الخثلان
الخثلان
من الفائدة 45 إلى 51
19 صفر 1439 عدد الزيارات 772

لطائف الفوائد 8

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علما نافعا ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس التاسع لهذا العام، يوم الاثنين السابع عشر من شهر صفر من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

 نبدأ أولا: بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة الخامسة والأربعين.

فائدة: فيما يعفى عنه من البول (يعفى عن قطرات البول في حالتين:

الأولى: أن يكون مستمرا لا ينقطع.

والثانية: ألا يكون له وقت معلوم ينقطع به، فيعفى عنه للمشقة، أما إن كان قد اعتاد على انقطاعه بعد وقت معلوم، أو إذا مشى خطوات فعليه أن ينتظر)هذه المسألة مسألة مهمة يكثر السؤال عنها، فإن بعض الناس يكون عنده مشكلة في المسالك البولية، أما من كان يخرج منه البول باستمرار فهذا حكمه ظاهر، وهذا البول الذي يخرج باستمرار يسمى: سلس البول، ويأخذ حكم صاحب الحدث الدائم، وصاحب الحدث الدائم يتوضأ ولا يضره خروج الحدث الدائم، إنما يضره أن يقع حدث آخر غير الحدث الدائم، يعني إذا كان معه سلسل البول لا يضره خروج البول، لكن يضره مثلا خروج الريح، الغائط، ونحو ذلك.. فينتقض وضوئه بهذا، هل يلزمه أن يتوضأ لوقت كل صلاة؟ هذا سيأتي في الفائدة التي بعدها بعد قليل – إن شاء الله –  فصاحب إذاً الحدث الدائم الذي يخرج منه البول بصفة مستمرة صاحب السلس هذا حكمه واضح نقول: توضأ ولا يضرك خروج هذا الحدث، لكن إذا كان هذا البول ينقطع وليس له وقت معلوم لانقطاعه يخرج منه البول قطرات، ثم ينقطع تارة ينقطع بعد ساعة، وتارة بعد ساعتين، وتارة بعد ثلاث ساعات، وتارة بعد نصف ساعة، ليس له وقت معلوم فهذا يأخذ حكم صاحب سلس البول، فنقول: توضأ ولا يضرك خروج البول بعد ذلك، هذه الحالة ملحقة بالحالة الأولى.

هناك حالة ثالثة وهي: من تخرج منه قطرات بعد البول لكنها تنقطع، يبقى مثلا مدة عشر دقائق، أو ربع ساعة، وقطرات البول تخرج، ثم بعد ذلك ينقطع البول تماما، فهذا لا يأخذ حكم سلس البول، وإنما ينتظر حتى ينقطع البول، ويمكن أن يستعين ببعض الأشياء التي تساعده سرعة انقطاع بوله ومن ذلك مثلا: أن يعصر الذكر برفق، ومجرى البول، ومن ذلك: أن يقوم ويقعد، ومن ذلك: أن يمشي خطوات، كل هذه أمور ذكرها بعض الناس وأنها مجربة، وأيضا يستعين برأي الطبيب المختص في المسالك البولية، يستعين برأيه في ذلك، وبعلاجه، فإن هذا ليس من الأمراض المستعصية، هذه من الأمراض التي يمكن علاجه، قد يكون عنده التهابات  في المسالك البولية، أو نحو ذلك.. فيمكن أن يتعالج من هذه المشكلة، لكن من الناحية الشرعية لا يأخذ حكم سلس البول، إنما عليه أن ينتظر حتى ينقطع بوله، وربما أيضا يقال له: عليه أن يتحاشى ما أمكن أن يحصل منه هذا التبول في أوقات الصلوات مثلا، إذا أمكن معنى هذا قد لا يتأتى دائما، لكن هذا إنسان قد ابتلي، لا يأخذ حكم صاحب السلس إلا إذا كان يستمر معه البول مدة طويلة، يبقى معه ساعتين مثلا، هذا يأخذ حكم السلس، لكن إذا كان يبقى معه خمس دقائق، عشر دقائق، ربع ساعة، هذا لا يأخذ حكم السلس إذا اعتاد انقطاع البول في وقت معلوم، يعني اعتاد أنه بعد ربع ساعة ينقطع البول تمام فلا يأخذ حكم السلس، أما إذا لم يعتد انقطاع البول في وقت معلوم فإنه يأخذ حكم السلس، إذا كان يوم، أو تارة ينقطع بعد ربع ساعة، وتارة ينقطع بعد نصف ساعة، وتارة ينقطع بعد ساعة، لم يعتد وقتا معلوما لانقطاعه فهذا يأخذ حكم السلس.  

