الخثلان
الخثلان
من الفائدة 76 إلى 81
19 ربيع الأول 1439 عدد الزيارات 493

لطائف الفوائد 12

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، واتبع سنته إلى يوم الدين .

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمنا نافعا ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس الثاني عشر في هذا العام الهجري، ليوم السادس عشر من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

نبدأ أولا: بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، كنا قد وصلنا إلى الفائدة السادسة والسبعين.

فائدة: متى يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر (لا يشرع الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، عند نزول المطر إلا عند وجود الحرج والمشقة بترك الجمع، فلما استسقى النبي – صلى الله عليه وسلم – في خطبة الجمعة، مُطر الناس أسبوعا كاملا، فلم ينقل أنه – صلى الله عليه وسلم – كان يجمع طيلة أيام الأسبوع، ومن علامة وجود المشقة أن يكون لنزول هذا المطر أثر على كل الناس، من قلة حركة الناس والسيارات في الشوارع، وإغلاق بعض المحلات التجارية، ولزوم كثير من الناس بيوتهم بسبب المطر ونحو ذلك) الفائدة التي بعدها مرتبطة بها .

  فائدة: حكم الجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ (قال الشيخ عبد العزيز ابن باز – رحمه الله – على أئمة المساجد أن يتقوا الله ويتحروا الحكم الشرعي فإذا كانت الحارة عندهم فيها مسجد، وجاء مطر وكل الناس أشق عليهم، أو سيول في المطر، أو سيول في الأرض، فلا بأس في الجمع بين الصلاتين، ولاسيما المغرب والعشاء، أما الظهر والعصر فتركه أحوط؛ لأن فيه خلافا كبيرا، ولو جمع بين العصر والظهر صح، لكن الأولى والأحوط ترك ذلك خروجا من الخلاف الشديد في ذلك؛ لأن النهار أسهل في التخلص، لكن بكل حال الواجب على الأئمة وأعيان المساجد أن ينظروا في الأمر، وألا يتسرعوا في الجمع، بل يتأملوا فإن كان هناك علة بينة فيها المشقة في الطرقات، أو مطر متتابع في حارته فيمتنع وإلا ترك، هذا هو المشروع) الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء لأجل المطر، هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء، فمن من قال: إنه لا يشرع الجمع، وقالوا: لأن المدينة كان يصيبها مطر كثير، ولم ينقل عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه كلما نزل المطر جمع، ولما استسقى النبي – صلى الله عليه وسلم – في خطبة الجمعة، نزل المطر أسبوعا كاملا ليلا ونهارا إلى الجمعة التالية التي بعدها، ولم ينقل أن النبي – صلى لله عليه وسلم – جمع.

القول الثاني: أنه يشرع الجمع إذا وجد الحرج والمشقة، لما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس – رضي الله عنهما - قال : «جمع النبي – صلى الله عليه وسلم – بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، فسئل ابن عباس عن ذلك قال: أراد ألا يحرج أمته».

والقول الراجح أنه يجوز الجمع إذا وجد الحرج والمشقة؛ لأن هذا مقتضى مجموع الأدلة، الدالة على أن جواز الجمع عند وجود الحرج، ولأن أيضا هذا هو الذي عليه عمل السلف، قد جاء في الموطأ عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا جمع الأمراء للمطر جمع بين المغرب والعشاء، إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء للمطر جمع، وابن عمر معروف بشدة تحريه للسنة، فالقول الراجح أنه يجوز الجمع.

 لكن هل يختص الجمع بالمغرب والعشاء أو يشمل الظهر والعصر هذه أيضا محل خلاف، فالمذهب عند الحنابلة أن ذلك خاص بالمغرب والعشاء قالوا: لأنهما مظنة المشقة خاصة في الزمن السابق لم يكن فيه كهرباء، ولم يكن فيه إنارة، وأما الظهر والعصر فيقولون: تقل فيهما المشقة، والقول الراجح أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء للمطر إذا وجد مشقة إذ لا فرق بينهما، وقد يوجد مشقة كبيرة فيما لم ترك الجمع بين الظهر والعصر كما في أيام الشتاء مع وجود العواصف، وشدة البرد.

