الخثلان
الخثلان
بابي ( الشفعه و الوقف)
7 جمادى الأولى 1439 عدد الزيارات 952

شرح التسهيل 62

ننتقل بعد ذلك إلى درس الفقه، وكنا بشرح التسهيل وكنا قد وصلنا إلى باب الشفعة.

قال المؤلف – رحمه الله -: (بابُ الشُفْعَةِ) .

(وَهِيَ أنْ يستَحِقَّ انتزَاعَ حِصَّةِ شَريِكِهِ، مِمَّنِ اشْتَرَاهَا) الشفعة في اللغة: مأخوذة من الشفع، وهو الزوج؛ لأن الشفيع بالشفعة يضم المبيع إلى ملكه الذي كان منفردا.

 وقيل: إنها مشتقة من الزيادة؛ لأن الشفيع يزيد ملكه بأخذه العين المشفوع فيها.

 وقيل: مأخوذة من الشفاعة؛ لأنهم في الجاهلية كانوا إذا أراد أن يبيع أحدهم داره، أتاه جاره وشريكه يشفع إليه لأنه أولى.

وأما معناها اصطلاحا المؤلف عرفها بأنها (وَهِيَ أنْ يستَحِقَّ انتزَاعَ حِصَّةِ شَريِكِهِ، مِمَّنِ اشْتَرَاهَا) وهناك تعريف أجمع من هذا، وأشمل، استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه، ممن انتقلت إليه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد.

نوضح الشفعة بمثال بسيط: لنفترض أنك اشتريت أرضا أنت وصديق لك اسمه محمد مثلا، ولك نصف هذه الأرض، وله نصفها، ثم تفاجأة بأن محمدا قد باع نصيبه على زيد، باع نصيبه الذي يملكه على زيد، معنى ذلك: أنه سيدخل معك شريك جديد، وهو زيد، وأنت قد ترضى بأن يكون محمد شريك لك، ولا ترضى بشراكة زيد، محمد تعرفه، وصديق لك، وترتاح إليه، لكنك لا تعرف زيدا، ولا ترتاح لأن يكون شريكا لك، هنا أجازت الشريعة لك أن تنتزع هذا النصف الذي باعه شريكك على زيد أن تنتزعه من زيد، وتقول لزيد: كم اشتريت هذا الشقص، قال اشتريته مئة ألف، تقول: خذ مئة ألف، وتكون الأرض كلها لي، تنتزعه منه انتزاعا قهرا بغير اختياره، ليس له اختيار في هذا، بثمنه الذي استقر عليه العقد، وهذا معنى قولنا: استحقاق الشريك انتزاع ، استحقاق الشريك الذي هو أنت، انتزاع حصة شريكه، يعني النصف الآخر من الأرض، ممن انتقلت إليه يعني من المشتري، بثمنه الذي استقر عليه العقد يعني نقول: كم اشتريت هذه الأرض من شريكي؟ قال: اشتريتها مئة ألف، نقول: خذ مئة ألف، أو ننتزعها منك مئة ألف، إن رضي وإلا تنتزع عن طريق الحكام انتزاعا، هذا معنى الشفعة .

والحكمة فيها ظاهرة وهي: دفع ضرر الشركة؛ لأن الإنسان قد يرضى بشراكة إنسان، ولا يرضى بشراكة غيره.

هل شريكك ضرر بالشفعة؟

ما عليه ضرر.

هل على المشتري الذي اشترى هذا الشقص هل عليه ضرر؟

كذلك ما عليه ضرر، هو دفع مئة ألف، وأعيدت له المائة ألف، ما عليه ضرر.

وأيضا أنا ليس علي ضرر، فالجميع إذاً ليس عليه ضرر بالشفعة، بل فيها مصالح، وقد كانت موجودة في الجاهلية، وأقرها الإسلام، إذاً هذا هو معنى الشفعة، قلنا إنها كانت معروفة عند العرب في الجاهلية، وأقرتها الشريعة الإسلامية، وقد أجمع أهل العلم على إثباتها.

ثم قال المؤلف – رحمه الله - : (بِشَرْطِ كَونِهَا شِقْصاً مُشَاعَاً، مِنْ عَقَارٍ) انتقل المؤلف للكلام عن شروط صحة الشفعة وثبوتها.

 الشرط الأول مما يشترط لثبوت الشفعة قال: (كَونِهَا شِقْصاً مُشَاعَاً، مِنْ عَقَارٍ، أو ما يتَّصِلُ بهِ) أن تكون حصة الشريك شقصا، مشاعا، من عقار.

 ومعنى شقصا: يعني القطعة، والطائفة.

 مشاعا: المشاع هو الشيء المشترك غير المقسوم، كأن يملك الإنسان نصف هذه الأرض، أو ربع هذه الأرض، أو ثلثها، فالثلث، والنصف، والربع هذه يقال: مشاع، يعني يملكها على سبيل الشيوع غير المقسوم، وخرج بذلك المقسوم، فالمقسوم لا شفعة فيه، خرج بقوله: مشاعا، خرج به المقسوم، فالمقسوم لا شفعة فيه.

 ولذلك جارك هل تذهب الشفعة، لو باع جارك بيته؟

لا تثبت الشفعة، وهذا يقودنا إلى شفعة الجوار.

 فعلى المذهب عند الحنابلة على أن شفعة الجوار لا تثبت؛ وذلك لعدم الشيوع؛ لأنه ليس هناك شيء مشترك مشاع بينك وبين جارك.

والقول الثاني في المسألة: أنها تثبت إذا كان بين المتجاورين باشتراك في حق، إذا كان بينهما اشتراك في حق من الحقوق كجدار، أو طريق، ونحو ذلك .. فإنها تثبت، وهذا هو القول الراجح.

إذاً القول الراجح في شفعة الجوار أنها تثبت إذا كان بين المتجاورين اشتراك في حق من الحقوق كاشتراك في جدار، أو اشتراك في واد مثلا، في مسيل، أو اشتراك في بئر، أو اشتراك في طريق، ونحو ذلك .. قد اختار هذا القول ابن تيمية، وابن القيم، وجمع من المحققين من أهل العلم، ويدل لهذا قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «الجار أحق بسقبه» أخرجه البخاري في صحيحه، والسقب، ويقال: الصقب، معناه: القرب والملاصقة.

وجاء في حديث سمرة: «جار الدار أحق بالدار» فإذا إذا كان بين المتجاورين حق مشترك فتثبت شفعة الجوار.

من يمثل لنا بالنسبة للبيوت، حق مشترك بين بيتين؟

مثل : ما يسمى بيوت بالدبلكس هذه كل جدار مشترك، فإذا باع أحدهما نصيبه ثبتت الشفعة لجاره، هذا تثبت فيه الشفعة.

إذا كان عداد الكهرباء مشتركا هل تثبت الشفعة؟ هل اشتراك في حق أو ليس باشتراك؟

إذا كانت الفاتورة واحدة فهو اشتراك، أما لو أمكن الفصل ليس اشتراك.

إذا كان بينهما طريق مشترك، اشتراك.

إذا كان بينهما مسيل وادي فهو اشتراك.

المقصود أنه إذا كان بينهما اشتراك في حق فتثبت الشفعة، إذا كان ليس بينهما أي اشتراك إلا مجرد الجوار فهنا لا تثبت الشفعة؛ لعدم الضرر، ليس هناك ضرر بينك وبين جارك، الآن فيما لو باعك جارك عقاره، لا يلحقك ضرر، ما بينك وبينه أصلا أي اشتراك، الضرر إنما يلحق مع وجود الاشتراك، هذا هو القول الراجح في شفعة الجوار.

