الخثلان
الخثلان
من الفائدة 69 إلى 75
16 ربيع الأول 1439 عدد الزيارات 475

لطائف الفوائد 11

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو الدرس الحادي عشر لهذا العام، التاسع من ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علمنا نافعا ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

 ونبدأ أولا: بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، كنا قد وصلنا إلى الفائدة التاسعة والستين.

فائدة: من قام من التشهد الأول ناسيا هل يرجع؟ (الأقرب أنه إذا قام من التشهد الأول ناسيا ولم يذكر إلا بعد قيامه أنه لا يرجع ولو لم يشرع في القراءة؛ لحديث المغيرة فإن استتم قائما فلا يجلس، ولم يقل: إذا شرع في القراءة، وقول بعض الفقهاء القراءة ركن مقصود، فنقول: وكذلك القيام ركن مقصود، ولأن بقية الواجبات إذا لم يذكرها إلا بعد وصوله إلى الركن الذي بعدها فإنها تسقط، ولا يعود إلى ركنها ليأتي بها) إذا قام المصلي من التشهد الأول ناسيا فالمذهب عند الحنابلة أنه إذا لم يستتم قائما فله أن يرجع، فإذا استتم قائما فيكره له في حقه الرجوع، فإذا شرع في القراءة حرم عليه الرجوع، على هذا التفصيل.

والقول الثاني في المسألة: هو القول الذي قرره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله – هنا وهو أنه جعل المسألة في حالتين فقط وهي:

قبل أن يستتم قائما له الرجوع، أما إذا استتم قائما فليس له الرجوع، سواء شرع في القراءة أو لم يشرع، ولهذا قال: إذا قام من التشهد الأول ناسيا، ولم يذكر إلا بعد قيامه لا يرجع، ولو لم يشرع في القراءة، فلا يرجع والرجوع هنا محرم، خلافا للمشهور من المذهب الذين قالوا إنه مكروه إذا كان قبل أن يشرع في القراءة، وهذا القول الذي ذكره الشيخ ابن السعدي هو الأقرب والله أعلم، لظاهر حديث المغيرة فإن حديث المغيرة قال: «فإن استتم قائما فلا يجلس» ولم يقل – عليه الصلاة والسلام – إذا شرع في القراءة، وإنما أناط الحكم بأن يستتم قائما، وأما قول بعض الفقهاء إن القراءة ركن مقصود فيرد عليه أيضا أن القيام أيضا ركن مقصود فأي فرق بين القيام وبين القراءة؟ وأيضا بقية الواجبات إذا لم يذكرها إلا بعد وصوله إلى الركن الذي بعدها فإنها تسقط، ولا يعود إلى ركنها ليأتي بها.

مثال ذلك: لو نسي التسبيح في الركوع، ثم إنه رفع من الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا و لك الحمد ثم ذكر أنه لم يأت بالتسبيح في الركوع فإنه لا يرجع، ويستمر في صلاته، ويجبر ذلك بسجود السهو، كذلك أيضا التشهد الأول واجب فإذا لم يذكره إلا بعد وصوله للركن الذي يليه وهو القيام سقطت التشهد الأول وجبر بسجود السهو، وهذا يصلح أن يكون قاعدة لكل الواجبات في الصلاة أنه إذا نسيها المصلي ولم يذكرها إلا بعد وصوله للركن الذي بعدها فإنها تسقط، ويجبر ذلك بسجود السهو، هذه قاعدة في جميع واجبات الصلاة.    