  فائدة: ما يجب على صاحب الحدث الدائم (يرى بعض الفقهاء أن صاحب الحدث الدائم كمن به سلس بول، أو المستحاضة، يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة، ويستدلون بحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش وفيها أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لها: «ثم توضئي لكل صلاة»، ويرى آخرون أن ذلك مستحب وليس بواجب؛ لأنه لم يثبت في ذلك شيء، فلو كان يجب لبين ذلك الشارع، أما رواية ثم توضئي لكل صلاة فهي غير محفوظة، وقد أشار إلى ذلك الإمام مسلم في صحيحه فإنه لما أخرج حديث عائشة المذكور بدون هذه الزيادة، قال: وفي حديث حماد زيادة حرف تركناه، ويعني بذلك الزيادة المذكورة ثم توضئي لكل صلاة، قال الحافظ بن رجب: «الصواب أن لفظة الوضوء مدرجة في الحديث من قول عروة بن الزبير وهذا هو القول الراجح» وقد رجحه الشيخ محمد العثيمين – رحمه الله – وعلى هذا فصاحب الحدث الدائم لا يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة وإنما يستحب له ذلك ما لم ينتقض وضوئه بحدث آخر غير حدثه الدائم) هذه المسألة مرتبطة بالمسألة السابقة صاحب الحدث الدائم كصاحب سلس البول، أو صاحب الريح الذي تخرج منه الريح بصفة مستمرة، أو المرأة التي تخرج منها إفرازات بصفة مستمرة، أو المرأة المستحاضة، ونحو ذلك.. هذا قلنا إنه لا يضره خروج الحدث الدائم، لكن هل يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة، أو لوقت كل صلاة، أو لا يجب؟

هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال للفقهاء:

القول الأول: أنه يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة، وهذا هو مذهب الشافعية.

والقول الثاني: أنه يجب عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة.

القول الثالث: أنه يستحب أن يتوضأ لوقت كل صلاة ولا يجب، وهذا هو مذهب المالكية.

ما الفرق بين القول الأول والثاني، الأول يجب أن يتوضأ لكل صلاة، والثانية يجب أن يتوضأ لوقت كل صلاة ما الفرق بين القولين؟

القول الأول: أضيق، والقول الثاني: أوسع من القول الأول.

القول الأول: كل صلاة يجب أن يتوضأ لها، والقول الثاني: يتوضأ لوقت كل صلاة، يظهر أثر الخلاف فيما لو جمع بين الصلاتين، لو كان مسافرا وجمع بين الظهر والعصر على القول الأول: يتوضأ مرتين وضوء للظهر ووضوء للعصر، وعلى القول الثاني: يتوضأ مرة واحدة، فانتبه للفرق بين القولين، إذاً عندنا قول يتوضأ لكل صلاة، وقول بأنه يتوضأ لوقت كل صلاة.

والقول الثالث: يستحب له أن يتوضأ لكل صلاة ولا يجب، وهذه المسألة الحديث الوارد فيها هو حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لها: «ثم توضئي لكل صلاة» فاطمة بنت أبي حبيش امرأة مستحاضة، سألت النبي – صلى الله عليه وسلم – فأجابها وبين لها الأحكام التي تحتاج لها المرأة المستحاضة، وفي آخر الحديث جاءت هذه اللفظة: ثم توضئي لكل صلاة، هذه اللفظة جاءت في صحيح البخاري، هذا الحديث أخرجه البخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، هشام بن عروة بن الزبير عن أبي عروة بن الزبير عن خالته عائشة قال فيها: قال: قال: أبي ثم توضئي لكل صلاة، الراوي هو أبوه الذي هو عروة بن الزبير لكن هل هذه اللفظة ثم توضئي لكل صلاة هل هي من كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – أو من كلام عروة بن الزبير؟

من أهل العلم من قال إنها: من كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – قالوا: إن هذا هو الظاهر من السياق، وممن رجح هذا الحافظ بن حجر في فتح الباري.

