الخثلان
الخثلان
السيرة النبوية بالفترة المدنية
14 ربيع الآخر 1439 عدد الزيارات 151

السيرة النبوية بالفترة المدنية

الخطبة الأولى

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالحق بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، فبلغ رسالة ربه، وأدى الأمانة، ونصح أمته، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصا له الدين، حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، ما من خير إلا دل أمته عليه، وما من شر إلى حذرها منه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[آل عمران: 102] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70، 71].

عباد الله، كان الحديث في خطبة الجمعة الماضية عن جوانب من السيرة العطرة لنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – في المرحلة المكية، ونستكمل الحديث في هذه الخطبة عن بعض الجوانب من سيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – في المرحلة المدنية، مرحلة ما بعد الهجرة، وقبل ذلك نؤكد على أهمية معرفة سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – وواقع حياته، ومنهجه في الدعوة إلى الله تعالى، إن السيرة النبوية العطرة هي التي تضع للمسلمين المعالم التي يجب عليهم أن يسيروا عليها، وتوضح لهم الطريق التي ينبغي أن يسلكوها؛ لأنها هي الترجمة العملية لحياة ذلك النبي الكريم التي أمرنا باتخاذها منهجا، وأمرنا ربنا – عز وجل – بأن نتخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قدوة وأسوة فقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا[الأحزاب:  21].

وإن سيرته – صلى الله عليه وسلم – بهذا المفهوم العميق هي التي تربى عليها الأفذاذ من السلف الصالح فكانوا نماذج حية للإسلام، يرى فيها الناس خاصتهم وعامتهم المدلول الحقيقي لدين الإسلام الذي أعز الله تعالى به هذه الأمة بعد ذل مرير، وأصبحت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس.

عباد الله، بعدما مكث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مكة ثلاث عشرة سنة من بعد بعثته يدعوا الناس إلى تحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله – عز وجل – ويقول: «أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» ولقي من كفار قريش لقي منهم ما لقي من أصناف الأذى القولي والفعلي، أذن الله تعالى له بعد ذلك بالهجرة إلى المدينة، وكان – عليه الصلاة والسلام – كان إذا أتى موسم الحج يذهب إلى قبائل العرب ويعرض نفسه ودعوته عليهم أن يهاجر إليهم فينصروه، وكان إذا دخل على حي من أحياء العرب، إذا دخل خيمة تبعه عمه أبو لهب فإذا عرض النبي – صلى الله عليه وسلم – على القبيلة ذلك العرض، دخل عمه وقال: أنا عمه، وأنا أخبر الناس به، وهذا مجنون فلا تسمعوا له، وكان الأوس والخزرج في المدينة كان معهم اليهود، وكان اليهود يتوعدونه بأن هذا الزمان هو زمان نبي سيخرج، وإذا خرج فسنتبعه ونقاتلكم ونخرجكم من المدينة، فكان عندهم علم بخروج نبي، فلما عرض النبي – صلى الله عليه وسلم – عرض دعوته على الأوس والخزرج قالوا: إن هذا هو النبي الذي تتوعدكم به اليهود، بادروا إليه فأسلموا، وانصروه تكون لكم الدولة، وبالفعل آمنوا فكانت نفوسهم متهيأة للإسلام، فأسلموا، فحصلت لهم بيعة العقبة الأولى، ثم بيعة العقبة الثانية، ثم أرسل إليهم النبي – صلى الله عليه وسلم – من الصحابة من يدعوهم ويعلمهم أمور دين الإسلام، ثم إنه – عليه الصلاة والسلام – هاجر إليهم في المدينة، وعندما أراد أن يهاجر اجتمعت قريش، وهموا بقتله – عليه الصلاة والسلام – وأن يضربوه ضربة رجل واحد، حتى يضيع الدم بين القبائل، فلا يطالب بدمه، فاجتمعوا لذلك، ولكن الله تعالى أبطل كيدهم ومكرهم ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ[الأنفال:  30] فهاجر – عليه الصلاة والسلام – إلى المدينة، وكانت هجرته فاتحة خير للإسلام والمسلمين، بل إنها كانت أعظم حدث في السيرة، ولذلك لما أراد الصحابة أن يؤرخوا التاريخ الإسلامي تباحثوا ثم اتفقوا على أن أعظم حدث في السيرة النبوية هو الهجرة، فجعلوا التاريخ الإسلامي مرتبطا بالهجرة النبوية، فأصبح التاريخ الإسلامي هو التاريخ الهجري.

