الخثلان
الخثلان
تربية الأولاد
19 ربيع الآخر 1439 عدد الزيارات 272

تربية الأولاد

الخطبة الأولى

الحمد لله الكبير المتعال، أمر برعاية الأهل ووقايتهم نارا وقودها الناس والحجارة، أحمد ربي  وأشكره كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده وأشكره حمدا وشكرا كما يحب ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا،  أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق تقاته ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70، 71].

عباد الله، أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» في هذا الحديث العظيم يبين النبي – صلى الله عليه وسلم – عظم المسئولية والأمانة التي لا ينفك عنها في الغالب فرد من أفراد المجتمع، ولذلك قال: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» وتأمل قوله – عليه الصلاة والسلام -: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» فبين – عليه الصلاة والسلام – أن من كان راعيا ومسئولا عن شيء فإنه سيسأل عن ذلك يوم القيامة، وسيحاسب على تلك المسئولية، وعلى تلك الرعاية، ولهذا فليتق الله ليتق الله المسلم فيما ائتمنه الله – عز وجل – عليه من أهل، وزوجة، وأولاد، ليتق الله – عز وجل – في ذلك، وليعد للسؤال جوابا، وللجواب صوابا.    

الحديث في هذه الخطبة يدور حول بيان مناط المسئولية والرعاية في الأسرة، الأسرة التي هي اللبنة الأساسية لبناء المجتمع، الأسرة التي هي نواة المجتمع، والتي بصلاحها يصلح المجتمع، وبفسادها يفسد المجتمع، والمسئول بالدرجة الأولى في الأسرة هما الوالدان الأب والأم، فهما المسئولان عن تربية أولادهما، وإن مهمة تربية الأولاد ليست بالمهمة السهلة، بل إنها مهمة عظيمة على الآباء أن يحسبوا لها حسابها، وأن يعدوا العدة لمواجهتها خصوصا في هذا الزمن الذي نعيشه، والذي قد انفتح فيه العالم بعضه على بعض، وتلاطمت فيه أمواج الفتن، وكثرت فيه دواعي الفساد مما يجعل المسئولية عظيمة وكبيرة على الآباء والأمهات.

عباد الله، أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن الطفل حين يولد، يولد على الفطرة السليمة القابلة للخير، فإن بدأت بالخير قبلته من غير صعوبة ولا كلفة؛ لأنه يوافق أصلحه الذي فطرت عليه، وإنما تنحرف هذه الفطرة، وتتغير عن خلقتها بسوء التربية، والقدوة السيئة، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «كل مولد يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» أي: أن تربية الآباء المنحرفة هي التي تحول الطفل من دين الفطرة الذي هو الإسلام إلى دين اليهود، أو النصارى، أو المجوس، فحافظوا على فطر أبنائكم من التغير أكثر مما تحافظون على أجسادهم، وأرواحهم من الأمراض، والإصابات.

إن الطفل في نشأته لا يدرك عواقب الأمور، ولا يعرف الضار من النافع كما لا يستطيع أن يوفر لنفسه القوت، والمسكن، والملبس، وإنما والداه هما المكلفان بتوفير هذه الأشياء، ولهذا أمر الله تعالى الولد أن يشكر لوالديه هذا المعروف، وأن يرد عليهما هذا الجميل ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا.

عباد الله، إن تربية الأولاد ليست مقصورة على التربية الجسدية من توفير الطعام، والشراب، والكسوة، والمسكن لهم، أو إعطائهم متطلباتهم التكميلية من الدراهم، والسيارات فحسب، إن التربية الحقيقية والضرورية هي تربيتهم على الدين، والأخلاق، والمحافظة على فطرتهم من التغير والفساد، والعناية بهم، ومعرفة أصحابهم، وأخلائهم حتى يكون على بصيرة من أمرهم، ومن اتجاهاتهم وسيرهم.

