الخثلان
الخثلان
ولا تقربوا الفواحش
28 ربيع الآخر 1439 عدد الزيارات 251

ولا تقربوا الفواحش

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور، أحمده تعالى وأشكره، أحمده وأشكره حمدا وشكرا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده وأشكره حمدا وشكرا عدد خلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا،  أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى؛ فإنها وصية الله للأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70، 71].

عباد الله، أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا» وفي رواية لمسلم: «ويفشو الزنا»

ونقف مع العلامات الأخيرة من هذه الأشراط وهو فشو الزنا، وقد فشا في كثير من دول العالم، بل أصبح مقننا في بعض دول العالم، دعوات للفاحشة، وللوقوع في هذه القاذورات، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32] .

إن الزنا من أفحش الفواحش، وأحد القاذورات، حرمهم ربكم وجعله قرينا للشرك، ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور: 3] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وما ذاك إلا لأنه من أقبح القبائح، ينتهك الأعراض، ويقتل الذرية، ويهلك الحرث والنسل، عاره يهدم البيوت، ويطأطئ عالي الرؤوس، إنه لطخة سوداء إذا لحقت بتاريخ أسرة غمرت كل صحائفها النقية، بانتشاره تغلق أبواب الحلال، ويكثر اللقطاء، وتنشأ طبقات بلا هوية، طبقات حاقدة على المجتمع، لا تعرف العطف، ولا العلاقات الأسرية، يجمع خلال الشر كلها من الغدر، والكذب، والخيانة، وينزع الحياء، ويذهب الورع والمروءة، ويطمس نور القلب.    

قال ابن القيم  – رحمه الله - : «الزنا يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، ولا تجد زانيا معه ورع، ووفاء بعهد، ولا غيرة تامة على أهله، ومن موجباته: غضب الرب، وظلمة القلب وطمس نوره، ومنها: أنه يسلبه أحسن الأسماء وهو اسم العفة، والبر، والعدالة، ويعطيه أضدادها كاسم الزاني، والخائن، والفاجر، والفاسق، ومنها: أنه يسلبه اسم المؤمن، كما جاء في الصحيحين عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فسلبه اسم الإيمان المطلق وإن لم يسلب عنه مطلق الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، لكنه سلب عنه اسم الإيمان المطلق، ومنها: الوحشة التي يضعها الله – سبحانه – في قلبه، وقلة الهيبة، وضيق الصدر».

قال – رحمه الله - : «فإن الزناة يعاملون بضد قصدهم، فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سببا إلى خير قط، ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة، والسرور، وانشراح الصدر، وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف أضعاف ما حصل له».

جاء في صحيح البخاري عن سمرة بن جندب – رضي الله عنه – في حديث طويل في خبر منام النبي – صلى الله عليه وسلم – والرؤيا التي رآها أنه لما آتاه ملكان قالا: «انطلق، انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور أعلاه ضيق، وأسفله واسع، فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضو - أي: صاحوا من شدة الحر – فقلت: سبحان الله، من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني» فهذا عذابهم إلى يوم القيامة.

ومما يدل على قبح هذه المعصية، وعظيم إثمها عند الله: النظر في عقوبتها الشرعية في الدنيا، فعقوبة الزاني المحصن الذي قد وطء في نكاح صحيح عقوبتهم: القتل ولكن على صفة فضيعة غليظة وهي: أن يرجم بالحجارة  إلى أن يموت، وهذا يدل على قبح وشناعة هذه المعصية.

والزاني غير المحصن أي: الذي لم يطأ في نكاح صحيح عقوبته: الجلد مئة وتغريب عام.

وإذا كان الزنا من كبائر الذنوب، فإن الزنا بامرأة ذات زوج أعظم ما يكون من الإثم والفحش، قال أهل العلم: حتى لو تاب الزاني، وسقط حق الله بالتوبة فإن حق زوج هذه المرأة التي قد زني بها لا يسقط، فالفاحشة حرام لحق الله – تعالى – ولو رضي الزوج، وظلم الزوج في امرأته حرام فلو سقط حق الله بالتوبة، فحق هذا الزوج في امرأته لا يسقط، كما لو ظلمه وأخذ ماله، وتاب من حق الله – تعالى – لم يسقط حق المظلوم، ولهذا جاز للرجل إذا زنت امرأته أن يقذفها ويلاعنها ويسعى في عقوبتها بالرجم، بخلاف الأجنبي فإنه لا يجوز له قذفها ولا ملاعنتها، بل يحد إذا لم يأت بأربعة شهداء، فإفساد المرأة على زوجها من أعظم الظلم لزوجها وهو عنده أعظم من أخذ ماله.