وأيضا خرج بقول المؤلف بالمشاع خرج به أيضا بقوله: (شِقْصاً مُشَاعَاً، مِنْ عَقَارٍ) خرج بقوله: من عقار، غير العقار وهو المنقول، فهل تثبت الشفعة في المنقول مثل مثلا: لو كان سيارة مشتركة، أو محل مثلا بينهما؟

 يعني مثلا اثنان مشتركان في محل جوالات، أو محل بيع ملابس ، أو محل خضار، ثم تفاجأ أحدهما بأن صاحبه باع نصيبه لزيد من الناس، فسيدخل عليه الآن شريك جديد، وهو زيد من الناس فهل تثبت الشفعة هنا؟

فيقول لزيد كم باع شريكي عليك حقه؟ قال: باع مئة ألف، قال: خذ مئة ألف والمحل كله لي؟

هذا محل خلاف بين العلماء:

فالمذهب عند الحنابلة أنه لا تثبت الشفعة في المنقولات، وإنما الشفعة تثبت في العقار ونحوه.. فقط، وأما المنقولات فلا تثبت الشفعة فيها.

والقول الثاني في المسألة : أن الشفعة تثبت في المنقولات، وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد، وقد اختاره ابن تيمية، وابن القيم، وجمع من المحققين من أهل العلم، وهو القول الراجح، لعموم قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «الشفعة فيما لم يقسم» ولأن الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر، والضرر في المنقول مثل الضرر في العقار أو أشد.

 إذاً الصواب: هو ثبوت الشفعة في المنقولات، وعلى هذا ففي مثالنا السابق، اثنان مشتركان في محل، وأحدهما باع نصيبه، له أن يشفع ، ويعطي المشتري المبلغ الذي اشترى نصيب شريكه به، ويكون المحل كله له، فينتزع حصة شريكه بالشفعة.

وكما لو اشتركا في السيارة، ثم إن أحدهما باع نصيبه من السيارة، فتثبت الشفعة في ذلك على القول الراجح، أو اشتركا في حيوان، أو اشتركا في أي منقول من المنقولات .. فإذاً القول الراجح أن الشفعة تثبت في المنقولات.

الشفعة فيما لا يقسم كالعقار الصغير، اختلف العلماء في ذلك، والمذهب أن الشفعة لا تثبت أيضا لا تثبت فيما لا يقسم، هذا هو المذهب عند الحنابلة، والقول الراجح أنها تثبت؛ لأنه يلحق الإنسان الضرر ، بل ربما يكون الضرر فيما لم يقسم أشد من الضرر في ما يقسم.

 وعلى هذا فالقول الراجح هو ثبوت الشفعة في هذه الأمور كلها في المنقولات تثبت الشفعة مطلقا، وفيما لم يقسم ثبت الشفعة مطلقا، وفي الجوار تثبت إذا كان بينهما اشتراك في حق من الحقوق، هذا هو القول الراجح في هذه المسائل وهو الذي اختاره جمع من المحققين من أهل العلم.

نعود لعبارة المؤلف – رحمه الله – قال: (تُمْكِنُ قسْمَتُهُ) وهذا هو الشرط الثاني من شروط ثبوت الشفعة، وهو أن تكون الشفعة في شيء تمكن قسمته، كأرض كبيرة، ودار واسعة، ونحو ذلك .. للحديث السابق : قضى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : «بالشفعة في كل ما لم يقسم» فهو يشعر باختصاص الشفعة بما يقسم.

 وعلى هذا ترد المسألة السابقة إذا كان هل تثبت الشفعة فيما لا يقسم كدكان صغير، وعقار صغير، وبئر صغيرة، وبئر، ونحو ذلك ..؟

وقلنا إن المسألة فيها قولان، وأن القول الراجح هو ثبوت الشفعة فيما لم يقسم.

قال: (انتَقَلَ بِعِوَضٍ) وهذا هو الشرط الثالث أي: أن يكون الشقص انتقل بعوض مالي، وهذا هو الشرط الثالث من شروط ثبوت الشفعة بعوض يعني كالبيع مثلا، وما كان في معنى البيع، أما إذا انتقل نصيب الشريك بغير عوض فلا تثبت الشفعة، انتقال نصيب الشريك بغير عوض مثل ماذا؟

مثل: الإرث، مات شريكه، إنسان له عقار مع صاحب له، ثم صاحبه مات، فانتقل نصيب صاحبه إلى ورثته، دخل معه شركاء جدد وهم الورثة، فهل تثبت الشفعة ؟

لا تثبت؛ لأن نصيب شريكه انتقل لغيره لكن بغير عوض مالي، وإنما بطريق الإرث.

كذلك أيضا الهبة، لو أن شريكه وهب نصيبه، فلا تثبت الشفعة بشرط: ألا يكون ذلك حيلة لإسقاط الشفعة؛ لأن بعض الناس إذا أراد إسقاط الشفعة قال: أنا وهبت نصيبي لفلان، ومن الباطل يأخذ الثمن، والحقيقة قد باعه، لكن حتى يسقط الشفعة يتحايل يقول: أنا وهبته، وهذا لا يجوز، هذا من التحايل لإسقاط الشفعة.

 فإذاً إذا انتقل نصيب الشريك بغير عوض كأنك يكون بإرث، أو بهبة، لا تثبت الشفعة بشرط: ألا يكون ذلك حيلة، إذاً هذا هو الشرط الثالث قال: (انتَقَلَ بِعِوَضٍ، يأْخُذُهُ كُلَّهُ) .

(يأْخُذُهُ كُلَّهُ) هذا هو الشرط الرابع من شروط ثبوت الشفعة، وهو أن يأخذه كله، يعني أن يأخذ الشفيع كل الشقص المبيع، لا بعضه، لابد أن يأخذ جميع المبيع لا بعضه؛ لأن في أخذ بعضه إضرارا بالمشتري، بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر.

نوضح هذا بمثال: لو رجعنا لمثالنا السابق، هذا رجل مشترك مع صاحب له في أرض، لكل منهما نصفها، ثم إن صاحبه باع نصيبه، فقال صاحبه هذا قال: أريد أن أشفع في ربع الأرض، أنت بعت النصف، ما أريد النصف كله، أريد أن أشفع في ربع الأرض، فأنت أيها المشتري كم شريت نصف الأرض؟ قال: اشتريتها بمائة ألف، قال: أنا أريد ربعها فقط؟ نقول: خمس وعشرين ألف، نقول: ليس لك ذلك، إما أن تأخذ الشقص كاملا، أو تتركه؛ لأن في أخذه جزء من الشقص فيه إضرار بالمشتري، إذ أخذ الربع ربما المشتري لا يرضى بذلك، لأجل تبعيض الصفقة قد يكون فيه ضرر كبير، فلذلك قال أهل العلم: أن هنا لابد أن يأخذ الشفيع جميع المبيع لا بعضه، فهذا هو الشرط الرابع الذي أشار إليه المؤلف بقوله: (يأْخُذُهُ كُلَّهُ) .

قال: (بمثْلِ ثَمَنِهِ إنْ كَانَ ذَا مِثْلٍ) إذا ذكرنا أربعة شروط، وهناك شرط خامس لم يذكره المؤلف هنا وهو (أن يكون للشفيع ملك سابق) لأن الشفعة إنما تثبت للشريك لدفع الضرر عنه، فإذا لم يكن له ملك سابق، فلا ضرر عليه، كأن يشتري اثنان أرضا في وقت واحد، فليس لأحدهما الشفعة على صاحبه، بل لابد أن يكون للشفيع ملك سابق حتى يشفع، هذا هو الشرط الخامس.