إن من الآباء من لا يولي هذه الأمور اهتماما، همه أن يوفر لأولاده المأكل، والمشرب، والمسكن فحسب، فتجده إما مشغولا بتجارته، وتنمية أمواله، ورعايتها، وحفظها، وصيانتها، أو أنه مشغول باللهو، والسهر، والسفر مع أصحابه، ونسي أولاده، ولا يعرف أين يذهب أولاده؟ ومع من؟ وإذا أردت البرهان فانظر إلى حال هؤلاء الشباب الذين يتسكعون في الشوارع لاسيما أيام الإجازات، يسهرون الليل حتى الفجر، أو قريبا من الفجر، وفيما يقضون ساعات ليلهم؟ وفيما يسهرون؟ يتسكعون في الشوارع، وفي إيذاء المسلمين، بل ربما قد يجرهم ذلك السهر إلى ارتكاب بعض المحرمات، من الفواحش، والمخدرات، وغيرها.. والسؤال قائم هنا أين أولياء أمور هؤلاء الشباب؟ أين آبائهم؟ كيف يأوي الأب إلى فراشه وينام قرير العين، هادئ البال، وابنه خارج المنزل؟ لا يدري أين ذهب؟ ولا مع من ذهب؟

عباد الله، إن أكثر من يقبض عليه متلبسين بارتكاب الجرائم أكثر هؤلاء يعانون من ضياع في الأسرة، وإهمال في التربية، وقلة مبالاة من أهليهم بتربيتهم التربية الحقيقية، فاتقوا الله أيها الآباء، اتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في أبنائكم، فإن الله – عز وجل – يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا لم يقل: قوا أنفسكم نارا فحسب، بل قال: أنفسكم وأهليكم ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ كيف يقي الإنسان أهله هذه النار؟

يقيهم بأن يوجههم، وأن يرشدهم إلى طاعة الله – عز وجل – وأن يأمرهم بطاعة الله سبحانه، والاستقامة على شرعه ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا.

وإن هؤلاء المضيعين لأمر الله بحق أولادهم لو أصابت نار الدنيا طرفا من ولده، أو كادت لسعى بكل ما يستطيع لدفعها، ولهرع إلا إلى كل طبيب للشفاء من حرقها، وأما نار الآخرة فلا يحاول أن يخلص أهله، وأولاده منها.

عباد الله، إن الإنسان إذا لم يقم على تربية أولاده، ومراقبتهم، والسعي في تربيتهم تربية صالحة فمن الذي يقوم عليهم؟ هل يقوم عليهم أباعد الناس؟ ومن لا صلة له فيهم؟ أو يترك هؤلاء الأولاد والأغصان الغضة الطرية تعصف بها رياح الأفكار المضللة، والاتجاهات المنحرفة، والأخلاق الهدامة؟ فينشأ من هؤلاء جيل فاسد، لا يرعى لله حرمة، ثم لا يرعى للناس حقوقا، فوضوي متهور، منطلق من كل قيد إلا من قيد الشهوة والطغيان.

إنه لمن الحرمان العظيم، والخسارة الفادحة أن يعيش شباب في عمر الزهور، واكتمال القوى لا يبالون في إضاعة أوقاتهم سدى، بل إنهم يسطون على أوقات الآخرين ليقطعوها في اللهو الباطل، والأمور المحتقرة، شباب يتسكعون في الشوارع يسهرون طوال الليل، فإذا انفلق الصبح ناموا حتى الظهر، وربما العصر، غير آبهين بشأن الصلاة، وغير مدركين عظيم خسارتهم بتضييع الأوقات، يجب أن ينقذ شباب الأمة من هذا الذهول المهلك، غفلة عن الغد، واستغراق مميت في الحاضر، مسحورون بنظرة الشباب العارضة، وتقطيع الأيام والليالي من غير حساب، ولا محاسبة ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.

وكما أن الآباء والأمهات مسئولون عن أبنائهم فهم مسئولون كذلك عن بناتهم، فإن المرأة المسلمة مستهدفة في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى، فعلى الآباء والأمهات أن يهتموا بتربية بناتهم، وأن يتقوا الله – عز وجل – فيهن، بعض بنات المسلمين تخرج من بيت أبيها بكامل زينتها، متعطرة، متجملة، متبرجة، وتذهب للأسواق، وتعرض نفسها لمعاكسة الشباب، والسؤال القائم أين أولياء أمور هؤلاء الفتيات؟ أين آبائهم وأمهاتهم؟ إن كانوا لا يعلمون بواقع بناتهم فهو مصيبة، وإن كانوا يعلمون وأقروهم على ذلك فالمصيبة أعظم، فليتقوا الله – عز وجل – ليتق الله الآباء والأمهات في أبنائهم وبناتهم، فإنهم مسئولون عن ذلك يوم القيامة «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته».

