الخثلان
الخثلان
من الفائدة 52إلى 59
1 ربيع الأول 1439 عدد الزيارات 529

لطائف الفوائد 9

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علما نافعا ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس التاسع لهذا العام، في هذا اليوم الاثنين الرابع والعشرين من شهر صفر من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

 ونبدأ أولا: بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، كنا قد وصلنا إلى الفائدة الثانية والخميسين.

فائدة: في حكم تيمم المرأة إذا كان الماء بمجمع الفساق (قال الموفق بن قدامه – رحمه الله – : «لو كان الماء بمجمع الفساق تخاف المرأة على نفسها منهم فالصحيح أنها تيمم، ولا إعادة عليها، بل لا يحل لها المضي إلى الماء وقد أبيح لها التيمم؛ حفظا للقليل من مالها المباح لها بذله، وحفظا لنفسها من مرض، أو تباطئي برء فهاهنا أولى») هذه مسألة فقهية، إذا احتاجت المرأة للوضوء وكان هذا الوضوء في مكان، وكان فيه مجمع فساق، ولو أن هذه المرأة كشفت من أعضاء الوضوء لأجل أن تتوضأ لربما أذاها الفساق، فهنا في هذه الحال أجاز لها كثير من الفقهاء أن تتيمم بدلا من الوضوء؛ لأنها لو توضأت فستكشف عن ذراعيها؛ لأجل غسل يديها، وأيضا ستغسل رجليها، وأيضا ستمسح رأسها وسينكشف شيء من شعرها، ونحو ذلك.. فهنا أجاز كثير من الفقهاء لها أن تعدل إلى التيمم، وعللوا ذلك قالوا: لأنه أبيح لها التيمم حفظا للقليل من مالها المباح لها بذله، يعني لو كان عندها ماء قليل لا يكفي إلا للشرب، أو لا يكفي إلا للطبخ، ونحو ذلك.. فيجوز العدول للتيمم، وأيضا لو لم تجد إلا ماء يباع بسعر باهض، فيجوز لها أن تعدل للتيمم حفاظا على مالها، والأول حفاظا على نفسها، وأيضا يجوز العدول للتيمم للحفاظ على النفس من زيادة المرض، بل حتى يجوز العدول للتيمم إذا كان استعمال الماء يؤدي إلى تأخر البرء، فإذا كان يجوز العدول للتيمم في هذه الأحوال فالعدول للتيمم حفظا لعرضها وشرفها من باب أولى، هذا معنى كلام الموفق – رحمه الله –.

وقد أخذ الفقهاء هذا من عناية الشريعة بشأن الحجاب، والستر للمرأة، هذه من القضايا الأساسية في الشريعة، والتي عنيت بها الشريعة عناية كبيرة؛ لأن المرأة إذا عنيت بالحجاب وبكمال الستر فإن هذا يقطع دابر الفتنة، يمنع من الفتنة منها وبها، ويقفل أبواب الشر، ولكن عندما لا تتحجب المرأة وتتبرج وتبدي زينتها فإن هذا يغري بعض الرجال للتحرش بها، والتعرض لها، وربما أنها تفتتن أيضا، ويقع الشر والفساد، ولذلك فأول طريق للعفة بالنسبة للمرأة هي: أن تعنى بحجابها، وبكمال الستر، هذه القضية عنيت بها الشريعة، ولهذا حتى في شأن العجائز القواعد من النساء التي بلغن مبلغا أنهن لا يرجين من أحد من الرجال التقدم لخطبتهن، وصلت المرأة إلى هذه الدرجة، امرأة عجوز كبيرة في السن، لو كانت ليست ذات زوج ما تقدم أحد لخطبتها، لا ترجو نكاحا، انظر ماذا يقول الله تعالى في شأن حجابها، يقول الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ لكن شرط الله شرطا ما هو هذا الشرط ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ هي امرأة عجوز، ومن القواعد، ولا ترجوا النكاح، ومع ذلك شرط الله هذا الشرط، لا حرج تضع ثيابها لكن ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ؛ لأن لكل ساقطة لاقطة، ومع ذلك أيضا لما أباح الله تعالى للقواعد ﴿ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍماذا قال بعد ذلك؟ ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ كونها ما تضع ثيابها خير لها وأحسن، وهذا يدل على عناية الشريعة الكبيرة لقضية الستر والحجاب للمرأة، الحجاب عبادة، والذي أمر المرأة بالحجاب هو ربها، ليس مجرد عادة، ليس الحجاب عادة اعتادها أهل البلد، أو أن المرأة رأت نساء أهل بلدها يتحجبن ففعلت هذا، إنما الحجاب عبادة تتقرب به المسلمة إلى ربها – عز وجل – ولذلك يعرف صدق تدين المرأة بحرصها على الحجاب، بل إن المرأة إذا حرصت على الحجاب وكمال الستر لا يؤذيها أحد، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ لماذا؟ ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ يعني بالعفة، ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ إذا عرفت المرأة بالعفة من خلال كمال الستر والحجاب لا أحد يؤذيها، لكن عندما تتبرج يؤذيها من يؤذيها من الرجال.

