الخثلان
الخثلان
من الفائدة 131 إلى 136
18 جمادى الآخرة 1439 عدد الزيارات 227

لطائف الفوائد 19

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه ، واتبع سنته إلى يوم الدين .

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمنا نافعا ينفعنا.

هذا هو الدرس التاسع عشر في هذا العام الهجري ، في هذا اليوم السابع عشر من شهر جمادى الآخرة من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

نبدأ أولا: بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد.

 وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم مائة وإحدى وثلاثين : التأجير المنتهي بالتمليك.

فائدة: التأجير المنتهي بالتمليك (التأجير المنتهي بالتمليك له صور ممنوعة، وصور جائزة، وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الثانية عشرة، ضابط المنع: أن يرد عقدان مختلفان في وقت واحد، على عين واحدة، في زمن واحد، وضابط الجواز: وجود عقدين منفصلين، يستقل كل منهما عن الآخر زمنا بحيث يكون إبرام عقد البيع بعد عقد الإجارة، أو وجود وعد بالتمليك في نهاية مدة الإجارة، وأن تكون الإجارة فعلية وليس ساترة للبيع) التأجير المنتهي بالتمليك هذا التعامل لم يكن معروفا في المجتمعات الإسلامية من قبل، وانتقل للمجتمعات الإسلامية من المجتمعات الغربية، والتي كان فيها هذا التعامل شائعا، وأول ما انتقل هذا التعامل قبل ما يقارب عشرين عاما، حصل الخلاف الكثير بين أهل العلم، في تكييفه، وفي حقيقته، وفي حكمه، وصدر قرار بهيئة كبار العلماء بعد عدة اجتماعات بالمنع، ولكن المنع الذي صدر به قرار الهيئة إنما هي في صورة واحدة وهي: أن يجتمع البيع والتأجير في وقت واحد، على عين واحدة، فهنا تتداخل خصائص البيع مع خصائص الإجارة، ثم بعد ذلك درس مجمع الفقه الإسلامي الدولي بمنظمة التعاون الإسلامي هذا العقد، وذكر تفصيلا أكثر، وذكر صورا جائزة، وصورا ممنوعة، والذي يهمنا هو الضابط، ضابط الجواز، وضابط المنع.

 فضابط المنع: أن يرد عقدان مختلفان في وقت واحدة، على عين واحدة، في زمن واحد، وهذه الصورة التي منعتها هيئة كبار العلماء.

 أما ضابط الجواز: فهو وجود عقدين منفصلين، يستقل كل واحد منهما عن الآخر زمانا، بحيث يبرم عقد البيع بعد عقد الإجارة، أو يكون العقد عقد إجارة مع وعد بالتمليك في نهاية مدة الإجارة، وأن تكون الإجارة فعلية حقيقية، يترتب عليها آثار عقد الإجارة وليست ساترة للبيع.

 أما الصورة الممنوعة وهي: ورود عقدين مختلفين في وقت واحد على عين واحدة فهذه قد أصبح الآن ليس لها وجود، ولا تحبذها أصلا الشركات؛ لأن الشركات والمؤسسات تريد أن تبقى ملكية العين المؤجرة باسمهم، ولذلك تجد أنهم لا يلجئون للرهن مع أن الرهن يحفظ لهم حقوقهم، لكن إذا حصل البيع مع الرهن انتقلت الملكية للمشتري، وهم لا يريدون هذا، يريدون أن تبقى الملكية لهم إلا نهاية العقد، وهذا يحققه التأجير، التأجير مع الوعد بالتمليك.

 فإذا الصورة الممنوعة غير موجودة في السوق، إنما الموجود في السوق هي الصورة الجائزة، وهي: أن عقد التأجير عقد تأجير حقيقي، ترتب عليه آثار عقد الإجارة، مع وعد بالتمليك، إما بالبيع، وعادة ما يكون البيع بسعر مخفض، وهو ما يسمونه بالدفعة الأخيرة، الدفعة الأخيرة هي البيع بسعر مخفض، أو يكون التمليك بالهبة.

