الخثلان
الخثلان
من الفائدة 115 إلى 123
5 جمادى الآخرة 1439 عدد الزيارات 525

لطائف الفوائد 17

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه ، واتبع سنته إلى يوم الدين .

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علما نافعا ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهنيء لنا من أمرنا رشدا

هذا هو الدرس السابع عشر من هذا العام الهجري ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة

، يوم الاثنين الثالث من جمادى الآخرة من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

 ونبدأ أولا بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة رقم مئة وخمسة عشر .

فائدة: متى يشرع إعطاء السائل (السائل للمال إن علم أنه فقير فينبغي أن يعطى، وإن علم أنه غني محتال فلا يعطى، بل يوبخ ويرفع أمره للجهات المختصة، أما إن جهل حاله فالأصل أنه يعطى قال الله – تعالى - : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ  * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ وذكر مؤذن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله - : «ما وقف في مسجدنا سائل يسأل إلا وتصدق عليه») السائل للمال يدخل في قول الله – عز وجل - : ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ  * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ فإن السائل هو الذي يسأل، ويقابله المحروم وهو المتعفف الذي لا يسأل، والله تعالى جعل لكل منهما حقا، للسائل والمحروم، وإن كان إعطاء المتعفف الفقير أعظم أجرا وثوابا، كما قال الله تعالى : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا هذه الشريحة شريحة المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافا لكن الفطن يعرفهم بسيماهم، هؤلاء ينبغي أن نبحث عنهم، وأن نساعدهم، وأن نعطيهم من الزكوات، ومن الصدقات، وهؤلاء يعرفهم الفطن، وأما الجاهل الساذج لا يعرفهم، بل يحسبهم أغنياء، ولهذا قال – سبحانه - :  ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ يراهم بملابس نظيفة، ويراهم لا يسأل يظنه غنيا، ولكن الفطن ينظر إلى دخله ومصروفاته، ويعرف من خلال ذلك أنه فقير متعفف، وكذلك أيضا السائل الأصل أنه يعطى لأن الله تعالى ذكره هنا ﴿لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ويمكن تقسم السائل إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: السائل الذي يعلم أنه فقير، أو مسكين، فهذا يعطى من الزكوات، ومن الصدقات.

القسم الثاني: السائل الذي يعرف أنه غني محتال، يتسول الناس أموالهم تكثرا، فهذا لا يعطى، بل ينبغي أن يوبخ، وأن يرفع أمره للجهة المختصة لمعاقبته؛ لأن سؤاله أموال الناس تكثرا، مع كونه غنيا هذا محرم، بل من كبائر الذنوب، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «من سأل أموال الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا، فليستقل أو ليستكثر» وهذه مع الأسف حال بعض الناس السائلين، أصبح السؤال عندهم مرضا، وأصبح عادة لديهم، فينبغي أن يوعظ هؤلاء، وأن يبين لهم أن سؤالهم الناس مع غناهم محرم عليهم، ولا يعطون؛ لأن في إعطائهم تشجيعا لهم على هذا العمل المحرم.