حدثني أحد الأخوة، وقد كان قد ابتلي بمعاكسة النساء فمن الله عليه بالتوبة من ذلك، يقول: كنا نعرف المرأة العفيفة من غير العفيفة من حجابها، يقول: إذا رأينا المرأة متبرجة فهذا معناه أنها تبعث لنا رسالة للتحرش بها، وإذا رأينا متحجبة مع كمال الستر نقول: والله إننا لا ننظر لها احتراما لها، لا أحد يتعرض لها، حجاب المرأة يبعث رسالة للرجال، إذا كانت هذه المرأة على عناية كبيرة بالحجاب والستر فإن الرجال يحترمون هذه المرأة ولا يتعرضون لها، أما إذا خرجت المرأة متبرجة فإنها تبعث رسالة لمن يتحرش بها من الرجال.

وهنا في مقولة الموفق – رحمه الله تعالى –: قيد هذا بما إذا كان الماء بمجمع الفساق، وتخاف المرأة على نفسها، ويفهم من هذا لو كان الماء بمجمع أناس صالحين أتقياء، فليس لها أن تعدل للتيمم؛ لأنه إذا كان مجمع الماء عند أناس من أهل خير وصلاح فإنهم سيتيحون للمرأة الفرصة لكي تتوضأ من غير أن ينظر إليها أحد من الرجال، ويهيئون لها المكان المناسب، وربما يعرضون عنها إذا جاءت الأخرى كي تتوضأ، لأنهم مأمونون، لكن لو كان مجمع من الفساق وتخشى المرأة على نفسها جاز لها العدول للتيمم.

  فائدة: حكم قراءة الحائض القرآن (الأرجح أنه يجوز للحائض قراءة القرآن الكريم لأنه ليس في الأدلة ما يمنع ذلك، بل فيها ما يدل على ذلك، ففي الصحيحين أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لعائشة – رضي الله عنها – لما حاضت في الحج: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري»، وفي رواية للبخاري: «فأمرها أن تفعل ما يفعل الحاج غير ألا تطوف بالبيت ولا تصلي»، وقراءة القرآن من أفضل أعمال الحاج، فهذا يدل على أن الحائض والنفساء لهما قراءة القرآن لكن من غير مس مصحف، وأما حديث ابن عمر – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن» فهو حديث ضعيف) عندنا مسألتان: مسألة مس الحائض للمصحف، ومسألة قراءة الحائض للقرآن.

أما مس الحائض للمصحف: فلا يجوز لها أن تمس المصحف إلا من وراء حائل.

وأما مسألة قراءة الحائض للقرآن فهي محل خلاف بين العلماء:

فمن العلماء من قال: إن الحائض لا يجوز لها أن تقرأ القرآن، واستدلوا بحديث ابن عمر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن» وهذا الحديث أخرجه الترمذي، وابن ماجه.