 يقول: أنا أؤجر عليك هذه السيارة لمدة مثلا ستة وثلاثين شهرا، على أن تدفع لي كل شهر ألفي ريال، وإذا انتظمت في سداد الأقساط فإنني أهب لك السيارة، في نهاية الأمر، هذا تأجير مع وعد بالتمليك بطريق الهبة فهذا لا بأس به.

 إذاً إذا كان التأجير حقيقيا تترتب عليه آثار عقد الإجارة مع وعد بالتمليك، فلا بأس به، سواء أكان ذلك بالبيع، أو كان ذلك بالهبة، كل ذلك لا بأس به، وهذه الصورة صورة الجائزة هي الآن موجودة في الأسواق.

 ولكن هناك بعض المخالفات المتعلقة بها، ومن أبرزها: أن بعض عقود التأجير المنتهية بالتمليك تتضمن شرط غرامة التأخير، فيكتب من ضمن الشروط إذا تأخر المستأجر بسداد الدفعة الإيجارية عن وقتها المحدد يحتسب عليه غرامة تأخير قدرها كذا، عن كل يوم تأخير، أو عن كل شهر، وهذا لا يجوز؛ لأن هذا هو نظير ربا الجاهلية، فإن أهل الجاهلية كانوا في الجاهلية إذا حل الدين على المدين أتى الدائن للمدين وقال له: إما أن تقضي وإما أن تربي، يعني إما أن تسدد الدين وإما أن نؤجلك، وتزيد الدين نظير الزيادة في الأجل، هكذا أيضا إذا قال: إذا تأخرت في سداد الدفعة الإيجارية فأنا أنظرك لكن تزيد لي في المبلغ، هذا لا يجوز.

 لكن بعض المؤسسات والشركات والبنوك يقولون: نحسب غرامة تأخير، ولا نأخذها، بل تدفع لجهات خيرية، فيقولون: إذا تأخر المستأجر بسداد الدفعة الإيجارية، نحتسب عليه غرامة تأخير على أن تدفع هذه الغرامة لجهات خيرية ولا يأخذها البنك أو المؤسسة أو الشركة وهذه هي أيضا محل خلاف بين المعاصرين والراجح أنها لا تجوز أيضا، هي ربا سواء أخذها الدائن، أو أعطاها جهة خيرية، تبقى ربا، يبقى الدين حل على المدين، فزيد في الأجل مقابل الزيادة في الدين، ولا يبرر هذا كون الدائن يأخذه هذه الزيادة الربوية ويدفعها لجهات خيرية، فهذا الشرط إذاً شرط غير صحيح، شرط غرامة التأخير شرط غير صحيح.

 وجود الدفعة الأخيرة لا بأس به، الدفعة الأخيرة هي البيع بسعر مخفض، فيقولون مثلا: الدفعة الإيجارية ألفا ريال، ولكن الدفعة الأخيرة عشرة آلاف، لا بأس بهذا، لأن الدفعة الإيجارية هي قسط إيجار، والدفعة الأخيرة هي ثمن السلعة بسعر مخفض، ولذلك لا يلزمونه بالدفعة الأخيرة، يقولون: إن شئت أرجعت لنا السلعة من غير أن تدفع الدفعة الأخيرة.

ما حكم تقسيط الدفعة الأخيرة؟

إذا قلنا إن الدفعة الأخيرة هي بيع بسعر مخفض لا بأس بتقسيطها، يقولون: تريد تدفعها الآن نقدا عشرة آلاف، تريد نقسطها عليك مثلا بأربعة عشر ألفا؛ لأنها بيع، فلا بأس بها، هذا هو حاصل الكلام في التأجير المنتهي بالتمليك.