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

 عباد الله، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة» أخرجه البخاري في صحيحه، فليستحضر ليستحضر الأب والأم هذا الحديث العظيم فإن الله تعالى قد استرعاهما هؤلاء الأولاد فعليهما أن يحيطا هؤلاء الأولاد من بنين وبنات، عليهما أن يحيطاهما بالنصح، وبالتوجيه، وبالإرشاد، وتقوى الله – عز وجل – ما استطاعوا فيهم سبيلا.

عباد الله، والناس في تربية أولادهم على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قسم فرطوا وأهملوا وتساهلوا في تربية أولادهم، فلا يعرفون من تربية الأولاد إلا التربية المادية من توفير المسكن، والمأكل، والمشرب فحسب، والأبناء مشغولون بدنياهم وبلهوهم.

والقسم الثاني: على العكس من القسم الأول لكن أفرطوا في القسوة مع أولادهم، فاستخدموا مع أولادهم أسلوب الشدة، لكنها شدة منفرة جعلت هؤلاء الأولاد ينفرون من والديهم، بل ربما يكرهونهم، وربما أدت هذه القسوة الزائدة إلى أمور عكسية على خلاف ما يريده المربي.

والقسم الثالث: قسم وسط في التربية بين الإفراط والتفريط، سلكوا مسلك الاعتدال والتربية، والاعتدال في الأمور كلها مطلوب، فأصبح هذا الأب المربي مع أولاده بمثابة الصديق لهم، أحبهم وأحبوه، يتودد كل منهما للآخر احترام متبادل، ومحبة صادقة، اعتنى هذا الأب بأولاده منذ الصغر، ونشأهم على محبة الخير، ومحبة الصلاح، وعلى الاستقامة على طاعة الله – عز وجل – نشأهم على حب الصلاة حتى ألفوها، عودهم على بر الوالدين، وصلة الرحم، وعلى احترام الكبير، والشفقة على الصغير، فجنا ثمرة هذه التربية الصالحة في حياته، وبروا به وأكرموه واحترموه، وربما لحقه برهم به بعد موته بدعائهم له، والصدقة عنه، وهذا القسم هو المطلوب، وهو الذي يخرج أجيالا تعيد للأمة - بإذن الله تعالى - عزها ومجدها، وهذا القسم - ولله الحمد - ليس عزيزا في هذه الأمة، بل هو موجود، ونرى منه نماذج حية في المجتمع.

عباد الله، إن من اتقى الله تعالى في تربية أولاده، وبذل أسباب الهداية لهم، وسأل لهم الهداية والصلاح فإن الله تعالى لن يخيب ظنه، ولا رجائه، والهداية تنقسم إلى قسمين، الهداية المطلوبة من الوالدين لأولادهم تنقسم إلى قسمين كما قال أهل العلم:

القسم الأول: هداية الدلالة والإرشاد، أي: أن الأب والأم يدلان أولادهما، فيرشدان أولادهما إلى ما فيه الخير، وإلى الصلاح، ويقدمان لهما النصائح، وهذا الأمر سهل، وميسور، ومستطاع، وهو المذكور في قول الله – عز وجل -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ فالأنبياء يهدون أممهم، وكذلك أتباع الأنبياء من العلماء، والدعاة، والمصلحين، والموجهين، والمرشدين، وهكذا.. الوالدان مع أولادهم يهدونهم هذه الهداية هداية الدلالة والإرشاد بمعنى أنهم يبينون لهم طريق الخير، ويحثونهم عليه، ويبينون لهم طريق الشر ويحذرونهم منه.

والقسم الثاني من أقسام الهداية: هداية الإلهام والتوفيق، وهذه لا يملكها لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، لا يملكها إلا الله تعالى وحده، وهي المذكورة في قول الله سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ.