الشرط السادس : ذكره المؤلف لكن ذكره متأخرا، فنحتاج إلى أن نقدمه هنا للكلام، حتى يكون الكلام عن الشروط متسقا، وهو المطالبة بها على الفور، هذا الشرط أشار إليه المؤلف بعد ذلك يعني بقليل قال: (وإنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الثَّمَنِ بَطَلَتْ، كَمَا لو تَأخَّرَ عَنِ الطَّلَبِ لغيرِ عَجْزٍ) يعني الشرط السادس إذاً (المطالبة بها على الفور ساعة علمه بالبيع، فإن تأخر بطلت، وإن عجز) حتى وإن كان تأخره بسبب العجز عن الثمن بطلت.

قال: (كَمَا لو تَأخَّرَ عَنِ الطَّلَبِ لغيرِ عَجْزٍ) يعني كما تطلب الشفعة لو تأخر عن طلبها لغير عجز، (كَغَيبَةٍ، أَو حَبْسٍ، أَو مَرَضٍ، وَأَشْهدَ بهِ، أو صِغَرٍ فَحَتَّى يَكْبُرَ) هذه المسألة أولا: في الأصل، هل هذا الشرط صحيح أو غير صحيح، المطالبة بالشفعة ساعة العلم بها؟

المذهب عند الحنابلة، وهو القول الذي قرره المؤلف أن هذا شرط من شروط ثبوت الشفعة، قالوا: فإذا لم يطالب الشريك بالشفعة ساعة العلم بها بطل حقه في الشفعة، واستدلوا لذلك، وأيضا هذا هو مذهب الحنفية، وأيضا قول الشافعية في الجديد، وهو قول الجمهور، واستدلوا لذلك ما يروى أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «الشفعة كحل العقال» وفي رواية: «الشفعة لمن واثبها».

والقول الثاني في المسألة: أن حق الشفعة على التراخي كغيره من الحقوق، وأنها لا تسقط إلا إذا وجد ما يدل على رضا الشفيع بإسقاطها، وهذا هو القول الراجح، إذ أن الشفعة حق من الحقوق، والحقوق لا تسقط إلا بما يدل على رضا الإنسان بإسقاطها، وأي فرق بين حق الشفعة، وبين سائر الحقوق.

وأما الحديث الذي استدل به الجمهور فإنه لو كان صحيحا لكان حجة، لكنه حديث ضعيف، لا يثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أخرجه ابن ماجه وهو حديث ضعيف، بل قال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف جدا، وقال ابن حبان: لا أصل له، وقال البيهقي: ليس بثابت.

وعلى هذا فالقول الراجح أن الشفعة على التراخي، وأن هذا الشرط لا يشترط أن يطالب بها ساعة العلم، وأن حقه في الشفعة ثابت إلا إذا وجد ما يدل على رضاه بإسقاط هذا الحق.

وعلى هذا فما ذكره المؤلف من قول: إن عجز عن بعض الثمن بطلت، نقول: إذا لم يكن تأخر إضرارا بالشريك فإنها لا تبطل إلا إذا كان في التأخر إضرارا بالشريك فإنها تبطل في هذه الحال.

وقوله: (كَمَا لو تَأخَّرَ عَنِ الطَّلَبِ لغيرِ عَجْزٍ) بطلت وقلنا الراجح: أنها لا تبطل (كَغَيبَةٍ، أَو حَبْسٍ، أَو مَرَضٍ، وَأَشْهدَ بهِ، أو صِغَرٍ فَحَتَّى يَكْبُرَ) والقول الراجح أن في هذه المسائل كلها أنها لا تبطل، (أو صِغَرٍ فَحَتَّى يَكْبُرَ) أيضا لا تبطل في هذه المسائل وفي غيرها، إذ أن اشتراط المطالبة ساعة العلم بها لا دليل عليه، وإنما حق الشفعة حق للشفيع كغيره من الحقوق لا يسقط إلا إذا وجد ما يدل على رضاه بإسقاطه، وعلى هذا تكون الشروط ثبوت الشفعة ستة شروط، وعلى القول الراجح إذا أسقطنا الشرط الأخير فتكون خمسة شروط.

ثم ذكر المؤلف تفريعات لمسائل الشفعة قال: (بمثْلِ ثَمَنِهِ إنْ كَانَ ذَا مِثْلٍ، وإلاَّ بقيمتِهِ) فإن الشفيع يأخذ الشقص بالثمن الذي استقر عليه العقد، إن كان ذا مثل، أو بقيمته، وسبق في الدرس السابق فالمغصوب أن بينا المثيل عند الحنابلة، المثلي عند الحنابلة وغير المثلي ماذا قلنا على المذهب عند الحنابلة، ثم ذكرنا القول الراجح؟

على المذهب أنه مكيول موزون

القول الراجح كل ما كان له مثل أو شبيه.

فالمؤلف يقرر ما قرره سابقا، في المثلي يقول: (بمثْلِ ثَمَنِهِ إنْ كَانَ ذَا مِثْلٍ، وإلاَّ بقيمتِهِ) على ذلك إذا كان البيع بالدراهم بالريالات، أو بأي عملة من العملات فيعتبر هذا مثليا، فيكون بمثل الثمن، نقول: كم بعته؟ قال: بعته بخمسين ألفا، أعطه خمسين ألف، مائة ألف، أعطه مائة ألف، سبعين ألف أعطه سبعين ألف، لكن افتراض المؤلف لو بيع بغير الدراهم بيع بحيوان، بيع مثلا: ببر، بيع بشعير، فهنا تأتي هذه المسألة يقول: بمثله إن كان له مثل، وإلا بقيمته.

قال: (وإِنِ اختَلَفَا في قَدْرِهِ ولا بيِّنةَ فَقَولُ المُشْترِي) يعني إذا اختلف الشفيع والمشتري في قدر ثمن الشقص فإن كان هناك بينة فالقول قول صاحب البينة، وإن لم يكن هناك بينة فأيهما يرجح قوله، هل يرجح قول المشتري، أو يرجح قول الشفيع؟

يقول المؤلف: إنه يرجح قول المشتري؛ وذلك لأن الملك للمشتري، وقد اشترى، فلا ينزع من يده بقول المدعي، ولأن المشتري هو العاقد، فهو أعرف بالثمن من الشفيع.

قال: (ومَتى أخَذَهُ وفيهِ غَرْسٌ أَو بناءٌ للمُشْتَرِي أعْطَاهُ قِيمَتَهُ) يعني متى أخذ الشفيع الشقص وانتزعه من المشتري وهذا الشقص فيه غرس، أو بناء فإن الشفيع يعطي المشتري قيمة هذا الغرس، أو البناء دفعا للضرر (إلاَّ أنْ يَشاءَ المُشْتَري قَلعَهُ مِنْ غَيرِ ضَرَرٍ) إلا إذا قال المشتري: أقلع هذا الغرس، وليس هناك ضرر على الشفيع، فلا بأس بهذا، أما إذا كان هناك ضرر يلحق بالأرض ليس له ذلك، ويعطيه الشفيع قيمته.

قال: (وإنْ كَانَ فِيهِ زَرْعٌ أو ثَمَرَةٌ ظَاهِرَةٌ فَهِيَ للمُشْتَرِي، مُبَقَّاةً إلى حَصَادِهِ) يعني إن كان الشقص فيه زرع، أو فيه ثمرة ظاهرة كنخل مثلا مؤبر، فهي للمشتري؛ لأنها ملكه، مبقاة إلى حصاده يعني يبقى الزرع، والثمر إلى الجذاذ، ولكن للشفيع أجرة على بقاء هذا الزرع والثمر إلى الجذاذ؟

ظاهر كلام المؤلف أنه ليس له أجرة.

