الخثلان
الخثلان
من الفائدة 82 إلى 90
30 ربيع الأول 1439 عدد الزيارات 661

لطائف الفوائد 13

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، واتبع سنته إلى يوم الدين .

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمنا نافعا ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

نبدأ أولا: بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد في هذا الدرس، في يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة، في الدرس الثالث عشر، ولله الحمد الدروس متصلة ومتوالية لم تنقطع، وهذا من نعمة الله – عز وجل – علينا.

كنا قد وصلنا إلى الفائدة الثالثة والثمانين، من الأدعية المشروعة قبيل السلام.

فائدة: من الأدعية المشروعة قبيل السلام (من الأدعية التي يشرع أن تقال في التشهد الأخير قبيل السلام، ما جاء في حديث أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – أنه قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ قال قل: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي من عندك مغفرة إنك أنت الغفور الرحيم») هذا الدعاء يشرع أن يقال: بين السلام في التشهد الأخير، وهو موضع دعاء، بعدما يأتي المصلي بالتشهد، ثم يصلي على النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «ثم يتخير من الدعاء ما أعجبه» فهذا موضع دعاء، ودعاء مطلق، يدعوا فيه الإنسان بما يحضره من خيري الدنيا والآخرة، ولكن في هذا الحديث يقول أبو بكر الصديق: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ وهنا أطلق، ولم يقل: التشهد الأخير، وإنما قال: دعاء أدعو به في صلاتي، ومن هنا اختلف العلماء في هذا الدعاء هل موضعه في التشهد الأخير، أو في السجود؟

لأن هذين هما موضع الدعاء، وأما في الجلسة بين السجدتين فالدعاء قد ورد فيها محددا، يعني ليس مطلقا، وإنما محددا بأن يقول: رب اغفر لي، وإنما الدعاء المطلق في الصلاة إما أن يكون في السجود، وإما أن يكون في التشهد الأخير قبيل السلام، والراجح أنه في التشهد الأخير قبيل السلام، ولهذا بوب البخاري في صحيحه على هذا الحديث بقوله: باب الدعاء قبل السلام، ثم أورد هذا الحديث، وذكر ابن دقيق العيد ذكر الخلاف في هذه المسألة ورجح أنه في التشهد الأخير قبيل السلام، وعلل لذلك قال: لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل، وذلك لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – علم عددا من الصحابة أدعية في هذا المحل، فمنهم معاذ – رضي الله عنه – قال يا معاذ: «والله إني لأحبك، لا تدعن أن تقول: دبر كل صلاة، يعني في التشهد الأخير، في آخر الصلاة، اللهم أعني على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك» هنا علمه النبي – عليه الصلاة والسلام – هذا الدعاء، وأيضا في حديث أبي هريرة  يقول – عليه الصلاة والسلام - : «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيى والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» وهذا يدل على العناية بالدعاء في هذا الموضع، بينما لم يرد مثل هذا في السجود، لم يرد أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: لأحد من الصحابة ادع في السجود بكذا، إنما وردت العناية بأدعية في هذا الموضع، وهذا يرجح أن المقصود بهذا الدعاء الوارد في حديث أبي بكر أنه في التشهد الأخير قبيل السلام، هذا هو الراجح عند المحققين، وعليه بوب البخاري، ورجحه ابن دقيق العيد، وجمع من المحققين من أهل العلم، وهنا قال في هذا الحديث قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وفي هذا إشارة إلى أن العبد لا ينفك من أن يقع في الذنوب، وكما قال – عليه الصلاة والسلام - : «كل بني آدم خطأ وخير الخطاءين التوابون» والعبد مهما كان عليه من التقوى والورع ينبغي أن يعترف بالتقصير، فيقول: ظلمت نفسي ظلما كثيرا، يعني وقعت في ذنوب كثيرة، وفي معاصي، ولا يشعر بالغرور، والعجب، وأنه أهل صلاح وتقوى، وإنما يشعر بالتقصير، ولهذا الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ما هي؟ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا ظلمنا أنفسنا فأفضل ما يقوله التائب أن يقول: ربي ظلمت نفسي وإن لم تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين، وهنا يقول في هذا الدعاء: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فلا يغفر الذنوب إلا الله – عز وجل – ومن يغفر الذنوب إلا الله، فاغفر لي من عندك مغفرة، وفي لفظ: فاغفر لي مغفرة من عندك، وفي قوله: من عندك مبالغة؛ لأن ما يكون من عند الله عظيم جدا، لا يحيط به وصف واصف، فكأنك تقول: يارب أسالك مغفرة من عندك، والله هو الغفار الغفور، غافر الذنب، العظيم، فهذه المغفرة ستكون عظيمة، وكأنك تقول: يا ربي أسألك مغفرة عظيمة لا يحيط بها واصف، هذا هو الملمح في قوله: من عندك، إنك أنت الغفور الرحيم وهذا يدل على أن الداعي ينبغي أن يختم دعاءه أو أن يقدم دعاءه بأسماء الله الحسنى المناسبة للدعاء، فإذا قال: اللهم اغفر لي يقول: إنك أنت الغفور الرحيم، إذا قال: اللهم ارزقني يقول: يا رزاق أو يا خير الرازقين، إذا قال: تب علي يقول: يا تواب، وهكذا.. هذا من آداب الدعاء، وهذا الدعاء الذي علمه النبي – صلى الله عليه وسلم – أبو بكر هو تعليم للأمة جميعا، فينبغي لكل مسلم ولكل مسلمة أن يأتي بهذا الدعاء في صلاته في التشهد الأخير قبيل السلام، في كل صلاة تصليها فريضة كانت أم نافلة احرص على أن تأتي بهذا الدعاء، اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا فاغفر لي من عندك مغفرة إنك أنت الغفور الرحيم.    