والقول الثاني: أن الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن، واستدلوا بعدم الدليل على منع الحائض من قراءة القرآن، قالوا: لم يثبت نهي للحائض أن تقرأ القرآن، وأما حديث ابن عمر «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن» فهو حديث ضعيف؛ لأنه قد روي من طريق إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وروايته عنه ضعيفه، حديث ضعيف لا يصح، بل قد ورد ما يدل على جواز قراءة الحائض للقرآن ومن ذلك: قول النبي – صلى الله عليه وسلم – لعائشة لما حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» جاء في رواية عند البخاري: «فأمرها أن تفعل ما يفعل الحاج غير ألا تطوف بالبيت ولا تصلي» وفي رواية عند أحمد: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوف بالبيت ولا تصلي» فنهاها النبي – صلى الله عليه وسلم – عن أمرين: عن الطواف بالبيت، وعن الصلاة، ولم ينهها عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن من أفضل أعمال الحاج، فلو كانت الحائض ممنوعة من قراءة القرآن لذكر ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – لها لأنه ذكر الطواف، وذكر الصلاة.

ثم إن هذه المسألة من المسائل العظيمة التي تحتاج الأمة إلى بيانها، فإنها تتعلق بنصف الأمة تقريبا، فإن النساء نصف الأمة تقريبا، وهذه المسألة مما تعم بها البلوى، وتحتاج إلى بيان وتوضيح، فلو كانت المرأة الحائض ممنوعة من قراءة القرآن لبين ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – ولاشتهر ولا نقل كما اشتهر ونقل منع الحائض من الصلاة، ومن الصيام، ومن الطواف، فإن هذه من الأمور المشتهرة المستقرة عند الأمة، أما قراءة القرآن فلم يشتهر ذلك، ولم ينقل، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولا يصح قياس الحائض على الجنب؛ لأن مدة الحيض تطول، فغالب حيض النساء سبعة أيام، ومن النساء من يطول عندها الحيض إلا عشرة أيام، بل قد يصل بعض النساء إلى خمسة عشر يوما، بخلاف الجنب فإن الجنب أمره بيده متى ما شاء اغتسل، فقياس الحائض على الجنب في هذه المسألة قياس مع الفارق.

ولذلك فالقول الراجح أن الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن مطلقا، ومن أهل العلم من أجاز ذلك عند الحاجة لكن لا وجه لهذا التقيد، إما أن نقول يجوز أو لا يجوز، وليس عندنا دليل ظاهر يدل على عدم الجواز، وما روي في ذلك ضعيف، وعلى هذا فالقول الراجح أن المرأة الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن مطلقا، ثم إن قراءة القرآن من أشرف أنواع الذكر، والحائض مطلوب منها الذكر كغيرها، مطلوب منها أن تذكر الله – عز وجل – كغيرها، والمحدث حدثا أصغير ليس ممنوعا من قراءة القرآن فله أن يقرأ القرآن لكن من غير أن يمس المصحف، بل حتى المحدث حدثا أكبر القول الراجح أيضا لا يحرم عليه قراءة القرآن ولكن يكره ذلك في حقه، وعلى هذا فالمرأة الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن لكن من غير أن تمس المصحف، تلبس قفازين مثلا وتقرأ القرآن، أو تضع مثلا عباءتها، أو نحو ذلك.. يعني لا تمس المصحف وإنما يكون ذلك من وراء حائل، ولكن مع الترجيح القول بأن الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن إلا أنه لا يجوز لها المكث في المسجد إذا كان هناك حلقات تحفيظ للقرآن نسائية وكانت في المسجد فإن المرأة إذا حاضت لا يجوز لها أن تمكث في المسجد، ولذلك ينبغي أن تكون حلقات تحفيظ القرآن الكريم في غير المساجد، تجعل في دور نسائية، تجعل في ملاحق خارج المسجد حتى لا يقع الحرج؛ لأنها إذا جعلت حلقات تحفيظ القرآن الكريم النسائية في المساجد معنا ذلك ربع المعلمات، وربع الطالبات لن يحضرن؛ لأن الحيض يأتي المرأة أسبوعا في الشهر، يعني ربع الشهر، فعلى هذا ربع المعلمات وربع الطالبات لن يحضرن، ولذلك ينبغي للقائمين على حلقات التحفيظ القرآن الكريم النسائية أن يجعلوها خارج المساجد، يجعلوها في دور، أو يجعلوها في ملحقات مع المساجد خارج المساجد، ونحو ذلك..  