قلنا إنه يجوز الجمع إذا وجد الحرج والمشقة ولكن يأتي الإشكال الكبير الذي يختلف فيه كثير من أئمة المساجد اختلافا كبيرا، ما ضابط المشقة، ما ضابط الحرج والمشقة التي يجوز بسببها الجمع ما هو الضابط؟

فهذا هنا ذكر الضابط، الضابط أن يكون للنزول المطر أثر على دنيا الناس؛ لأن الناس فيما يتعلقون بأمور دنياهم يصدقون، لكن إذا أتت الصلاة تجد أن هناك يتعلل بالمشقة، يتعلل بكذا، لكن في أمور دنياهم تجد أنه ما يغلق محله التجاري إلا إذا فعلا المشقة كبيرة، ما يلزم بيته إلا إذا وجد مشقة كبيرة، فإذا كان لهذا المطر أثر على دنيا الناس من إغلاق كثير من المحلات التجارية، ولزوم كثير من الناس بيوتهم، ونحو ذلك.. فهذا دليل على وجود الحرج والمشقة، وهنا يجوز الجمع، أما إذا لم يوجد لهذا المطر أدنى أثر على دنيا الناس، أحوال الناس قبل نزول المطر كأحوالهم بعد نزول المطر، بل ربما بالعكس يذهب الناس يتفسحون، ويذهبون للبراري، والاستراحات، إذا ما معنى أن الصلاة فقط هي التي فيها مشقة؟ إذا كان فيه مشقة لماذا لم يوجد أثر لهذه المشقة على دنيا الناس، وهذه المسألة الحقيقة يحصل فيها التساهل الكبير من بعض أئمة المساجد، بعضهم بنفسه يكون متساهلا، وبعضهم بضغط العامة عليه، يضغطون عليه وربما يكون عنده ضعف في الشخصية يستجيب، ويجمع وهو غير مقتنع، وهذا لا يجوز؛ لأن الجمع بين الصلاتين من غير عذر معدود عند أهل العلم من الكبائر، وقد روي هذا عن عمر، والأصل أن عندنا أصل صحيح محكم، وهو أن الصلاة تؤدى في وقتها، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا وشرط الوقت آكد شروط الصلاة، قد تسقط أكثر شروط وأركان الصلاة مراعاة لشرط الوقت، لو افترضنا رجلا عاجزا عن استقبال القبلة، عاجزا عن ستر العورة، عاجزا عن قل ما شئت من الشروط والأركان هل يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها وعقله معه؟ لا يجوز، نقول صل على حسب حالك، ولو أن تصلي بقلبك، وهذا يدل على آكدية شرط الوقت، ولو صلى إنسان قبل دخول الوقت بدقيقة واحدة، لم تصح صلاته بالإجماع، ولو صلى بعد خروج الوقت بدقيقة فمحل خلاف هل تصح أو لا تصح، لكن بالإجماع أنه آثم، وهذا يدل على مراعاة الشريعة للوقت، وشرط الوقت، عندنا هذا الأصل المحكم، ولذلك ينبغي عدم التساهل في الجمع إلا عند وجود الحرج الظاهر، والمشقة الظاهرة، كأن يكون المطر مصحوبا ببرد، بشدة برد، أو يكون المطر غزيرا، ويصعب على الناس ويلحقهم الضرر للوصول للمسجد، ونحو ذلك.. أما أن يجمع وليس هناك حرج هذا لا يجوز.

 وأذكر مرة أن في درس سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله – كان هناك مطر متوسط، فأتى رجل وقال: في جماعة مسجد جمعوا بين المغرب والعشاء، فأفتاهم الشيخ بأن يعيدوا صلاة العشاء.

فإن قال قائل : أليس في حديث ابن عباس جمع النبي – صلى الله عليه وسلم – بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، أراد أن لا يحرج أمته ؟

فنقول أولا: هذا الحديث أجيب عنه بعدة أجوبة .

الجواب الأول: أنه منسوخ، قال الترمذي: إن جميع ما في كتابي هذا، كتابه الجامع، لم تجمع الأمة على ترك العمل بشيء منه إلا على حديثين، أجمعت الأمة على ترك العمل بهما وهما: هذا الحديث حديث ابن عباس في الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، فنقل الترمذي الإجماع على ترك العمل به.