والقول الثاني: أن هذه اللفظة من كلام عروة بن الزبير وليست من كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – ومما رجح هذا الإمام مسلم في صحيحه فإنه لما أخرج هذا الحديث أخرجه بدون هذه الزيادة، وأشار إلى تعمده ترك هذه الزيادة، قال: وفي حديث حماد، يعني حديث عائشة هذا زيادة حرف تركناه وهذا يدل على أنه لا يرى ثبوتها، وأيضا الحافظ بن رجب له كتاب اسمه فتح الباري نفس اسم كتاب ابن حجر، ابن رجب متقدم على ابن حجر، وابن رجب حافظ محقق، أيضا من الأئمة الحذاق، العارفين بالعلل، قال: الصواب أن هذه اللفظة مدرجة من قول عروة بن الزبير، وهذا هو القول الراجح عند كبار الأئمة المحدثين أن هذه الزيادة ثم توضئي لكل صلاة أنها من قول عروة بن الزبير وليست من كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا هو القول المرجح عند أكثر المحدثين.

فإذا قلنا إن هذا من قول عروة ليس من كلام النبي – عليه الصلاة والسلام – لا يبقى في هذه المسألة دليل يدل على أن صاحب الحدث الدائم يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة، أو لوقت كل صلاة، ما عندنا دليل يدل على هذا، والأصل عدم الوجوب، الأصل براءة الذمة، لا نستطيع أن نلزم عباد الله بما لم يلزمهم به الله، خاصة وأن صاحب الحدث الدائم قد يلحقه الحرج العظيم لو أوجبنا عليه أن يتوضأ لوقت كل صلاة، فضلا عن أن نوجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة، فمثلا: ففي الحرم أوقات الزحام، بناء على القول الأول والثاني أنه يجب عليه أن يتوضأ لكل صلاة، ولوقت كل صلاة، إذا صلى المغرب يجب عليه أن يخرج من الحرم لكي يتوضأ لصلاة العشاء، بل على قول الجمهور أن وقت الجمعة يدخل بالزوال إذا أذن الآذان الثاني يجب عليه أن يخرج ويتوضأ ويرجع للجامع سواء في الحرم أو في غيره وهذا حرج عظيم، ولا نستطيع أن نلزم عباد الله بما لم يلزمهم به الله – عز وجل -.

وعلى هذا فالقول الراجح هو القول الثالث وهو أن صاحب الحدث الدائم يستحب له أن يتوضأ لوقت كل صلاة ولا يجب، يستحب له ذلك ولا يجب، وهذا هو مذهب المالكية، واختيار الإمام ابن تيمية، وأيضا الشيخ محمد بن عثيمين – رحمة الله تعالى على الجميع – وهذا القول حقيقة فيه تيسير على الناس خاصة أصحاب الحدث الدائم، هذا إنسان ابتلي بهذا الحدث الدائم فإيجاب أن يتوضأ لكل صلاة يلحقه معه الحرج العظيم، والمشقة الكبيرة في كثير من الأحيان، يعني مثلا في مسألة الجمعة، وفي مسألة حتى الفجر على القول بتقدم مثلا التقاويم يعني إذا دخل الوقت الحقيقي للفجر يذهب ويتوضأ، في الحرم لابد إذا صلى المغرب يذهب ويتوضأ للعشاء، وإذا كان مثلا أتى الحرم قبل الآذان ثم أذن ثم يذهب ويخرج لكي يتوضأ يلحقه حرج عظيم، فالقول الثالث فيه تيسير على الناس، وفيه توسعة، وهو الأقرب ما عرف عن الشريعة من السماحة والسهولة واليسر.