فائدة: متى تكون الصفرة والكدرة علامة للطهر (الصفرة والكدرة التي تخرج من المرأة وهي ما تسمى بالإفرازات إذا رأتها المرأة أيام الحيض، أو متصلة بدم الحيض قبله أو بعده فهي من الحيض، أما إذا كانت بعد الطهر فلا تعد شيئا، قال الموفق بن قدامه – رحمه الله -: «إذا رأت المرأة في أيام عادتها صفرة أو كدرة فهو حيض، وإن رأته بعد أيام حيضها لم يعتد به» نص عليه أحمد) الصفرة أو الكدرة وهما ما تسىمى بالإفرازات هذه لابد من معرفة الحكم فيها؛ لأنها مما تبتلى بها كثير من النساء، إن لم يكن جميع النساء، فلابد أن تعرف المرأة المسلمة الحكم الشرعي في هذه الإفرازات، أولا: إذا كانت هذه الإفرازات تأتي وقت الحيض فإنها تأخذ حكم الحيض، فإذا كان مثلا: عادة المرأة أن يأتيها الحيض سبعة أيام من أول الشهر، وتخلل هذه الأيام السبعة تخللها صفرة أو كدرة فهذه تأخذ حكم الحيض.

 كذلك أيضا إذا كانت في أول الحيض متصلة به فتأخذ حكم الحيض؛ لأنها كالمقدمة له.

 كذلك أيضا إذا كانت بعد الحيض متصلة به فتأخذ حكم الحيض؛ لأنها كالخاتمة له.

 أما إذا كانت الإفرازات بعد الطهر فإنها لا تعد شيئا، لقول أم عطية – رضي الله عنها – : «كنا لا نعد الصفرة ولا الكدرة بعد الطهر شيئا» هذه هي الضوابط المتعلقة بالإفرازات لكن هناك أحوال خاصة كأن تكون الإفرازات بعد الحيض لكن تستمر مدة طويلة فهنا لا تأخذ حكم الحيض، إنما الإفرازات التي تكون بعد الحيض ولا تطول، هذه هي التي تأخذ حكم الحيض.

وهكذا أيضا الإفرازات التي تسبق الحيض ولا تطول، أما إذا طالت فإنها لا تأخذ حكم الحيض.

فائدة: بول وروث مأكول اللحم هل هو طاهر؟ (قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:«الصواب أن بول ما يؤكل لحمه وروثه مثل: الإبل، والبقر، والغنم كله طاهر والنبي – صلى الله عليه وسلم –  كان يصلي في مرابض الغنم ولما استوخم العرنيون المدينة بعثهم إلى إبل الصدقة يشربون من أبوالها وألبانها حتى صحوا فلما أذن لهم بالشرب من أبوالها دل على طهارتها») بول وروث ما يؤكل لحمه مثل: الإبل، والبقر، والغنم، ونحو ذلك.. مما يؤكل لحمه هل هو طاهر أم نجس؟

هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء على قولين:

القول الأول: أنها طاهرة، وهذا هو المذهب عند المالكية، والحنابلة.

والقول الثاني: أنها نجسة، وهذا هو المذهب عند الحنفية، والشافعية.

ومن قال بنجاستها: ألحقها ببول ما لا يؤكل لحمه، وببول الإنسان، وقال: إن هذا بول وروث فلا فرق بين بول الإنسان، وبول ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه.

وأما القائلون بطهارتها فقالوا: إنها قد وردت أدلة من السنة تدل على طهارتها، ومن ذلك: ما ذكره الشيخ – رحمه الله -: أن النبي – صلى الله عليه وسلم –  كان يصلي في مرابض الغنم، فدل هذا على طهارتها، ولو كانت نجسة ما صلى في مرابض غنم، بل قالوا: صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في مبارك الإبل.

وأيضا: لما استوخم العرنييون، استوخم يعني: استثقلوا المدينة، ولم يوافق هواؤها أبدانهم، يعني أصابهم مثل: المرض فبعث لهم النبي – عليه الصلاة والسلام – إلى إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها ومن أبوالها، ففعلوا فشفوا، لكن كان عندهم لؤم لما شفوا استاقوا إبل الصدقة، وسملوا أعين الراعي، وقتلوه، فأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – باللحاق بهم، وأمر بأن يفعل بهم كما فعلوا بالراعي.

والشاهد من هذه القصة: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمرهم بأن يشربوا من أبوالها، ولو كانت نجسة لما أمرهم بذلك، فدل ذلك على طهارتها.

