الخثلان
الخثلان
من الفائدة 124 إلى 130
13 جمادى الآخرة 1439 عدد الزيارات 424

لطائف الفوائد 18

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علما نافعا ينفعنا.

هذا هو الدرس الثامن عشر من هذا العام الهجري ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين هذا اليوم الاثنين العاشر من جمادى الآخرة من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

نبدأ أولا في التعليق على لطائف الفوائد، كنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم مائة وأربعة وعشرين، باستحباب الإكثار من الصيام في شهر محرم.

فائدة: استحباب الإكثار من الصيام في شهر محرم (يستحب الإكثار من صيام التطوع في شهر محرم لما جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:  «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم»)  أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وهو أول أشهر السنة القمرية، وسمي محرما: لتأكيد تحريمه، فهو محرم، ومؤكد تحريمه، وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وهذه الأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، وهو أحد الأشهر الحرم، فيستحب الإكثار من الصيام فيه، وإنما قلنا من الإكثار ولم نقل: يستحب الصيام جميع شهر الله المحرم؛ لأن استكمال صيام الشهر نافلة، خلاف ما ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد جاء في الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: «ما رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – استكمل صيام شهر إلا رمضان»  ولهذا ينبغي ألا يستكمل المسلم صيام شهر نافلة سواء أكان شهر محرم، أو شهر شعبان.

قالت عائشة في الحديث السابق: «وما رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – أكثر صياما منه في شعبان» وهنا استشكل بعض العلماء لماذا أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن أفضل الصيام بعد رمضان الصيام في شهر محرم، ولكن الواقع العملي للنبي – عليه الصلاة والسلام – أن أكثر صيامه نافلة في شهر شعبان، وليس في محرم؟

وأجاب العلماء عن ذلك بعدة أجوبة منها:

ما أجاب به النووي – رحمه الله – قال: لما يوحى له بفضل محرم إلا في آخر حياته، ولكن هذا ليس عليه دليل، هذه دعوى فليس عليها دليل.

والأقرب في هذا أن يقال إن النبي – صلى الله عليه وسلم -  ربما حث على شيء من النوافل ولم يفعله لانشغاله بما يترتب عليه مصالح أرجح، فها هو – عليه الصلاة والسلام – : «أفضل الصيام صيام داود» كان يصوم يوم ويفطر يوما، ولكن هل كان النبي – صلى الله عليه وسلم – فعله، هل كان يصوم يوما ويفطر يوما ؟

الجواب: لا، وإنما كما تقول عائشة: «كان يصوم حتى يقول القائل: لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل لا يصوم» لأنه – عليه الصلاة والسلام – مشغول بمصالح أرجح، ربما حث على الشيء ولم يفعله لتعارضه مع أمور مصلحتها أرجح.

 وهكذا أيضا يقال: إن النبي – صلى الله عليه وسلم – حث على صيام النافلة في شهر الله المحرم، لكنه لم يكن يكثر من الصيام فيه، وإنما كان يكثر من الصيام في شعبان لمصالح أرجح، ولكن يبقى الحكم على ما ذكره النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو أن أفضل صيام النافلة بعد رمضان الصيام في شهر محرم، وهنا في هذا الحديث قال: شهر الله المحرم، وهذه الإضافة إضافة تشريف وتعظيم، وهذا يدل على تعظيم هذا الشهر، كما يقال: ناقة الله، وبيت الله، وهكذا يقال: شهر الله المحرم، فهي إضافة تعظيم وتشريف، وعلى هذا نقول: إن أفضل صيام النافلة بعد رمضان هو الصيام في شهر الله المحرم، لكن ينبغي ألا يصومه المسلم كاملا إنما يصوم أكثر شهر محرم.

 فائدة: حكم صيام عاشوراء (كان صيام عاشوراء واجبا قبل فرض صوم رمضان، ثم نسخ الوجوب بفرض صيام رمضان، وبدل الحكم على الاستحباب، ويدل لذلك ما جاء في الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها – أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بصيامه، حتى فرض رمضان، فلما فرض شهر رمضان، قال – صلى الله عليه وسلم – : «من شاء صامه، ومن شاء تركه»)  الفائدة التي بعدها مرتبطة بها.