  فائدة: من سنن الركوع والسجود (السنة أن يقول المصلي في ركوعه وسجوده بعد فراغه من التسبيح: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» لما جاء في الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان النبي – صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي») لما نزلت سورة النصر ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا لم يصل النبي – صلى الله عليه وسلم – صلاة إلا قال: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، تقول عائشة: يتأول القرآن، يقول ذلك في الركوع وفي السجود، وهذا يدل على استحباب هذا الذكر، في الركوع وفي السجود، بل ينبغي أن تختم الركوع والسجود بهذا الذكر، عندما تكون في الركوع تقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، إذا أردت أن تختم التسبيح فقل: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، وفي السجود كذلك تقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، تكررها، ثم تختم ذلك ب سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، فهذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يحافظ عليه في صلواته الفريضة والنافلة في آخر حياته، ودل هذا على أنه سنة، وهذه سنة يغفر عنها كثير من الناس، كثير من الناس يقتصر فقط على قول: سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود، وهذه سنة الحديث كما ترون في الصحيحين، ينبغي ألا يدعى المصلي هذا الذكر في الركوع وفي السجود يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، وفي قوله: اللهم اغفر لي في الركوع دليل على جواز الدعاء في الركوع،  وأنه لا ينكر على من دعاء في الركوع، لقوله: اللهم اغفر لي، أو ربي اغفر لي، وقوله: اللهم اغفر لي هذا دعاء، وكان – عليه الصلاة والسلام – يقوله في الركوع، وهذا يدل على جواز الدعاء في الركوع، ولكن الأفضل أن يكون معظم ما يقوله في الركوع التعظيم لله سبحانه، وأن يكون الدعاء في السجود، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أي: حري أن يستجاب لكم» هذا هو الفقه في هذه المسألة أن تجعل معظم ما تقوله في الركوع تعظيما، وأن تجعل الدعاء في السجود.

إذا يا أخوان هذه الأذكار إذا سمعها المسلم ينبغي أن يطبقها، وإلا العلم بدون تطبيق ما الفائدة منه؟ الآن عندنا دعاءان ورد في حديثين صحيحين في البخاري ومسلم، فينبغي لمن سمع هذا أن يطبقه مباشرة، كل صلاة تصليها تقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، في الركوع وفي السجود، وتقول في التشهد الأخير قبيل السلام اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي من عندك مغفرة وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم .

فائدة: حكم الاستخلاف في الصلاة (فائدة حول النظر الفقهي لما حصل بالمسجد النبوي في صلاة المغرب يوم السبت السادس والعشرون من شهر شوال لعام ألف وأربعمائة واثنان وثلاثون للهجرة حيث قطع الشيخ علي الحذيفي صلاة المغرب في المسجد النبوي بعدما كبر، ثم ذهب وتوضأ واستأنف الصلاة من جديد، ولعله اعتمد على المذهب عند الحنابلة حيث تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام فلا استخلاف، وذهب أكثر العلماء إلى أن الإمام في هذه الحال يستخلف أحد المأمومين ليتم به الصلاة، وهذا هو القول الراجح ويدل له أن عمر – رضي الله عنه – لما طعن أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه وأتم بهم الصلاة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فكان كالإجماع ) هذه الحادثة وقعت في المسجد النبوي وكان الإمام الشيخ علي الحذيفي – وفقه الله – كبر ثم تذكر أنه على غير طهارة، فقطع الصلاة وتوضأ، ثم رجع وكبر مرة ثانية، وربما أنه اعتمد على المذهب عند الحنابلة، لأنه عند الحنابلة  يرون أنه لا استخلاف، وعبارة الزاد تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام فلا استخلاف، هذه عبارة زاد المستقنع.

والقول الثاني في المسألة: أن الإمام يستخلف في هذه الحال، وإلى هذا ذهب الجمهور، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقالوا إنه لا دليل يدل على بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه، بل الدليل على خلافه، ويدل لهذا أن عمر – رضي الله عنه – لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي وهو ساجد، قام عمر وأخذ بيد عبد الرحمن ابن عوف وقدمه فأكمل بالناس الصلاة، ولم يقطع الصحابة الصلاة وإنما أكملوها، وكان هذا بمحضر من جمع كبير من الصحابة، فكان كالإجماع من الصحابة على الاستخلاف، وأيضا هذا يدل على عناية الصحابة بشأن الصلاة، وإلا هذا الحدث العظيم يقع بين أيديهم يطعن أمير المؤمنين أمامهم ومع ذلك يتمون صلاتهم، انظر إلى عناية الصحابة بشأن الصلاة، وإن كان قام نفر من الصحابة ولحقوا أبا لؤلؤة حتى قتلوه، لكن بقية الصحابة أكملوا صلاتهم، ففعلوا الصحابة هذا يدل على أن المتقرر عندهم هو الاستخلاف وهذا هو الذي تقتضيه الأصول والقواعد الشرعية، فهذا المأموم صلاته مكتملة الأركان والشروط والواجبات، وكون إمامه قد عرض له عارض لا يقتضي بطلان صلاة المأموم بل يستخلف الإمام من يصلي بهم، ويكمل بهم الصلاة، يستخلف الإمام من يكمل بهم الصلاة، هذا هو القول الراجح الذي تدل له الأدلة الذي عليه المحققون من أهل العلم، والذي يدل عليه الإجماع المنقول عن الصحابة – رضي الله عنهم – وبناء على هذا إذا عرض للإمام عارض فإنه يتأخر ويقدم أحد المأمومين ليكمل الصلاة خلفه، وينبغي أن يكون الذي يصلي خلف الإمام مؤهلا للإمامة، نقول هذا: لأنه أحيانا في بعض المساجد يأتي أطفال، أو يأتي أناس غير مؤهلين للإمامة ويصلون خلف الإمام وهذا خطأ، ولهذا قال – عليه الصلاة والسلام - : «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» فإذا رأينا طفلا مثلا أتى وصلى خلف الإمام ينبغي أن نرشده برفق ونبعده عن هذا المكان، لأن هذا المكان قد يحتاج الإمام لمن يخلفه فيه، فينبغي أن يكون الذي يصلي خلف الإمام مؤهلا للإمامة فيما لو عرض للإمام عارض.