وقد ثبتت في الوقت الحاضر أثبت الطب الحديث فائدة الإبل، الطب الحديث الذي أجرت تجارب وتحليلات مخبرية، أثبت فائدة أبوال الإبل، وكتب في هذا مصنفات، ومعروف عند أرباب الإبل والمواشي وعند أهل البادية يعرفون أبوال الإبل وفائدة أبوال الإبل ولهم في ذلك تجارب.

أيضا مما يدل على طهارة بول ما يؤكل لحمه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – في حجة الوداع طاف على بعيره، فإنه قد ابتدأ الطواف أولا ما شيا، ثم غشاه الناس وأحاطوا به، فدعا ببعيره فأكمل بقية الطواف على بعيره، إن الناس قد غشوه، لأنه حج معه عدد كبير، قرابة مئة ألف كل يريد أن يتأسى به ويقتدي به، وغشاه الناس وأحاطوا به فما استطاع أن يكمل الطواف، فأمر ببعيره فأوتي بالبعير فأكمل الطواف على بعيره، ومن المعلوم أن البعير قد يخرج منه بول، وقد يخرج منه روث، لو كان ما يخرج منه نجسا لما طاف النبي – صلى الله عليه وسلم – على بعيره في أطهر بقعة، ولما اشتكت أم سلمة أمرها تطوف على بعيرها، هذه الأدلة كلها تدل على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه، فبول وروث الإبل طاهرة، وبول وروث البقر طاهرة، وبول وروث الغنم طاهرة، أيضا حتى الحيوانات المأكولة اللحم مثلا: الأرانب، أرواثها وأبوالها طاهرة، كل ما يؤكل لحمه بوله وروثه طاهر، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

فائدة: قصة طريفة في طهارة المني (مر رجل بعالمين يتناظران في طهارة المني، وأحدهما: يرى طهارته، والآخر: يرى نجاسته، فقال الرجل: ما شأنكما؟ قال: من يرى طهارة المني أحاول أن أجعل أصله طاهرا، ويأبى إلا أن يجعل أصله نجسا) هذه القصة ذكرها ابن عقيل، وغيره.. وطهارة المني محل خلاف بين الفقهاء:

فمنهم من ذهب إلى أنه طاهر، وهذا هو المذهب عند الشافعية، والحنابلة.

والقول الثاني: أنه نجس، وهذا هو المذهب عند الحنفية، والمالكية.

ومن قال بنجاسته: قاسه على البول، وقياسه على البول قياس مع الفارق.

وأما القائلون بطهارته فاستدلوا بأدلة من السنة ومن ذلك: حديث عائشة قالت: «كنت أفرك مني النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا كان يابسا، وأغسله إذا كان رطبا»، ومعلوم أن الفرك لا يزيل أثره لو كان نجسا، فدل ذلك على طهارته، فرك البول هل يزيل نجاسة البول؟

لا يزيل نجاسة البول، لو كان المني نجسا لما اكتفت عائشة في إزالته بالفرك.

وأيضا: المني هو أصل الإنسان، فإن الله خلق آدم من تراب، وخلق بني آدم من سلالة من ماء مهين، من هذا المني، وبنو آدم فيهم الأنبياء، والرسل، والصديقون، والشهداء، والصالحون، فيبعد جدا أن يكون أصلهم نجسا، ولهذا في هذه القصة في قصة هذين العالمين الذين يتناظران في طهارة المني، مر بهم أحد الناس وقال: من يرى طهارة المني أحاول أن أجعل أصله طاهرا، ويأبى إلا أن يجعل أصله نجسا، وهذه وإن كانت طرفة إلا أنها تعطي دلالة على رجحان القول بطهارة المني، وهذا هو القول المرجح عند كثير من المحققين من أهل العلم.   

