الخثلان
الخثلان
الإيمان بالقدر وثمراته
20 جمادى الأولى 1439 عدد الزيارات 212

الإيمان بالقدر وثمراته

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، وجرت الأمور على ما يشاء حكمة وتدبيرا، دبر عباده على ما تقتضيه حكمته، وكان لطيفا خبيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وكان على كل شيء قديرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا،  أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70، 71].

عباد الله، الحديث في هذه الخطبة عن ركن من أركان الإيمان، وعن أساس من أسس العقيدة، إنه الإيمان بالقدر.

جاء في الحديث الصحيح، عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في حديث جبريل المشهور، وفيه حينما سأل جبريل، سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الإيمان، فقال – عليه الصلاة والسلام - : «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره» رواه مسلم.

ويقول – عليه الصلاة والسلام - : «لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» رواه الترمذي.

والقضاء والقدر إن أفرد أحدهما عن الآخر فهما بمعنى واحد، وإن قرنا جميعا في السياق فالقدر هو تقدير الله في الأزل، والقضاء: حكم الله بالشيء وقضاؤه به عند وقوعه، فإذا قدر الله تعالى أن يكون الشيء المعين في وقته فهذا هو القدر، فإذا جاء الوقت الذي يكون فيه هذا الشيء فإنه يكون وهذا هو القضاء.

عباد الله، وللإيمان بالقضاء والقدر أربع مراتب:

مرتبة العلم، ومرتبة الكتابة، ومرتبة المشيئة، ومرتبة الخلق، ولا يتم إيمان العبد بالقدر حتى يؤمن بهذه الأربع.

أما مرتبة العلم فيؤمن بعلم الله تعالى المحيط بكل شيء، فإنه – سبحانه – بكل شيء عليم، عليم بالأمور كلها، دقيقها وجليلها، سرها وعلانها، فلا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء.

وأما المرتبة الثانية: وهي الكتابة، فيؤمن بأن الله قد كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة، قبل أن يخلق السماوات والأرض، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «إن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» رواه مسلم.

وأخرج أبو داود وغيره بسند صحيح، عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء، حتى تقوم الساعة» فجرى القلم بكتابة كل شيء إلى قيام الساعة، فما كتب على الإنسان لم يكن ليخطئه، وما لم يكتب عليه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام، وطويت الصحف.

أخرج الترمذي، وغيره بسند صحيح، عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: كنت رديف النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف» وفي رواية: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك».

قد قال الله تعالى في بيان هذه المرتبة ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ[الحج: 70] ويقول: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَاأي: من قبل أن نخلق المخلوقات ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .

فأخبر – سبحانه – بأن ما يجري من المصائب في الأرض، والأنفس بأنه قد قدره، وأنه قد كتب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، ثم بين الحكمة في هذا، فقال: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ[الحديد: 23] أي: لأجل أن تطمئن نفوسكم فلا تجزع، ولا تأسف عند المصائب، ولا تفرح عند حصول النعم فرحاً ينسيها العواقب، فرحاً مصحوبا بالبطر، تأمن به من مكر الله – عز وجل – بل الواجب الصبر عند الشدائد والضراء، والشكر عند الرخاء والسراء.

المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر: الإيمان بمشيئة الله تعالى، فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فمشيئة الله فوق كل مشيئة، وقدرته فوق كل قدرة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[التكوير: 29] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ .

والمرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر: مرتبة الخلق؛ وذلك بأن يؤمن العبد بانفراد الله – عز وجل – لإيجاد المخلوقات، فإن الله خالق كل شيء، ومدبره، وما في السماوات والأرض من صغير، ولا كبير، ولا حركة، ولا سكون إلا بمشيئة الله – عز وجل – وخلقه، قال سبحانه : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[الزمر: 62].

هذه هي مراتب الإيمان بالقدر العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، وتقدير الله – عز وجل – للأشياء على نوعين:

النوع الأول: التقدير العام الشامل لكل كائن، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ، فقد كتب الله مقادير كل شيء إلى قيام الساعة.

والنوع الثاني: تقدير مفصل لهذا التقدير العام، وهو على أنواع:

النوع الأول: التقدير العمري، وهو ما يجري على كل إنسان في مدة عمره في هذه الدنيا، فيكتب ذلك للإنسان وهو بطن أمه، كما قال – عليه الصلاة والسلام – : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم  مضغة مثل ذلك، ثم يأتي الملك ويؤمر بنفخ الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» متفق عليه.