فائدة: حكم قصر الصلاة لمن سافر بعد دخول الوقت (إذا دخل على المسافر وقت الصلاة وهو في البلد، ثم ارتحل قبل أن يصلي، شرع له إذا غادر معمور البلد في أصح قولي العلماء، وهو قول الجمهور، وإذا جمع وقصر في السفر ثم قدم البلد قبل دخول وقت الثانية، أو في وقت الثانية لم تلزمه الإعادة، لكونه قد أدى الصلاة على الوجه الشرعي، فإن صلى الثانية مع الناس صارت له نافلة) هاتان مسألتان متعلقتان بصلاة المسافر.

المسألة الأولى: إذا دخل على المسافر وقت الصلاة في الحضر، ثم سافر، فهل يقصر أو يتم؟ مثال ذلك: أذن عليه الظهر وهو في الرياض، ثم سافر، وغادر العمران، وأوقف سيارته مثلا في الطريق مثلا وهو ذاهب إلى مكة، وقد تجاوز عمران مكة، توقف عند محطات الوقود وأراد أن يصلي صلاة الظهر، هل يصليها أربعا أو ركعتين؟

هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء فمنهم من قال: إنه يصليها أربعا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة قالوا: لأنها صلاة اجتمع فيها الحضر والسفر فغلب جانب الحضر فيها.

والقول الثاني: أنه يصليها ركعتين قصرا، وذلك لأنه مسافر، ويصدق عليه وصف السفر، فتتناوله عموم الأدلة الدالة على مشروعية القصر للمسافر، وهذا هو القول الراجح أنه يقصر في هذه الحال، وقد اختاره أبو العباس ابن تيمية، وكذلك شيخنا عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين، وجمع من المحققين من أهل العلم، وهو ظاهر الأدلة، وكونه قد دخل عليه الوقت وهو في الحضر هذا غير مؤثر، المهم أنه حين أدى الصلاة أدائها وهو مسافر، ويصدق عليه وصف السفر، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ يصدق عليه أنه ضارب في الأرض، فما الذي يخرجه من عموم هذه الأدلة، والقول الصحيح أنه يقصر، وإن دخل عليه وقتها في الحضر، هذا ما يتعلق بالمسألة الأولى.

المسألة الثانية: إذا جمع بين الصلاتين في السفر، ثم وصل إلى البلد قبل دخول وقت الثانية، أو في وقت الثانية، فإنه لا تلزمه الإعادة.

مثال ذلك: رجل مسافر أتى من مكة إلى الرياض، وقبل أن يصل إلى الرياض بعشرين كيلو متر توقف عند إحدى محطات الوقود وصلى المغرب والعشاء في أول وقت المغرب، ثم قدم للرياض قبل أن يؤذن العشاء، هل يلزمه أن يصلي العشاء؟ لا يلزمه، الحمد لله هو قد صلى على الوجه الشرعي، صلى قصرا وجمعا وهو مسافر، فلا يلزمه أن يصلي الصلاة الثانية، لكن لو أراد أن يصليها مع الناس صلاها نافلة لا بأس، أما من حيث الواجب سقط عنه الواجب، حتى لو بقي على الرياض كيلو متر واحد، وهو يعلم يقينا بأنه سيصل قبل دخول وقت الثانية له الجمع والقصر؛ لأنه يصدق عليه وصف السفر، وهذا مسافر، ما الذي يمنعه من هذا، تتناوله عموم الأدلة الدالة على الترخيص للمسافر، المهم أنه حينما جمع وقصر مسافر ويصدق عليه السفر، ولم يصل بعد إلى بلد الإقامة، أما كونه يصل قبل دخول وقت الثانية هذا لا يضر، هذا غير مؤثر، فله أن يصلي الصلاتين جميعا ولو مع تيقنه بوصوله للبلد قبل دخول الثانية، وهذا من تيسير الله تعالى على عباده.