فائدة: (وعن أبي قتادة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر سنة التي قبلها» والسنة أن يصام يوما قبله أو يوما بعده، تحقيقا لمخالفة اليهود قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يحرص كثيرا على صيام عاشوراء، ويتحرى فضله، ففي الصحيحين عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: «ما رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء »)  عاشوراء هو يوم العاشر من شهر محرم، وهو اليوم الذي نجا الله فيه موسى وقومه من فرعون وقومه، وقد كانت قريش تصومه في الجاهلية، ولما قدم النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة، وجد اليهود يصومونه، فقال: «نحن أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه، وكان الأمر بصيامه واجبا، كان صيام عاشوراء واجبا في أول الأمر قبل أن يفرض صيام شهر رمضان، فلما فرض صيام شهر رمضان نسخ الوجوب وبقي الحكم على الاستحباب.

وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يحرص كثيرا على صيام عاشوراء، ويتحرى صومه، كما قال ابن عباس: «ما رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم – يعني عاشوراء -» وورد في فضله حديث أبي قتادة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «صيام عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها، وصيام يوم عرفة يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» رواه مسلم، وهذا التكفير تكفير للصغائر، وليس للكبائر عند جمهور أهل العلم؛ لأنه إذا كانت الصلوات الخميس، وصيام رمضان، وصلاة الجمعة، لا تكفر الكبائر وإنما تكفر الصغائر فما بالك بصيام عاشوراء؟! كما قال – عليه الصلاة والسلام - : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» رواه مسلم، فإذا كان صوم رمضان لا يكفر الكبائر وإنما الصغائر فما بالك بصوم عاشوراء؟! فمن باب أولى أنه لا يكفر الكبائر، فيكون إذا قوله: يكفر السنة التي قبله، ومثل ذلك قوله في عرفة: السنة التي قبلها والسنة التي بعدها المقصود بذلك تكفير الصغائر، فإذا لم يصادف صغائر مثلا صام عرفة، وعرفة كفرت الصغائر، ثم صام عاشوراء وليس عليه صغائر؟ قال النووي: «رجونا أن يخفف الكبائر، فإذا لم يصادف صغيرة ولا كبيرة من الذنوب كتب له به حسنات» فصيام هذا اليوم، وكذا يوم عرفة الأجر المترتب عليه عظيم، أولا: تكفير السيئات، وكذلك أيضا رفعت الدرجات، ولهذا وصف النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا اليوم كما في رواية البخاري بقوله: «هذا يوم صالح نجا الله فيه موسى» وفي رواية مسلم: «هذا يوم عظيم نجا الله فيه موسى».

وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يقتصر على صيام عاشوراء؛ لأنه كان بعد الهجرة يحب موافقة أهل الكتاب، ومخالفة المشركين، فكان أهل الكتاب كان موجودون هم في المدينة اليهود يصومون عاشوراء، كان النبي – عليه الصلاة والسلام – يحب موافقة اليهود، ويحب مخالفة المشركين في مكة، واستمر – عليه الصلاة والسلام – طيلة العشر السنوات مقتصرا على صيام عاشوراء، يعني من بعد الهجرة إلى السنة التي توفي فيها مقتصرا على صيام عاشوراء، ثم بعد فتح مكة، كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يحب مخالفة أهل الكتاب؛ لأن المشركين أظهره الله عليهم، وفتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، فأصبح في آخر حياته يحب مخالفة أهل الكتاب، ولذلك قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» تحقيقا لمخالفة أهل الكتاب، وبذلك يزول الإشكال الذي يورده بعض الناس، يقول: كيف أن النبي – صلى الله عليه وسلم - «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» إلا في السنة الأخيرة، لماذا لم يقل هذا في أول الأمر بعدما هاجر إلى المدينة؟