القسم الثالث: مجهول الحال، الذي لا يعلم هو فقير فيعطى، أو غني فلا يعطى، وهذا الأصل أنه يعطى، أخذا بظاهر الحال، ولكن ينبغي في الزكاة خاصة أن يتحرى الإنسان بإعطائه لمستحقيه، فلا يعطي هذا السائل المجهول الحال حتى يتحقق من أمره، وحتى يتثبت من واقعه، وأما الصدقة فبابها واسع، وبعض الناس يحتقر هذه الشريحة من الناس، وتجد أنه يوبخهم وينهرهم، مع فقرهم، أو مع أنهم يجهل حالهم، هذا لا يجوز، والله تعالى يقول: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْيشمل سائل المال وسائل العلم، بل أو ما ينصرف إليه سائل المال فلا يجوز نهره وتوبيخه، قد يكون محتاجا، وهذا أخوك المسلم له حق الأخوة، لكن بعض الناس غير موفق، يبخل، ويأمر الناس بالبخل، يعني لن يعطيه، ولن يترك الناس يعطونه، يقول: لا تعطوه، هذا شحاذ، هذا كذاب، وليس عنده بينة على هذا، فمن كان غير مقتنع بإعطاء هذا السائل يترك الناس تعطيه، لا ينهى الناس عن الخير، وإلا فإن يصدق عليه أنه من الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، وهنا ذكر مؤذن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله - : – هذا نقل من ترجمة الشيخ لابن قاسم وهي ترجمة لطيفة أنصح بقراءتها فيها فوائد ودروس مفيدة – قال: «ما وقف في مسجدنا سائل يسأل إلا وتصدق عليه» سماحة الشيخ، سماحة الشيخ كان يقدر الفقراء والمساكين ويحترمهم، وكان مجلسه عامرا بالفقراء والمساكين، لا يكاد أحد يدخل مجلسه إلا ويجد فيه فقراء ومساكين، وكان لا يرضى بأن يهان في مجلسه فقير، وكذلك من قبله الإمام أحمد ذكر في ترجمته أنه لم يكن الفقراء في مجلس أعز منه في مجلس الإمام أحمد، وكانوا معززين مكرمين، وهكذا ينبغي احترام هذه الشريحة من المجتمع، هؤلاء ابتلوا بالفقر ينبغي احترامهم، وإكرامهم، ولا يجوز نهرهم، وإذا أمكن الإنسان أن يعطيهم فهذا حسن، إن لم يمكنه أن يعطيهم فإنه يقول لهم قولا معروفا، يقول: يعتذر منهم بلباقة، أو يدلهم على من يساعدهم، المقصود أن هؤلاء ينبغي احترامهم، وإكرامهم، ولا يجوز نهرهم ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْوالغالب على النفوس ازدراء الفقراء والمساكين هذا ينبغي الحذر، فالغالب على النفوس أنها تزدري هذا الفقير والمسكين، وأنها تحترم الغني، والثري، ولهذا ينبغي أن يجاهد الإنسان نفسه، وأن يكرم هذا الفقير، وأن يحترمه، وأن يعزه، فإن في هذا اختبارا عظيما للنفس، خاصة من طالب العلم، بعض طلاب العلم في هذا الباب كأشباه العوام، فنقول: إذا علمت بأن هذا الشخص أنه فقير فهنا يعطى، وإذا علمت بأنه محتال، وتأكدت من ذلك، هذا يوبخ ويرفع أمره، إذا جهلت الحال إن اقتنعت بإعطائها فهذا حسن، فإن لم تقتنع فاترك الناس أن تعطيه هذا الذي يظهر في هذه الموقف من السائلين.

بعض السائلين قد يسيء الأدب، فيطيل، يقوم ويطيل ويشوش على المصلين، الذين يأتون بأذكار أدبار الصلوات، فهنا ينبغي أن يوجه ولا يترك يشوش على الناس، يوجهه الإمام أو المؤذن، أو أحد جماعة المسجد، بأن لا يشغل المصلين، وأن يذهب خارج المسجد، أو عند باب المسجد، فمن أراد أن يعطيه فإنه يعطيه، لكن لا يمكن من التشويش على المصلين، كما أن بعضهم يأخذ المصحف ويحلف عليه، وهذا أيضا لا يمكن، ينبغي أن يعظم المصحف، ولا يجعل وسيلة لابتداره بهذه الطريقة يأخذه ويحلف عليه من أجل لعاعة من الدنيا ولا ندري هل هو صادق أو كذب فيجب أن يوجه ألا يفعل مثل هذا الأمر، فإذا أساء هذا السائل فإنه يوجه لكن أيضا برفق، من غير نهر؛ لأن الله – عز وجل – يقول: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾.     