  فائدة: مشروعية الصلاة على النبي في التشهد الأول (الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – مشروعة في التشهد الأخير باتفاق العلماء، وأما في التشهد الأول فقد اختلف العلماء في ذلك، والأقرب أنها مشروعة كذلك لعموم الأدلة الواردة، ومنها: حديث كعب بن عجرة – رضي الله عنه – أنه قيل: يا رسول الله عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» الحديث ولم يقل: اجعلوا ذلك في التشهد الأخير فدل على أنه يشمل التشهد الأول والأخير وقد اختار هذا القول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله – وقال: «الصحيح مشروعيتها أيضا في التشهد الأول لعموم الأحاديث الواردة في ذلك») الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – مشروعة في التشهد الأخير بالإجماع، على خلاف بين الفقهاء هل هي ركن، أو واجب، أو مستحب، وسبق أن ذكرنا خلاف العلماء في درس الفقه، ذكرنا ذلك بالتفصيل، ورجحنا القول بأنها مستحبة، وأنه ليس هناك دليل ظاهر يدل على الوجوب فضلا على الركنية، فهي مستحبة مثل دعاء الاستفتاح، ومثل: سائر سنن الصلاة، والنبي – صلى الله عليه وسلم – لم يأمر بها ابتداء، إنما أمره كان في محل جواب للسؤال، قالوا عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد، أما في التشهد الأول اختلف العلماء في مشروعيتها على قولين:

القول الأول: الجمهور ويرون أنها غير مشروعة في التشهد الأول، وأن المصلي يقتصر على ألفاظ التشهد إلى الشهادتين، إلى أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ينهض للركعة الثالثة.

والقول الثاني: أن الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – مشروعة في التشهد الأول، وهذا هو مذهب الشافعية في الأظهر عندهم واختاره شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله –.

 أما الجمهور فدليلهم قالوا إن النبي – صلى الله عليه وسلم – علم الصحابة التشهد، ولم يذكر الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – لكن أيضا هذا يرد على حتى التشهد الأخير.

وأما الشافعية فقالوا: إن الأدلة عامة لم تفرق بين التشهد الأول والأخير، فحديث كعب بن عجرة قالوا يا رسول الله: عرفنا كيف نسلم عليك – يعني في قول المصلي السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته - فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» إلى آخره.. ولم يقل اجعلوها في التشهد الأخير، ومعلوم أن المصلي في التشهد الأول يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فما وجه تخصيصها في التشهد الأخير؟ وهذا هو القول الراجح أنه تشرع الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – في التشهد الأول.

هناك حديث يحتج به الجمهور لكنه ضعيف، أحببنا أن ننبه على ضعفه وهو أن النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا كان في التشهد الأول كأنه جالس على الرضف يعني الحجارة المحماة، لكنه ضعيف، وفي متنه أيضا نكارة، وعلى هذا فالأقرب الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – في التشهد الأول، لكن ما حكمها؟

إذا قلنا إن الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – في التشهد الأخير أنها سنة فمن باب أولى أنها في التشهد الأول أنها سنة، ولا تكون واجبة فضلا عن الركنية، فهي مستحبة من تركها فلا شيء عليه.

هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.

فائدة: الدعاء بين السجدتين (الأفضل في الدعاء بين السجدتين التقيد بما ورد، وعدم الزيادة عليه، بخلاف الدعاء في السجود، وفي التشهد الأخير قبل السلام، فإنه مطلق، فيتخير من الدعاء ما أعجبه، والوارد في الدعاء بين السجدتين: رب اغفر لي يكررها) محل الدعاء في الصلاة ورد في مواضع:

الموضع الأول: السجود، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فاجتهدوا في الدعاء» وهذا يشمل صلاة الفريضة والنافلة، لكن صلاة الفريضة ينبغي للإمام ألا يطيل على المأمومين؛ لأنه لو أتى بالتسبيح، ثم أتى بالدعاء ربما أطال على من خلفه، وأما صلاة النافلة فيدعو بما شاء.

والموضع الثاني: في التشهد الأخير بعد الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – قبيل السلام، فقد جاء في حديث ابن مسعود: «ثم ليتخير من الدعاء ما أعجبه» يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.