من المسائل التي يكثر السؤال عنها صاحب السلس إذا وقع البول على لباسه ماذا يفعل؟

نقول: يتق الله في هذا ما استطاع، إن استطاع أن يغير الملابس فهذا حسن، إن لم يستطع أو لحقه حرج كبير أو مشقة لا يلزمه ذلك، ولا يجب عليه ذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.

فائدة: حكم الخارج من غير السبيلين(الأظهر من أقوال الفقهاء أن خروج الدم من غير السبيلين، وكذا القيء، ونحوهما.. لا ينقض الوضوء مطلقا؛ لأنه لم يرد دليل ظاهر يدل على نقض الوضوء، والأصل بقاء الطهارة، أما حديث أنه – صلى الله عليه وسلم –قاء فتوضأ فعلى تقدير ثبوته فإن غاية ما يدل عليه استحباب الوضوء لخروج القيء؛ لأن الفعل الذي تجرد من الأمر يفيد الاستحباب) الخارج من السبيلين هذا ينقض الوضوء سواء أكان بولا، أم غائطا، أم دما، أم غير ذلك.. لكن الخارج من غير السبيلين كالدم الذي يخرج من غير السبيلين كأن يصيبك جرح فيخرج دم، أو أن يصيبك رعاف فيخرج دم، أو أن يخرج منك قيء، أو قلس، أو نحو ذلك.. اختلف العلماء هل هذا الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء أم لا؟

فمنهم من قال: إنه ينقض الوضوء هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، واستدلوا بحديث ثوبان الذي ذكر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قاء فتوضأ أخرجه الترمذي، وغيره..

والقول الثاني: أن الخارج من غير السبيلين لا ينفض الوضوء، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختار هذا القول جمع من المحققين من أهل العلم، وهذا هو القول الراجح؛ لأنه ليس هناك دليل ظاهر يدل على أن الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء، والأصل عدم النقض، الأصل صحة الطهارة وعدم النقض، وأما حديث ثوبان أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قاء فتوضأ

أولا: هناك من ضعفه من أهل العلم من جهة الإسناد.

ثانيا: على تقدير ثبوته فهو غاية ما فيه أنه فعل، فيحمل على الاستحباب، خاصة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد عرف من هديه أنه يحب كمال النظافة، فإذا قاء فسيتوضأ طلبا لكمال النظافة وكمال الطهارة، فهذا الحديث ليس بصريح بأن خروج القيء ينقض الوضوء، وعلى هذا فالقول الراجح أن الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، فمن مثلا خرج من أنفه دم، أو خرج منه جرح، أو قاء فخرج قيء، ونحو ذلك.. لا ينقض الوضوء، كل هذه لا تنقض الوضوء، هذا هو القول الراجح اختاره الإمام ابن تيمية، وجمع من المحققين من أهل العلم.

ولكن هنا أنبه إلى مسألة وهي أن نفرق بين كون الخارج لا ينقض الوضوء، وبين كونه نجسا أم طاهرا، هذه مسألة تختلف عن هذه، فمثلا الدم، الدم إذا كان خارجا من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، لكن الدم نفسه نجس، ويعفى عن يسيره، فبعض الأخوة يخلط بين المسألتين، فهناك فرق بين المسألتين.

إذا الدم من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، لكنه نجس ويعفى عن يسيره، وعلى ذلك من خرج منه الرعاف وهو يصلي، نقول: على القول الراجح لا ينتقض وضوئه، لكن ننظر إلى هذا الرعاف إذا سقط على الثوب إن كان قليلا لا يضر، إن كان كثيرا يقطع صلاته لأن الدم نجس، فقد حكي الإجماع على نجاسته.

فينبغي التفريق بين المسألتين وعدم الخلط بينهما.