  فائدة: حكم الرجوع بنية الصدقة (انعقد الإجماع على أن الإنسان لو نوى الصدقة بمال مقدر، وشرع في الصدقة به فأخرج بعضه لم تلزمه الصدقة بباقيه ) لو نوى الإنسان الصدقة بمال مقدر، وشرع في الصدقة به، فأخرج بعضه، لم تلزمه الصدقة بباقيه، مثال ذلك: نويت أن تتصدق بألف، وجعلتها في جيبك، ثم تصدقت بخمسمائة، ثم بعد ذلك بدى لك أنك تسترجع الخمسمائة المتبقية، وتصرفها على حوائجك لا بأس بهذا، وهذا بالإجماع، والنوافل عموما لا تجب بالشروع فيها إلا نافلة واحدة، تجب بالشروع فيها، الحج والعمرة، هي العبادة الوحيدة التي تلزم بالشروع فيها، كما قال الله تعالى - : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أما ما عداها من النوافل لا تلزم بالشروع فيها، فالصدقة لا تلزم بالشروع فيها وهذا بالإجماع كما سمعتم، نقل الإجماع الموفق بن قدامه وغيره، وكذلك الصلاة لا تلزم بالشروع فيها، نافلة الصلاة يجوز قطعها ولا تلزم بالشروع فيها، وإن كان الأفضل إتمامها، نافلة الصيام لا تلزم بالشروع فيها، ولهذا لما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – صائما ودخل على إحدى زوجاته، وقالت: اهدي إلينا حيس، قال: «أرنيه، فلقد أصبحت صائما، ثم أكل» رواه مسلم، وجميع النوافل لا تلزم بالشروع فيها ما عدا نافلة الحج والعمرة فتلزم بالشروع فيهما، هذه المسألة يحتاج لها بعض الناس قد يتحرج، يخرج مالا، يقول: هذا المال صدقة، ثم يحتاج للأخذ منه، نقول: لا حرج، ما دمت لم تسلمه للفقير، لك أن تتراجع في هذا المال، أو في بعضه، وهذا بالإجماع.  

فائدة: حكم إعطاء الزكاة للأصول والفروع (لا تعطى الزكاة لعمودي النسب للوالدين وإن علو، ولا للولد وإن سفل، أما سائر الأقارب فمن لا يورث منهم يجوز دفع الزكاة إليه، وعلى هذا فيجوز دفع الزكاة للأخ الفقير، أو الأخت الفقيرة، بشرط ألا يكون الدافع للزكاة يرث هذا الأخ، أو الأخت لو ماتا، فإن كان يرثه فالواجب النفقة عليه من حر ماله، وليس من الزكاة) - هذه الفائدة اربطها بالفائدة رقم مائة وواحد وعشرين ، يفترض أن تكون بعدها مباشرة لعلها تستدرك في الطبعة القادمة- مائة واحد وعشرين هي كالاستثناء من هذه المسألة.