هاجر إليهم النبي – صلى الله عليه وسلم – وأقام دولة الإسلام، وصار للمسلمين قوة ودولة، ولكنه – عليه الصلاة والسلام – لم يسلم من الأذى من قبل اليهود الموجودين في المدينة، ومن قبل المنافقين الذين استتروا بالنفاق بعدما رأوا قوة المسلمين، ولاسيما بعد غزوة بدر، وأرادوا بذلك أن تحقن دمائهم وأموالهم، فأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وآذوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه أذى شديدا، حتى بلغت أذيتهم للنبي – صلى الله عليه وسلم – إلى أن آذوه في أهله، فقذفوا أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – بالفاحشة، وهي الصديقة بنت الصديق، الطاهرة التي برآها الله تعالى في كتابه الكريم في عشر آيات في سورة النور، فهي تتلى إلى قيام الساعة.

بلغ أذى المنافقين بالنبي – عليه الصلاة والسلام – إلى هذه الدرجة، ولكن الله تعالى فضحهم في كتابه الكريم، وبين للمسلمين حالهم وأوصافهم، وخبثهم، ومكرهم فقال: هم العدو فاحذرهم، كما في سورة البقرة، وسورة التوبة، وسورة المنافقون، وغيرها، ولم يكن النفاق موجودا في مكة قبل الهجرة؛ لأن الناس كانوا قسمين: مسلمين، وكفار، ولكن بعد الهجرة لم يستطع هؤلاء المنافقون أن يظهروا كفرهم وهم يرون قوة المسلمين، فاستتروا بستار النفاق، فأبطنوا الكفر، وأظهروا الإسلام، ولهذا يقول أهل العلم: إنهم كلما قوية دولة الإسلام برز وظهر النفاق؛ لأن الكافر لا يستطيع أن يظهر كفره فيستتر بالنفاق، وإذا ضعفت دولة الإسلام قل النفاق؛ لأن الكافر يستطيع أن يبوح بكفره، ولا حاجة لأن يظهر الإسلام، ويبطن الكفر مع ضعف المسلمين.

عباد الله، وبعدما هاجر النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة، وأسس دولة الإسلام أذن له بالقتال، وكان ممنوعا من القتال في مكة، بل كان يرى الأصنام تعلق في الكعبة ومع ذلك كان أصحابه ينتظرون منهم إشارة بتكسيرها، وكان يمنعهم من ذلك، بل كان يدعوا الناس بالكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة؛ لأن المسلمين كانوا في تلك المرحلة في ضعف، وفي قلة من العَدد والعُدد، ولو أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومن معه من الصحابة في تلك الفترة واجهوا كفار قريش الذين كانوا على جانب كبير من العَدد والعُدة لو واجهوهم بالقوة، فقاتلوهم، أو كسروا أصنامهم مثلا، لقضي على دولة الإسلام في مهدها.

كان المسلمون في تلك الفترة، في الفترة المكية كانوا ممنوعين من الجهاد بالسيف؛ لأنهم كانوا في مرحلة ضعف، فليس من الحكمة أن يجاهدوا بالسيف، ولكن لما هاجر النبي – صلى الله عليه وسلم – للمدينة وأصبح للمسلمين قوة ودولة شرع الجهاد في سبيل الله – عز وجل – وكانت حياته – عليه الصلاة والسلام – حياة جهاد ومجاهدة، وتضحية، وفداء لنصرة دين الله – عز وجل – ففي السنة الثانية من الهجرة جمع الله تعالى بين المسلمين وكفار قريش، من غير ميعاد، فكانت غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون انتصارا عظيما، وأعز الله جنده، وهزم المشركين.

وفي السنة الثالثة من الهجرة كانت غزوة أحد، وفي السنة الرابعة كانت غزوة بني النضير، وفي السنة الخامسة كانت غزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة، وفي السنة السادسة كانت غزوة الحديبية والتي سماها الله – عز وجل – فتحا مبينا، فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا[الفتح:  1] وقد نزلت هذه الآية عند رجوع النبي – صلى الله عليه وسلم – من الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، فتعجب الصحابة وقالوا يا رسول الله : أوفتح هو؟ قال: نعم وبالفعل كان ذلك الصلح مع أن ظاهره كان فيه غضاضة على الإسلام والمسلمين إلا أن عواقبه كانت فتحا عظيما ومبينا للإسلام والمسلمين، وهذا يدل على أن بعض الأمور قد تكون في ظاهرها أن فيها شر للإسلام والمسلمين ولكن الله تعالى يجعل في عاقبتها خيرا عظيما للإسلام والمسلمين، فانظروا كيف أن الله – عز وجل – سمى صلح الحديبية فتحا مبينا، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا[الفتح:  1] وفي السنة السابعة من الهجرة كانت غزوة خيبر، وفي السنة الثامنة كانت غزوة فتح مكة، ثم غزوة حنين، وفي السنة التاسعة كانت غزوة تبوك، ثم مكث النبي – صلى الله عليه وسلم – بقيت تلك السنة في المدينة يستقبل الوفود التي تأتي المدينة لتعلن إسلامها، وذلك أن قبائل العرب لما رأوا أن النبي – صلى الله عليه وسلم – فتح مكة، وهزم كفار قريش انقادت قبائل العرب للنبي – صلى الله عليه وسلم – فأصبحت تفد إليه الوفود بالأعداد الكبيرة، وتعلن إسلامها في المدينة، وفي السنة العاشرة من الهجرة حج النبي – صلى الله عليه وسلم – بالناس حجة الوداع، وكان يقول: «أيها الناس خذوا عني مناسككم لعل لا ألقاكم بعد عامي هذا» وفي السنة الحادية عشرة من الهجرة توفي النبي – صلى الله عليه وسلم -.

بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – وعمره أربعون سنة، وتوفي وعمره ثلاث وستون ستة، أي أنه بقي في البعثة والرسالة ثلاثا وعشرين سنة، ومع ذلك أخرج الله تعالى به الناس من الظلمات إلى النور، وأتم الله تعالى به الدين، وأكمل به النعمة، ونزل عليه وهو يخطب الناس في عرفة في حجة الوداع نزل عليه قول الله – عز وجل - : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا قال رجل من اليهود لعمر : آية تقرءونها في كتابكم، لو نزلت علينا معشر اليهود، لاتخذنا منها عيدا، فقال عمر: «إني والله لأعلم أي آية تريد، وأي مكان نزلت، وأين نزلت؟ ومتى نزلت؟ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا نزلت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يخطب الناس في يوم عرفة، فأكمل الله له به الدين» أكمل الله تعالى بنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – الدين، وأتم النعمة، وبلغ النبي – صلى الله عليه وسلم – رسالة ربه، يقول أبو ذر – رضي الله عنه – : «ما توفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وطائر يطير بجناحيه إلا وذكر لنا منه علما» فجعل الله تعالى هذا الدين كاملا، تاما، فما من أمر يحتاج إليه الناس على مر الأمصار والأعصار إلا وفي ديننا العظيم بيان بأوضح بيان، ولم يقف علماء المسلمين يوما من الأيام في أي مصر، وفي أي عصر عاجزين عن أن يجدوا الحكم الشرعي لأي قضية تقع؛ لأن الله تعالى قد جعل هذا الدين تاما كاملا، فلله تعالى الحمد والمنة.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

 عباد الله، في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشر من الهجرة مرض النبي – صلى الله عليه وسلم – وقد اشتد به المرض حتى لم يستطيع الخروج للصلاة بالناس، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فصار أبو بكر الصديق يصلي بهم، وفي فجر وفاته – عليه الصلاة والسلام – أطل على المسلمين وهم يستوون لصلاة الصبح، وكشف عن ستر حجرته ونظر إليهم وتبسم، تبسم لأنه رأى أن الله تعالى قد أكمل به الدين، وأتم به النعمة، وأبلغ رسالة ربه، ولما رآه الصحابة كادوا يفتتنوا في صلاته فرحا برسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم، ثم دخل غرفة عائشة وأرخى الستر، وفي ضحى ذلك اليوم يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة توفي النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو مستند إلى حجر عائشة – رضي الله عنها – وكان يقول: أين أنا غدا؟ كان في يوم الأحد يقول: أين أنا غدا؟ يريد أن يكون في بيت عائشة؛ لأنها كانت هي أحب نسائه، ففهمت زوجاته أنه يريد ذلك، فتنزلن لعائشة أن يبقى النبي – صلى الله عليه وسلم – عندها، فبقي عندها، وكان في ضحى ذلك اليوم يوم الاثنين كان مستندا إلى حجرها، فتوفي – عليه الصلاة والسلام – وهو يقول: «اللهم الرفيق الأعلى» فلما علمت فاطمة بذلك قامت وقالت: «يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه» وحزن الصحابة بعد علمهم بخبر وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – حزنا شديدا حتى إن بعضهم لم يصدق بذلك، ومنهم بعض أكابر الصحابة كعمر ابن الخطاب الذي أنكر خبر وفاته، وقال: «إنه قد ذهب إلى ربه كما ذهب موسى إلى ربه وسيرجع فيقطع رقاب أناس من المنافقين، هم الذين يشيعون أن النبي – صلى الله عليه وسلم – توفي» والمصيبة الشديدة أول مراحلها عدم التصديق، فلم يصدق كثير من الصحابة بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد توفي، وكان أبو بكر الصديق قد خرج في ضيعة له، ثم لما بلغه الخبر أتى على فرس وثبته الله بثبات الأنبياء، فدخل على الناس وهم يموجون في المسجد، ودخل على النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو مسجى في غرفة عائشة فكشف عن وجهه، وقبل ما بين عينيه، وقال: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طبت حيا وميتا، أما موتت الدنيا فقد ذقتها، ولكن لن تموت بعدها أبدا» ثم خرج أبو بكر الصديق إلى الناس في المسجد وهم مابين مصدق ومنكر، وخطب الناس فقال: «أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا قول الله – عز وجل - : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:  144] وقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ[الزمر:  30] فاطمئن الناس لقول أبي بكر»  قال ابن عباس – رضي الله عنهما - : «كان الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية إلا بعد أن تلاها أبو بكر الصديق، فتلقاها الناس كلهم، تلقاها الناس منه كلهم فما أسمعوا بشرا من الناس إلا وهو يتلوا هذه الآية» وهذا يدل على أن الإنسان مهما كان عليه من العلم والعبادة قد يذهل حتى عن أبسط الأشياء، فيحتاج إلى من يذكره، الناس يحتاجون خاصة في الفتن والمصائب العظيمة يحتاجون إلى من يذكرهم بقول الله وقوله رسوله – صلى الله عليه وسلم – وأن يحرص على تثبيتهم كما فعل الصديق – رضي الله تعالى عنه – فتلا الناس هذه الآية، وتيقنوا أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد توفي – عليه الصلاة والسلام – بعدما أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار، وصلوات الله وسلامه عليه، ما ذكره الذاكرون الأبرار.