الموضع الثالث: وهو محل خلاف في الركوع، وهذا محل خلاف بين العلماء هل يشرع فيه الدعاء أم لا، والأقرب أنه يجوز فيه الدعاء لكن الأفضل تخصيصه بتعظيم الله – عز وجل – لقوله - عليه الصلاة والسلام - : «أما الركوع فعظموا فيه الرب» والدليل على جواز الدعاء في الركوع حديث عائشة – رضي الله عنها – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» متفق عليه، وقوله: اللهم اغفر لي هذا دعاء، كان يدعو به - عليه الصلاة والسلام - في الركوع لكن الأفضل أن يجعل معظم الركوع في تعظيم الله – عز وجل – هذه المسألة يحتاج إليها خاصة في قيام رمضان مثلا عندما يطيل الإمام الركوع، هل يقتصر على التعظيم لله أو يدعا في هذا الموضوع؟ لا بأس بالدعاء، لكن الأفضل أن يكون معظم الركوع لتعظيم الله – عز وجل -.

الموضع الرابع: الدعاء بين السجدتين، هذا لم يرد ما يدل على أن الدعاء فيه مطلق، وإنما جاء مقيدا بما ورد، لكن ظاهر الأدلة أنه لو دعا بأي دعاء فلا بأس، ولكن السنة أن يقتصر على ما ورد، ليس هذا مثل السجود، السجود قال: فاجتهدوا في الدعاء، وليس مثل التشهد الأخير قبيل السلام، قال: يتخير من الدعاء ما أعجبه، وإنما هذا أتى الدعاء فيه مقيدا، فالسنة الاقتصار على ما ورد، وما الذي ورد؟ جاء في حديث ابن عباس  أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، وأهدني، وارزقني» أخرجه أبو داوود، والترمذي، وجاء في رواية: «وأجبرني»، ولكن هذا الحديث حديث ضعيف، لا يصح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وورد في ذلك حديث حذيفة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي» وهذا حديث صحيح، أخرجه أبو داوود، بسند صحيح، وعلى هذا فالمحفوظ من الدعاء في هذا الموضع هو أن يقول: رب اغفر لي يكررها، فالأفضل الاقتصار على ذلك، أن تقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي، تكررها، ولكن من زاد لا ينكر عليه، من قال: رب اغفر لي، وارحمني، وأهدني، وعافاني، لا حرج، لكن الأفضل والأقرب للسنة الاقتصار على قول: رب اغفر لي يكررها؛ لأنه لم يثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا هذا فقط، إلا قول: رب اغفر لي.    

فائدة: سجود السهو هل هو قبل السلام أو بعده (اختلف العلماء في موضع سجود السهو هل هو قبل السلام أم بعده؟ والراجح هو ما ذهب إليه الإمام أحمد، واختاره سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله – وهو أن سجود السهو كله قبل السلام إلا في الموضعين اللذين ورد النص بكونهما بعد السلام وهما: إذا سلم عن نقص من صلاته في عدد الركعات.

الثاني: إذا شك وكان مع الشك تحري وغلبة ظن) موضع سجود السهو هل هو قبل السلام أم بعده؟

اختلف العلماء في ذلك على أقوال:

فمنهم من ذهب إلى أنه بعد السلام مطلقا، وهذا هو مذهب الحنفية.

ومنهم من قال: إنه قبل السلام مطلقا، وهذا هو مذهب الشافعية.

ومنهم من فصل فقال: إن كان عن زيادة فبعد السلام، وإن كان عن نقص فقبل السلام، وهذا هو مذهب المالكية، واختاره ابن تيمية، وابن عثيمين – رحمهم الله تعالى -.

القول الرابع: هو القول الذي ذكر هنا وهو المذهب عند الحنابلة وهو: أن سجود السهو كله قبل السلام إلا في الموضعين اللذين ورد النص بأن يكونا فيهما بعد السلام، وهما:

إذا سلم عن نقص من صلاته في عدد الركعات، وإذا شك وكان مع الشك تحري وغلبة ظن.