ثانيا: قيل إن الجمع هنا جمع صوري، أخر النبي – صلى الله عليه وسلم – والظهر إلى آخر وقتها، وقدم العصر لأول وقته، وأخر المغرب لآخر وقتها، وقدم العشاء لأول وقتها، وهذا قد جاء في رواية عند النسائي.

ثالثا: قيل إن هناك عذر خفي على ابن عباس، لأن ابن عباس كان صغيرا، وتوفي النبي – صلى الله عليه وسلم – وعمره ثلاث عشرة سنة، وأكثر الأحاديث التي يرويها بواسطة وليس مباشرة، لكن الصحابة كلهم عدول فلا يضر.

قالوا لعله كان هناك وباء بالمدينة، قيل: كان هناك وباء بالمدينة، وقيل: كان هناك مطر، وهذا أيضا نقل عن مالك وأيوب، كان مطر بالمدينة، وجمع النبي – صلى الله عليه وسلم – لأجل المطر لكن هذا  كان خفي على ابن عباس لصغر سنه.

قالوا ومما يدل على هذا أن الجمع من غير سبب من الأمور الملفتة للنظر، والتي تتوافر الدواعي لنقلها، فلو كان هذا قد وقع لنقله عدد كثير من الصحابة؛ لأن هذا يخالف المعهود والمألوف، والعادة أن ما كان مخالف للمعهود والمألوف تتوافر الدواعي لنقله، ويشتهر.

رابعا: أن هذا الحديث أكثر ما يقال عنه أنه من المتشابه، والقاعدة قاعدة الراسخين في العلم: ردوا المتشابه من النصوص للمحكم، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا قاعدة الراسخين في العلم: أنهم يردون المتشابه من النصوص للمحكم سواء في نصوص الكتاب، أو السنة، فهذا غاية ما فيه أنه من المتشابه، فنرده للنصوص المحكمة الكثيرة التي دلت على وجوب أداء الصلاة في وقتها، وعدم جواز تأخيرها، ولا يأتي إنسان ويأخذ بظاهر هذا الحديث، ويقول: أجمع من غير سبب لحديث ابن عباس، طيب أين أنت عن بقية النصوص؟ لماذا تأخذ بنص متشابه عليه كلام كثير ونقل الإجماع على ترك العمل به، وتدع النصوص الكثيرة المتضافرة، المتظاهرة، المحكمة التي تدل على عدم جواز الجمع من غير عذر، فهذه أجوبة وردت أجيب بها عن حديث ابن عباس – رضي الله عنه – وأكثر أهل  العلم على أنه لا يجمع لأجل المطر أكثر العلماء، لكن رجحنا قول الحنابلة أنه يجمع، لكن لا نتوسع أيضا، إذا رجحنا القول الأقل من أهل العلم لا نتوسع في الجمع، إنما لابد أن نضبطه بضابط الحرج والمشقة، أكثر ما يلاحظ الجمع في دول الخليج هنا، بينما بقية المسلمين في دول العالم تجد أنهم قليل أو نادر ما يجمعون لأجل المطر، لكن ربما شيوع المذهب الحنبلي قد يكون له أثر في هذا، والعبرة بالدليل على أن الحنابلة أيضا يرون أن الجمع إنما هو لأجل الحرج، هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.

فائدة: بداية وقت الجمعة (يبتدئ وقت وصلاة الجمعة بزوال الشمس في قول جماهير العلماء، ويدل لهذا ما جاء في صحيح البخاري عن أنس – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم - : «كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» وقد بوب البخاري على ذلك بقوله: «باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس» قال الحافظ ابن حجر: «جزم البخاري بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده» انتهى.

والخطبة جزء من الصلاة فلا يشرع للخطيب بناء على هذا الدخول إلا بعد الزوال، ومن صلى الجمعة قبل الزوال فصلاته غير صحيحة عند أكثر العلماء) وقت الجمعة اختلف العلماء في بدايته مع اتفاقهم على نهايته، ينتهي بدخول وقت صلاة العصر، يعني حين يصبح طول ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، أما بداية وقت الجمعة فأكثر أهل العلم على أنه يبدأ بزوال الشمس، يعني ببداية آذان الظهر، بداية دخول وقت صلاة الظهر.