والنوع الثاني: التقدير الحولي، وهو ما يقدر في ليلة القدر من وقائع العام، كما قال سبحانه : ﴿فِيهَا أي: في ليلة القدر ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أي: يفصل من اللوح المحفوظ إلى الصحف التي بأيدي الملائكة، كل أمر حكيم من أوامر الله المحكمة، المتقنة التي تقع في ذلك العام إلى ليلة القدر من العام الذي بعده ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ قال ابن عباس – رضي الله عنهما - : يفصل من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت، وحياة، ورزق، ومطر، حتى الحجاج يقال: يحج فلان، ويحج فلان.

والنوع الثالث: التقدير اليومي، وهو ما يقدر من حوادث اليوم، من حياة، وموت، وعز، وذل، وغير ذلك.. كما قال ربنا – سبحانه - : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ .

عباد الله، إن من أعظم ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر صحة إيمان العبد؛ لأنه بذلك يكون قد آمن بكل ما يجب الإيمان به، واستكمل أركان الإيمان.

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: طمأنينة القلب وارتياحه، وعدم القلق في هذه الحياة الدنيا، خصوصا عندما يتعرض الإنسان لمشاق الحياة، عندما يتعرض الإنسان للضغوطات في هذه الحياة، للمصائب، فإنه إذا كان مؤمنا بقضاء الله تعالى وقدره أورثه ذلك طمأنينة وراحة؛ لأن العبد إذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فإنه عند ذلك تسكن نفسه، ويطمئن باله، بخلاف من لا يؤمن بالقضاء والقدر عندما تقع المصيبة، أو عندما يفوته شيء، أو أن إيمانه بالقضاء والقدر ضعيف فإنه عندما يفوته شيء، أو تقع له مصيبة، يجزع، ويتسخط، ويقلق قلقا عظيما، وربما ضاق من حياته، بل ربما وصل الأمر ببعض الناس إلى أن يحاول الخلاص من حياته بالانتحار وقتل نفسه؛ وذلك بسبب ضعف إيمانه بالقضاء والقدر، وإلا فالمؤمن الذي يؤمن بقضاء الله وقدره لا يمكن أن يرد هذا التفكير في باله؛ لأنه مؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

فقد أخبر الله تعالى أن الذي يؤمن بالقضاء والقدر، ويثبت عند المصائب والنوازل أن الله تعالى يهدي قلبه، فتكون مصيبته خيرا له، وتكون عاقبتها حميدة، يقول ربنا – سبحانه - : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن: 11] قال علقمة في تفسيره قوله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُقال: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، فيرزقه الله تعالى هداية عظيمة لقلبه.

إن من أصابته مصيبة، فعلم أنها من عند الله، وأن الله قدرها، فاحتسب وصبر هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا يقينا صادقا، وهدى في نفسه، وقد يخلف الله تعالى ما كان أخذ منه، قد يخلف الله تعالى عليه خيرا منه.

والمطلوب من الإنسان أن يبذل الأسباب، وأن يفعل الأسباب، فإذا أخفق في الحصول على المطلوب بعد ذلك، أو أصابته مصيبة، فلا يجزع، ولا يتحسر، ولا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا بل يرد الأمر إلى قضاء الله وقدره، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» رواه مسلم.

ولهذا قال أهل العلم: إن القضاء والقدر يحتج به في المصائب، ولا يحتج به في المعائب، فإذا وقعت المصيبة فيحتج الإنسان بالقضاء والقدر ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل، وأن هذه المصيبة قد كتبها الله عليه ، ولابد أن تقع.

وأما في المعائب فلا يحتج بالقدر، فلا يحتج المقصر في الطاعات، أو الواقع في المحرمات بالقدر، ويقول: لو أن الله هداني لأطعت الله تعالى ، أو لما وقعت في المعصية، فالقدر يحتج به في المصائب، لا في المعائب.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

 عباد الله، إن من الناس من يقول: إذا كان القضاء والقدر قد سبق فلا فائدة من العمل حينئذ؛ لأن ما قضاء الله تعالى وقدره فلابد من وقوعه، فمن سبق في علم الله أنه من أهل السعادة فهو من أهل السعادة، ومن سبق في علم الله أنه من أهل الشقاوة فهو من أهل الشقاوة، وقد سبق إيراد مثل هذا التساؤل على النبي – صلى الله عليه وسلم – فأجاب عنه الجواب الشافي الكافي، ففي الصحيحين عن علي – رضي الله عنه – قال: «كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومعه مخصرة، فجعل ينكث بمخصرته ثم قال: ما منكم من أحد، وما من نفس منفوسه، إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، قال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فيصير إلى عمل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل الشقاوة، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ».