 النبي – صلى الله عليه وسلم – ورد عنه أنه سجد قبل السلام، وورد عنه أنه سجد بعد السلام، لكن لم يحفظ عنه أن سجد بعد السلام إلا في هذين الموضعين فقط.

وعلى هذا فالقول الأول، والقول الثاني، قولان ضعيفان؛ لأن القول الأول أنه بعد السلام مطلقا، يرد عليه سجود النبي – صلى الله عليه وسلم – قبل السلام، والقول بأنه قبل السلام مطلقا، يرد عليه سجود النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد السلام.

وتبقى الموازنة بين القول الثالث، والقول الرابع.

القول الثالث من الناحية النظرية: جيد إذا كان عن زيادة بعد السلام، إذا كان عن نقص بعد السلام، لكن يشكل على هذا القول قصة ذي اليدين فإنه في قصة ذي اليدين في حديث أبي هريرة وهو في الصحيحين صلى بهم النبي – صلى الله عليه وسلم – صلاة الظهر أو العصر ركعتين، ثم سلم، ثم قام على خشبة واتكأ عليها كأنه غضبان، وشبك بين أصابعه، وكان في الصحابة أبو بكر، وعمر، فهابا أن يكلماه، الصحابة كلهم هابوا تكليم النبي – صلى الله عليه وسلم – كان هناك رجل اسمه الخرباق بن عمرو، وكان في يديه طول، يقال له: ذي اليدين قال يا رسول الله: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: «لم أنسَ، ولم تقصر، قال: بلى صليت ركعتين، فقال – عليه الصلاة والسلام – للصحابة: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، صليت ركعتين، فقام – عليه الصلاة والسلام – وصلى بهم ركعتين، ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم» فسجود السهو هنا: هل هو قبل السلام أم بعده؟ بعد السلام، هل هذا عن نقص أو عن زيادة؟ نقص ركعتين، فهذا مما يشكل على القول الثالث، هم يقولون: إن كان عن نقص قبل السلام، إن كان عن زيادة بعد السلام، هو سلم الآن عن نقص، نقص ركعتين، ومع ذلك سجد بعد السلام، لكن أصحاب هذا القول يقولون: يعتبرون هذا الموضع عن زيادة، يقولون: إن كونه سلم، يعني أتى الدعاء بعد التشهد وسلم، ثم قام واستدرك هذا يعتبرونه زيادة، لكن هذا محل نظر، لو أراد إمام مسجد أن يقنع جماعته، صلى بهم ركعتين وسلم، لو أراد أن يقنع جماعة المسجد أنه زاد هل يستطيع أن يقنعهم؟ نقص ركعتين كيف يقنعهم أنه زاد؟ ما يمكن، فالقول باعتباره زيادة هذا محل نظر، الأقرب أنه نقص ليس ركعة نقص ركعتين، ومع ذلك سجد بعد السلام، فهذا مما يشكل على هذا القول.

أما القول الرابع: وهو قول الحنابلة، فقد فسره الإمام أحمد قال: «الأصل أن سجود السهو جبر للنقص والخلل الواقع في الصلاة، والأصل أن هذا إنما يكون في صلب الصلاة قبل السلام، قال الإمام أحمد: ولولا أنه ورد سجود السهو بعد السلام في هذين الموضعين لقلت إن سجود السهو كله قبل السلام، لكن أنا أجعل سجود السهو قبل السلام باعتبار أن الأصل أنه جبر للنقص، والخلل في الصلاة، وهذا من شأنه أن يكون في صلب الصلاة قبل السلام، لكنني استثني هذين الموضعين احتراما للنص، فهذان الموضعان أقول: يسجد فيهما بعد السلام، وما عدا ذلك قبل السلام»، وهذا القول كما ترون يتفق مع جميع النصوص الواردة، ففيه إعمال لجميع النصوص، ولا يرد عليه أي إشكال، وأيضا سهل في فهمه، وسهل في تطبيقه.