وذهب الحنابلة إلى أن ابتدأ وقت صلاة الجمعة هو ابتدأ وقت صلاة العيد، أي: من بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، أي: بعد طلوع الشمس بنحو عشر دقائق، وقول الحنابلة هنا قول مرجوح، وعامة ما استدلوا به إما أدلة صحيحة غير صريحة، أو صريحة غير صحيحة، والأدلة الصحيحة تدل على أن وقت الجمعة إنما يبتدئ بزوال الشمس، ومنها هذا الحديث، حديث أنس أن النبي – صلى الله عليه وسلم -:«كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» قد بوب عليه البخاري بقوله: «باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس» ولاحظ تعليق الحافظ ابن حجر على تبويب البخاري يعني يقول: «إن البخاري جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده» كأنه يقول: إن دليل الحنابلة في هذه المسألة على أن وقت الجمعة يبتدئ بعد طلوع الشمس وارتفاعه قيد رمحه أنه ضعيف، ومما يدل على ضعفه: أنه على مر الأمصار والأعصار لم يوجد أحد أقام الجمعة بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، مما يدل على عدم قناعة أصحاب هذا القول بهذا الرأي، والقول الراجح هو قول الجمهور، هو الذي عليه أكثر أهل العلم، وعندنا هنا في المملكة اعتمد هذا الرأي، رأي الجمهور ولي الأمر، وعممت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد على جميع الخطباء أكثر من مرة بألا يدخل الخطيب إلا بعد زوال الشمس، بناء على فتوى سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله – وعلى هذا ينبغي للخطيب أن يلتزم بهذه التعليمات، وأن يدع الاجتهادات الخاصة لنفسه، إذا كان طالب علم وترجح عنده مذهب الحنابلة يدع اجتهاده لنفسه، لكنه الآن سيصلي خلفه أناس كثر، وهو مؤتمن على رأي أكثر العلماء لو صلى قبل الزوال صلاة هؤلاء كلهم غير صحيحة.

وأذكر في أن أحد المساجد هنا في الرياض، حين كان وقت الزوال يتأخر يصل أحيانا إلى الثانية عشر وثمان دقائق استفتى أناس قالوا: إن الخطيب عندهم سلم الثانية عشر وخمس دقائق فأفتوا بأن يعيدوها ظهرا، لماذا يعرض صلاة هؤلاء للبطلان؟ هذا خلاف ما تقتضيه الأمانة، اجتهاداتك الخاصة دعها لنفسك، أولا: أن هذا هو الأرجح من حيث الدليل قول الجمهور.

 ثانيا: اعتمده ولي الأمر.

 ثالثا: أن مقتضى النصح والأمانة أنك لا تعرض صلاة هؤلاء للبطلان على رأي أكثر علماء الأمة، ثم ما الداعي للعجلة، ما الداعي؟ سبحان الله! تجد بعض الناس عنده عجلة في كل شيء، يستعجل صلاة الجمعة، ثم تجده بعد ذلك ما عنده شغل، بعد صلاة الجمعة في سواليف وفي أمور ليس لها كبير أهمية، والناس في الجامع على خير يتعبدون لله – عز وجل – منهم المصلي، ومنهم القارئ للقرآن، ومنهم الذاكر لله – عز وجل – والملائكة تدعوا لهم بالمغفرة والرحمة، فما الداعي لهذه العجلة؟

فإن قال قائل: إن الخطيب يدخل الخطبة قبل الزوال، ويجعل الصلاة بعد الزوال؟

فالجواب: أن هذا وإن كان هذه أخف من المسألة الأولى، لكن الخطبة أيضا جزء من الصلاة، ولهذا قال الله – عز وجل - : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ فقوله: للصلاة دليل على أن الخطبة جزء من الصلاة،  ﴿نُودِيَ لِلصَّلَاةِ ما قال: للخطبة والصلاة، فهذا دليل على أن الخطبة جزء من الصلاة، ولذلك قال للفقهاء: إن الجمعة خطبتان بدل عن ركعتين، خطبتان بدل عن ركعتين، لأن هي في الأصل أربع الظهر، لكن الجمعة ركعتان وخطبتان، فالخطبتان بدل عن ركعتين، فحتى الخطبة ينبغي ألا تكون إلا بعد الزوال، ولهذا فينبغي أن يلتزم الخطباء بذلك، وألا يتعجلوا ويحرجوا الناس، ويوقعوا الناس في الحرج، بل ربما يعرضوا صلاتهم للبطلان.