فائدة: حكم مس كتب التفسير من غير طهارة (كتب التفسير يجوز مسها من غير طهارة لأنها تعتبر تفسيرا، والآيات التي فيها أقل من التفسير، ويستدل لهذا بكتابة النبي – صلى الله عليه وسلم – الكتب للكفار، وفيها آيات من القرآن، فدل هذا على أن الحكم للأغلب والأكثر، أما إذا تساوت التفسير والقرآن فإنه إذا اجتمع مبيح وحاضر ولم يتميز أحدهما يغلب جانب الحضر، فيعطى الحق للقرآن وإن كان التفسير أكثر ولو بقليل أعطي حكم التفسير) كتب التفسير يجوز مسها من غير طهارة؛ لأن الأكثر هو التفسير، والآيات أقل، ولهذا كتب النبي – صلى الله عليه وسلم – كتبا إلى الكفار وفيها آيات من القرآن الكريم، ومع ذلك أرسلها إلى الكفار، والكفار إنما المشركون نجس، لكن الحكم للأغلب، وأما إذا كان الأكثر هو القرآن، ويوجد بهامش القرآن كلمات تفسير، فالحكم إذا للقرآن، فلا يجوز مسه إلا بطهارة، مثل: بعض المصاحف التي على هامشها توضيح لمعاني الكلمات، فهذه لا يجوز مسها إلا بطهارة، أما لو تساوى التفسير والقرآن فيغلب جانب القرآن لأنه اجتمع مبيح وحاضر فيغلب جانب الحضر فلا يجوز مسه إلا بطهارة.

ومن اللطائف هنا: ما ذكره صاحب كشف الظنون عن أحد علماء اليمن، قال: عددت حروف تفسير الجلالين من الفاتحة، فوجدت حروف القرآن والتفسير متساويين من الفاتحة إلى سورة المزمل، فلما وصلت إلى سورة المدثر زادت التفسير على حروف القرآن شيئا يسيرا، وأفتي بجواز مس تفسير الجلالين من غير طهارة، سبحان الله انظر إلى هذا التوافق حسب حروف القرآن إلى حروف من التفسير من سورة الفاتحة ومشى عليها وجد التفسير والقرآن متساويين، حتى سورة المزمل، ثم لما وصل إلى المدثر، زاد التفسير شيئا يسيرا، فكانت الفتوى على جواز مس تفسير الجلالين من غير طهارة.

فائدة: حكم دلك الأعضاء في الوضوء (الصحيح من قولي العلماء أن دلك البدن والأعضاء ليس بفرض في الوضوء، ولا في غسل الجنابة، فيجزئ أن يفيض الجنب الماء على بدنه حتى يعمه، وأن يصب الماء على أعضاء الوضوء حتى يعمها الماء، لكنه ينبغي في غسل الجنابة أن يغسل أولا ما على فرجه من النجاسة، ثم يتوضأ مثل وضوئه للصلاة، ثم يفيض الماء على سائر جسده حتى يعمه) دلك أعضاء الوضوء عند الوضوء، أو أعضاء الغسل عند الغسل، هل هو واجب أم لا؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أن الدلك مستحب وليس واجبا، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة.

والقول الثاني: أن الدلك واجب، وإلى هذا ذهب المالكية.

واستدل الجمهور بعدة أدلة منها: حديث عمران بن حصين في قصة الرجل الذي أصابته جنابة، فاعتزل الناس، ولم يصل مع النبي – صلى الله عليه وسلم – فبعدما صلى النبي – صلى الله عليه وسلم – قال له: «ما شأنك؟ قال: أصابتني جنابة يا رسول الله، فقال: إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الصعيد، ثم إنه حضر الماء، فأعطاه النبي – صلى الله عليه وسلم – ماء وقال: خذ هذا فأفرغه على نفسك»، والقصة في الصحيحين.

ووجه الدلالة: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يأمره بالدلك، وإنما قال: أفرغه على نفسك، فدل هذا على عدم وجوب الدلك، خاصة أن هذا الرجل يجهل، جهل التيمم فمن باب أولى أن يجهل الدلك لو كان واجبا، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

وأيضا: استدلوا بحديث أم سلمة – رضي الله عنها – قالت: يا رسول الله إني أشد شعر رأسي أفأ نقضه للجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين الماء»، فهنا أرشدها النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى أن تحثو الماء على رأسها فقط، من غير نقض، فدل هذا على عدم وجوب الدلك، وأدلة أخرى استدل بها الجمهور.