أما القول الثالث: زيادة أو نقص تجد بعض أئمة المساجد إذا سها يبدأ يفكر هل هو الآن زاد أو نقص، هل يسجد قبل السلام أو بعد السلام؟ يعني كيف يسلم من ركعتين يعتبرونه زيادة؟.

القول الرابع: أسهل في الفهم وفي التطبيق نقول: دائما أسجد قبل السلام إلا في هذين الموضعين، سهل حفظه، وفهمه، وتطبيقه، ما هما هذان الموضعان؟

الموضع الأول: إذا سلم عن نقص من صلاته في عدد الركعات، مثل: ما حصل للنبي – صلى الله عليه وسلم – صلى عن الظهر أو العصر من ركعتين، أو سلم من ثلاث ركعات، يقوم ويأتي بما نقص، ويسجد للسهو بعد السلام، دليل هذا قصة ذو اليدين.

الموضع الثاني: إذا شك وكان مع الشك تحري وغلبة ظن؛ لحديث ابن مسعود – رضي الله عنه – فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال فيه: «إذا صلى أحدكم فلم يدرِ أصلى أربعا، أو خمسا، فليتحرى الصواب، وليسجد سجدتين بعدما يسلم» متفق عليه، قوله: فليتحرى الصواب فيه إشارة لهذا، والشك لا يخلو إما أن يقترن بتحري أو لا يقترن، إن اقترن بتحري وغلبة ظن يعني اجتهد وغلب على ظنه ثمانين أو تسعين بالمائة أنه مثلا صلى أربعا أو ثلاثا يعمل بغلبة الظن هذه، ويسجد السهو بعد السلام، أو يكون الشك متساوي الطرفين ما يدري، هل هي ثلاث أم أربع؟ لا يدري، فإذا كان الشك متساوي الطرفين هنا يبني على اليقين وهو الأقل، يجعلها ثلاثا، ويسجد للسهو قبل السلام لحديث أبي سعيد، إذا الشك على قسمين:

إما أن يكون شك مع تحري وغلبة ظن فسجود السهو يكون معه بعد السلام.

أو يكون الشك ليس معه تحري ولا غلبة ظن متساوي الطرفين، فيكون سجود السهو قبل السلام، وهذا فيه إعمال لجميع النصوص، لأنه ورد في حديث أبي سعيد: «إذا صلى أحدكم فلم يدري كم صلى أثلاثا أم أربعا؟ فليبني على ما استيقن، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم» رواه مسلم، لابد من التفصيل في الشك.

هذه خلاصة موجزة ومركزة في هذه المسألة، وهي مسألة مهمة، فيها حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.

إذاً القول الراجح: أن سجود السهو قبل السلام لكن إلا في موضعين – أحفظ هذين الموضعين – إذا سلم عن نقص في عدد الركعات، إذا شك وكان مع الشك تحري وغلبة ظن وما عدا ذلك سجود السهو قبل السلام.   

فائدة: إذا سها في صلاته، ثم نسي سجود السهو، فما الحكم؟ (إذا وجب على المصلي سجود السهو، ثم نسي أن يسجد، فإن ذكره قريبا أتى به، وإن طال الفصل فصلاته صحيحة ويسقط عنه، قال الشيخ: محمد العثيمين – رحمه الله -: «إن ذكر في زمن قريب سجد، وإن طال الفصل سقط، كما لو لم يتذكر إلا بعد مدة طويلة، وكما إذا خرج من المسجد فإنه لا يرجع إلى المسجد فيسقط عنه») هذا الآن مصلي سها، ثم سها، سها ووجوب عليه ثم نسي سجود السهو، يعني إما أن يكون كثير النسيان، أو يكون في ذلك اليوم ذهنه مشغول، سها ثم سها، وهذا يحصل لبعض الناس، يكون عليه سجود سهو مثلا ينسى التشهد الأول، على أنه سيسجد السهو في آخر صلاته، ثم ينسى، إن ذكر قريبا أتى بسجود السهو، إن ذكره وهو لا زال في المسجد، لا زال في مصلاه يأتي بسجود السهو، وليس في هذا إشكال، لكن إذا نسي سجود السهو وطال الفصل، يعني مثلا صلى أمس صلاة العشاء وكان قد نسي فيها الجلوس للتشهد، ونسي أن يسجد للسهو، ثم تذكر الآن هل يقال إنك الآن تسجد للسهو؟ لم يقل أحد من أهل العلم: أنه يعيد الصلاة؛ لأنه لم يترك ركنا، الإعادة إنما تكون لترك الركن، لكن الخلاف بين العلماء الآن هل يأتي بسجود السهو أو يسقط عنه سجود السهو؟