فالجواب: هو ما ذكرت، قد أشار إليه الحافظ بن حجر وجماعة، وأنه – عليه الصلاة والسلام – بعد الهجرة يحب موافقة أهل الكتاب، ثم لما أظهره الله على المشركين أصبح يحب مخالفة أهل الكتاب، ولذلك قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» ولهذا فالسنة أن يصام اليوم العاشر واليوم التاسع، وإن لم يتيسر صيام التاسع فيصام اليوم الحادي عشر؛ لأن صيام اليوم الحادي عشر يحقق المعنى وهو مخالفة أهل الكتاب، فإن لم يتيسر فلا بأس بالاكتفاء بالصيام العاشر، ولا يكره ذلك، لكنه خلاف الأولى، وهل اليهود الآن يصومون عاشوراء؟

الظاهر أنهم حرفوا وبدلوا أنهم لا يصومون عاشوراء في هذا اليوم الذي عند المسلمين، لكن يبقى الحكم على الأصل،

ولو صام التاسع، والعاشر، والحادي عشر بنية أنها صيام ثلاثة أيام من الشهر، وأيضا من باب الاستكثار من الصيام في شهر محرم، وأيضا تحقيقا لمخالفة اليهود، كان ذلك حسن، بعض أهل الخير والصلاح يصوم الأيام الثلاثة كلها وهذا أمر حسن؛ لأنه يحقق هذه المعاني، ففيه أولا: صيام ثلاثة أيام من الشهر، وفيه ثانيا: استكثار من الصيام في شهر محرم، وفيه ثالثا: تحقيق لمخالفة اليهود.

فائدة: الأصل في تصرفات الصحة (قال صاحب المحرمي وغيره، عقب حديث عائشة – رضي الله عنها – أن ناسا يأتوننا بلحم ونحن لا ندري أسموا عليه أم لا؟ قال – صلى الله عليه وسلم - : «سموا عليه أنتم وكلوا»قالوا: وهذا فهو دليل أن التصرفات في الأفعال تقبل على الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل على الفساد) حديث عائشة في صحيح البخاري، أن قوما أتوا النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا بلحم ولا ندري اذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سموا أنتم وكلوا » كانوا حديثي عهد بكفر، في البخاري، لكن التخريج هنا فيه قصور، قال: «سموا أنتم وكلوا » فهنا أرشد النبي – صلى الله عليه وسلم – أن الإنسان يأخذ بالظاهر، لا يدقق وإنما يأخذ بظاهر الحال، ويحمل التصرفات على الصحة أو السلام حتى يقوم دليل على الفساد، وفي قوله: «سموا أنتم وكلوا » فيها شيء من التوبيخ، كأنه قال: لماذا تسأل؟ افعل ما هو مطلوب منك، وهو أن تسمي الله عند الأكل وتأكل، ما دام أنهم أهل الكتاب، فاحمل الأمر على الصحة والسلامة، ومن هنا أخذ العلماء من هذا الحديث قاعدة وهي: أن الأصل في التصرفات والأفعال حملوها على السلامة إلى أن يقوم دليل على الفساد، وعلى ذلك فاللحوم المستوردة إذا كانت مستوردة من بلاد أهل الكتاب فالأصل فيها الحل، حتى يقوم دليل على أنها ذبحت بطريقة غير شرعية، ومن ذلك مثلا: الدجاج المستورد من البرازيل، أو فرنسا، فإن هذه بلاد أهل الكتاب، هذه الأصل أنها مباحة، إلا إذا قام دليل يدل على أنها ذبحت مثلا بالصعق، ونحو ذلك.. فهنا لا يجوز، أما إذا كنت لا تعلم فابني الأمر على الأصل، وهو أن الأصل الصحة والسلامة، وكون الإنسان يتورع لنفسه، ولا يأكل من هذه اللحوم هذا شيء حسن، لكن هذا ورع، وليس له أن يحرم ذلك على الناس، يتورع لنفسه خاصة، ولا يحرم ذلك على الناس؛ لأن التحريم حكم شرعي، فهو إلا الله – عز وجل – وما دامت هذه اللحوم مستوردة من بلاد أهل الكتاب فالأصل فيها الحل، ولا يجوز للإنسان أن يشكك الناس في هذه اللحوم، وأن يوقعهم في الحرج إلا إذا كان عنده أدلة وبراهين، أما بمجرد كلام مرسل، وقيل وقال، فينبغي ألا يلتفت لهذا، ما دامت أن هذه أمة من أهل الكتاب فالأصل في ذبائحهم الحل، أما لو كانت مستوردة من بلاد غير أهل الكتاب، كفار من غير أهل الكتاب هذه محرمة، لكن إذا كانت من بلاد أهل الكتاب مثل ما مثلنا بالبرازيل، وفرنسا، هذه أهل كتاب، نصارى، فالأصل في اللحوم المستوردة عندهم الأصل فيها أنها حلال، حتى يقوم دليل على التحريم، وإذا تورع الإنسان لنفسه فهذا شيء حسن، لكن من حيث الحكم الأصل الحل والإباحة حتى يقوم دليل على التحريم، فهذه القاعدة قاعدة مفيدة لطالب العلم.