  فائدة: حكم الشرط الجزائي (جاء في قرار المجمع الفقهي الدولي رقم 109 من الدورة الثانية عشرة الشرط الجزائي هو: اتفاق بين المتعاقدين على تقدير تعويض الذي يستحقه ما شرط له عن الضرر الذي يلحقه إذا لم ينفذ الطرف الثاني ما التزم به، أو تأخر في تنفيذه، ويجوز في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون التزامها الأصلي فيها دينا، فإن هذا من الربا الصريح، وبناء على هذا: يجوز الشرط الجزائي في عقود المقاولات بالنسبة للمقاول، فيحتسب على المقاول مائة مثلا عن كل يوم تأخير بعد أجر محدد يتفقان عليه، ويحتسب على مكتب الاستقدام غرامة عن كل يوم تأخير، وهكذا ولا يجوز الشرط الجزائي في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية سواء كان بسبب الإعسار، أو المماطلة) الشرط الجزائي هو: اتفاق بين متعاقدين على تقدير التعويض الذي يستحقه من شرط له عن الضرر الذي لحقه، بسبب عدم تنفيذ الطرف الآخر ما اتفقا عليه، إذا كان محل العقد في الشرط الجزائي ليس دينا، وإنما هو عمل فلا بأس به، كأن يكون الشرط الجزائي مثلا باستيراد سلع، يتفق معه على أن يستورد له سيارة، يقول: إذا تأخرت فأحسب عليك شرطا جزائيا عن كل يوم تأخير، أو يكون الشرط الجزائي على بناء منزل، يقول: يتفق معه على أن يبني له هذا البيت خلال سنة، وإذا تأخر حسب عليه غرامة تأخير عن كل يوم تأخير لا بأس به، أو يكون مثلا في الاستقدام، يستقدم له عاملا وإذا تأخر حسب عليه شرطا جزائيا، غرامة تأخير عن كل يوم تأخير هذا لا بأس به، أو الخياط يقول له: خط لي هذا الثوب خلال خمسة أيام، وإذا تأخرت أحسب عليك شرطا جزائيا، فمدام أن محل العقد ليس دينا فلا بأس به، لقول أكثر أهل العلم، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن سرين قال: «قال رجل لكريه – يعني للمستأجر منه – أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا فلك مائة درهم، فلم يخرج معه، وترافعا إلى شريح، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه، وقضى عليه بأن يدفع له مائة درهم» فهو مأثور من زمن التابعين، وأيضا جاء في البخاري عن ابن سرين: «أن رجلا باعا طعام وقال: إن لم أأتك يوم الأربعاء فليس بيني وبينك بيع، فلم يجئ يوم الأربعاء، فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت عليه، فقضى عليه» فإذا كان محل العقد ليس دينا فيجوز الشرط الجزائي.

أما إذا كان محل العقد دينا فإنه لا يجوز الشرط الجزائي فإن هذا من الربا الصريح، من ربا الجاهلية، الذي كانوا إذا حل الدين على المدين قال الدائن للمدين: إما أن تقضي وإما أن تربي.

 مثال ذلك: رجل باع على آخر سلعة بالتقسيط، وقال إذا تأخرت في سداد أي دفعة: فأحسب عليك شرطا جزائيا مقداره كذا، هذا لا يجوز، هذا هو ربا الجاهلية، وهذا لا يجوز، ومن ذلك: بطاقات الائتمان، الفيزا، والماستر كارد وسائر البطاقات الائتمانية عند التأخر في السداد بعد مضي فترة السماح المجانية فإن هذا لا يجوز، ومن ذلك: ما أشرنا إليه قبل قليل الشرط الجزائي المنتهي بالتمليك.

 فإذا الشرط الجزائي إذا كان محل الالتزام دينا لا يجوز، أما إذا كان ليس بدين وإنما هو عمل فهو جائز.

فائدة: حكم الذهب الأبيض (يوجد الآن في محلات الذهب ما يسمى بالذهب الأبيض فهل يأخذ أحكام الذهب الأصفر المعروف؟

الجواب: يطلق الذهب الأبيض على شيئين:

الأول: يطلق على معدن البلاتين، وهذا لا يأخذ حكم الذهب الأصفر، ولهذا فلبسه جائز للرجال.

الثاني: يطلق على الذهب الأصفر، ولكنه مطليا بطبقة من البلاتين، أو مخلوطا بنسبة معينة من مادة البلاديوم أو غيره.. تزيد أو تقل على حسب عيار الذهب فحكمه حكم الذهب الأصفر المعروف، فلا يجوز لبسه للرجال، وهذا الإطلاق هو المشهور المعروف في محلات الذهب) الذهب الأبيض يطلق على نوعين، أو على شيئين:

يطلق على معدن البلاتين، فهذا لا يحكم أحكام الذهب، ويجوز لبسه للرجال، حكمه حكم سائر المعادن من غير الذهب والفضة.