فائدة: من خصائص الجمعة (ذكر ابن القيم – رحمه الله - : أن من خصائص الجمعة أنه يستحب أن يلبس في الذهاب إليها أحسن الثياب التي يقدر عليها، لقول الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ولأحاديث وردت في هذا، وأحسن الثياب يختلف باختلاف الأعراف، وفي عرفنا في المملكة العربية السعودية أن لبس المشلح من الزينة، ولذا يلبس في المناسبات العامة كالزواج ونحوه.. وعلى هذا فمن السنة لبسه لمن ذهب للمسجد الجامع يوم الجمعة) من خصائص الجمعة أنه يستحب أخذ الزينة في اللباس عند الذهاب إليها، فيلبس المسلم أحسن ملابسه، وإن كان أيضا هذا مطلوبا في الصلوات الخمس، في الصلاة عموما، لقول الله – عز وجل - : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ إلا أنه يتأكد في الجمعة، وفي العيدين، فيتأكد أخذ الزينة في الجمعة، وأخذ الزينة يختلف باختلاف الأعراف والبلدان، فكما لو كنت ذاهبا لمناسبة مهمة، ماذا تلبس؟ كذلك ألبس في ذهابك للجمعة، إذا أردت أن تذهب لمناسبة زواج مثلا: ماذا تلبس؟ هل تذهب بدون شماغ مثلا، بدون غترة، بثوب النوم؟ لا أبدا، لا نجد الناس يأتون للأعراس، وقصور الأفراح بثياب النوم، ولا بدون غتر بالنسبة من يسكن هنا في المملكة، كثير منهم يأتي بمشالح، إذا يكون هذا من الزينة، فالبسه في الجمعة، وإذا كنت مثلا في المناسبات الهامة لا تلبس المشلح وإنما تلبس ملابس أخرى فاللبس هذا اللباس في الجمعة، المقصود أنك خذ زينتك، والبس أحسن ملابسك عند ذهابك للجامع، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍوسبق القول بأن أخذ الزينة في الصلاة هل هو لأجل نظر الناس أو لحق الله تعالى؟ لحق الله – عز وجل – وليس لأجل نظر الناس، ولذلك لو صليت في البيت فالسنة أيضا أن تأخذ زينتك، لا تصلي في ملابس النوم، إنما البس أحسن ملابسك، وأيضا البس الغترة أو الشماغ، إذا أردت أن تصلي صلاة الضحى، أو صلاة الوتر، ولهذا لما رأى ابن عمر غلامه نافعا يصلي وهو حاسر الرأس قال: «أرأيت لو خرجت إلى السوق أكنت تخرج هكذا؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يتزين له» وأخذ الزينة في الصلاة يدل على تعظيم الإنسان للصلاة، وتعظيمه لشعائر الله – عز وجل – وعدم أخذ الزينة يدل على قلة التعظيم لشعائر الله، وقلة التعظيم والاهتمام بأمر الصلاة، فينبغي للمسلم أن يمتثل أمر ربه – عز وجل – في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْوهذا أمر،  ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ يعني عند كل صلاة.