فائدة: مذهب المالكية أجود في المعاملات (مذهب المالكية في أبواب البيوع من أجود المذاهب الأربعة، وأقرب إلى القواعد والأصول الشرعية في الجملة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : أصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب التي كان يقال: هو أفقه الناس في البيوع، كما كان يقال عن عطاء أفقه الناس في المناسك، وإبراهيم أي: النخعي أفقهم في الصلاة، والحسن أجمعهم لذلك) المذاهب المتبوعة هي مذاهب كثيرة اشتهر منها ثلاثة عشر مذهبا، ثم اندثرت، وبقي منها أربعة مذاهب وهي: مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، أصبحت هذه المذاهب مدارس، وكان يقال: الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن طلابه لم يقوموا به، وهذا يدل على أثر الطلاب والتلاميذ في نقل علم الشيخ، إذا كانوا عندهم نشاط، وعندهم همة فيظهر علم الشيخ وينتشر، أما إذا لم يكن عندهم نشاط وهمة، يضعف، وربما يندثر، كم من عالم كبير اندثر علمه بسبب أن طلابه لم ينشروا علمه، خاصة إذا لم يكن له مؤلفات، فهؤلاء الأئمة الأربعة من أسباب انتشار مذاهبهم أولا: يظهر والله أعلم أن عندهم إخلاصا وقبولا، أن عندهم إخلاصا عظيما، وتوفيقا من الله – سبحانه - .

ثانيا: قيض الله لهم تلاميذ نشروا مذاهبهم، وأصبحت هذه المذاهب الأربعة مدارس فقهية أربعة، أصبحت هي المتبوعة في العالم الإسلامي.

وأوسع المذاهب الأربعة انتشارا في العالم الإسلامي ما هو؟

الحنفية.

وأقلها؟

الحنابلة.

لكن الله – عز وجل – قيض لهذا القرن الدولة السعودية، فتبنت المذهب الحنبلي، ثم انتشر انتشارا واسعا، انتشار المذهب الحنبلي في الوقت الحاضر أكثر منه بأي زمن مضى، وهذا يدل على أثر تبني الدولة في المذهب، الدولة العباسية تبنت المذهب الحنفي، القاضي أبو يوسف كان لا يولي إلا قاضي حنفيا، وكذلك الدولة العثمانية تبنت المذهب الحنفي كان له أثر في الانتشار.