والنوع الثاني: يطلق الذهب الأبيض على الذهب الأصفر لكنه مطلي بطبقة من البلاتين، أو من مواد أخرى، كمادة البلاديوم، أو غيره.. ويكون في الأصل هو الذهب الأصفر لكنه مطلي بمادة، ويسمى الذهب الأبيض، هذا يأخذ حكم الذهب الأصفر تماما في جميع الأحكام، وهذا هو الغالب إطلاقه عند محلات الذهب والفضة، فلو ذهبت لأي محل ذهب، قلت: أريد ذهب أبيض، يعطيك ذهب أبيض، والمقصود به الذهب الأصفر المطلي بالبلاتين، ولذلك تجد أن سعر الذهب الأبيض مقارب لسعر الذهب الأصفر ليس هناك فرق كبير بينهما، وهذا يدل على أن الذهب هذا الذي يسمى الذهب الأبيض أنه هو في الحقيقة ذهب أصفر لكنه مطلي بالبلاتين، وبمواد أخرى، ولو كان هو البلاتين فقط وليس الذهب الأصفر لوجدت الفارق كبيرا في السعر، لكن الواقع هو أنه متقاربان، وهذا يؤكد أن الآن الموجود لدى المحلات، محلات الذهب أنه هو الذهب الأصفر لكنه مطلي بمادة البلاتين، وبمواد أخرى، فيأخذ حكم الذهب الأصفر في جميع الأحكام، فلا يجوز مثلا للرجال لبس هذا الذهب، وإن سمي ذهبا أبيضا، وتنطبق عليه بقية أحكام الذهب والفضة.

فائدة: حكم نسخ الأشرطة المحفوظة الحقوق (سئل الشيخ محمد العثيمين – رحمه الله – ما حكم نسخ أشرطة الكمبيوتر المحفوظة الحقوق فأجاب: «الذين نراه أنه إن كان للاستعمال الشخصي فلا بأس، أما إن كان للاتجار فلا يجوز؛ لأنه يضر بهم، وكذلك إذا علمنا أن المنتج قد استوفى تكلفته فيجوز؛ لأن الاستمرار في بيعه بأسعار مرتفعة نوع من الاحتكار المحرم») نسخ أشرطة الكمبيوتر ومن ذلك أيضا: برامج الحاسوبية، ومن ذلك أيضا: الكتب التي توجد يعني كتب الالكترونية التي لها حقوق، وغيرها.. هذه للعلماء المعاصرين فيها ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه لا يجوز هذا النسخ مطلقا سواء أكان بصفة شخصية، أو بصفة الاتجار، وعللوا بذلك: بأن حقوق هذه الأشرطة، وهذه البرامج، وهذه الكتب محفوظة، فنسخها فيه تعدي على هذه الحقوق.

القول الثاني: يقابل القول الأول يقولون: يجوز النسخ الأشرطة، أو الكتب، أو البرامج مطلقا حتى على سبيل الاتجار، وقالوا: لأن مسألة حفظ الحقوق إنما لم تكن معروفة لدى المجتمعات الإسلامية، وإنما انتقلت لهم من البيئات الغربية، والأصل بذل العلم وعدم احتكاره.

والقول الثالث: قول وسط بين القولين: وهو أن نسخ هذه الأشرطة والبرامج والكتب إن كان على سبيل الاتجار فلا يجوز؛ لأن في هذا إضرارا بأصحابها، وتعديا على حقوقها، النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: «لا ضرر ولا ضرار» أما إن كان بصفة شخصية فلا بأس به؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يبذل العلم، ومن سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، والعارية تجب على القول الراجح مع غنائم المالك وحاجة المستعير، لذلك إذا بصفة شخصية فلا بأس بها؛ لأنه إنما يقصد مجرد الانتفاع الشخصي، ولا يريد بذلك تجارة، وهذا القول الثالث هو أعدل الأقوال، وهو أيضا اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله تعالى – فإذا كان على سبيل الاتجار لا يجوز، أما إذا كان بصفة شخصية فلا بأس به، فمن ذلك: البرامج الحاسوبية التي يكون فيها كتب، مثل: مكتبة شاملة لو أراد أحد أن يتاجر بالمكتبة الشاملة، أو البرامج الحاسوبية فيها الكتب نقول: هذا لا يجوز؛ لأن في هذا تعدي على حقوق المؤلفين، لكن لو جعلها شخصية فلا بأس به، وهذا هو الذي عليه العمل الآن، أنها شخصية وتكون هذه المكتبة وقفية لمن أراد أن ينتفع بها انتفاعا شخصيا، أما لو أراد أن ينتفع بها تجاريا فيقال: إن هذا لا يجوز، أما الانتفاع الشخصي فلا بأس به، واستقرت عليه الفتوى.