هناك مسألة أيضا معاصرة مرتبطة بهذه الفائدة وهي: الغسيل الكلوي سواء أكان غسيلا كلويا دمويا، أو غسيلا بروتونيا، يعني جميع أنواع الغسيل الكلوي، هل الغسيل الكلوي ينقض الوضوء، هذا إنسان عنده فشل كلوي ويذهب ويغسل كل يوم، وتوضأ ثم بعد ذلك سحب الدم منه، ثم أعيد، هل نقول: أنتقض وضوءك، أو نقول إن وضوءك صحيح، هل نفرعها على مسألة خروج الدم من خارج السبيلين فنقول: إن وضوءه صحيح؟

 هو لو كانت المسألة مسألة خروج دم ثم رجوعه لقلنا إنه لا ينقض الوضوء، لكن هذه المسألة تختلف لأن الذي يخرج مع الدم مكونات البول، مكونات البول تخرج مع الدم، ولذلك الذي يغسل الغسيل الكلوي تجد أن البول عنده يقل، يقولون بعد سنتين ينقطع ما يتبول؛ لأن مكونات البول تخرج أثناء الغسيل، فإذاً الذي خرج الآن ليس فقط الدم، خرج الدم ومعه مكونات البول، فكأنه خرج البول، وخروج البول من غير السبيلين ينقض الوضوء؛ لأنه خروج للبول، خروج البول من السبيلين أو من غير السبيلين ينقض الوضوء؛ لأن البول ناقض للوضوء بالإجماع، وعلى هذا فالذي يظهر والله أعلم في الغسيل الكلوي بجميع أنواعه سواء كان غسيل كلوي دموي أو البريتوني أنه ناقض للوضوء، مع أننا رجحنا أن خروج الدم من غير السبيلين لا ينقض الوضوء لكن نقول: إن هذه القضية لا تتعلق بخروج الدم، إنما يخرج مع الدم مكونات البول، فكأنه خرج البول الآن لكن من غير مخرجه الطبيعي، وهذا ينقض الوضوء، فالقول الراجح أن الغسيل الكلوي أنه ناقض للوضوء، هذا الذي يظهر والله أعلم في هذه المسألة.

فائدة: كيف يكون المسح عند لبس خف فوق خف (إذا لبس خفا على خف على وجه يصح معه المسح فإن كان قبل الحدث فالحكم للفوقاني، وإن كان بعد الحدث فمحل خلاف بين العلماء والأقرب أنه إذا لبس الفوقاني على طهارة جاز له أن يمسح عليه؛ لأنه يصدق عليه أنه أدخل رجليه طاهرتين، فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : «فإني أدخلتهما طاهرتين»، لكن تكون مدة للتحتاني، أما لو لبس الفوقاني وهو محدث فإنه لا يمسح عليه، وإنما يلزمه خلعه والمسح على التحتاني) إذا لبس خفا فوق خف هذه المسألة يكثر السؤال عنها خاصة في أوقات الشتاء، إذا لبس خفا فوق خف، أو جوربا فوق جورب، يعني مثلا لبس الجورب ثم لبس جوربا فوقا، لبس جوربين جميعا، فإن لبسهما قبل الحدث في نفس الوقت، أو حتى بينهما تفاوت لكن قبل الحدث، توضأ للظهر ولبس جوربا ثم لبس فوقه جوربا، أو توضأ للظهر ثم بعد نصف ساعة وهو لا يزال على طهارة لبس جوربا آخر فالحكم للفوقاني، هذا ظاهر؛ لأنهما كالجورب الواحد.

 لكن إذا لبس جوربا على طهارة، ثم بعد ذلك أحدث، ثم توضأ ومسح، ولبس جوربا آخر فوقه، فإن كان لبس الجورب الفوقاني على غير طهارة، فالحكم للتحتاني، أما إن كان لبس الجورب الفوقاني على طهارة فهذا محل خلاف بين العلماء هل الحكم للفوقاني أو للتحتاني؟

المذهب عند الحنابلة أن الحكم للتحتاني.

 والقول الثاني: هو رواية عن الإمام أحمد أن الحكم للفوقاني لعموم الأحاديث، ومنها قول النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث المغيرة : «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» وهو قد لبس الجورب الفوقاني على طهارة فيدخل في عموم هذا الحديث وما جاء في معناه.

فإذاً إذا لبس الجورب الثاني على طهارة فالحكم للفوقاني على القول الراجح، لكن تكون مدة المسح للتحتاني.