فائدة: بيان ما يلزم إذا وقع الخسوف مع غروب الشمس (إذا خسف القمر مع غروب الشمس فالأولى تقديم صلاة المغرب على صلاة الخسوف لما ذكره الفقهاء من أن سلطان القمر الليل، ومعلوم أنه بعد غروب الشمس لا زال الإسفار باقيا، ولأن وقت المغرب قصير نسبيا مقارنة ببقية الأوقات فيحتاط له) هذه مسألة من مسائل الخسوف إذا خسف القمر مع غروب الشمس وهذا حصل في بعض السنوات عند القمر انخسف مع غروب الشمس هل تقدم صلاة المغرب أو تقدم صلاة الخسوف؟ الأولى أن تقدم صلاة المغرب، أولا: لأن أول الليل فيه نوع من الإسفار، والقمر سلطانه في الليل.

وثانيا: أن المغرب فريضة ووقتها ليس طويلا، وقتها لا يتجاوز ساعة، في حدود ساعة إلا ساعة واثنتي عشرة دقيقة، فيحتاط لها، يحتاط للفريضة، فيبدأ أولا بصلاة المغرب ثم تصلى صلاة الخسوف، وهكذا أيضا لو خسف القمر وقت صلاة الفجر وهذا حصل في بعض السنوات، فيبدأ أولا بصلاة الفجر، ثم بعدها صلاة الكسوف.

فائدة: صلاة الكسوف في الغيم (لا تشرع صلاة الكسوف حتى يتحقق من رؤية الشمس كاسفة؛ لقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا» فعلق الأمر بالصلاة برؤيتهما كاسفين، وعليه فلو وجد غيم يمنع من رؤية الشمس فلا تشرع صلاة الكسوف) يشترط لأداء صلاة الكسوف والخسوف أن ترى الشمس كاسفة، أو يرى القمر خاسفا، وليس هذا تشكيكا في صحة ودقة الحسابات الفلكية، فهي دقيقة وتحسب الخسوف والكسوف ليس بالدقيقة بل بالثانية، ولكن لأن الشريعة وردت بتعليق الأمر بالصلاة على الرؤية، رؤية الشمس كاسفة، ورؤية القمر خاسفة، فلابد من ذلك، وعلى هذا لو كان الجو غائما، ولم يتمكن الناس من رؤية الشمس كاسفة، فلا تشرع صلاة الكسوف، ولو كان الجو غائما ولم يتمكن الناس من رؤية القمر خاسفة، فلا تشرع صلاة الخسوف، والنبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «فإذ رأيتموهما فصلوا» فعلق الأمر بالصلاة على الرؤية، فلابد من أن يُرى القمر خاسفا، وأن تُرى الشمس كاسفة، وأحيانا هناك خسوف شبه ظل، ترى القمر لا ترى عليه أثر الخسوف، ولكن الفلكيين يسمونه خسوفا، وهو خسوف شبه ظل، وهذا وإن سمي خسوفا بالمعنى الفلكي لكنه بالمعنى الشرعي ليس خسوفا، فلا تشرع الصلاة عندهم.

وأذكر في سنة من السنوات قبل تقريبا عشرين عاما، أو تزيد قليلا، قبل اثنتي وعشرين عاما أعلن في الصحف أن القمر سيخسف بعد المغرب، لكن الذي أعلن لم ينبه على أن هذا الخسوف خسوف شبه ظل، وأنه لن يرى أثر الخسوف، فقام بعض أئمة المساجد هنا في الرياض وصلوا صلاة الخسوف، لم يكلفوا أنفسهم حتى بالخروج ورؤية القمر خاسفا، صلى عدد من أئمة المساجد صلاة الخسوف، وأصدر سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله - بيانا أنكر فيه عليهم قال: إن هذا العلم غير مشروع، وأنه لا تشرع صلاة الخسوف إلا عند رؤية القمر خاسفا، فأحيانا يكون الخسوف شبه ظل لا يرى أي أثر للخسوف، لكن الفلكيين يسمونه خسوفا، هذا لا تشرع الصلاة عنده، لابد إذا من رؤية القمر خاسفا، أو رؤية الشمس كاسفة.