والقول الثاني: أن للشفيع أجرة في هذه الحال، وهذا هو القول الراجح أن للشفيع أجرة؛ لأن الشفيع الآن يملك هذه الأرض بانتزاعه لها، وهو يملك عينها، ومنفعتها، وكون المشتري يريد بقاء الزرع والثمر إلى حين الحصاد فيبقيه بأجرته، وعلى هذا فالقول الراجح أن الشفيع له أجرة هذا الزرع، وهذا الثمر.

قال: (وَلَو تَعَدَّدُوا فَعَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ) يعني لو تعدد الشركاء فالشفعة على قدر حقوقهم في هذا الشقص، كما لو كانت مثلا: أرض بين ثلاثة أشخاص، لأحدهم النصف، وللثاني الثلث، وللثالث السدس، فالذي له النصف باع نصيبه، فأراد أن يشفع الثاني، والثالث فكل منهما يشفع بقدر حقه، فالذي له الثلث يشفع في ثلث النصف، والذي له السدس يشفع في سدس النصف، فكل بقدر سهمه، هذا معنى كلام المؤلف – رحمه الله - .

قال: (فإنْ تَركَهَا أحَدُهُمْ لم يَكُنْ لِلآخَرِينَ إلاَّ أَخْذُ الكلِّ أو التَّركُ) يعني في مثالنا السابق لو قال: صاحب الثلث أنا سأشفع، وصاحب السدس قال: لا أنا ما أريد أن أشفع، صاحب الثلث قال: أنا أريد أن أشفع في نصيبي، في الثلث فقط، وصاحب السدس رفض، فنقول: إما أن تأخذ الكل أو تترك؛ وذلك لأن أخذه للبعض فيه إضرار بالمشتري، وهذا قد حكاه ابن المنذر إجماعا، فنقول: إما أن تأخذ الكل أو تترك، صحيح أنك لا تملك إلا الثلث، أو لا تملك إلا السدس ولكن أخذك لجزء من الشقص المباع فيه تفريق للصفقة على المشتري، وتفريق للصفقة فيه إضرار به، والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: «لا ضرر ولا ضرار».

ثم قال: (وإنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الثَّمَنِ) وهذا تكلمنا عنه قبل قليل.

ثم قال المؤلف: (ولا تَجِبُ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) يعني لا تجب الشفعة لكافر على مسلم، إذا باع الشريك الكافر باع شقصا على مسلم، فهل لهذا الكافر حق الشفعة، فينتزع الشقص من المسلم، هل الكافر كالمسلم في الشفعة، فيشفع، أو نقول: ليس له حق الشفعة؟

المؤلف يقول: إن الكافر لا يثبت له حق الشفعة، لقول الله – عز وجل - : ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا قالوا: لأن الشفعة فيها انتزاع للحق، ففيها نوع من التسليط للكافر على المسلم.

والقول الثاني: أن الكافر ما دام أنه معصوم الدم والمال فهو كالمسلم، يثبت له حق الشفعة، لعموم الأدلة.

والخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، ولم يظهر لي رجحان أحد القولين؛ لأن القول بأنه ليس له حق، قول قوي؛ لأنها فيها انتزاعه للحق، فكون هذا الكافر ينتزع الحق من المسلم يسلط عليه يعني هذا فيه إشكال، ولذلك استشكله ابن القيم وجماعه وناصروا القول بأن الكافر ليس له حق الشفعة.

لكن أيضا قول الجمهور بعموم الأدلة، وأن هذا الكافر معصوم الدم، ومعصوم المال، فتكفل له الحقوق كما للمسلم أيضا له وجهاته، فالخلاف في هذه المسألة خلاف قوي.

قال: (إنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَبَايَعَهُ ثلاثةٌ أو أكْثَرُ فَلَهُ مُطالَبَةُ مَنْ شَاءَ) يعني إن تصرف شريكه، ولم يعلم حتى تبايعا ثلاثة، وأكثر، فشريكه باع على زيد، وزيد على محمد، ومحمد باع على خالد، ثم لما وصل إلى خالد علم صاحبه بأن الشريك قد باع، فيقول المؤلف: له لهذا الشريك مطالبة من شاء، إن شاء انتزعها من الثالث، والثالث يرجع على الثاني، والثاني يرجع على الأول، وإن شاء انتزعها من الأول، انتزعها بمثل الثمن الذي باعها به الأول، وإن شاء انتزعها من الثاني، فله مطالبة من شاء من هؤلاء الثلاثة، لكن إن انتزعها من الأول انفسخ عقد الثاني والثالث، وإن انتزعها من الثاني انفسخ عقد الثالث، وإن انتزعها من الثالث لم ينفسخ العقد، إنما فقط ينتزعها من الثالث، لم ينفسخ العقد الأول ولا الثاني وإنما ينتزعها من الثالث، فله المطالبة أيضا مطالبة من شاء من هؤلاء الذين تبايعوا حق شريكهم.

قال: (وَلَو بَاعَ شِقْصاً وسَيفاً أخَذَهُ بِحِصَّتِهِ) يعني لو باع شقصا، وشيئا منقولا، أخذ الشقص بحصته، فينظر كم قيمة هذا الشقص؟ فإذا قالوا: قيمته مثلا: خمسون ألفا، والسيف قيمته ألف، إذاً يأخذ الشقص بخمسين ألفا، وهذا ظاهر، إذا كان هناك شقص، وشيء آخر فتكون الشفعة في هذا الشقص بحصته من هذه الصفقة.

هذه أبرز الأحكام المتعلقة بالشفعة، ودنا أن نأخذ ما تيسر من باب الوقف.

قال المؤلف – رحمه الله - : (بابُ الوقفِ) .

الوقف معناه في اللغة: الحبس عن التصرف، ولذلك من مراده فات، الوقف الحبس، والأحباس، فتسمى الأوقاف الأحباس، وفي بعض بلدان العالم الإسلامي مثل: بلدان المغرب العربي يسمون الأوقاف أحباس.

قال ابن الأثير أبو السعدات في النهاية: قال: يقال: أوقفت شيئا أقفه وقفا، ولا يقال: أوقفت إلا على اللغة الرديئة.

 وقيل: إن أوقفت لغة بني تميم.

 لكن وقفت أفصح من أوقفت، ولذلك الأحسن أن تقول: وقفت هذا الشيء، وقفتي بيتي، وقفت عقاري، وقفت سيارتي، وقفت .. وليس أوقفت، وقفت أفصح من أوقفت.

ومعنى الوقف اصطلاحا: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة .

والمراد بالأصل: ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالعقارات، والبساتين، ونحو ذلك .. والمنفعة يعني: الغلة الناتجة عن ذلك الأصل، كالثمرة، والأجرة، ونحوها..

من أبرز أمثلة الأوقاف: المساجد، بل المساجد من أعظم الأوقاف، «ومن بنى لله مسجدا بنى الله له به بيتا في الجنة» وهذا من الأحاديث المتواترة، مما تواتر حديث من كذب، ومن بنى واحتسب، والمسجد بمجرد بناءه والإذن للناس بالصلاة فيه يعتبر وقفا بالفعل، ولو لم يصرح من بنى المسجد بأنه وقف.

وأبرز الفروق بين المسجد والمصلى: أن أرض المسجد موقفة، وأرض المصلى مملوكة.

