الخثلان
الخثلان
من الفائدة 39 إلى 44
17 صفر 1439 عدد الزيارات 475

لطائف الفوائد 7

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علما نافعا ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

نبدأ أولا في هذا الدرس، وهو الدرس السابع من هذا العام، في هذا اليوم العاشر من شهر صفر من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

 نبدأ بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد انتهينا من الفوائد في باب العقيدة وننتقل إلى الفوائد الفقهية، الفائدة التاسعة والثلاثين.

فائدة: في أهمية تعلم الفقه (قال محمد بن حزم – رحمه الله –: «كان سبب تعلمي الفقه أني شهدت جنازة، فدخلت المسجد فجلست، ولم أصل تحية المسجد، فقال لي رجل: قم فصلِّ تحية المسجد، وكنت قد بلغت السادسة والعشرين سنة، فقمت وصليت ركعتين، فلما رجعنا من الصلاة على الجنازة، دخلت المسجد، فبادرت بتحية المسجد، فقيل لي: اجلس ليس ذا وقت صلاة، وكان بعد العصر، فقال: فانصرفت وقد حزنت، وقلت للأستاذ الذي رباني: دلني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحون، فقصدته، وأعلمته بما جرى، فدلني على موطأ مالك، فبدأت به عليه، وتتابعت قراءتي عليه وعلى غيره»)أبو محمد علي بن حزم الأندلسي المتوفى سنة: أربعمائة وستة وخمسين للهجرة، كان شافعي المذهب، ثم إنه بعد ذلك تحول إلى المذهب الظاهري، والذي من أعمدت ورؤوس هذا المذهب، وقد كان ذكيا، وقد كان ذكيا ذكاء مفرطا كما ذكر ذلك عامة من ترجم له، وكان معظما للسنة والأثر، لكن كان عنده شدة وقسوة في التعامل مع أهل العلم، ولذلك ابتلي كثيرا بسبب هذه الحدة، وهناك مقولة مشهورة: «لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان» لأنه كان عنده سلاطة في اللسان – عفا الله عنا وعنه – وهذه الحدة وهذه السلاطة ذكر العلماء أن سببها: جهله بسياسة العلم، فالعلم يحتاج إلى سياسة، ليس كل ما يُعلم يقال، وليس كل ما يخطر ببال الإنسان يتكلم به أو يكتبه، فكل شيء يحتاج إلى سياسة ومن ذلك: العلم، فيحتاج إلى سياسة، وإلى عقل، وحكمة، ومداراة، واحترام لأهل العلم والفضل، وإذا اختار الإنسان رأيا فإنه يحترم آراء الآخرين، لا يصادر آراء الآخرين، ولا يتهجم عليهم، وإنما يقول كما قال الإمام الشافعي: «قولنا صحيح يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب».

وهل مذهب الظاهرية يعول عليه بالخلاف ويُعتبر خارقا للإجماع أم لا، المذاهب الأربعة المشهورة معروفة، وإذا حصل مخالفة مذهب من المذاهب ولو في رواية فلا ينعقد الإجماع، أو ما روي عن السلف، من الصحابة، والتابعين، لكن مذهب الظاهرية هل تعتبر مخالفة الظاهرية خارقة للإجماع؟

أهل العلم لا يعتدون بمخالفة الظاهرية؛ لأن المذهب لم يبنى على أصول وقواعد صحيحة، وفيه مخالفات شنيعة، على سبيل المثال: قول النبي – عليه الصلاة والسلام -: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه» يقولون: لا يجوز البول في الماء الدائم والاغتسال فيه لكن يجوز التغوط فيه، هذه مخالفة شنيعة.

أيضا ما ذكره ابن حزم في المحلى يقول: «إن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر شرط لصحة صلاة الفجر، ومن لم يضطجع بعد ركعتي الفجر صلاة الفجر في حقه باطلة» هذا كلام لا يمكن أن يقال في مثل هذا الكلام أنه يخالف الإجماع، ومن أمثال هذا كثير، وقد يصيبون، لكن كلام الظاهرية الذي لا يُعتد به إذا انفردوا، والغالب أن الظاهرية لا ينفردون يكون هناك من وافقوهم من الصحابة والتابعين، لكن إذا لم يوجد أحد من الصحابة والتابعين، وتابعيهم قال بهذا القول، ولا من المذاهب الأربعة المعروفة المتبوعة، ولا من أئمة المسلمين، وانفرد الظاهرية بالقول قولهم لا يعتبر خارقا للإجماع ولا يُعتد به.