فائدة: الصدقة قبل الدعاء من أسباب الإجابة (قال: ابن القيم – رحمه الله -: «شاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره، فيتصدق به في طريقه سرا، وسمعته يقول: إذا كان الله أمر بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فالصدقة بين يدي مناجاة الله تعالى أفضل وأوفى بالفضيلة») هذه من اللطائف أن الصدقة قبل الدعاء من أسباب إجابة الدعاء لقول الله – عز وجل - : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً فإذا كان الله تعالى أمر بالصدقة عند مناجاة الرسول، أو قبل مناجاة الرسول فقبل مناجاة الله تعالى من باب أولى، ولهذا نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيميه – رحمهما الله تعالى - : «أنه كان إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره، فيتصدق به في طريقه سرا» لأنه مقبل على صلاة الجمعة، فهذه من اللطائف، أنك قبل أن تدعوا، أو قبل ما تصلي أنك تتصدق لله – عز وجل – بصدقة، فإذا تصدقت قبل الدعاء هذا أرجى لإجابة الدعاء، وأيضا الصدقة أجرها عظيم، وثوابها جزيل، وهي برهان على صدق إيمان المتصدق، ويدفع الله تعالى عن المتصدق بها ألوانا وأصنافا عظيمة من البلاء، قال ابن القيم – رحمه الله – يقول: «للصدقة تأثير عجيب في دفع أنواعا من البلاء حتى ولو كانت الصدقة من فاجر، أو من ظالم، بل حتى وإن كانت من كافر فإن الله يدفع بها عنهم أنواع من البلاء، يقول: وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأطبق أهل الأرض عليهم وكلهم مقرون به؛ لأنهم قد جربوا» فأهل الأرض كلهم يعرفون بأن الصدقة لها تأثير عظيم في دفع البلاء، وأيضا لها تأثير عظيم في حلول البركة، ولها تأثير عظيم في جلب الخير، وفي الزيادة الحسية والمعنوية، إما أن تكون الزيادة حسية ، أو معنوية، «ما نقص مال من صدقة، بل تزيده، بل تزيده» ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وينبغي أن يحرص المسلم ما أمكن على ألا يمر عليه يوم إلا وقد تصدق فيه لله صدقة ولو قليلة، حتى يدخل في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم يقول فيه النبي – صلى الله عليه وسلم - : «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل ملكان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» فحتى يدعوا لك هذا الملك بالخلف تصدق ولو بشيء يسير، احرص على أن كل يوم ما أمكن أنك تتصدق ولو بمبلغ يسير.

فائدة: أفضل الأعمال عند انتظار صلاة الجمعة (أفضل ما تشتغل به عندما تذهب لصلاة الجمعة أن تصلي مثنى مثنى، ركعتين ركعتين، إلى وقت النهي، قبل الزوال بسبع دقائق تقريبا، فإن الصلاة هي أحب عبادة إلى الله تعالى ويجتمع فيها من العبادات ما لا يجتمع في غيرها، وقد ذكر في ترجمة الإمام أحمد – رحمه الله – أنه كان يصلي تطوعا من غير فريضة في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة، وكان الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب عمدة الأحكام يقتدي به في ذلك) أفضل ما يشتغل به من يذهب للمسجد الجامع يوم الجمعة الصلاة؛ لأن الصلاة هي أحب عبادة إلى الله، فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: سألت النبي – صلى الله عليه وسلم – أي: العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» أحب عبادة إلى الله الصلاة، أحب عبادة، الله تعالى يحب هذا النوع من التعبد، ولهذا لما فرضت هذه العبادة فرضت على صفة خاصة، عرج بنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – حتى جاوز السماء السابعة، ووصل إلى سدرة المنتهى، إلى أعلى مقام وصله البشر، وكلمه الله مباشرة من غير واسطة، لما فرض عليه هذه العبادة فرضها كم صلاة؟ خمسين صلاة في اليوم والليلة، يعني في أربع وعشرين ساعة خمسون صلاة، لو أنها استمرت ولم تخفف واستقرت معنى ذلك كل نصف ساعة نصلي صلاة تقريبا، فرضها بهذه الطريقة، ثم تخفيفها إلى خمس صلوات في الفعل، ولم تخفف في الأجر والثواب، هذه الخمس صلوات التي نصليها أجرها أجر خمسين صلاة، فرضها بهذه الطريقة، فرض خمسين صلاة في أربع وعشرين ساعة يدل على محبة الله – عز وجل – لهذا النوع من التعبد، فهي أحب عبادة إلى الله، إذا استطعت أن تشغل وقتك بالصلاة فافعل إلا أنك لا تصلي في أوقات النهي، أحب عبادة إلى الله، وقد فهم هذا كثير من السلف والأئمة ولهذا الإمام أحمد كان يصلي لله تعالى في اليوم والليلة تطوعا من غير فريضة ثلاثمائة ركعة، ولما حصلت له المحنة المشهورة، وضرب كان يضرب حتى يغمى عليه، فتأثر بدنه وضعف، فأصبح يصلي لله تعالى في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة، وكان الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب عمدة الأحكام يقتدي بالإمام أحمد فكان يصلي لله تعالى في اليوم والليلة تطوعا من غير فريضة ثلاثمائة ركعة، لعلمهم بأنها أحب عبادة إلى الله، وعلى هذا إذا أتيت المسجد الجامع يوم الجمعة فالأفضل أنك تشتغل بالصلاة مثنى مثنى، ركعتين ركعتين، إلى وقت النهي قبيل الزوال بنحو سبع دقائق توقف، وهذا مأثور عن كثير من السلف أنهم كانوا يفعلون ذلك، فإن قال قائل: أنا أرغب أن أقرأ القرآن، اشتغل بتلاوة القرآن؟ نقول: هذا عمل صالح، لكن ما أحسن أن تجعل تلاوة القرآن في داخل الصلاة، ولا بأس أن تحمل المصحف، تقرأ من المصحف، صلاة نافلة، تقرأ من المصحف، أو حتى المصحف من الجوال لا مانع من هذا، فهذا هو الأفضل والأكمل، والسنة القبلية التي قبل صلاة الجمعة لا حد لها، ليست محدودة بعدد معين، بل لك أن تصلي ركعتين، أو أربعا، أو ستا، أو ثمانيا، أو عشرا، أو أكثر من ذلك، مثنى مثنى، والدليل على عدم تحديدها حديث سلمان – رضي الله عنه – في صحيح البخاري يقول فيه النبي – صلى الله عليه وسلم - : «من اغتسل يوم الجمعة وتطهر ما استطاع من طهر، وادهن أو مس من طيب، ثم راح فلم يفرق بين اثنين، فصلى ما كتب له، ثم إذا خرج الإمام وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» وهذا في صحيح البخاري، ومحل الشاهد منه قوله: ثم صلى ما كتب له، وهذا دليل على أن السنة القبلية ليس لها حد محدود، ليس لها عدد معين، فلك أن تصلي ما تشاء، ركعتين، أربع، ست، ثمان، عشر، أو أكثر، فالأمر في هذا واسع.