إذا أبرز أمثلة الوقف: المساجد، ويمكن يكون الوقف مثلا: في العقارات، يكون في البساتين، في المزارع، في كل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء أصله.

والوقف هو أفضل ما تصرف فيه الأموال، ويدل لذلك حديث عمر – رضي الله عنه – قال: «أصبت مالا هو أنفس مال أصبته في حياتي، فأتيت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – لأستشيره، فقال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها» يعني أشار عليه بالوقف، الحديث في الصحيحين.

قال أهل العلم: المستشار مؤتمن، لو كان هناك شيء أفضل من الوقف لأشار به النبي – صلى الله عليه وسلم – على عمر، فعمر قال: هذا أفضل مال أصابه في حياته، استشار فيه النبي – عليه الصلاة والسلام – فأشار عليه بالوقف، لو كان هناك شيء أفضل من الوقف لأرشده النبي – صلى الله عليه وسلم – إليه، ولذلك يقول جابر: «لم يكن أحد من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – ذو مقدرة إلا وقف» الصحابة تسابقوا إلى الوقف.

وأخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأنه ممن يبقى للإنسان بعد مماته «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية» والصدقة الجارية هي الوقف.

إذا تأملنا واقع الأمة الإسلامية على مر العصور الماضية نجد أن سر نهضة الحضارة الإسلامية، وازدهارها هو الوقف، لأنه لو كانت الدولة الإسلامية قديما حتى إلى القرن الرابع عشر، كانت مهمتها فقط: حفظ الأمن الداخلي، والخارجي، والتقاضي بين الناس، لإقامة العدل، أما الخدمات لم تكن هذه مهمة الدولة، التعليم، والصحة، بناء الجسور، تعبيد الطرق، كل هذه كانت تعتمد اعتمادا كاملا على الأوقاف، ولذلك كان المسلمين حضارة عظيمة جدا، وتفنن المسلمون في الأوقاف حتى وجدت أوقاف لغسيل ثياب طلاب العلم، ووجدت أوقاف على أمور يتعجب الإنسان من جعل الأوقاف فيها، لأن الناس تفننوا.

وأيضا: ازدهرت الحضارة الإسلامية ازدهارا عظيما، نجد بعض العلماء عندهم مؤلفات ضخمة جدا، لولا أن معيشتهم مكفية، ما استطاعوا أن يألفوا هذه المؤلفات الضخمة، خذ مثلا: ابن قدامه، ابن قدامه المغني مثلا، هذه موسوعة ثقيلة، ضخمة جدا، كم مجلد، وليس فقط المغني، الكافي، والمقنع، والعمدة، وروضة الناظر، والنووي كم عنده من مؤلفات، السيوطي، ابن الجوزي، ابن تيمية، يعني هؤلاء العلماء عندهم هذه المؤلفات، وهذا النتاج العلمي الضخم لولا أنهم قد كفوا المعيشة ما استطاعوا أن يؤلفوا هذه المؤلفات الضخمة.

من أين يكفوا المعيشة؟ من الأوقاف، كان العالم يبقى في المسجد مع طلابه، ويكفا المعيشة، هو وطلابه، يبقون في المسجد فقط للعلم، نقل عالم الدروس على طلابه ويتعلمون، وأما أمور معيشة فكفوا عن طريق الأوقاف.

 ولذلك لما أراد الغرب استعمار بلدان العالم الإسلامي أرسلوا مستشرقين، فدرسوا أحوال بلدان العالم الإسلامي، فوجدوا أن سر نهضة الحضارة الإسلامية هي الأوقاف.

عطلت الأوقاف في كثير من بلدان العالم الإسلامي في الشام، وفي مصر، ألغي الوقف الأهلي، وألغي الوقف الذري الأهلي، وصدرت قوانين بإلغائه في كثير من بلدان العالم الإسلامي، فضعف الوقف، وإلا لو فعل الوقف لكان له أثر كبير في ازدهار الحضارة لدى المسلمين، بل إن تفعيل الوقف سيخفف الأعباء على الدولة؛ لأنه سيقوم بكثير من الخدمات، التي تقوم بها الدولة الآن، كثير من الخدمات سواء مجال الصحة، أو مجال التعليم، أو مجال يعني المجالات الخدمية التي الآن ترهق بها الدول ممكن أن تقوم بها الأوقاف، تقوم بها الأوقاف ويكون فيها نفع عظيم للمسلمين.

إذاً قلنا الوقف كما ذكرنا هو من أفضل القربات، المسلمون على مدار القرون الماضية نحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري، المسلمون يتسابقون إلى الأوقاف، ويحرصون عليها الحرص العظيم، من زمن الصحابة، إلى وقتنا هذا، أين أوقاف المسلمين؟

أكثرها ضاع، لماذ ا ضاعت، ما سبب ضياع أكثر أوقاف المسلمين؟

أن النظار أساءوا في القيام بالنظارة، لأنه حصل تعدي، ولذلك الأحسن لمن يضع وقف أنه يرتب النظارة، وأن يعطي الناظر أجرة، يعطي الناظر أجرة على نظارته، لا يكون محتسب، يقول: له خمس بالمائة، له عشرة بالمائة، حتى يتشجع، لكن إذا كانت النظارة غير مرتبة، فإنها يضيع الوقف، ربما النظار الأول يقوم بها، ثم من بعده يستولي على الوقف ويضيع الوقف، فضاعت كثير من أوقاف المسلمين بسبب عدم ترتيب النظارة، وهذا هو أبرز الأسباب، وإن كان هناك أسباب أخرى، لكن عدم ترتيب النظارة هذا هو من أبرز الأسباب.

نعود لعبارة المؤلف – رحمه الله – قال: (إنَّما يَجُوزُ فِي عَينٍ يَجُوزُ بَيعُهَا)  ذكر المؤلف شروط صحة الوقف:

الشرط الأول: أن يكون في عين يجوز بعينها، فإن كانت مما لا يجوز بيعه فلا يصح وقفه، كأن يكون في العقار، أو يكون مثلا: في الكتب، أو في الحيوان، أو في غير ذلك.. ولكن قوله : في عين، يخرج به المنفعة، فعلى كلام المؤلف أنه لا يصح وقف المنفعة، يعني إذا كان شيء ينتفع به، وقال: أريد أن أوقف منفعته، الجمهور على أنه لا يصح وقفه، كأن يكون مثلا: سيارة يقول: هذه أوقفها لمن ينتفع بها، لكنها أصلها ملك لي، فالجمهور على أنه لا يصح الوقف، ملك يذهب لصحة وقف المنفعة، ذهبوا إلى صحة وقف المنفعة.

قال: (يَجُوزُ بَيعُهَا) هنا قوله: (يَجُوزُ بَيعُهَا) خرج به ما لا يجوز بيعه كالكلب، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصح وقف الكلب المعلم إذا كان كلب معلم يصح وقفه، ما دامت منفعته مباحة، واختار هذا ابن تيمية وجمع من المحققين من أهل العلم، قال: (فِي عَينٍ يَجُوزُ بَيعُهَا). 

الشرط الثاني قال: (ويُنتَفَعُ بهَا دَائِمَاً مَعَ بَقَائِهَا) فالشرط الثاني: أن تكون العين ينتفع بها مع بقائها؛ وذلك كالعقار، والأثاث، كتب العلم، والمصحف، ونحو ذلك..

أما ما لا يبقى بعد الانتفاع به فإنه لا يصح وقفه، كالمطعومات، والمشروبات، ونحو ذلك..