وفي صحيح مسلم، عن سراقة بن مالك – رضي الله عنه – أنه قال: قلت يا رسول الله، فيما العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «لا بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، قال: فقلت: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له».

قال ابن القيم – رحمه الله - : «فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجد والاجتهاد».

ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال: ما كنت أشد اجتهاد مني الآن، هذا يدل على جلالة فقه الصحابة، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – أخبر بالقدر السابق، وجريانه على الخليقة بالأسباب، والعبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أقدر عليه، ومكن منه، وهيئ له، فإذا أتى لسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب، وكلما زاد اجتهادا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – أرشد الأمة في القدر إلى أمرين:

الأول: الإيمان بالقدر وهو ركن من أركان الإيمان.

والثاني: الإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره، وتحجز عن شره.

عباد الله، إن من العجب أن من يحتج بالقدر على ترك الواجبات، أو على فعل المعاصي، لو اعتدى عليه شخص فضربه، أو أخذ ماله، وقال له: لا تلمني فإن اعتدائي عليك إنما كان بقضاء الله وقدره، لم يقبل حجته، فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه، ثم هو يحتج به لنفسه في اعتدائه على حق الله تعالى؟

ويروى عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه رفع إليه سارق، فأمر بقطع يده، فقال: مهلا يا أمير المؤمنين، فإنما سرقت بقدر الله، فقال عمر: «ونحن نقطع يدك بقدر الله».

عباد الله، إن قدر الله تعالى سر مكتوم لا يعلم به إلا بعد وقع المقدور، وإرادة العبد لما يفعله سابقة على فعله، فتكون إرادته للفعل غير مبنية على علم منه بقدر الله، وحينئذ تنتفي حجته بالقدر، إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه، وبكل حال فالقدر سر مكتوم، يسعنا فيه ما وسع صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - .

قال أهل العلم: ولا ينبغي التعمق في بحث تفاصيل القدر؛ لأن هذا ربما يوقع الإنسان في الانحراف، والضلال، كما حصل لبعض الفرق، فقد انحرف في القدر طائفتان: طائفة القدرية، وطائفة الجبرية؛ وذلك بسبب التعمق في مسائل القضاء والقدر؛ لأن العقل البشري المحدود إنما يستطيع فهم ومعرفة ما أطلع الله عليه البشر من ظاهر عالم المادة فحسب، وأما ما وراء عالم المادة فلا يستطيع العقل البشري المحدود تصوره على حقيقته، ولهذا لما سئل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الروح، عن روح الإنسان التي بين جنبيه ما حقيقتها؟ توقف النبي – صلى الله عليه وسلم – لما سئل هذا السؤال، فأنزل الله تعالى - : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[الإسراء: 85] أي: أن الروح من عالم آخر غير عالم المادة، فلا تعرفونه أنتم أيها البشر، ولهذا قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيوأنتم أيها البشر ما أوتيتم من العلم إلا علما قليلا متعلقا بعالم المادة فقط، فلا تستطيعون معرفة حقيقة الروح، وهكذا يقال في القضاء والقدر: لا يتعمق الإنسان فيه، ولا يدخل في تفاصيله فإنه لن يهتدي وربما ضل، وذلك مزلة أقدام، وإنما نؤمن بالقضاء والقدر على سبيل الإجمال والتسليم على ما ورد في النصوص الشرعية، وعلى ضوء فهم سلفنا الصالح، نؤمن بذلك كما آمن به الصحابة، ونفهم القضاء والقدر كما فهمه الصحابة فإنهم قدوتنا وأسوتنا، وهم خير القرون، فهم أفضل القرون، وهم الذين أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – أن نهتدي بهم، قال: «خيركم قرني ثم الذي يلونهم، ثم الذين يلونهم» فأخبر بأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كانت على ما أنا عليه وأصحابي».

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.[الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك، يا رب العالمين.  

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، اللهم اخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أبرم لأمة الإسلام أمرا رشدا، يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك والعمل بكتابك وسنة نبيك محمد – صلى الله عليه وسلم – وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة.

اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.  

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

 

* * *