فالجمهور يقولون إن سجود السهو يسقط عنه في هذه الحال، وهذا هو القول الذي ذكر هنا، ونقل عن الشيخ بن عثيمين – رحمه الله – قال: «وإن طال الفصل سقط كما لو لم يتذكر إلا بعد مدة طويلة» فيقولون: إن هذا واجب نسيه فيسقط.

وبناء على ذلك في مثالنا: لو نسي سجود السهو من صلاة العشاء بالأمس ولم يتذكر إلى الآن نقول: ليس عليك شيء، سقط  عنك سجود السهو.

وهناك قول آخر هو رواية عن الإمام أحمد: أنه يسجد للسهو ولو طال الفصل، يسجد للسهو ولو طال الفصل، وقد اختار هذا القول الإمام ابن تيمية – رحمه الله – واستدلوا بعموم قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها» متفق عليه، قالوا: هذا ذكر، فيأتي بسجود السهو.

والقول الراجح والله أعلم هو قول الجمهور وهو: أن سجود السهو يسقط معه مع طول الفصل.

وأما القول الثاني استدلالهم بالحديث فنقول: إن الحديث إنما ورد في الصلاة، وأما سجود السهو فهو تابع للصلاة، فهو إما واجب للصلاة، أو واجب فيها، وليست صلاة مستقلة، فلا يصح أن يؤتى به مع طول الفصل، ومما يدل على أن هذا القول مرجوح: لو افترضنا أن رجلا نسي سجود السهو من عشر سنين، قال: والله أنا عشر سنين صليت، ونسيت التشهد الأول، وكنت أنوي أن أسجد للسهو لكني نسيت، والآن سمعتكم تتحدثون عن أحكام سجود السهو فسألت، بناء على هذا القول الثاني: يسجد لصلاة قبل عشر سنين، و لك أن تفرض قبل عشرين سنة، قبل ثلاثين سنة، قبل أربعين سنة، لكن هذا من لوازم هذا القول، وهذا مما يبين أن هذا القول قول مرجوح.

وهنا فائدة لطالب العلم: عند الترجيح بين الأقوال في المسائل الخلافية مما يعين على الترجيح طرح اللوازم، هذا يفيد في تبين قوة القول أو ضعفه، هنا طرحنا هذا اللازم.

مثل مثلا ابتدأ وقت صلاة الجمعة الجمهور يرون أنها بعد الزوال، الحنابلة يرون أنها بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، لو طرحنا لازما، لو أن على قول الحنابلة يصح أن تقام الجمعة بعد طلوع الشمس بعشر دقائق، فهذا مما يبين ضعف هذا القول.

والحاصل أن القول الراجح في هذه المسألة هو قول الجمهور وهو أنه إذا نسي سجود السهو، وطال الفصل، سقط عنه سجود السهو، وصلاته صحيحة.   