وهنا قال: وكذلك إذا علمنا أن المنتج قد استوفى تكلفته فيجوز؛ لأن الاستمرار في بيعه بأسعار مرتفعة نوع من الاحتكار المحرم، بعض المنتجات من برامج وغيرها.. تكون حقوقها محفوظة، ولكن نعلم يقينا بأن الشركة قد استوفت حقوقها، واستوفت أرباحها المعتادة، وأكثر من أرباحها المعتادة، فهنا الاستمرار في بيعها بأسعار مرتفعة، مع استيفاء تكلفة، واستيفاء أرباح المعقولة هو نوع من الاحتكار المحرم.  

فائدة: حكم مسألة ضع وتعجل (مسألة مصالحة عن الدين المؤجل لبعضه حالا فتسمى الحطيطة، وتسمى كذلك مسألة ضع وتعجل، مثالها: أن يكون لإنسان على آخر دين مقداره خمسون ألفا مثلا تحل بعد سنة، وبعد ستة أشهر يأتيه ويقول له: عجل لي سداد هذا الدين، وأضع عنك خمسة آلاف، وقد اختلف الفقهاء في حكمها فالمذاهب الأربعة الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على منعها.

 والقول الثاني: أنها جائزة، وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن سعدي، وابن باز، وابن عثيمين – رحمهم الله – وهذا القول هو الأقرب، ومن أدلة هذا القول: حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – لما أراد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يخرج يهود بني نضير قالوا: إن لنا ديونا على الناس لم تحل قال: «ضعوا وتعجلوا» قال ابن القيم: رجال إسناده ثقات، وقد ضعف ابن مسلم ابن خالد وهو ثقة فقيه روى عن الشافعي واحتج به) هذه المسألة هي مسألة المصالحة عن الدين المؤجل ببعضه حالا، وتسمى مسألة الحطيطة، وتسمى مسألة ضع وتعجل، ولذلك اشتهرت بأنها ضع وتعجل اختصارا، ومعناها: أن الدائن يضع بعض الدين، والمدين يعجل سداد الدين، مثال ذلك: في هذا المثال الذي ذكر، إنسان يطلب آخر دينا مقداره خمسون ألفا تحل بعد سنة، وبعد ستة أشهر أتى الدائن للمدين وقال له: عجل لي سداد هذا الدين، وأضع عنك خمسة آلاف، بحيث تسدد لي خمسة وأربعين ألفا، اختلف العلماء في حكمها على قولين:

القول الأول: أنها لا تجوز، وإلى هذا ذهب الجمهور، وعليه المذاهب الأربعة، مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، عللوا لذلك: بأنه لا فرق بين أن يضع الدائن عن المدين مقابل تعجيل الدين، وبين أن يزيد الدائن على المدين مقابل تأجيل الدين.

القول الثاني في المسألة: أن مسألة ضع وتعجل جائزة، هذا القول رواية عن الإمام أحمد، وقد اختارها جمع من المحققين من أهل العلم، كالإمام ابن تيميه، وتلميذه ابن القيم، وأيضا الشيخ ابن سعدي، والشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين – رحمهم الله تعالى جميعا – وقد أصبح هذا القول هو الذي عليه الفتوى هنا عندنا في المملكة، ومن أدلة هذا القول: حديث ابن عباس – رضي الله عنهما - لما أراد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يخرج يهود بني نضير قالوا يا محمد: إن لنا ديونا على الناس لم تحل فقال لهم النبي – صلى الله عليه وسلم - : «ضعوا وتعجلوا» هذا الحديث أخرجه الطبراني، والدارقطني، وفي سنده مقال، إلا أن له شواهد، قال ابن القيم: رجال إسناده ثقات، وقد ضعف ابن مسلم ابن خالد الزنجي وهو ثقة فقيه روى عن الشافعي.