والقول الثاني في المسألة: أنه يصح وقفه، وهو مذهب المالكية.

 مثال ذلك: البخور، لو أراد شخص معه بخور، وقال: هذا وقف للمسجد، فعلى قول الجمهور على أنه لا يصح وقفا، ولكن يكون صدقة.

وعلى قول المالكية يصح أن يكون وقفا.

هل للخلاف ثمرة كونه وقف، وليس بوقف؟

الخلاف له ثمرة في الرجوع، إذا قلنا إنه وقف لا يصح الرجوع، هذا البخور وقف لا يصح الرجوع، وإذا قلنا إنه صدقه، له الرجوع، فالثمرة في هذه المسألة.

والراجح أنه يصح أن يكون وقفا، ما المانع من أن يكون البخور وقفا، حتى ولو كان لا ينتفع به إلا بإتلافه ما المانع من هذا؟ قد اختار تقي الدين بن تيمية وجماعة صحة الوقف في هذه الحال.

ترد علينا مسألة وهي: وقف الدراهم والنقود، وقف الدراهم هل يصح وقف النقود أم لا؟

يعني مثلا: رجل يقول: هذه مئة ألف ريالا جعلته وقفا لإقراض المحتاجين، أقرض هذا المحتاج ويردها، ويقرض فلان ويردها، لكنها وقف، اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

فمنهم من ذهب أنه لا يصح وقف النقود، وهذا هو قول الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة.

والقول الثاني: صحة وقف النقود، وهو رواية عند الحنابلة، وهو مذهب المالكية، ولاحظ هنا أن مذهب المالكية في الوقف أوسع المذاهب.

والقول الراجح أنه يصح وقف النقود؛ وذلك لأن تحبيس الأصل يكفي فيه معناه، وهو متحقق في وقف النقود، فإن قيمتها باقية، وذاتها غير مقصودة، ولذلك فإنها لا تتعين بذاتها عند التعيين على القول الراجح، وهذا هو القول المرجح عند كثير من المحققين من أهل العلم، وعامة العلماء المعاصرين عليه، أنه يصح وقف النقود.

وإذا قلنا بصحة وقف النقود، يمكن أن يكون هناك أفكار لنفع المسلمين، منها: ما ذكرنا مثلا: من وقف مبلغ نقدي لإقراض المحتاجين، يمكن يؤسس من هذا جمعية إقراض للمحتاجين، يقال: للناس أوقفوا فيها، أوقف لك خمسين لك، هذا مئة ألف، ثم تقرض لمن احتاج، ويوضع ضمانات لرد هذا القرض.

ومنها مثلا: أن توقف مبالغ مثلا لمساعدة الراغبين في الزواج على أن يردوها، أن تكون سلفة على أن يردوها، ونحو ذلك .. من الأفكار، فيمكن مسألة وقف النقود أن تأخذ منها أفكار كثيرة في الوقت الحاضر.

قال: (وعَلَى بِرٍّ أَو مَعْرُوفٍ) هذا هو الشرط الثالث، أن يكون الوقف على جهة بر، أو معروف كأن يكون على المساجد، أو الفقراء، والمساكين، ونحو ذلك.. لأن المقصود من الوقف التقرب إلى الله – عز وجل – فلا يصح على غير جهة الوقف، وعلى هذا لو كان الوقف على الأضرحة، لتنويرها وتبخيرها فإن هذا وقف غير صحيح، أو كان الوقف على الأغاني المصحوبة بالمعازف هذا وقف غير صحيح، فلابد إذاً على جهة بر، لكن هذا إنما يكون فيما إذا كان الوقف على جهة، أما لو كان على فرد فيصح حتى ولو كان على غير بر، وقف على زيد من الناس، لا يشترط أن يكون على بر، إنما إذا وقف على جهة لابد أن يكون على جهة بر، إذاً هذا هو الشرط الثالث.

الشرط الرابع: أن يكون الواقف جائز التصرف، هذا لم يذكره المؤلف، أن يكون الواقف جائز التصرف؛ وذلك بأن يكون حرا، بأن يكون بالغا، حرا، رشيدا، فلا يصح الوقف من الصغير، ولا من السفيه، ولا من المملوك.

الشرط الخامس: أن يكون الوقف ناجزا، فلا يصح الوقف المؤقت، أو المعلق إلا إذا علقه على موته صح، ويكون حكمه حكم الوصية حينئذ.

وذهب بعض أهل العلم إلى صحة الوقف مع التعليق مطلقا، وهذا هو القول الراجح، وقد اختاره ابن تيمية، وجمع من المحققين من أهل العلم.

مثال التعليق أن يقول: إن شفاء الله مريضي فبيتي وقف، فعلى المذهب لا يصح، وعلى القول الراجح أنه يصح، وما المانع من هذا؟ ليس هناك مانع يمنع من صحة الوقف المعلق.

هذه هي شروط صحة الوقف.

ثم انتقل المؤلف بعد ذلك للكلام عن صيغة الوقف قال: (بالقولِ أو الفِعْلِ الدَّالِّ) يعني على الوقف، فيكون الوقف بالقول بأي صيغة من صيغ الوقف، وهناك صيغتين: صيغة صريحة، وصيغة كناية.

الصيغة الصريحة أن يقول: وقفت هذا الشيء، أو يقول: حبسته، أو يقول: سبلته، فعندهم أن اللفظ الصريح في هذه الألفاظ الثلاثة، الوقف، والتحبيس، والتسبيل، هذه تعتبر ألفاظ صريحة.

أما الكناية: لابد من أن يقترن بها النية، كأن يقول: تصدقت بهذه الدار صدقة على ألا يباع، ولا يوهب، ولا يورث مثلا، فيعتبر وقفا؛ لأن الصدقة التي لا تباع معها، ولا توهب، ولا تورث هذه وقف.

فإذاً إذا كان الوقف بلفظ الصريح ينعقد مباشرة، وإذا كان بلفظ الكناية لابد من نية، كألفاظ الطلاق، كما أن ألفاظ الطلاق إذا كان لفظ صريح وقع الطلاق، وإذا كان كناية لابد من النية.

قال: (الفِعْلِ الدَّالِّ) عليه يعني الفعل الدال عليه كما لو بنى مسجدا وأذن للناس بالصلاة فيه، أو سور مقبرة وأذن للناس بالدفن فيها، ينعقد الوقف بذلك.

ثم قال المؤلف: (ولا يُبَاعُ إلاَّ أن يَتَعَطَّلَ نَفْعُهُ، فَيُشْتَرى بِثَمَنِهِ ما يَقُومُ مَقَامَهُ) يعني لا يباع الوقف وهذا من خصائص الوقف أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث إلا في حالة واحدة وهي: أن يتعطل نفعه، وظاهر كلام المؤلف أنه يتعطل نفعه بالكلية، فيباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه كدار إنهدمت ولم يمكن عمارتها مثلا فتباع هذه الدار، ويصرف ثمنها في شراء دار أخرى، وقد روي أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – : «كتب إلى سعد بن أبي وقاص لما بلغه أنه قد نقب بيت المال بالكوفة، أن ينقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصلي».

قال ابن قدامه: وكان هذا بمشهد من الصحابة فكان إجماعا، فإذا تعطلت منافع الوقف جاز نقله بأن يباع هذا الوقف، ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه.

قال المؤلف: (كالفَرَسِ الحَبِيسِ) تقاس مسألة بيع الوقف عند تعطل منافعه على مسألة بيع الفرس الحبيس، والفرس الحبيس يعني الفرس الموقوف للغزو، إذا كبر وأصبح لا يصلح للغزو فيباع ويشترى بثمنه ما يصلح، وقد نص عليه الإمام أحمد، وكأن المؤلف يقول: إن مسألة بيع الوقف عند تعطل منافعه تقاس على مسألة الفرس الحبيس التي نص عليها الإمام أحمد.