فائدة: حكم أخذ الولد المدين من زكاة أبيه (إذا كان على الولد دين، ولا وفاء له، جاز أن يأخذ من زكاة أبيه في أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره، وهذا بسداد الدين خاصة، أما ما عداه فإذا احتاج الولد فيجب على أبيه أن ينفق عليه من حر ماله، وليس من الزكاة) لا تجوز الزكاة لعمودي النسب، والمقصود بعمودي النسب الوالدان وإن علوا، يعني الأب، والجد، وأبو الجد، والأم، وأبو الأم، وهكذا.. ولا للولد وإن سفل، يعني للابن، والبنت، أو ابن الابن، أو ابن البنت، وهكذا.. هذا المقصود بعمودي النسب، فهؤلاء إذا احتاجوا تجب النفقة عليهم من حر مال الإنسان، ولا يعطون من الزكاة، قال ابن المنذر – رحمه الله -: «أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين، في الحال التي يجبر الدافع إليهم، على النفقة عليهم» نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، ولأن دفع زكاته إليهم يغنيهم عن نفقته، ويعود نفعها إليه، فكأنه دفع زكاته لنفسه، وهذه في الحال التي تجب عليه النفقة، إذا لا تدفع الزكاة للوالدين وإن علوا، ولا للأولاد وإن نزلوا، لكن يستثنى من ذلك ما ذكر في الفائدة رقم مائة وواحد وعشرين وهي: ما إذا كان على الوالد أو الولد دين، وهو عاجز عن سداده، فيجوز أن يأخذ من زكاة والده أو ولده؛ وذلك لأن الولد لا يلزمه أن يسدد الدين عن أبيه، والأب لا يلزمه أن يسدد الدين عن ولده، فإذا كان غير ملزم شرعا بسداد الدين فيجوز له أن يعطيه من الزكاة لسداد دينه، لو أن شخصا تراكمت عليه الديون، مثلا طلب دين مقداره مليون، هل يعاقب والده بذلك، هل يلزم والده بسداد ذلك الدين؟ لا يلزم، إن تبرع والده بالسداد وإلا لا يلزم، وهكذا العكس لو كان الأب هو الذي ترتب في ذمته ديون، لا يلزم الولد بالسداد، فإذا كان الوالد والولد لا يلزمان بسداد الدين عن أحدهما، فيجوز لكل منهما أن يدفع الزكاة لسداد دين الآخر.

مثال ذلك: هذا رجل ترتب في ذمته مثلا دين مقدار مائة ألف وهو عاجز عن سدادها، وعند أبيه زكاة، فيجوز أن يدفع أبوه من زكاته لسداد دين ابنه، أو العكس، لو كان الأب هو الذي ترتبت في ذمته الديون، وهو عاجز عن سدادها، يجوز للابن أن يسدد الدين عن أبيه من زكاته هو، هذا بالنسبة لعمودي النسب، وأما بالنسبة لسائر الأقارب فعندنا قاعدة وهي: أنه يجوز دفع الزكاة للقريب إذا كان مستحقا بشرط ألا يرثه لو مات، لقول الله – عز وجل - : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ أما إذا كان يرثه لو مات فهذا ملزم بنفقته عند الحاجة، وحينئذ فيلزمه أن ينفق عليه من حر ماله.

مثال ذلك: شخص له أخ فقير، هل يجوز أن يعطيه من زكاة ماله؟ نقول: هل بينك وبين أخيك توارث؟ فإن قال: لا، لو مات أخي لم أرثه؛ لأن له أبناء، أو مات أخي لم أرثه؛ لأن الأب موجود، فهنا يجوز أن يعطيه من زكاة ماله، بل يستحب ذلك؛ لأنها تكون زكاة، وصلة رحم، أما لو كان بينهما توارث، حيث لو مات أخوك لورثته، فهنا يجب عليك أن تنفق عليه من حر مالك، وليس من الزكاة.

لو كان بينهما توارث، وكان على أخيه دين، هل يجوز أن يسدد دين أخيه من الزكاة؟ نعم من باب أولى؛ لأننا إذا قلنا ذلك بالنسبة لعمودي النسب، فلسائر الأقارب من باب أولى، فسداد الدين لا ينظر فيه لمسألة القرابة، لا بالنسبة للوالد، ولا للولد، ولا لسائر الأقارب، وأما غير سداد الدين، إعطاؤه لأجل النفقة، والحاجة، فعلى التفصيل الذي ذكرنا ، هذا هو أعدل الأقوال في هذه المسألة، وهو الذي تجتمع به الأدلة.   