 وأيضا علل أصحاب هذا القول فقالوا: إن مسألة ضع وتعجل هي ضد الربا صورة ومعنى، فإن الربا يتضمن الزيادة في الأجل؛ وذلك إضرار محض بالمدين، ونفعه مختص بالدائن، بخلاف مسألة ضع وتعجل، فإنها تتضمن براءة ذمة المدين من الدين، وانتفاع الدائن بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، وهذا التعليل كما ترون تعليل قوي.

 أيضا قالوا: إن في مقابلة الأجل بالزيادة في الربا ذريعة إلى أعظم الضرر وهو أن يصير الدرهم الواحد ألوفا مؤلفة، فتنشغل الذمة بغير فائدة، أما في مسألة ضع وتعجل فتتخلص ذمة المدين من الدين، وينتفع الدائن بالتعجيل، والشارع له تطلع إلى براءة الذمم من الديون، إذا الزيادة في الدين مقابل الزيادة في الأجل فيها إضرار محض للمدين، ويختص بالنفع الدائن، أما ضع وتعجل ففيها مصلحة وفائدة للطرفين، للمدين وللدائن، للمدين من جهة وضع بعض الدين عنه، وللدائن من جهة تعجيل الدين له، فكلاهما منتفع، ولا يوجد في مسألة ضع وتعجل ضرر، لا على الدائن ولا على المدين، بخلاف الزيادة في الدين مقابل زيادة الأجل فيها ضرر عظيم على المدين، وهذا هو القول الراجح، وهو جواز مسألة ضع وتعجل.

 وهذا يدل على أنه ليس كل قول تتفق عليه المذاهب الأربعة يكون راجحا، قد يكون الصواب في خلافه، مثل: هذه المسألة مثلا، رجحنا والذي عليه الفتوى هو ترجيح مسألة جواز ضع وتعجل مع أن المذاهب الأربعة على عدم الجواز، الأكثرية ليست بدليل على الحق إنما الذي هو دليل على الحق الإجماع، الإجماع معصوم من الخطأ، بخلاف الكثرة، الكثرة ليس بدليل على الحق.

هنا أنبه إلى أن من أجاز مسألة ضع وتعجل يشترطون ألا يتفق عليها في بداية العقد، فلا يتفق الدائن مع المدين على أنك إن عجلت سأضع عنك كذا هذا لا يجوز، وإنما تأتي من غير اتفاق، ولذلك عند صياغة العقد يقال: إذا رغب المدين بتعجيل سداد الدين فيتفق مع الدائن في حينه، يقال: اتفق مع الدائن على ذلك في حينه، هذا هي الصيغة التي تعتمدها بعض المصارف الإسلامية، يقولون: إذا رغب العميل في تعجيل الدين المترتب في ذمته، فيتفق على ذلك في حينه، لكن لا يترتب هذا من البداية، هذا لا يجوز.

فائدة: التأمين الجائز والمحرم (ذهب جمهور الفقهاء المعاصرين إلى التفريق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني، فمنعوا التأمين التجاري لعلل من أبرزها: اشتماله على الجهالة والغرر الفاحش، وأجازوا التأمين التعاوني) التأمين ينقسم إلى قسمين: التأمين التجاري، والتأمين التعاوني.