فعندنا الآن ثلاث حالات:

الحالة الأولى: لبس خف فوق خف في نفس الوقت، فالحكم للفوقاني، وهذا ظاهر.

الحالة الثانية: لبس خفا فوق خف بعد الحدث، وعلى غير طهارة، فالحكم للتحتاني.

الحالة الثالثة: لبس خفا فوق خف بعد الحدث، لكنه على طهارة، فهذا محل خلاف والراجح أن الحكم للفوقاني، والمدة للتحتاني.

 هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.

 قاعدة: متى تبدأ مدة المسح على الخفين (الأقرب أن مدة المسح على الخفين تبدأ من أول مسح بعد الحدث، فإذا لبست الخف وأحدثت مثلا بعد الظهر، ثم توضأت للعصر يكون وضوء العصر هو أول مدة المسح، فإذا العصر الثاني تخلعه، والسنة في المسح: أن يمسح رجل اليمنى باليد اليمنى، واليسرى باليسرى، لقوله – صلى الله عليه وسلم -: «إذا توضأتم فابدءوا بميامينكم»أخرجه أهل السنن بإسناد صحيح) هذه الفائدة تضمنت مسألتين:

المسألة الأولى: متى تبدأ مدة المسح على الخفين، هذه محل خلاف بين الفقهاء فمنهم من ذهب إلى أنها تبدأ من أول حدث بعد اللبس، هذا هو المذهب عند الحنابلة.

والقول الثاني: أنها تبدأ من أول مسح بعد الحدث، وهذا هو القول الراجح، وذلك لأن الأحاديث إنما وردت بلفظ المسح، يمسح المسافر، يمسح المقيم، أناطت الحكم بالمسح، فالقول المرجح عند كثير من المحققين من أهل العلم أن مدة المسح تبدأ من أول مسح بعد الحدث.

مثال ذلك: توضأت لصلاة الفجر مثلا، أو نقول: للظهر توضأت للظهر حتى تكون أقرب واقعيا، توضأت لصلاة الظهر، ثم إنك بقيت على طهارة إلى أن أذن لصلاة العصر، فأحدثت ثم توضأت، ومسحت، فالمدة تبدأ من حين المسح، يعني بغض النظر عن وقت الحدث، توضأت لصلاة الظهر وأحدثت، ثم توضأت وقت آذان صلاة العصر، ومسحت، فبدأت المسح وقت آذان صلاة العصر، فتبدأ المدة من آذان صلاة العصر، وتحسب أربعا وعشرين ساعة إذا كنت مقيما، واثنتي وسبعين ساعة إذا كنت مسافرا.

لو افترضنا أنك لبست الجورب لصلاة الظهر، واستمرت معك الطهارة لم تحدث إلا بعد صلاة المغرب، وتوضأت عند آذان العشاء، متى تبدأ المدة؟

من آذان العشاء إلى آذان العشاء من اليوم الثاني، معنى ذلك أنك ستصلي بهذا الجورب: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، والظهر، والعصر، والمغرب ثمانية أوقات، وبهذا يتبين أن قول بعض العامة، أنك تصلي في الجوربين خمسة أوقات أنه غير صحيح، إنك تصلي أكثر من خمسة أوقات، المهم أن تضبط المدة، المدة تبدأ من أول مرة تمسح عليها بعدما لبست الجورب، وبعدما حصل منك الحدث، أول مسح بعد الحدث، وتحسب أربعا وعشرين ساعة يوما وليلة، من أول مسح بعد الحدث، وتحسب ثلاثة أيام بليالي يعني اثنتي وسبعين ساعة إذا كنت مسافرا، وينبغي للإنسان أن يجعل له وقتا تبدأ فيه مدة المسح، بحيث يعتاد على هذا الوقت؛ لأن بعض الناس ينسى، وبعض الناس عنده ضعف في الذاكرة، ينسى متى بدأ أول مسح بعد الحدث، فربما مسح بعد انتهاء مدة المسح فإذا مسح بعد انتهاء مدة المسح لا تصح طهارته، ويترتب على ذلك أنه لا تصح صلاته، ولذلك يعتاد المدة التي تبتدئ فيها مدة المسح على الخفين، مثلا: يجعلها الفجر، يجعلها الظهر، المهم أن يعتاد وقتا معينا، هذه المسألة الأولى.