فائدة: حكم زكاة الحلي المعد للاستعمال (اختلف العلماء في زكاة الحلي المعد للاستعمال فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا زكاة فيه، وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وذهب الحنفية إلى وجوب الزكاة فيه استنادا إلى بعض الأحاديث المروية كحديث المسكتين، والأقرب هو قول الجمهور لأن قاعدة الشريعة أن الزكاة لا تجب فيما يعد للقنية، والاستعمال، أما ما استدل به الحنيفة من أحاديث فهي ضعيفة، قال الترمذي – رحمه الله - : «لا يصح في هذا الباب عن النبي – صلى الله عليه وسلم - شيء») زكاة الحلي المعد للاستعمال محل خلاف بين أهل العلم على قولين:

فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا تجب الزكاة فيه، ومذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو المروي عن أكثر الصحابة.

وذهب الحنفية إلى أنه تجب الزكاة فيه، واستدلوا بحديث المسكتين قصة المرأة التي أتت وفي يد ابنتها مسكتان، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «أتؤدين زكاة هذه؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، فألقتهما، وقالت: هما لله ورسوله» رواه أبو داود وغيره.. وأيضا لحديث الفتخات من ورق التي في يد عائشة، وقال لها النبي – صلى الله عليه وسلم - : «هل تؤدين زكاة هذه؟ قالت: لا، قال: هو حسبك من النار» هذه أدلة المجيبين للزكاة في الحلي، ولكنها كلها ضعيفة، لا تصح من جهة الصناعة الحديثية، ولهذا قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء، ثم في متنها نكارة، هذه المرأة التي في يد ابنتها مسكتان فالواجب هو ربع العشر، اثنين ونصف بالمائة كيف تلقيها كلها؟ ثم أيضا ما سألها النبي – صلى الله عليه وسلم – هل مر عليها حول أم لا؟ ثم أيضا الفتخات من ورق في يد عائشة، يعني هي زوجته، كيف ما رآها؟ أول مرة يراها وقال: هي حسبك من النار، ثم أيضا هل تبلغ نصابا؟ النصاب: عشرون مثقالا، وخمس وثمانين جرام، ويمر عليه الهلال ثم الهلال ثم الهلال وما أوقد في بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – نار ، ففيها نكارة من جهة المتن، ومن جهة السند لا تصح، ولهذا قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء.

والجمهور استدلوا بعموم الأدلة الدالة على أن ما كان معدا للاستعمال والقنية فلا زكاة فيه، ومنها قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة» متفق عليه، وهذه هي قاعدة الشريعة إن ما كان معدا للاستعمال والقنية لا زكاة فيه، بيتك الذي تسكنه فيه لا زكاة فيه، سيارتك التي تستعملها لا زكاة فيه، كل شيء معد للاستعمال لا زكاة فيه، هكذا أيضا الحلي المعدة للاستعمال لا زكاة فيه.

 والقول الراجح هو قول الجمهور وهو أنه لا زكاة في الحلي المعد للاستعمال، بل إن القول بإيجاب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال هو قول الحنفية كان مهجورا، لم يكن يفتى به هنا عندنا في المملكة، حتى رجحه سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله – فلما رجحه الشيخ أحيا هذا القول، وتبعه على ذلك بعض أهل العلم، وهذا يدل على مدى تأثير ترجيح العالم الكبير، فأحيا – رحمه الله – هذا القول، ولكن العبرة بالدليل عند التحقيق الأحاديث التي استدل بها للوجوب لا تثبت من جهة الإسناد فهي ضعيفة كما قال: الترمذي وغيره، وعلى هذا فالقول الراجح هو قول أكثر أهل العلم، وهو أن الحلي المعد للاستعمال لا تجب فيه الزكاة.