أما التأمين التعاوني فإنه جائز، وله صور متنوعة منها: صناديق الأسر التي تضعها بعض الأسر، يضعون صندوقا، وكل واحد يدفع فيه ما تيسر، ثم إذا أصاب واحدا منهم جائحة، أو حادث، أو أي شيء، يعطى من هذا الصندوق، هذا لا بأس به، وقد امتدح النبي – صلى الله عليه وسلم – الأشعريين قال: «إن الأشعريين إذا أرملوا، أو أصابهم شيء، جمعوا ما عندهم ثم اقتسموه، فهم مني وأنا منهم» فكان الأشعريون إذا أصابتهم شدة، كل يأتي بما عنده، هذا يأتي بقليل، وهذا بأكثر، وهذا أكثر، ثم يجمعونه كلها، ثم يقتسمونه بينهم، هذه صورة من صور التأمين التعاوني، هكذا صندوق التأمين التعاوني كل يضع فيه أقساط، ثم من أحتاج إلى شيء من هذه الأقساط أخذ منه، أو يوضع له نظام، التأمين التعاوني لا بأس به، من صوره: كما ذكرت صناديق الأسر والعوائل، من صوره: نظام التقاعد، معاشات التقاعد هذه من صور التأمين التعاوني الاجتماعي، بعضهم يسميه الاجتماعي، بعضهم يسميه التأمين الاجتماعي وهو من صور التأمين التعاوني، أو أيضا التأمينات الاجتماعية، من صور التأمين التعاوني؛ لأنه يأخذ من كل موظف في كل شهر يقتطع جزء من مرتبه، ويوضع في هذا الصندوق، ثم بعد تقاعده يعطى مرتبا، يعينه على أمور معيشته، فيه مصالح عظيمة؛ لأنه لو لم يوجد هذا التقاعد لربما تضرر كثير من الناس، بعض الناس إذا تجاوز الستين ضعف بدنه، وكثرت أسرته، وكثرت حوائجه وربما لا يجد مصدر دخل، هذا التقاعد، أو التأمين، التأمينات الاجتماعية فيه مصلحة اجتماعية فهو صورة من صور التأمين التعاوني أو إن شئت قلت التأمين الاجتماعي، والتأمين الاجتماعي داخل في التأمين التعاوني فهو لا بأس به، كذلك أيضا من صور التأمين التعاوني ما تفعله بعض الشركات التأمين في الوقت الحاضر فقد جعلت تأمين بصورة تأمين تعاوني بحيث تقوم الشركة بجمع الأقساط من المؤمنين، وتقوم بإدارتها واستثمارها، وإذا احتاج المشترك للتأمين، لتغطية أمر من الأمور إما تأمين على حادث سيارة، أو تأمين طبي، أو أي نوع من أنواع التأمين.. تعطيه الشركة وفق نظم وأطر معينة فهذا لا بأس به، يكون دور الشركة فقط في الإدارة وفي الاستثمار.

وأما التأمين التجاري فإنه محل خلاف بين العلماء المعاصرين:

فمنهم من أجازه، ومنهم من منع منه.

والأقرب هو المنع، وهو الذي أقره المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، وأيضا هيئة كبار العلماء؛ وذلك لأجل الجهالة والغرر، أما ما ذكر فيه من علل أخرى كلها لا تستقيم إلا علة الجهالة والغرر، الواقع أن فيه غررا ظاهرا؛ لأن المؤمن يدفع أقساطا، وقد يستفيد، وقد لا يستفيد، غرر ظاهر.

 ولكن في الوقت الحاضر وجدت شركات التأمين التعاوني، وهي بحاجة حقيقة إلى تشجيع؛ لأنها إذا شجعت فإنها ستنجح، وتنمو، يقبل الناس عليها، وتتحول شركات التأمين التجاري إلى شركات تأمين تعاوني.

 ومن أبرز الفروق بين شركات التأمين التجاري، والتأمين التعاوني:

أولا: أن العجز عندما يحصل عجز في محفظة التأمين فإنه في الشركات التأمين التجاري يقوم الشركات التأمين التجاري بسد العجز مباشرة، أما في التأمين التعاوني فتسد العجز بصورة من صور التمويل الجائز شرعا، وليس بإقراض مباشر، أو بسد العجز مباشرة.

وأيضا من الفروق رد الفائض في التأمين التعاوني ولا يرد في التأمين التجاري.

ومن الفروق فصل المحفظتين محفظة المؤمنين عن محفظة المشتركين.

ويوجد الآن عندنا في المملكة عدد من الشركات التي تمارس التأمين التعاوني بصورته الجائزة شرعا.

 

* * *

ولعلنا نكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد، ونقف عند الفائدة رقم مائة وسبعة وثلاثين.

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1439/6/17