وقد حصل من بعض الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – أن بذلوا أسبابا عظيمة لبعض أقربائهم في سبيل هدايتهم ولكن الله لم يرد لهم الهداية فلم يهتدوا، فهذا نوح – عليه الصلاة والسلام – بذل أسبابا عظيمة في هداية ابنه حتى آخر لحظة من حياته قال: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ فلم يستطع نوح أن يهدي ابنه، وإبراهيم لم يستطع أن يهدي أباه، ومحمد لم يستطع أن يهدي عمه، مع أنه بذل معه جميع أسباب الهداية إلى آخر لحظة من حياته، وعمه أبو طالب على فراش الموت وقدم تضحيات عظيمة للإسلام، وفي الدفاع عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان – عليه الصلاة والسلام – يحب محبة شديدة أن يهتدي عمه هذا، وقال له وهو يحتضر: يا عم قل كلمة: أحاج لك بها عند الله، يا عم قل: لا إله إلا الله، لكن الله لم يرد هدايته فلم يقلها، وقال: هو على ملة عبد المطلب فمات على الكفر فهو في النار، فانظروا إلى هؤلاء الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – لم يستطيعوا هداية أقاربهم من أبناء، ومن آباء، وأعمام لم يستطيعوا هدايتهم؛ لأن الله تعالى هو الذي بيده هداية الإلهام والتوفيق، وحينئذ فالمطلوب من الأب ومن الأم أن يبذل أسباب هداية الدلالة والإرشاد، وأن يسألا الله – عز وجل – لأولادهما هداية الإلهام والتوفيق، وهذا معنى قد يغفل عنه بعض الآباء والأمهات فإنهم يجتهدون في هداية الدلالة والإرشاد ويغفلون عن هداية الإلهام والتوفيق، ثم بعد ذلك يندبون حظهم، ويقولون: عجزنا مع أولادنا، بذلنا معهم جميع الأسباب فلم يهتدوا، لكنهم غفلوا عن أن يدعوا الله – عز وجل – لأولادهم بهداية الإلهام والتوفيق.

رجل من الناس جميع أولاده صالحون، بررة، فسئل عن ذلك فقال: إني كل يوم بعد صلاة الفجر، وبعدما آتي بالأذكار أدعوا لهم بالهداية، وأدعو لكل واحد منهم باسمه بالهداية ولعل الله استجاب دعائه فهداهم جميعا، مطلوب من الآباء والأمهات أن ينتبهوا لهذا الجانب وأن يسألوا الله – عز وجل – لأولادهم الهداية، وإذا بذل الأب والأم أسباب هداية الدلالة والإرشاد وسأل الله – عز وجل – لأولادهم هداية الإلهام والتوفيق لكنهم لم يهتدوا فقد سبقهم أنبياء ورسل يملكون أحسن الأساليب في التربية، وأنجعها، وأعظمها، وهم أنبياء مؤيدون بالوحي ومع ذلك لم يستطيعوا هداية أقاربهم، وهذا جعله الله تعالى سلوة للآباء والأمهات الذين استنفذوا جميع الوسائل في تربية أولادهم ولكنهم لم يهتدوا، لكن الذي نقصده بالإنكار فيمن فرط، ولم يقم بالأسباب، لم يقم بأسباب هداية الدلالة والإرشاد، أو أنه كذلك أيضا مقصر في أن يسأل الله تعالى لهم هداية الإلهام والتوفيق، فهذا هو الذي يعنيه بالتقصير، وإلا الذي قد بذل جميع أسباب الهداية، وسأل الله تعالى لهم الهداية لكن الله لم يرد هدايتهم فلن تكون حالهم بأحسن من حال الأنبياء والرسل الذين لم يرد الله – عز وجل – هداية بعض أقاربهم، وأنزل في ذلك قرآنا يتلى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ.

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك، يا رب العالمين.  

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، اللهم واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم هيئ لأمة الإسلام أمرا رشدا يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، والعمل بكتابك، وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لرعاياهم.

 اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وقرب منه البطانة الصالحة الناصحة، التي تدله على الحق وتعينه عليه، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا بلاء، ولا عذاب، ولا هدم، ولا غرق، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، اللهم أخرج لنا من بركات الأرض، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، اللهم فأرسل السماء علينا مدرارا، اللهم إنك خلق من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.

اللهم ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

 

* * *