فائدة: إعطاء الغني خير من حرمان الفقير (إذا ادعى الفقر من لم يعرف بالغنى فإنه يجوز أن يعطى من الزكاة بلا بينة، وقد سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – رجلان فلما رآهما جلدين قال: إن شئتما أعطيتكما ولا حض فيها لغني ولا لقوي مكتسب، ولأن كثيرا من الفقراء قد لا يجدون البينة المثبتة لفقرهم، فلو طلبوا بالبينة لأدى ذلك إلى حرمانهم من الزكاة، وإعطاء الغني خير من حرمان الفقير) هذه هي فائدة نفيسة، والحقيقة تفيد طالب العلم، وتريحه كثيرا، وهي أن من ادعى الفقر، وسأل ، ولم يعرف بالغنى، فيجوز إعطاءه من الزكاة من غير أن يطالب بالبينة، المهم ألا يعرف بالغنى؛ وذلك لأننا لو اشترطنا مطالبته بالبينة لأدى هذا إلى حرمان كثير من الفقراء من الزكاة؛ لأن كثيرا منهم لا يستطيع أن يأتي بالبينة المثبتة لفقره، فترتب عندنا مفسدة وهي حرمان كثير من الفقراء من الزكاة، لو أعطينا أيضا الفقير بدون بينة سيترتب عليه مفسدة أخرى، وهي أن بعض الناس سيدعي الفقر وهو ليس بفقير، نقول: صحيح هذه مفسدة، ولكن مفسدة حرمان الفقير المستحق أشد من مفسدة إعطاء الإنسان غير المستحق، وهذا من الفقه الدقيق، ودليل هذه القاعدة هو هذا الحديث وهو أن رجلين جلدين أتيا النبي – صلى الله عليه وسلم – فصعدا فيهم النظر، فقال: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حض فيها لغني ولا للقوي المكتسب» إنما قال: إن شئتما أعطيتكما لأنهما سألا ولم يظهر عليهما غنى، لكن لما رآهما جلدين وعظهما قال: لا حض فيها لغني، ولا لقوي مكتسب وهذا يدل على أنه ينبغي عند الشك في السائل هل هو مستحق أم لا؟ أن يوعظ فيقال: هذه زكاة ولا حض فيها لغني ولا لقوي مكتسب، وعلى هذا إذا غلب على ظنك أن هذا المستحق ولم يظهر عليه غنى، لا بأس أن تعطيه، وبعض الناس تجد أنه يجد الحرج عندما تكون معه الزكاة، يريد أن يتيقن مائة بالمائة أن هذا مستحق، وهذا قد لا يتأتى، قد يدعي الفقر من هو ليس بفقير، والفقير كما يقول أهل العلم: من الأمور الخفية؛ لأنه قد يظهر الفقر من ليس بفقير، فالعبرة بالظاهر إذا لم يظهر عليه غنى، وسأل الزكاة، فيعطى، وهو يتحمل المسئولية فيما بينه وبين ربه – عز وجل – ولا يشترط أن يأتي بالبينة، قد لا يستطيع، هو فقير لكن ما يستطيع أن يأتي ببينة تثبت فقره، وإنما يؤخذ بظاهر الحال، وتبرأ الذمة بذلك، وهذا كما ذكرت يريح الإنسان؛ لأنه مطلوب منه شرعا أن يأخذ بظاهر الحال، المهم أن هذا لا يظهر أنه غني، ويعرف أنها زكاة، أو يسألك وتقول: عندي زكاة، فإذا سألك ولم يظهر عليه أنه غنى جاز أن تعطيه من الزكاة، ولو تبين فيما بعد أنه غني، فقد برئت ذمته، ولهذا قال الفقهاء: ومن دفع الزكاة لغني ظنه فقيرا أجزأ.   