المسألة الثانية: في كيفية المسح، هنا قال: السنة في المسح: أن يمسح رجل اليمنى باليد اليمنى، واليسرى باليسرى، يعني يبل يديه بالماء، ثم يمسح الرجل والقدم اليمنى باليد اليمنى، ويمسح الرجل اليسرى باليد اليسرى، هذا أرجح ما قيل في كيفية المسح.

أما القول بأنه يمسح الرجلين في وقت واحد هذا ليس عليه دليل ظاهر، ظاهر السنة أنه يمسح أولا الرجل اليمنى باليد اليمنى، ثم الرجل اليسرى باليد اليسرى، ومما يدل لذلك الحديث المذكور: «إذا توضأتم فابدءوا بميامينكم»ولأن المسح بدل عن الغسل، فكما أنك عند الوضوء تبدأ بغسل رجلك اليمنى، هكذا بالنسبة للمسح تبدأ بمسح رجلك اليمنى، ثم تمسح رجلك اليسرى، الرجل اليمنى باليد اليمنى، والرجل اليسرى باليد اليسرى.   

فائدة: علامات الطهر من الحيض (علامات الطهر من الحيض تكون بأحد أمرين:

الأولى القصة البيضاء، وهو سائل أبيض يخرج من المرأة عند انتهاء الحيض، فيكون كالعلامات على انتهاء الحيض لكنه لا يخرج من جميع النساء.

الثانية: انقطاع الدم لمدة يوم وليلة فأكثر، إلا أن يكون لها عادة منتظمة بانقطاع الدم في وقت معين فتعمل بها، وبذلك أفتى شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله -.

قال الموفق بن قدامه – رحمه الله – : «يتوجه أن انقطاع الدم متى نقص عن اليوم فليس بطهر؛ لأن الدم يجري مرة، وينقطع أخرى، وفيهإيجاب الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة حرج، ولأننالو جعلنا انقطاع الدم ساعة طهرا، ولا تلتفت إلى من بعده من الدم أفضى إلى ألا يستقر لها حيض، فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم أقل من يوم طهرا إلا أن ترى ما يدل عليه مثل: أن يكون انقطاعه في آخر عادتها، أو ترى القصة البيضاء») هذه المسألة مسألة مهمة للنساء، كيف تعرف المرأة أنها طهرت من الحيض؟

الجواب: تعرف ذلك بإحدى علامتين:

العلامة الأولى: القصة البيضاء وهو سائل أبيض يخرج من المرأة عند انتهاء الحيض، تعرفه النساء، ولكن هذه القصة البيضاء لا تخرج من جميع النساء، كثير من النساء لا تخرج منهن القصة البيضاء، وأيضا بعض النساء تخرج منهن القصة البيضاء مضطربة أو متأخرة كثيرة فلا يعتمد عليها حينئذ، لكن يوجد شريحة من النساء اعتادت على أنها عند نهاية الحيض تخرج منها القصة البيضاء فهذه علامة ظاهرة على انتهاء مدة الحيض.

العلامة الثانية: إذا لم يكن عند المرأة القصة البيضاء فتنتقل للعلامة الثانية وهي: انقطاع الدم يوم وليلة؛ لأن انقطاع الدم أقل من ذلك أمر معتاد عند النساء، ولأننا لو اعتبرنا انقطاع الدم أقل من ذلك طهرا لأفضى إلى عدم استقرار الحيض كما قال الموفق – رحمه الله – فإن المرأة الحائض لا يخرج منها الدم بصفة مستمرة، وإنما يخرج تارة، وينقطع تارة، يخرج ساعة، وينقطع ساعة، فهذا الانقطاع ساعة، أو ساعتين، أو خمس ساعات، أو ست ساعات، ونحو ذلك.. هذا لا يعتبر طهرا، وإنما إذا استمر الجفاف وانقطاع الدم يوم وليلة فأكثر فهذا يعتبر طهرا، إلا إذا كانت المرأة قد اعتادت انقطاع الدم في وقت معين فتعتمد على هذه العادة، فمثلا لو كانت المرأة في نهاية اليوم السابع ينقضي الحيض عندها، واعتادت على ذلك، تعتمد على هذه العادة، نهاية اليوم السابع تعتبره طهرا، أما إذا ما كان لها عادة واضحة فهنا نقول: للمرأة انتظري يوما وليلة فإذا حصل الجفاف في يوم وليلة فأكثر فيعتبر هذا طهرا، هل تقضي الصلوات هذه اليوم والليلة؟