فائدة: هل يشرع لصلاة الخسوف خطبة؟ (اختلف الفقهاء هل تجب خطبة لصلاة الكسوف، والأقرب هو قول الجمهور أنها لا تجب، لكن ينبغي لإمام المسجد أن يلقي بعدها كلمة توجيهية مناسبة للحال اقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم -) صلاة الكسوف وقعت في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – مرة واحدة في السنة العاشرة من الهجرة، فصلى بهم النبي – صلى الله عليه وسلم – صلاة طويلة، ثم قام وخطب بهم، واختلف العلماء هل تشرع خطبة بعد صلاة الكسوف أم لا؟

فذهب الشافعية إلى أنها مشروعة، وأن المشروع للإمام بعد صلاة الكسوف أن يخطب كما يخطب الجمعة.

والقول الثاني: أنها لا تشرع، وهو قول الجمهور، وهو القول الراجح، وذلك لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – فعله أمورا في هذه الخطبة، وخاطب الصحابة وتكلم معهم، ووضح لهم فدل هذا على أنها ليست خطبة على الوجه المعروف، وإنما هي توضيح للصحابة، وتبين لهم ماذا يفعلون عند الكسوف، وإبطال لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن الشمس والقمر تنكسفان لموت أحد أو لحياته، وكان من قدر الله أن الشمس انكسفت يوم موت إبراهيم، فأراد النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يبطل هذا المعتقد، ولذلك خاطبه الصحابة قالوا يا رسول الله: رأيناك تقدمت فتقدمت الصفوف، وتأخرت فتأخرت الصفوف، قال: إني أريت في مقعدي هذا الجنة والنار، حصل حوار بينه وبين الصحابة، وهذا يدل على أنها ليست خطبة على الوجه الذي تكون عليه خطبة الجمعة.

القول الراجح أنه ليس هناك خطبة، لكن يشرع للإمام أن يعظ الناس كما وعظ النبي – صلى الله عليه وسلم – الصحابة، أن يعظه وأن يذكرهم بما قاله النبي – صلى الله عليه وسلم – كأن يقول: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا حياته، ويبين لهم ما الذي يشرع عند الكسوف، وما يحتاج إليه من تبين الأحكام، أحكام صلاة الكسوف، ونحو ذلك.. هذا مستحب استحبابا مؤكدا في حق إمام المسجد، وإن كان إمام المسجد لا يستطيع يستعين بأحد طلبة العلم لكي يلقي على الناس كلمة أو موعظة بعد صلاة الكسوف، ولكن هذا ليس بواجب، إن تيسر فهو مستحب، وإن لم يتيسر فتكفي الصلاة، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

فائدة: حكم الجمع بين الصلاتين من أجل البرد؟ (لا يشرع الجمع لمجرد شدة البرد، فإن شدة البرد قد كانت موجودة زمن النبوة، ومدينة النبي – صلى الله عليه وسلم – تقع على خطي عرض أربعة وعشرين، وربما يكون البرد الذي كان يأتي زمن النبوة أشد في كثير من الأحيان من البرد الذي يأتي حاليا على الأقل في الجزيرة العربية، وكان كثير من الناس لا يملك الواحد منهم سوى ثوب واحد، وقد جاء في صحيح البخاري عن جابر ابن عبد الله – رضي الله عنهما – قال: «أينا كان له ثوبان على عهد النبي – صلى الله عليه وسلم –» ومع ذلك لم ينقل عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه جمع لأجل شدة البرد، ولو مرة واحدة، ثم إن شدة البرد يمكن التغلب عليها بتدفئة، والملابس الشتوية المناسبة، ونحو ذلك .. ويستثنى من ذلك ما إذا كان البرد مصحوبا بأمر آخر يلحق الناس معه حرج شديد، مثل: العواصف الشديدة، أو الأمطار الغزيرة، ونحو ذلك.. فيمكن في هذه الحال أن يقال: بجواز الجمع) لا يشرع الجمع لأجل شدة البرد؛ لأن شدة البرد كانت موجودة في عهد النبي – عليه الصلاة والسلام – فإن مدينة النبي – صلى الله عليه وسلم – تقع على خط عرض أربع وعشرين، وهو نفس خط مدينة الرياض، تقع على خط طول تسع وثلاثين، وخط عرض أربع وعشرين، ولم تتغير الأجواء، الأجواء المناخية للمدينة النبوية لم تتغير كثيرا، بل ربما كان البرد في عهد النبي – عليه الصلاة والسلام – أشد من هو الآن، وكان كثير من الصحابة ليس له إلا ثوب واحد، ثوب واحد من غير ملابس داخلية، من غير أي شيء، كما قال جابر: «أينا كان له ثوبان على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم –» وجاء في قصة الرجل الذي طلب من النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يزوجه تلك المرأة الواهبة نفسها، قال إنه: ليس عليك إلا ثوب واحد، إن أعطيتها إياه بقيت ليس لك ثوب، ما عليه إلا إزار فقط، فكان كثير من الصحابة ليس عندهم إلا ثوب واحد، وكان البرد شديدا، ولم ينقل عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه جمع لشدة البرد ولو لمرة واحدة، ولو جمع لنقل، فإن هذا مما تتوافر الدواعي لنقله، ثم شدة البرد يمكن التغلب عليها بالتدفئة، وخاصة في وقتنا الحاضر ولله الحمد يعني وسائل التدفئة كثيرة، والملابس الثقيلة مثلا، بالمدفئة الكهربائية، بغير ذلك.. فتيسرت أمور الناس يمكن التغلب على شدة البرد بهذه الوسائل، إما بملابس ثقيلة، أو بالمدفئة، أو نحو ذلك.. ولهذا لمجرد شدة البرد ليست سببا للجمع، ومن جمع لأجل شدة البرد فصلاته الثانية غير صحيحة؛ لأنه صلاها في غير وقتها، والجمع بين الصلاتين من غير عذر، معدود عند أهل العلم من الكبائر.