فائدة: حكم الاقتصار على الصلاة من غير تسليم (نص العلماء على كراهة الاقتصار على الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – من غير تسليم؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بهما جميعا، فقال: صلوا عليه وسلموا تسليما) هذه الفائدة ذكرها النووي وأنه يكره الاقتصار على الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – من غير تسليم، إن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا المشروع أن يقال: اللهم صل وسلم على رسولك محمد، ولا يكتفي ويقول: اللهم صل على محمد إنما يقول: صل وسلم على رسولك محمد، وهذه هي أكمل صيغ، صل وسلم على رسولك محمد، أما الصلاة الإبراهيمية اللهم صل على محمد وعلى آل محمد .. إلى آخره إنما تقال: في الصلاة، في التشهد، أما في غير الصلاة فلا يؤتى بها، غير الصلاة يقال: اللهم صل وسلم على رسولك محمد، ومن صلى صلاة واحدة على النبي – صلى الله عليه وسلم – صلى الله عليه بها عشر مرات، يعني أثنى الله عليه عشر مرات، وهذا يدل على فضل الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – كان أبي ابن كعب له وقت خصصه كل يوم للدعاء، فقال يا رسول الله: «كم أجعل لك من صلاتي؟ يعني كم أخصص لك من هذا الوقت الذي جعلته للدعاء، أخصص منه للصلاة عليك، قال: ما شئت، قال: أجعل لك الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك الثلث؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك الشطر يعني النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك الثلثين؟ قال: ما شئت، وإن زد فهو خير لك، قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ يعني يخص هذا الدعاء كله للصلاة والسلام عليك؟ قال: إذا يغفر ذنبك، وتكفى همك» وهذا حديث صحيح، أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وهذا يدل على أن الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله من أسباب تفريج الكربات، وزوال الهموم، ومن أسباب مغفرة الذنوب، وهي عمل صالح، فينبغي للمسلم أن يكثر من الصلاة والسلام على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهناك كتاب قيم لابن القيم في فضل جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام ذكر فيه فضائل كثيرة وعظيمة للصلاة والسلام على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فمن أراد مزيد بيان لهذه الفوائد فليرجع لهذا الكتاب.

 

ونكتفي بهذا القدر .. والله أعلم .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى - 1439/3/16