فائدة: كيفية التعرف على مقدار زكاة المبالغ النقدية (إذا أردت أن تعرف مقدار زكاة أي مبلغ نقدي فأقسمه على أربعين يخرج لك مقدار الزكاة مباشرة، مثلا: أربعة آلاف تقسيم أربعين يساوي مائة، مثال آخر: مائة ألف تقسيم أربعين يساوي ألفان وخمسمائة ) هذه قاعدة مفيدة في هذا الباب، إذا أردت معرفة زكاة أي مبلغ نقدي فأقسمه على أربعين، أي مبلغ نقدي، أقسمه على أربعين يخرج لك مقدار الزكاة، ووجه ذلك: أن زكاة المبالغ النقدية هي ربع العشر، يعني أنك تقسمه على عشرة، ثم على أربعة، فإذا كنت ستقسمه على عشرة، ثم على أربعة، اختصر اقسمه مرة واحدة على أربعين، ومثلا: أربعة آلاف تقسيم أربعين مائة، ألف تقسيم أربعين، خمسة وعشرين، ثمانية آلاف تقسيم أربعين مائتين، عشرة آلاف تقسيم أربعين مائتين وخمسين، أربعون ألف تقسيم أربعين ألف، مائة ألف تقسيم أربعين ألفان وخمسمائة، وهكذا.. والآن وجد مع الناس الآلات الحاسبة موجودة في الجوالات، بإمكانه إذا أراد معرفة زكاة أي مبلغ نقدي يقسم هذا المبلغ على أربعين، يخرج مقدار الزكاة.

فائدة: حكم دفع الزكاة للفقير من أجل الحج (اختلف العلماء في حكم دفع الزكاة لفقير ليحج، والأقرب أنه لا يجوز؛ لأن الفقير معذور بعدم الاستطاعة فلا يأخذ من الزكاة مالا ليحج به، ويزاحم بقية أصناف الزكاة، بنحو هذا أفتى الشيخ محمد العثمين – رحمه الله - ) دفع الزكاة للفقير من أجل الحج هذه مسألة محل خلاف بين الفقهاء على قولين:

القول الأول: أنه يجوز أن تدفع الزكاة للفقير ليحج، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو من المفردات، واستدلوا بحديث أم معقل، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لها: ما منعك أن تخرجي معنا قالت: تهيأ لنا جمل، وقالت: تهيأنا للحج، وتوفي أبو معقل، وكان لنا جملا هو الذي نحج عليه، فأوصى أبو معقل بأنه في سبيل الله، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – «فهلا خرجت عليه، فإن الحج في سبيل الله» رواه أبو داود وله شاهد من حديث أبي طليق، قالوا فإنه – عليه الصلاة والسلام – اعتبر الحج من سبيل الله، وهو أحد مصارف الزكاة الثمانية، وفي سبيل الله، هذه وجهة الحنابلة.

القول الثاني: أنه لا يجوز دفع الزكاة لتحجيج الفقراء، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة، قالوا: لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف للجهاد، فإن كل ما ذكر في القرآن من ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد إلا في مواضع يسيرة، فيحمل ما ورد في حديث أم معقل يحمل على المشهور وهو أنه المقصود به الجهاد، على ما دلت عليه الآية، وهذا هو القول الراجح أنه لا يجوز إعطاء الفقير من الزكاة ليحج، وقد اختار هذا القول الموفق بن قدامه في المغني، وإذا كما ذكر هنا اختاره الشيخ محمد بن عثيمين وأيضا ذهب إليه أكثر العلماء.

وأما ما استدل به الحنابلة من حديث أم معقل فإنه أولا قيل بتضعيف هذا الحديث، وعلى تقدير ثبوته فإنه ليس صريحا، فإن قوله: فإن الحج في سبيل الله يدل على أن هذا الجمل أوصى به أبي معقل لكي يستفاد منه في وجوه البر، والحج داخل في ذلك، وهذا لا يدل على أن الحج أنه يجوز دفع الزكاة للفقير ليحج، فليس في هذا الحديث دلالة لهذه المسألة، إنما هذا يدل على أنه إذا وقف جمل في سبيل الله فيجوز أن يحج عليه فقط، هذا هو الذي يدل عليه الحديث، فدلالة هذا الحديث على تقدير ثبوته غير صريحة في إعطاء الفقير من الزكاة ليحج، ثم إن هذا الفقير لا يجب عليه الحج، والله تعالى إنما أوجب الحج على المستطيع، فكيف يأخذ من الزكاة ويزاحم الفقراء، وأصحاب الزكاة لفعل أمر لا يجب عليه شرعا، لفعل عبادة لا تجب عليه شرعا، وعلى هذا فالقول الراجح أنه لا يجوز أن يعطى الفقير من الزكاة ليحج.