كان حريصا – عليه الصلاة والسلام – غاية الحرص على دعوة الناس إلى دين الله – عز وجل – وإخراجهم من الظلمات إلى النور حتى إن الله تعالى قال : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ[الشعراء:  3، 4] أي: لعلك يا محمد باخع نفسك أي: أنك متأسف تكاد تقتل نفسك هما وغما وأسفا ألا يكونوا مؤمنين، لو أراد الله تعالى منهم الإيمان إجباري لأنزل آية كونية ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ لكن الله تعالى يريد من البشر الإيمان الاختياري، كان – عليه الصلاة والسلام – رحيما، شفيقا بأمته، وعند الموقف يوم القيامة في عرصات يوم القيامة الذي هو خمسون ألف سنة، ينال الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون معه وما لا يحتملون حتى إن البشر يقول بعضهم لبعض: اذهبوا إلى من يشفع لكم عند الرب – عز وجل – في الفصل والقضاء بين العباد، فيذهبون إلى آدم فيعتذر، ثم إلى نوح فيعتذر، ثم إلى إبراهيم فيعتذر، ثم إلى موسى فيعتذر، ثم إلى عيسى فيعتذر، وكل منهم يقول: نفسي نفسي، وعندما يذهبون إلى محمد – صلى الله عليه وسلم – فلا يعتذر، بل يقول: «أنا لها، أنا لها، ويسجد تحت العرش، ثم يقول الله له: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع» فيفصل الله ويقضي بين العباد، فيظهر الله فضل هذا النبي العظيم على الأولين والآخرين، في أن الله تعالى قبل شفاعته، في الفصل والقضاء بين العباد؛ وذلك هو المقام المحمود الذي أعطيه النبي – صلى الله عليه وسلم – فيرى جميع البشر من آدم إلى قيام الساعة يرون فضل هذا النبي العظيم، وعظيم إكرام الله – عز وجل – له، ثم يقول الله تعالى له: «وسل تعطه» كل يقول: نفسي، نفسي حتى أولوا العزم من الرسل إلا هذا النبي العظيم، إلا هذا النبي الكريم، عندما يرفع رأسه، يقول: «يا رب أمتي، يا رب أمتي» فيقول الله له: «إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك»  فانظروا إلى كمال شفقته – عليه الصلاة والسلام – بأمته حتى في هذه اللحظة، يقول: «يا رب أمتي» ولذلك أكثر من يدخل الجنة من الأمم، من هذه الأمة، وكل الناس من الأمم الأخرى كل يتمنى يوم القيامة أنه من هذه الأمة، لما يرى من إكرام الله تعالى لها، ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

اللهم ارض عن صحابته أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك  يا رب العالمين.  

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين.

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك والعمل بكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لرعاياهم.

 ووفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا أخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

نسألك اللهم من الخير كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

* * *