا تجوز هدايا البنوك للعملاء، بعض البنوك تهدي لكبار العملاء، تهدي أحيانا سيارات، تهدي مشالح، تهدي بخور، تهدي هدايا قيمة، هذه الهدايا لا تجوز؛ لأنها هدية من مقترض إلى مقرض، وهل البنوك تهدي لهؤلاء العملاء لسواد عيونهم؟ لا، تهديهم لأجل هذا القرض، فهذه إذاً هدايا نقول إنها لا تجوز، إلا إذا كانت الهدية لا تختص بالعملاء، كأن تكون دعاية مثلا للبنك، للعملاء وغيرهم مثل: التقاويم هذه لا بأس بها؛ لأنها لا تختص بالعملاء، البنك يريد دعاية لنفسه، يهديها للعملاء ولغير العملاء هذه لا بأس بها، أما الهدايا المختصة بالعملاء فهذه لا تجوز.

 لكن لو لم يكن البنك هو المقترض بأن كان البنك هو المقرض والعميل هو المقترض فهنا الهدية لا بأس بها، ومن صور ذلك: بطاقات الائتمان غير المغطاة، مثل: بطاقة الفيزا إذا كانت الفيزا غير مغطاة، البنك سيقرضك عشرة آلاف ريال بموجب هذه البطاقة، ثم أهدى لك هدايا، هذه لا بأس بها لماذا؟ لأنها هدية من مقرض لمقترض، والهدية من المقرض للمقترض لا بأس بها، وبعض الناس يستشكل أن بعض المصارف الإسلامية تهدي هدايا لبعض حاملي بطاقات الائتمان هي من هذا القبيل، على هذا التخريج، أنها هدية من مقرض إلى مقترض، وهذا خاص بعملاء بطاقات الائتمان غير المغطاة.

أما الحسابات الجارية لا تجوز الهدايا للعملاء مطلقا.

فائدة: زكاة الدين المؤجل (اختلف العلماء في حكم زكاة الدين المؤجل، والأقرب هو القول بوجوب الزكاة في الدين المؤجل، ويزكى أصل الدين مع ربح العام الذي تخرج فيه الزكاة دون أرباح الأعوام اللاحقة، وبهذا صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي) زكاة الدين المؤجل يعني إذا كان لك دين على آخر، أو آخرين، كما يتعامل بالتقسيط، أو بالأجل، هل يزكي هذه الديون التي له في ذمم الناس؟ وهي مؤجلة ومقسطة، هذه المسألة الحقيقة هي وقتنا الحاضر من النوازل، وإن كان فقهاءنا قد ذكروها، ووجه كونها من النوازل أن الديون في وقتنا الحاضر أصبحت تصل إلى مدد طويلة، عشرين سنة، ثلاثين سنة، وهذا لم يكن موجودا أو مألوفا من قبل، لم يكن هذا مألوفا في العصور الماضية، ولذلك الفقهاء الذين قالوا بوجوب الزكاة في الديون المؤجلة لو طبق قولهم على بعض شركات التقسيط في الوقت الحاضر لأفلست تلك الشركات، يعني الشركة تطلب العملاء، والبنوك تطلب العملاء في ثلاثين سنة قادمة، فلو قلت كل سنة يزكي هذه المبالغ عن ثلاثين سنة قادمة هذا سيؤدي إلى الإفلاس، القول أيضا بعدم وجود الزكاة في الديون المؤجلة أيضا هذا مشكل كيف هذا الإنسان الذي عنده نصاب يطالب بالزكاة؟ وهذه الشركات التي تتعامل في ديون المؤجلة، وأخذتها تجارة تدر عليها الملايين ما فيه زكاة؟ القول بوجوب الزكاة مطلقا فيه إشكال، والقول بعدم وجود الزكاة مطلقا فيه إشكال، ولذلك أعدل الأقوال هو القول بوجوب الزكاة في أصل الدين مع ربح السنة الحالية، الزكاة في أصل الدين، مع ربح العام الذي تخرج فيه الزكاة، دون أرباح الأعوام اللاحقة، هذا أعدل الأقوال، وقد أقره المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي، وأيضا هو رأي المعايير الشرعية في هيئة المحاسب والمراجعة والمؤسسات المالية الإسلامية، وأيضا هو رأي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وهو أعدل الأقوال، فهي تكون الزكاة في أصل الدين، مع ربح سنة واحدة فقط، دون أرباح بقية السنوات، ونوضح هذا بمثال:

هذا رجل باع سيارة، رأس مالها خمسون ألفا، ومقسطة على خمس سنوات، وربح كل سنة خمسة آلاف، معنى ذلك رأس المال مع الربح خمس وسبعون ألفا، وإذا قلنا: مقسطة على خمس سنوات معنى ذلك كل سنة سيدفع خمسة عشر ألفا، نطبق القاعة التي ذكرناها، سنة الأولى قلنا يزكي رأس المال مع ربح السنة، طبعا قلنا: أن خمس سنوات، رأس المال خمسون ألفا، والمجموع خمس وسبعين يعني ربح كل سنة خمسة آلاف، قلنا: إذا يزكي رأس المال، مع ربح السنة الحالية، معنى ذلك سيزكي خمسة آلاف، مع رأس المال الذي هو خمسون ألفا، في السنة يزكي كم؟ خمسة وخمسين ألف، في السنة الثانية سيزكي خمسة آلاف التي ربح تلك السنة مع ما تبقى من رأس المال، رأس المال سيتناقص، سيكون هو في السنة الأولى خمس وخمسين ألف لما زكى خمسة عشر ألفا، في السنة الثانية سيزكي أربعين ألف مع خمسة آلاف الربع يعني خمسة وأربعين ألفا، في السنة الثالثة سيزكي خمسة وثلاثين ألف، في السنة الرابعة سيزكي خمسة وعشرين ألفا، وفي السنة الخامسة سيزكي خمسة عشر ألفا، هذه هي الطريقة، هذه طريقة زكاة الديون المؤجلة ننتبه لهذه الفائدة، هذه من المسائل المشكلة، لكن هذا هو أعدل الأقوال، أعدل الأقوال فيها هو القول الذي تجتمع به الأدلة، وأيضا لا يكون فيه ظلم للدائن ولا أيضا يكون فيه مراعاة لمن يتعامل بالتجارة بالأقساط، وإنما يكون فيه عدالة، هذا القول يحقق العدالة، فيقال: يزكي ربح السنة الحالية مع ما تبقى من رأس المال، وإنما قلت: لا يكون فيه ظلم؛ لأننا لو قلنا إن الدائن يزكي جميع الديون المؤجلة لكان في هذا ظلم له، ربما يفلس، ربما الشركة تفلس؛ لأن الأقساط قد تصل عشرين سنة، ثلاثين سنة، كيف يزكيها كل سنة؟ هذه يؤدي إلى الإفلاس، فيه نوع من الظلم، وهذا لا تأتي به الشريعة، وأيضا قلت إنه أيضا فيه مراعاة لأن قلنا: إن الشخص الذي يملك نصابا ويحول عليه حول تجب عليه الزكاة، كيف بهؤلاء التجار الذين يتعاملون بالأقساط؟ هؤلاء أولى من أن تجب عليه الزكاة، لكن كيف تجب عليهم؟ أعدل الأقوال أنها تجب الزكاة في ربح السنة الحالية، مع رأس المال، أو ما تبقى من رأس المال، أو مع رأس المال، إذا أردت أن تفهم المسألة خذ المثال الذي ذكرنا يوضح لك طريقة حساب هذه المسألة تماما.

وأذكر أن أحد الإخوة أتى من مكان بعيد، وشرحت له هذه المسألة، ووضع لها برنامج على الحاسب، بحيث الإنسان يضع الأقساط، وعدد الأقساط، ويخرج له مقدار الزكاة مباشرة.  

 

* * *

ولعلنا نكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.