فائدة: زكاة الأسهم (إذا كان المالك للأسهم مضاربا أي يبيع فيها ويشتري فيجب عليه أن يزكيها كل سنة بقيمتها عند تمام الحول، وأما إن كان مستثمرا لا يتجار فيها ببيع وشراء فأبقى عنده لغرض الإفادة من أرباحه أو نحو ذلك فتكفي زكاة الشركة ولا يلزمه أن يزكيها مرة أخرى، والشركات المساهمة في المملكة العربية السعودية ملزمة بدفع الزكوات إلى مصلحة الزكاة والدخل، وأما إذا كانت الشركة لا تخرج الزكاة فيلزمه أن يزكيه حصة من الوعاء الزكوي ) زكاة الأسهم هي محل خلاف بين العلماء المعاصرين وأرجح الأقوال هو هذا القول وهو التفريق بين المضارب أو المتاجر الذي يبيع ويشتري في الأسهم، وبين المستثمر الذي لا يتاجر فيها، وإنما اكتتب في هذه الشركة، وأبقى أسهمه من غير متاجرة، أو أنه اشتراها وتركها، أو أنه كان يضارب ثم خسر ثم تركها، فإن كان من القسم الأول ممن يضارب في الأسهم ويبيع ويشتري فيها فهنا يجب عليه أن يزكيها عند تمام الحول، وذلك بأن ينظر إلى محفظته عند تمام الحول، ويخرج ربع عشر قيمة ما في المحفظة عند تمام الحول، وأما إذا كان من القسم الثاني وهو المستثمر الذي لا يبيع ولا يشتري فيها وإنما أبقى هذه الأسهم عنده بغرض الاستفادة من ربحها، أو بغرض أن ترتفع فيما بعد فيبيعها، فهذه تكفي زكاة الشركة عنها، والشركات عندنا في المملكة العربية السعودية ملزمة بدفع الزكوات إلى مصلحة الزكاة والدخل، والزكوات الشركات تؤخذ من الشركات مباشرة وتوضع في حساب الضمان الاجتماعي مباشرة، كان في السابق تذهب وزارة المالية ثم بعد ذلك وزارة المالية تصرف الضمان لكن في السنوات الأخيرة عدل النظام فأصبحت تؤخذ من الشركات مباشرة، وتودع في حساب الضمان الاجتماعي، ولذلك لا يجوز أن يأخذ من الضمان الاجتماعي إلا من هو مستحق للزكاة، لأن معظم موارد الضمان الاجتماعي من زكوات الشركات، هذه هي كيفية الزكاة الشركة، أو الزكاة الأسهم، إذا كان الإنسان قد ساهم في شركة من خارج المملكة فهنا يسأل الشركة هل تزكي أو لا تزكي؟ فإذا كانت الشركة لا تزكي وهذا هو الغالب على الشركات هنا لابد أن يعرف الوعاء الزكوي، ويخرج ما يخصه إذا كان مستثمر وليس مضارب، أما إذا كان مضاربا لابد أن يزكي جميع ما عنده ، لكن إذا كان مستثمرا يسأل الشركة عن مقدار الوعاء الزكوي للسهم الواحد ثم يضرب ذلك في عدد أسهمه، وكل شركة لديها يعني محاسبون قانونين يستطيعون حساب الوعاء الزكوي بدقة، فيسأل الشركة يخبرونه بمقدار الوعاء الزكوي لكل سهم ويضربه في عدد الأسهم التي يمتلكها ويخرج زكاتها هذه هي طريقة زكاة الأسهم.

 

 

* * *

ونكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد.

 والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز - بحي الخزامى 1439/6/3