أما المالكية فدليلهم أخذوه من الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ قالوا: إن الغسل لا يتحقق إلا بالدلك، قالوا: إن الله قال: ﴿فَاغْسِلُوا ولم يقل: فصبوا، والغسل لا يسمى غسلا إلا مع الدلك، ونوقش هذا بعدم التسليم بأن الغسل لا يسمى غسلا إلا مع الدلك، وإنما مجرد جريان الماء على العضو يسمى غسلا، وهذا هو معروف في اللغة، وفي الشرع.

والقول الراجح هو: قول الجمهور وهو: أن الدلك في الوضوء، وفي الغسل مستحب وليس واجبا، وعلى هذا فلو أن الإنسان عند الوضوء مثلا: لما غسل وجهه وضع يده تحت صنبور الماء ولم يدلكها يجزئ ذلك، ووضع رجله أيضا تحت صنبور الماء ولم يدلكها يجزئ، ولو أنه بالنسبة للغسل انغمس في بركة ماء، أو في مسبح، ثم خرج من غير دلك، يجزئ على القول الراجح، فالدلك إذا مستحب وليس واجبا سواء في الغسل أو في الوضوء.

فائدة: أسهل طريقة لتحديد القبلة (في الثامن والعشرين من شهر مايو، والسادس عشر من شهر يوليو من كل عام تتعامد الشمس على الكعبة المشرفة وقت زوال الشمس، ويكون ميل الشمس مساويا لخط عرض مكة المكرمة، وهذه أسهل طريقة لتحديد القبلة، اجعل الشمس بين عينيك في هذا الوقت، وما تستقبله هو عين القبلة، والعجيب أن بعض الفقهاء المسلمين قد نبه إلى هذه الظاهرة من قرون طويلة، ومنهم على سبيل المثال: الفقهي الحطاوي المالكي المتوفى سنة: أربع وخمسين وتسعمائة للهجرة في كتابه: مواهب الجليل) هذه فائدة لمعرفة القبلة على وجه دقيق، وذلك أن الشمس في هذين اليومين بالتاريخ الشمسي الميلادي، لأن التاريخ الشمسي الميلادي لا يتأخر في الثامن والعشرين من مايو، والسادس عشر من يوليو تتعامد الشمس على الكعبة وقت الزوال يعني وقت آذان الظهر في مكة، والسبب في هذا التعامد: أن ميل الشمس يكون مساويا لخط عرض مكة، كم خط عرض مكة؟ واحد وعشرين، فيكون ميل الشمس مساويا لعرض مكة، فتتعامد الشمس في تلك اللحظة، ولذلك اجعل الشمس بين عينيك في ذلك الوقت، وما تستقبله هو عين القبلة، وهذا قد نبه إليه بعض فقهاء المسلمين منهم: الحطاوي في كتابه مواهب الجليل نبه إلى هذا، وأيضا حتى في غير هذين اليومين مثلا هنا في مدينة الرياض بالإمكان أن تعرف القبلة بمعرفة ميل الشمس، فمثلا: الرياض ميل الرياض عن القبلة ميتين وأربع وأربعين، فإذا أصبح ميل الشمس يساوي ميتين وأربع وأربعين اجعل الشمس بين عينيك تكون هذه هي القبلة، وهكذا إذا ذهبت إلى أي بلد انظر كم درجة ميل القبلة؟ ثم بعد ذلك انظر متى تكون الشمس عند هذه الدرجة، ثم تجعل الشمس بين عينيك تكون هذه هي القبلة، وتجد هذا في بعض التقاويم موجود يكتب لك جهة القبلة، ويعطيك على مدار السنة، جهة القبلة في الساعة كذا اجعل الشمس بين عينيك تكون جهة القبلة أمامك في تقويم الزعاق موجود هذا، رأيته موجود، وفي بعض التقاويم أيضا مكتوب جهة القبلة جميع أيام السنة، فتنظر إلى الرياض مثلا هذا اليوم، جهة القبلة متى؟ يعطيك الساعة مثلا: الثالثة وست وأربعين دقيقة، الثالثة وست وأربعين دقيقة تجعل الشمس بين عينك، تكون هذه هي القبلة، فهذه طريقة سهلة ودقيقة أيضا، تتميز هذه الطريقة بالسهولة، وبالدقة في الوقت نفسه.

 

ونكتفي بهذا القدر .. ونقف عند حكم إجابة الآذان المنقول على الهواء.

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بحي الخزامى - 1439/2/24