أما من حيث الجودة فلكل مذهب محاسنه، وتميز مذهب الحنابلة بأن إمام هذا المذهب صاحب سنة وأثر، وهو الإمام أحمد، وكذلك أيضا مالك، والشافعي أيضا أصحاب سنة وأثر، لكن الإمام أحمد شهرته في هذا الباب أكثر، فهو محدث وفقيه، والإمام أبو حنيفة كان في أول المذاهب، فكان أول المذاهب قبل تدون بعض كتب السنة ولذلك كان قليل البضاعة في الحديث، يقال للحنفية: أصحاب الرأي، والمطلوب من المسلم أن يتبع الحق، الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ولا يقال: ماذا أجبت أبي حنيفة، أو مالك، أو الشافعي، أو أحمد؟ لكنه عند التفقه لابد من أن ينطلق من مدرسة فقهية، وإذا لم يفعل ذلك فلن يكون مؤصلا، وإذا لم يفعل ذلك فلن يكون مؤصلا فيكون علمه ضعيفا، ولن يستطيع أن يعرف أحكام النوازل، والمسائل المستجدة، لابد أن ينطلق من مدرسة فقهية، ولا يتعصب لها، مثل: ما نفعل في شرح التسهيل، نقرب كلام المؤلف، وكذا ثم قد يوافق المؤلف في رأيه، وقد نرجح خلاف رأيه، ولو كان خلاف رأيه ومذهب الحنفية، أو المالكية، أو الشافعية.

في البيوع والمعاملات يقول: أبو العباس بن تيمية، إن أجود المذاهب الأربعة هو مذهب المالكية، وبين السبب في هذا قال: لأن الإمام مالكا قد أخذ ذلك فقه البيوع عن سعيد بن المسيب، الذي يقال: هو أفقه الناس بالبيوع، كما يقال: عطاء بن رباح أفقه الناس في المناسك، وإبراهيم النخعي أفقه الناس في الصلاة، والحسن البصري أجمعهم لذلك كله، ولهذا نجد أن مذهب المالكية من أجود المذاهب الأربعة في المعاملات في الجملة، وليس معنى هذا أن جميع ما يراه المالكية المعاملات هو الصواب، قد يكون الصواب بخلاف مذهبهم، لكن في الجملة مذهب المالكية في المعاملات من أجود المذاهب الأربعة.

 قد كان الناس في حقبة مضت عندهم تعصب للمذاهب، وبلغ التعصب إلى أن حنفي لا يتزوج شافعية، والشافعي لا يتزوج حنفية، ولا يصلي هذا خلف هذا، كان يوجد مقامات في المسجد الأموي بدمشق، والمسجد الحرام أيضا إلى وقت ليس بالبعيد، مقام مذهب الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، هذا لا يصلي خلف هذا، وهذا لا يصلي خلف هذا، ولكن ولله الحمد في الوقت الحاضر خفت حدت التعصب، وأصبح كثير من طلب العلم يحرصون على طلب الدليل من الكتاب والسنة، وأزيلت المقامات في الحرم، وفي غيره.. واجتمع الناس في الحرمين على إمام واحد، هذا من نعم الله تعالى علينا، لكن أيضا بعض الناس بالغ في انطراح المذاهب، نأخذ من الأدلة المباشرة، هذا فيه خطورة؛ لأنه إذا فعل ذلك قد يخالف إجماعا، وقد يقرر أقوال لم يسبق إليها، فالمبالغة أيضا في انطراح المذاهب هذا خلل في المنهجية، والتعصب للمذاهب أيضا خلل آخر، المطلوب هو الاعتدال، ينطلق طالب العلم من مدرسة فقهية، ولا يتعصب لها، إنما يتعصب للدليل من الكتاب أو السنة.