إذا تعطلت منافعه هذا ظاهر كما قره المؤلف، لكن لم تتعطل منافعه بالكلية، وكان في نقله مصلحة، كأن يكون مثلا: عقار في بلد ريعه مثلا: ثلاثين ألف ريالا، وإذا نقل في مدينة كبيرة كان ريعه خمسين ألف ريالا، هل يجوز نقله أم لا؟

جمهور الفقهاء على أنه لا يجوز نقله، قالوا: هذا وقف والوقف لا يجوز بيعه.

والقول الثاني: أنه إذا كان في نقله مصلحة جاز نقله بأن يباع ويشترى بثمنه وقفا آخر، يعني عقارا آخر يكون وقفا، وهذا هو القول الراجح، وقد اختاره الإمام ابن تيمية – رحمه الله – والذي عليه العمل، لكن بهذا الشرط بشرط أن يكون في نقله مصلحة راجحة، ومما يدل لذلك ما جاء عند أبي داود وغيره أن رجل أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال يا رسول الله: إني نذرت إن فتح الله عليك أن يصلي في بيت المقدس، قال: «صلي ها هنا» كرر الكلام مرة أخرى عاد عليه قال: «صلي ها هنا» فأعادها عليه قال: «صلي ها هنا» فأعاد عليه قال: «شانك إذاً» قالوا: فأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا الناذر أن ينتقل من المفضول إلى الأفضل مع أنه نذر، فإذا كان صح هذا في النذر ففي الوقف من باب أولى.

وهذا هو القول الأظهر، لكن ينبغي أن يكون عن طريق المحكمة حتى تنظر المحكمة للمصلحة الراجحة، والغبطة في نقل هذا الوقف.

ثم قال المؤلف – رحمه الله - : (وَيُرْجَعُ فِيهِ ، ومَصْرِفِهِ ، وشُرُوطِهِ ، إلى لَفْظِ وَاقِفِه)  يرجع في الوقف، وفي مصرفه، وفي الشروط التي فيه يرجع إلى لفظ الواقف، فينظر ماذا قال الواقف في الوقت؟ فيعمل بشرط الواقف، وعند الفقهاء كلمة وهي: شرط الواقف كنص الشارع، ومقصودهم بذلك يقولون: نص الواقف كنص الشارع، أو شرط الواقف كنص الشارع، مقصودهم بذلك في الفهم والدلالة من تخصيص العام، وتقييد المطلق، وليس في وجوب العمل، بل إن بعض أهل العلم كابن تيمية، وابن القيم قالوا: إن من جعل نص الواقف كنص الشارع في وجوب العمل فإن هذا فيه خطورة كبيرة على دين المسلم، كيف تجعل نصوص البشر كنصوص الشارع، لا تعطى نصوص البشر قدسية نصوص الشارع، المقصود بنص الواقف كنص الشارع يعني في الفهم والدلالة، تخصيص العام وتقيد المطلق ونحوه.. وليس في وجوب العمل، إذاً يرجع لنص الواقف فإن أشكل شيء في نص الواقف فيرجع للعرف القائم، فإن أشكل فيرجع للغة في هذا.

قال: (فَلو وَقَفَ على وَلَدِهِ، ثُمَّ عَلى المسَاكِينِ : الذَّكَرِ والأُنثى بالسَّوِيَّة) إذا وقف وقفا على أولاده الذكر والأنثى سواء، قال مثلا: هذا البيت وقف على أولاده، وهذا البيت مثلا: أجرته خمسون ألفا، وله ثلاثة أبناء وبنتان، فيتقاسمون الأجرة بالسوية، كل واحد له عشرة آلاف، لا يكون الذكر ضعف الأنثى؛ لأنه لما قال: هذا البيت وقف على أولادي استوى فيه الأولاد بالسوية واشتركوا جميعا، ولهذا قال: (الذَّكَرِ والأُنثى بالسَّوِيَّة).

هنا مسألة هل ولد البنت إذا قال: هذا البيت وقف على أولادي هل يدخل أولاد البنت في هذا أو لا يدخلون؟

هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم والمذهب عند الحنابلة أن أولاد البنت لا يدخلون؛ لأنهم من رجل آخر فينسبون إلى آبائهم.

ومن أهل العلم من قال: إنهم يدخلون، واختاره ابن تيمية وجمع من المحققين من أهل العلم ، واستدلوا بقول الله – عز وجل - : ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إلى قوله : ﴿وَعِيسَىٰ﴾ فجعل عيسى من ذرية نوح وهو ابن ابنته، والنبي – صلى الله عليه وسلم – قال للحسن: «إن ابني هذا سيد» والأظهر والله أعلم هو القول قول الجمهور، وهو أن ولد البنت لا يدخل في الوقف، لقول الله – عز وجل - : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ ولا يدخل في ذلك أولاد البنات بالإجماع، وكل موضع ذكر فيه الولد في الإرث والحجب لا يدخل فيه أولاد البنات، وإنما يدخل فيه أولاد البنين، ولأنه لو وقف على ولد رجل، وقد صاروا قبيلة دخل فيه ولد البنين دون ولد البنات بإجماع العلماء، فكذلك أيضا قبل أن يصيروا قبيلة، ولأن ولد البنات منسوبون لآبائهم دون أمهاتهم، أما قول الله – عز وجل -  عن عيسى : ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إلى قوله : ﴿وَعِيسَىٰ﴾ فلأن أم عيسى هي أبوه، فإن عيسى ليس له أب فلا يقاس عليه غيرهم، ولذلك يقال: عيسى ابن مريم، وقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «إن ابني هذا سيد» هذا تجوز في العبارة، فإن الله تعالى يقول: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ فالأظهر أن ولد البنت أنه لا يدخل في الوقف إلا إذا نص الواقف على ذلك، ولهذا من يقف وقفا ينبغي أن يستشير بعض طلبة العلم حتى يحرر العبارة، فإذا قال: بيتي هذا وقف على أولادي، أو على ذريتي، هل أولاد البنت يدخلون أو لا؟ يشير في الكلام حتى لا يدخل الناس في حرج، ويرجعون للخلاف، لكن إذا لم يشر فالقول الراجح أن أولاد البنات لا يدخلون.

ثم قال المؤلف – رحمه الله - : (وعَلَى جَمَاعَةٍ مَحْصُورِينَ يَعُمُّ بالسَّوِيَّةِ) قبل أن نتجاوز مسألة الوقف على الأولاد، يجب العدل في الوقف على الأولاد، فلا يجوز تخصيص بعض الأولاد بالوقف، كأن يجعل الوقف خاصا بالذكور دون الإناث، أو يجعل الوقف لأولاد أولاده من زوجة دون أولاده من زوجة أخرى، هذا وقف الجنف وهو محرم، لكن إذا أراد أن يقف على أولاده يجب العدل في ذلك.