ولهذا ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – أن من زنى بامرأة المجاهد فإنه يمكن يوم القيامة من حسناته يأخذ منها ما شاء .

جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال يا رسول الله: ائذن لي بالزنا! فأقبل عليه القوم فزجروه، وقالوا: مه، مه! فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «دعوه، ادنه فدنا منه قريبا، فجلس، فقال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، فوضع النبي – صلى الله  عليه وسلم - يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وأحصن فرجه، فلم يكن بعد – ذلك الفتى – يلتفت إلى شيء» أخرجه أحمد بسند صحيح.

عباد الله، وتأملوا الفرق بين السفاح والنكاح، فالسفاح متعة حيوانية بهيمية، وقضاء شهوة وقتية، اختلاس وخداع، وهروب من المسؤولية، بل امتهان لكرامة الإنسان ذكرا كان أو أنثى، إن الزاني والزانية لا يعنيهما إلا قضاء مآربهم الساقطة، بل كل واحد منهما جعل الآخر قنطرة أو معبرة لهذه المآرب، إنه لقاء حيواني بحت لا غرض منه إلا قضاء الوطر المنحط.

أما النكاح فهو شهامة وعزيمة، وكرامة معلنة، تحمل للمسؤولية، والتزام بالحقوق والواجبات، فقد جعل الله – تعالى – سبيل لقضاء الوطر بما أحل الله – تعالى – فعلى المسلم أن يغتني بما أحل الله، عليه أن يستغني بما أحل الله عما حرم الله ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.           

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

 عباد الله، وإذا كان الزنا شنيعا وقبيحا عند الله، ومن كبائر الذنوب، فإن عمل قوم لوط أقبح وأفحش منه، ويدل لذلك أن الله تعالى قال في الزنا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً أي: فاحشة من الفواحش، وأما عمل قوم لوط فقد قال الله تعالى عن لوط أنه قال لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ أي: الفاحشة العظمى والكبرى، ولهذا دخلت عليها أل التعريف، فدل ذلك على أن عمل قوم لوط أنه أفحش من الزنا، ويدل لذلك أن الله تعالى بعث رسولا برسالة تامة لينذر من هذه الفعلة الشنيعة، وهو نبي الله تعالى لوط، أرسله الله تعالى إلى قومه لينذرهم ويحذرهم من هذه الفاحشة والفعلة الشنيعة، وقد أهلك الله تعالى، أهلكهم الله – عز وجل – بهلاك عام، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ[الحجر: 73، 74، 75] ونجا الله تعالى لوطا وأهله إلا امرأته، ومما يدل لذلك: أن فاعل هذه الفعلة والمفعول به يقتلان بكل حال، حتى وإن لم يكونا محصنين، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «ومن وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به».

قال الإمام ابن تيمية – رحمه الله - : «قد أجمع الصحابة على قتل اللوطي وإن اختلفوا في صفة قتله، فقال بعضهم: يلقى من أعلى شاهق في البلد، قال بعضهم: يقتل بالسيف، بينما في الزنا لا يقتل بالرجم بالحجارة إلا الزاني المحصن، وأما الزاني الغير محصن فإنه يجلد ويغرب».

عباد الله، لابد من إسكات الأبواق المضللة التي تسعى في نشر هذه الفواحش، ونشر هذا السقوط الاجتماعي، وتسعى لوأد الفضيلة، ونزع جلباب الحياء، فلا يسطو على الأعراض إلا مجرم أثيم، ساقط المروءة، يخرب بيته وبيوت المؤمنين، لابد من حماية أبناء المسلمين مما يبتذل في أسواقهم، ووسائل إعلامهم من الأغاني الماجنة، والصور الفاضحة، والقصص الساقطة، والأفلام الهابطة، ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.

لابد أن يتواصى الجميع على حماية المجتمع من هذه القاذورات، ومن هذه الفواحش، ومن الدعوات المضللة إليها.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.[الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم ارض عنا معهم بعفوك وكرمك، يا رب العالمين.  

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين، اللهم أذل الشرك والمشركين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، اللهم اخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وهيئ لهم من أمرهم رشدا.

اللهم هيئ لهذه الأمة أمرا رشدا، يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا أخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للحكم بكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لرعاياهم.

 اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا وولي عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، التي تعينهما إذا ذكروا، وتذكرهما إذا نسوا، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا عذاب ولا هدم ولا غرق، اللهم أنزل لنا من بركات السماء، اللهم اخرج لنا من بركات الأرض، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا اللهم فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

 

* * *