 فائدة: حكم استخدام البطاقات الائتمان (البطاقات الائتمان مثل: الفيزا والماستر كارد، لا إشكال في جوازها، لا إشكال في جواز استخدامها إذا كانت مغطاة، أما إذا كانت غير مغطاة أي: أن مستخدمها ليس عنده رصيد، وإنما يطلبه البنك عن طريقها، فيجوز استخدامها إذا كان البنك لا يشترط فوائد ربوية على العميل بعد انقضاء فترة السماح بالمجانية، أما إذا كان البنك يشترط دفع فوائد ربوية بعد انقضاء فترة السماح المجانية فلا يجوز استخدامها فقد صدر في هذا قرار المجمع الفقهي الإسلامي ) بطاقات الائتمان لا تخلو إما أن تكون مغطاة، أو غير مغطاة، مثل: بطاقات الفيزا والماستر كارد، إن كانت مغطاة يعني يوجد عندك رصيد في البنك، فلا إشكال في جوازها لأنك إنما تسحب من رصيدك، لكن إذا كانت غير مغطاة ليس عندك رصيد في البنك، والبنك يقرضك بموجب هذه البطاقة، ويعطيك مثلا عشرة آلاف قرضا، ويشترط عليك البنك أن تسدد هذا القرض خلال فترة السماح المجانية، يعني في الغالب تتراوح ما بين خمسة وأربعين يوما إلى خمسة وخمسين يوم، فإن سددت خلال فترة السماح المجانية لم يؤخذ عليك فوائد، وإن تأخرت فالبنوك الربوية، أو البنوك التقليدية عموما تحتسب فوائد ربوية.

وأما المصارف الإسلامية لا تحتسب، فإذا كان البطاقة الائتمان مصرف إسلامي فلا بأس بها؛ لأنك أصلا لو تأخرت لم يحسب عليك فوائد ربوية، مثل مثلا في المملكة: بنك الراجحي، والبلاد، والإنماء، بطاقات الائتمان عندهم لو تأخرت في السداد لا يحسبون عليك فوائد ربوية، لكن لهم إجراءات أخرى، وهو أن يوضع هذا العميل صاحب البطاقة في القائمة السوداء، ويضاف إلى شركة سمة، ويترتب على ذلك إدراج اسمه فلا تتعامل معه البنوك الأخرى، أنه يوضع في القائمة السوداء، وهذا عند بعض الناس، ربما عند كثير من الناس أشد مما لو أخذت منه فوائد ربوية.

البنوك التقليدية الأخرى تحتسب فوائد ربوية بعد مضي فترة السماح المجانية، وهذه الفوائد الربوية لا تجوز، وهي نظير ربا الجاهلية، فقد كانوا في الجاهلية إذا حل الدين على المدين أتى الدائن للمدين فقال له: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن سدد الدين وإلا أخره وأجله وزاد عليه بمقدار الدين، يعني إذا كان الدين عشرة آلاف يقول: سددها لي الآن، إذا قال: ما عند شيء، قال: أنذرك إلى العام المقبل على أن تسددها لي اثني عشر ألفا هذا هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وهنا في بطاقة الائتمان غير المغطاة بعد مضي فترة السماح المجانية هذا هو نظير ربا الجاهلية، فلسان حال البنك يقول لصاحب البطاقة: إما أن تقضي وإما أن تربي، إما أن تسدد خلال فترة السماح المجانية وإما أن نذرك مقابل الزيادة في الدين، فهذا لا يجوز، وصدر بهذا قرار المجمع الفقهي الإسلامي، فإن قال قائل: أخذ بطاقة الائتمان من بنك تقليدي، وأرتبه لي على أن أسدد خلال فترة السماح المجانية، وبذلك لن يأخذوا علي فوائد، هل هذا يجوز؟

الذي يظهر أن هذا لا يجوز لأمرين:

الأمر الأول: قبول صاحب البطاقة للربا؛ لأنه سيوقع على أنه إذا تأخر في السداد سوف يدفع الربا.

والأمر الثاني: أنه لا يدري ما يعرض له.