فائدة: أثر السجود على الجبهة هل هو علامة على الصلاح؟ (سئل الشيخ محمد بن العثيمين – رحمه الله -: «هل ورد أن العلامة التي يحدثها السجود في الجبهة من علامات الصالحين؟ فأجاب: ليس هذا من علامة الصالحين، وإنما هو النور الذي يكون في الوجه، وانشراح الصدر، وما أشبه ذلك.. أما الأثر الذي يسببه السجود في الوجه فقد تظهر في وجوه من لا يصلون إلا الفرائض لرقة الجلد، وقلّ تظهر في وجه من يصلي كثيرا، ويطيل السجود») العلامة التي يحدثها السجود على الجبهة هذه ترى في بعض الناس، هل هذه علامة على الصلاح؟ وهل هذه السيما المذكورة في قول الله – عز وجل -: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ؟ هذه العلامة قال بعض السلف: بذلك، وهذا مروي عن مالك، ولكن أكثر أهل العلم على أنها ليست هي المقصودة في الآية، ولهذا قال مجاهد: «إن هذه العلامة التي تكون في الجبهة كغدة البعير قال: ربما كانت بين عيني من هو أقسا قلبا من فرعون» يعني تكون بين عيني بعض الناس، وهو قاسي القلب، ليست دليلا إذا على الصلاح.

إذاً ما هي هذه السيما﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ؟ إذا قلنا إن هذه العلامة التي على شكل الغدة كغدة البعير، إذا قلنا إن هذه ليست هي المقصودة في الآية إذاً ما هي هذه السيما؟

السيما قال ابن عباس هي: «السمت الحسن».

وقال مجاهد: هي «الخشوع والتواضع».

والشيخ هنا الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – قال: هي النور الذي يكون في الوجه، وانشراح الصدر، وما أشبه ذلك..».

 هذا هو الأقرب، والله أعلم، أن المقصود بالسيما: السمت الحسن الذي يظهر على وجه الإنسان وملامحه، وهذا نراه في الواقع، تجد أن الإنسان صاحب العبادة والصلاح والاستقامة وقيام الليل يظهر أثر هذا على وجهه، يظهر عليه السمت، والخشوع، ومن سنن الله – عز وجل – أنه إذا صلحت السريرة أصلح الله تعالى العلانية والظاهر، إذا صلحت سريرة الإنسان أصلح الله ظاهره للناس، ولذلك قال عمر – رضي الله عنه -: «من أصلح سريرته أصلح الله علانيته» وعلى هذا فالسيما الذي من أثر السجود هو: السمت الحسن، والمظهر اللائق بالإنسان الذي يظهر عليه أثر العبادة، والصلاح، والناس يعرفون هذا في واقعهم، تجد أن الإنسان الصالح يظهر أثر الصلاح عليه في سمته، في سلوكه، في وجهه، يظهر أثر الصلاح عليه، بخلاف الإنسان الفاسق، الفاجر، تجد أن هذا السمت لا يظهر عليه، فهذا شيء محسوس، ومشاهد، لكن لا نربط هذا بهذه العلامة الحسية التي هي غدة كغدة البعير، ومما يدل لهذا أن هذه العلامة لم تظهر على أكابر الصحابة، لماذا لم تظهر على أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ما ذكر أن هذه ظهرت، بل النبي – عليه الصلاة والسلام – ما ذكر أنه ظهرت عليه هذه الغدة كغدة البعير، ومعلوم أن النبي – عليه الصلاة والسلام – كان يقوم وقتا طويلا من الليل، يقرأ في الركعة الواحدة البقرة، وآل عمران، والنساء، وسجوده طويل، ولم تظهر هذه العلامة عليه، هذا يدل على أنها ليست هي المقصودة في الآية، وأن المقصود بها بسيما يعني السمت الحسن، والنور الذي يظهر على الوجه.