لا ما تقضي هذه تابعة للحيض.

فائدة: متى يجزئ الغسل عن الوضوء (غسل الجناية يجزئ عن الوضوءإذا نوى الوضوء، أما غسل التبرد فلا يجزئ، وكذا غسل الجمعة لا يجزئ عن الوضوء، وذلك لأنه لم يكن عن حدث، والحدث إنما يرتفع إذا كانت الطهارة عن حدث، وإذا لم يرتفع الحدث بغسل الجمعة، وصلى الإنسان الجمعة بغير وضوء، فإنه يعيدها ظهرا) الغسل الواجب يجزئ عن الوضوء، سواء أكان غسل جنابة، أو غسل الحيض، أو غسل النفاس، أو غير ذلك.. ويعلل لهذا جمهور الفقهاء بأنهما طهارتان صغرى وكبرى فدخلت الصغرى في الكبرى.

أما إذا كان الغسل غير واجب إما أنه غسل مستحب، مثل: غسل الجمعة هذا لا يجزئ عن الوضوء، حتى لو نوى الوضوء، وهكذا أيضا من باب أولى إذا كان الغسل مباحا، كغسل التبرد، أو التنظف، هذا لا يجزئ عن الوضوء، بل لابد أن يتوضأ، والأصل أن المسلم مطالب بالوضوء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ هذا هو الأصل ولا نقول: إنه أجزأ على الوضوء إلا بدليل، ما عندنا في هذه المسألة دليل إلا فقط القياس الذي ذكره الفقهاء، أو التعليل الذي ذكروه طهارتان صغرى وكبرى فدخلت الصغرى في الكبرى، وهذا إنما ينطبق على الغسل الواجب، الغسل المستحب ما ينطبق هذا عليه، ما عندنا دليل يدل على أن هذا الغسل يجزئ عن الوضوء، وعلى ذلك: من اغتسل يوم الجمعة فعليه أن يتوضأ بعد الغسل، أو أنه يأتي بالغسل على الصفة المسنونة، والصفة المسنونة في غسل الجمعة أن يأتي بها على الصفة الكاملة لغسل الجنابة، والتي فيها أنه يتوضأ في أول الغسل، فإذا توضأ في أول الغسل، أو في وسطه، أو في آخره، أما أن يغتسل للجمعة ولا يتوضأ فهذا غسل لا يجزئه على الوضوء، وهكذا غسل التبرد، وغسل النظافة، كل هذا لا يجزئه عن الوضوء، وحتى الغسل الواجب لا يجزئ عن الوضوء إلا إذا نوى الوضوء، ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن غسل الجنابة: هل يجزئ عن الوضوء؟ قال: «نعم إذا نواه» لابد أيضا أن ينوي أنه يجزئ عن الوضوء، أما إذا لم ينو عن الوضوء فإنه لا يجزئ، هذه مسائل مهمة متعلقة بالطهارة التي هي شرط من شروط صحة الصلاة، فعلى المسلم أن يعنى بها وألا يتساهل فيها.

وهذا الرأي هو نقل عن الشيخ محمد بن عثيمين، وهو أيضا رأي شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله – وهو المرجح عند كثير من المحققين، يفرقون بين الغسل الواجب وغير الواجب، فالواجب يجزئ عن الوضوء إذا نوى الوضوء، وغير الواجب لا يجزئ عن الوضوء.

ونكتفي بهذا القدر في لطائف الفوائد.

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى 1439/2/17