الأحسن أن يربط ذلك بالحاجة يقول: بيتي هذا وقف على المحتاج من أولادي، وهذه طريقة يفعلها بعض الناس، في الحقيقة هي طريقة جيدة، لأن بعض الناس يقول: بعد وفاتي أخشى من تفرق الأسرة، فأريد أن أجعل البيت مركزا للأسرة، فقالوا: هذا البيت وقف للمحتاج من الأولاد، فإذا لم يحتج أحد فيؤجر ويكون ريعه في وجوه البر، فيبقى هذا البيت بعد وفاته مركزا لأسرته، يجتمعون فيه، تبقى فيه ربما أم الأولاد، وتبقى فيه البنت المطلقة، يبقى فيه من افتقر من الأولاد مثلا، فإن لا يدري بعد وفاته عن نوائب الدهر، فهذه من الأفكار الحسنة التي يوصى بها العامة، اجعل مثلا: هذا البيت وقفا على المحتاج من الأولاد، وهذا سائغ، وجائز شرعا، إنما الممنوع هو تخصيص بعض الأولاد بالوقف دون بعض.

نعود لعبارة المؤلف قال: (وعَلَى جَمَاعَةٍ مَحْصُورِينَ يَعُمُّ بالسَّوِيَّةِ) قال: على جماعة محصورين، هذا العقار وقف على جماعة، وهؤلاء الجماعة محصورين يكونون بالسوية، كأن يقول: هذا العقار وقف على طلاب تحفيظ القرآن الكريم مثلا في مسجد كذا، فهم محصورين، فيكون بينهم بالسوية.

قال: (مَا لَم يُفَضِّل بَعْضَهُمْ) لو قال: على طلاب التحفيظ لكن الحافظ للقرآن كاملا له كذا، والذي يحفظ أقل له كذا، فيعمل بما ذكر، وإلا جاز تخصيص واحد به والتفضيل، إن لم يكونون محصورين يمكن استيعابهم، كأن يقول: هذا البيت وقف على المساكين، المساكين لا يمكن استيعابهم فيجوز تخصيص واحد من المساكين، يجوز ريع هذا الوقف أعطيه مسكينا واحد، وأفضل به بعض المساكين على بعض، إذاً إذا كان الوقف على جماعة محصورين لابد من التسوية بينهم، وإذا كان على جماعة غير محصورين لا يلزم التسوية بينهم بل يجوز التفضيل، هذا مراد المؤلف بهذه العبارة.

ونكتفي بهذا القدر،، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الآن نجيب عن ما تيسر من الأسئلة، نبدأ بالأسئلة المكتوبة.

* * *

هذا سائل يقول: هل يجوز أن أجمع بين عدة أمور في الاستخارة الواحدة؟

لا بأس بهذا، أن تجمع بين عدة في استخارة واحدة، أو أن تخصص أمرا واحدا للاستخارة، أو أن تستخير لكل أمر، الأمر في هذا واسع .

* * *

هذا سائل يقول: هل يجوز فعل راتبة الفجر في السيارة إذا خفت فواتها قبل الوصول للمسجد؟

ليس لك ذلك، الراتبة على الراحلة على السيارة هذه إنما تكون في السفر، النوافل التي تفعل على الراحلة في السفر، أما في الحضر فأكثر أهل العلم على أن هذا غير مشروع؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف ولم يرد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يتنفل إلا في السفر، يتنفل على الراحلة، لم يرد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يتنفل على الراحلة إلا في السفر.

* * *

هذا سائل يقول: قال وإذا صلى على السيارة هل يعيدها بعد الصلاة إذا كان لا يجوز أدائها على السيارة؟

نعم سنة الفجر هي سنة مؤكدة، ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، فلو قضيتها الآن كان ذلك حسنا.

* * *

هذا سائل يقول: حصل حادث لبعض الإخوة، ثم اتفقا هو ومن تضرر من أصحاب السيارات الأخرى، على أن يلتقوا من الغد حتى يجدد هو تأمينه، بالفعل حصل ذلك ولم يدفع شيئا، وتحمل التأمين الأضرار، هل فعل الأخ جائز، وإن كان لا يجوز فكيف السبيل لتدارك الخطأ؟

هذا فيه حيلة على شركة التأمين، وهذا العمل عمل لا يجوز، أما كيفية التدارك يخبر هذا الذي فعل هذا بأن فعله هذا أنه غير جائز، ويخبر شركة التأمين بالواقع، إن رضيت له ذلك، إن لم ترض فيتكلف هو بدفع ما يلزمه تجاه هذا الحادث.

* * *

هذا سائل يقول: إذا سمعت داعي في الإذاعة سواء كان الدعاء مباشرة، أو مسجلا هل يشرع التأمين؟

أما إذا كان مسجلا فلا يشرع التأمين؛ لأن التسجيل هو حكاية صوت، قد يكون هذا الداعي ميت، فلا يشرع التأمين، كما لا تشرع متابعة المؤذن إذا كان الآذان مسجلا، ولا يشرع سجود التلاوة كذلك إذا كانت التلاوة مسجلة، أما إذا كان الداعي يدعوا على الهواء مباشرة فيؤمن على دعاءه، كأن تفتح مثلا المذياع وتستمع مثلا: خطبة الجمعة من الحرم، والخطيب يدعوا اللهم أعز الإسلام والمسلمين مثلا: فتقول: آمين، فتشترك معه في الدعاء.

* * *

هذا سائل يقول: متى يشرع دعاء النازلة، وهل يشترط إذن ولي الأمر، وفي الدعاء هل يختصر على النازلة فقط، وإذا طالت النازلة هل يستمر في الدعاء؟

يشرع قنوت النوازل إذا حصل للمسلمين نازلة طارئة فيشرع القنوت، ولي الأمر إذا منع من قنوت النازلة إلا بإذنه فتجب طاعته ولا ينازع في ذلك، إذا رأى ولي الأمر أنه ألا يجعل الأمر لاجتهادات خاصة لأئمة المساجد، وأناط المسئولية مثلا بوزارة الشؤون الإسلامية وقال: لأئمة المساجد لا تقنتوا إلا بإذن، فيلتزم بهذا، ولا ينازع ولي الأمر، وقد ورد النهي عن منازعة ولي الأمر، وألا ينازع الأمر أهله، خاصة إذا أن ولي الأمر أناط ذلك بعلماء في وزارة الشؤون الإسلامية، فيلتزم بذلك، ولا يقتصر الدعاء للمسلمين على الدعاء في القنوت، إنما بإمكان الإنسان أن يدعو في السجود، يدعوا في التشهد الأخير، يدعوا في أي وقت، أما بالنسبة قنوت النازلة إذا منع ولي الأمر إلا بإذنه فيطاع في هذا ولا ينازع.

قال: هل يقتصر على النازلة فقط؟

نعم لأن الصلاة صلاة فريضة، والأصل أن صلاة الفريضة لا يتكلم فيها بغير ما هو من جنسها، فلا يتوسع وإنما يقتصر فقط على النازلة، حتى النازلة بدون مقدمات، اللهم انجي المسلمين في كذا، وانصر المسلمين في كذا، النبي – عليه الصلاة والسلام – دعا لقوم، ودعا على قوم، فيقتصر فقط على النازلة بغير تطويل أيضا على المأمومين خلفه، لو صلى على النبي – صلى الله عليه وسلم – لا بأس لكن لا يتوسع في المقدمات.

إذا طالت النازلة واستمرت لم يشرع القنوت؛ لأننا لو قلنا بذلك لقلنا بأنه يشرع قنوت النوازل على الدوام، فمثلا: نازلة فلسطين احتلال فلسطين، كم لها؟ أكثر من خمسين سنة، لو قلنا بأنها يستمر ما دامت النازلة موجودة، لكنا نستمر كل يوم نقنت، لذلك إذا استمرت النازلة لم يشرع القنوت إنما يشرع عند النوازل الطارئة فقط.

* * *

والله أعلم،، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

 

 

 

 

 

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز - بحي الخزامى 1439/5/5