فائدة: متى يكون انتظار الجماعة الثانية أفضل؟ (إذا أتيت جماعة وقد رفع الإمام من الركوع من الركعة الأخيرة، وكنت ترجو وجود جماعة جديدة، فالأفضل ألا تدخل مع الإمام، وإنما تنتظر حتى يسلم الإمام، فتدخل مع الجماعة الجديدة؛ لأنك بهذا تضمن أجر الجماعة، فإن الجماعة إنما تدرك بإدراك ركعة في أظهر أقوال العلماء، كقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة» فمفهومه من لم يدرك ركعة، لا يكون أدرك الصلاة، وكما أن الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة، فكذا الجماعة) الجماعة ورد فيها فضل خاص، «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» ولكن المسبوق متى يدرك الجماعة؟

هذا محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إن المسبوق يدرك الجماعة بإدراك قدر تكبيرة الإحرام.

والقول الثاني: أن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة، وهذا هو القول الراجح، أن الجماعة إنما تدرك بإدراك ركعة، وكذلك الجمعة لا فرق بين الجمعة والجماعة، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة» فإن مفهومه أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركا للصلاة، وكذلك الجمعة تدرك بإدراك ركعة، فلو فاتك الركوع من الركعة الثانية في صلاة الجمعة فاتتك الجمعة، وتقضيها أربع ركعات ظهرا، وعلى هذا بناء على القول الراجح وهو أن الجماعة إنما تدرك بإدراك ركعة، والذي اختاره جمع من المحققين من أهل العلم كأبي العباس بن تيمية، وغيره..

بناء على القول الراجح إذا أتيت مسجد جماعة، وقد رفع الإمام من الركوع من الركعة الأخيرة، فأيهما أفضل أن تدخل معه وتقضي أربع ركعات، أو تنتظر وتدخل مع الجماعة الجديدة؟

أولا: إذا كنت لا ترجو جماعة جديدة تدخل مع الجماعة الأولى، لأن كونك تصلي مع الجماعة الأولى ولو فاتتك أربع ركعات خير من كونك تصلي وحدك.

لكن إذا كنت ترجو وجود جماعة جديد، المسجد كبير، والعادة أنه يصلي فيه جماعات، أو أنك أحسست بهم، أو دخل معك غيرك فهنا الأفضل أنك تنتظر حتى يسلم الإمام من الجماعة الأولى، ثم تدخل مع الجماعة الجديدة؛ لأنك إذا دخلت مع الجماعة الجديدة ضمنت أجر الجماعة، ضمنت سبع وعشرين درجة، بينما لو دخلت مع الجماعة الأولى فاتك أجر الجماعة؛ لأن الجماعة إنما تدرك بإدراك ركعة، وأنت لم تدرك ركعة، وعلى هذا فالأفضل أنك تنتظر حتى إذا سلم الإمام من الجماعة الأولى، تقيم مع من دخل معك تقيم معه جماعة جديدة، وبذلك تضمن أجر الجماعة، تضمن أجر سبع وعشرين درجة.

هذا هو الفقه في هذه المسألة.

والمسألة فيها خلاف من أهل العلم من قال: أنك تدخل مع الجماعة الأولى لعموم قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : «فما أدركتم فصلوا» لكن هذا عام، الأصل أنك تدخل مع الجماعة الأولى لكن الآن إذا دخلت معهم فاتك أجر الجماعة، فإذا كان هناك جماعة أخرى الأفضل أنك لا تدخل مع الجماعة الأولى وإنما تدخل مع الجماعة الجديدة حتى تضمن أجر الجماعة، هذا هو الفقه في هذه المسألة.

بل لو دخلت مع الجماعة لأنك لا تضمن وجود جماعة جديدة دخلت مع الجماعة الأولى، بعدما رفع الإمام من الركوع من الركعة الأخيرة، ثم بعدما سلم الإمام أحسست بجماعة جديدة، فالأفضل في هذه الحال أنك تقلب صلاتك إلى نفل مطلق، تكملها ركعتين خفيفتين، ثم ترجع وتصلي مع الجماعة الجديدة؛ لأنك إذا فعلت هذا ضمنت أجر الجماعة، بينما لو أنك استمريت في صلاتك فاتك أجر الجماعة.

 

نكتفي بهذا القدر في كتاب لطائف الفوائد..

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى 1439/3/9