وأذكر أن رجلا اتصل علي، يقول: إنني أخذت بطاقة فيزا، ورتبت أموري على أن أسدد خلال فترة السماح المجانية، يقول: حصلت لي ظروف، وألزمني البنك الآن بدفع فوائد ربوية، فقلت: أنت الذي ورطت نفسك، أنت الذي أوقعت نفسك بالحرج، كان ينبغي ما تدخل أصلا في هذا النوع من البطاقات، فالإنسان لا يدري ما يعرض له، لكن قد نستثني من هذا حالة بعض الناس في بعض البلدان هنا في الخارج، الذي ليس عندهم مصارف إسلامية، ومضطرون لهذا النوع من البطاقات، لأن بعض البلدان في الخارج تعاملات الناس بهذه البطاقات، فإذا كان الحاجة شديدة، إذا كانت الحاجة ماسة لهذه البطاقات، ولا يوجد بديل من مصارف إسلامية، ورتب الإنسان نفسه على أن يسدد خلال فترة السماح المجانية، ووضع لذلك آلية مثلا، بأن كان له مرتب، أو دخل شهري، وأول ما يودع راتبه مباشرة، يسدد للبنك، فهنا قد يفتى بالجواز في مثل هذه الحالات، لكن مثل الوضع عندنا هنا في المملكة، الحمد لله يوجد البديل، يوجد بطاقات ائتمان جائزة شرعا، ولا تشترط البنوك بعد مضي فترة السماح المجانية، لا تحتسب البنوك فوائد ربوية، فإذا كان البديل موجودا، لماذا يلجأ الإنسان ذلك النوع من البطاقات التي تحتسب فوائد ربوية عند مضي فترة السماح المجانية؟

فائدة: المقصود بالبيعتين في بيعة (المقصود بالبيعتين في بيعة التي ورد النهي عنها بيع العينة، وهي من يشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها على من اشتراه منه بأقل منه نقدا، وهي المقصودة بالنهي عن صفقتين في صفقة، وهي المقصودة كذلك بالنهي عن الشرطين في البيع، فإن الشرط يطلق على العقد نفسه؛ لأنهما تشارطا على الوفاء به، فهو مشروط، ومن أحسن من تكلم عن هذه المسألة الإمام ابن القيم – رحمه الله – في تهذيب السنن) بيعتان في بيعة ورد النهي عنها، ومثل ذلك: شرطان في بيع، وصفقتان في صفقة وهذه اختلف العلماء في تفسيرها اختلافا كثيرا، والقول الراجح في تفسيرها هو ما قرره الإمام ابن تيمية وابن القيم – رحمهما الله تعالى – من أن المقصود بالبيعتين في بيعة بيع العينة، كما فصل ذلك ابن القيم في تهذيب السنن، وذكر الروايات الواردة، وأن الرواية يفسر بعضها بعضا، وذكر آثارا عن الصحابة تدل لذلك، فيكون معنى البيعتين في بيعة، ومعنى صفقتين في صفقة، ومعنى شرطان في بيع، المقصود بذلك كله بيع العينة، وهو أن يشتري السلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها على من اشتراها منه، بأقل منه نقدا، هذه هي العينة، أو أن يبيع السلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها بأقل منه نقدا، يعني سواء عبرت بهذا أو بهذا، أن يبيع السلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها بأقل منه نقدا.

 مثال ذلك: تبيع سيارة بمائة ألف مؤجلة،  ثم تذهب وتشتري هذه السيارة نفسها بتسعين ألفا نقدا، فهذه حيلة على الربا، كأنك بعت مائة ألف ريال مؤجلة، بتسعين ألف ريال نقدا، وأدخلت السيارة، سيارة تأتي، وسيارة ترجع، هي في الحقيقة نقد بنقد، ولهذا قال ابن عباس – رضي الله عنهما - : «دراهم بدراهم، دخلت بينهما حريرة» وقال أيوب السختياني: «يلعبون على الله كما يلعبون على الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون» فهذه من الحيل، من الحيلة على الربا، فلا تجوز العينة، قد قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم أحد حتى ترجعوا إلى دينكم» فأورد هنا العينة في معرض الذم، فهي محرمة.

إذاً معنى بيعتين في بيعة؟ هو بيع العينة، وتطلق على صفقتين في صفقة، ولا على شرطين في بيع، ووجه إطلاقها على شرطين في بيع؟

أن الشرط يطلق على العقد نفسه؛ لأنهما تشارطا على الوفاء به، فهو مشروط، هذا هو التفسير الصحيح للبيعتين في بيعة، أنه هو بيع العينة.

 

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

***

 

 

 

 

 

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز - بحي الخزامى 1439/6/10