وأذكر مرة قبل سنوات صليت في أحد الجوامع في الرياض، وكنت في الطريق أوقفت السيارة، فاتتني ركعة واحدة، وإلا كنت سأنكر على الإمام، لكن فاتتني ركعة، فلما سلم وصلوا صلاة المغرب، أقيمت الصلاة للعشاء، أنا استغربت بعدما انتهيت قضيت الركعة، سألت من حولي ما عرفنا السبب، ليس فيه مطر، ليس فيه رياح، فسألت الأخوة لماذا جمع الإمام؟ قالوا إنه يقول: برد، ولم يكن البرد شديدا، كمثل الأجواء هذه الأيام، هذا من التساهل، هذا العمل عمل لا يجوز، بل هو منكر، والإمام مؤتمن، وأما استدلال بعض الناس بحديث ابن عباس هذا فهذا أخذ بالمتشابه لماذا تأتي لنص متشابه، وتترك النصوص الكثيرة، المحكمة، المتظاهرة، المتضافرة التي تدل على عدم جواز الجمع من غير عذر، وحديث ابن عباس في كلام كثير سبق أن تكلمنا عنه في دروس سابقة، قيل: إنه كان هناك عذر خفي على ابن عباس، قيل: كان هناك وباء في المدينة، قيل: كان هناك مطر، قيل: إن الجمع كان صوري، وقيل: غير ذلك، فهو من المتشابه، لماذا يأتي الإنسان لنص متشابه، ويترك النصوص الكثيرة المحكمة التي تدل آكدية شرط الوقت، وأنه آكد شروط الصلاة، وأنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين من غير عذر، فإذا البرد ليس مبررا للجمع، لكن لو كان البرد مصحوبا بأمطار غزيرة، فهنا يمكن الجمع؛ لأن فيه مشقة ظاهرة، أو كان البرد مصحوبا بعواصف شديدة فيمكن أن يقال: بالجمع في هذه الحالة، أما مجرد شدة البرد فهذه كانت موجودة في عهد النبي – عليه الصلاة والسلام – بل كان موجودا أشد من البرد في وقتنا الحالي، ولم ينقل عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه جمع، ولو لمرة واحدة.

نكتفي بهذا القدر في التعليق على لطائف الفوائد .. وأخذنا تسعين فائدة في هذه الدروس .. وإن شاء الله الدرس سيتوقف لمدة شهر ونصف .

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1439/3/23