هذه القصة ذكرها أصحاب السير ومنهم: الذهبي في سير أعلام النبلاء، وغيره.. القصة مشهورة أن سبب تعلم أبي محمد بن حزم الفقه: أنه لما أتى قبل أن يطلب العلم دخل المسجد، وقد أتى للجنازة، ولم يصل تحية المسجد، قال له أحد الحاضرين: قم فصل تحية المسجد، فصلى تحية المسجد، وصلوا صلاة العصر، ودفنت الجنازة، ثم رجع للمسجد فأراد أن يصلي تحية المسجد، فنهاه أحد الحاضرين، فأحدث هذا في نفسه ربكة، وحزن، كيف أن يجهل مثل هذه الأمور الذي يدركها كثير من العامة، فعزم على طلب العلم، هذا الموقف كان سببا لأن يعزم على طلب العلم، فذهب لأبرز أهل العلم في بلده، أبي عبد الله بن دحون فنصحه وأرشده بأن يطلب العلم، كان أول ما بدأ به الموطأ مالك، فأحيانا يحصل للإنسان مثل هذه المواقف فتكون مؤثرة في حياته، ويفيد منها وتكون سببا لخير كثير، وابن حزم هو معظم للسنة والأثر ويظهر هذا في كتابه: «المحلى» لكن كما ذكرت الذي أخذ عليه أهل العلم الحدة، والسلاطة، ولذلك ينصح أهل العلم خاصة المبتدئين بألا يقرءوا في كتبه كثيرا حتى لا يتأثروا بمنهجه، وطريقته في الحدة، وفي الجرأة، والسلاطة – عفا الله تعالى عنا وعنه – ولكنه في باب المعتقد عنده انحراف كبير، وعلى عقيدة الجهمية، كما قال ابن عبد الهادي: إنه جهمي جلد، فهو في باب الاعتقاد عنده انحراف، وفي الفقه كما سمعتم، لكن يستفاد مما يطرحه في بعض الآراء خاصة ما تميز به في بعض التعليلات، وبعض الأطروحات يستفاد من كتابه كتاب: «المحلى» وكتبه الأخرى أيضا، ففيها خير كثير.    

  فائدة: فضل علم الفقه (أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه علم أنه أفضل العلوم، فإن أرباب المذاهب فاقوا بالفقه على الخلائق أبدا، وإن كان في زمن أحدهم من هو أعلم منهم بالقرآن، أو بالحديث، أو باللغة، كم رأينا مبرزا في علم القرآن، أو في الحديث، أو في التفسير، أو في اللغة، لا يعرف مع الشيخوخة معظم أحكام الشرع، وربما جهل عنه ما يحتاجه في صلاته، على أنه ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبيا عن باقي العلوم، فإنه لا يكون فقيها، بل يأخذ من كل علما بحظ، ثم يركز على الفقه فإنه عز الدنيا والآخرة) أهم علمين ينبغي أن يركز عليهما طالب العلم: علم العقيدة، وعلم الفقه، أما علم العقيدة فلا يخفى أهمية العناية بالعقيدة، وتصحيح المعتقد، ومعرفة انحرافات الفرق، وأصحاب العقائد المنحرفة حتى يجتنبها المسلم، وأما بالنسبة للفقه فهو يمثل حياة الناس العملية، وانظر إلى ماذا يسأل عنه الناس، وعن ماذا يستفتون، استمع إلى أي برنامج إفتاء في الإذاعة، أو في التلفاز، أو في أي مكان.. أكثر أسئلة الناس في الفقه، أحكام الصلاة، والزكاة، والصيام، والمعاملات، والأطعمة، والنذور، معظم أسئلة الناس في هذا، ويمثل حياة الناس العملية، لذلك فهو علم نافع، ولهذا تجد أن العلماء المبرزين السابقين أكثرهم من الفقهاء، مثلا الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بماذا برزوا؟ برزوا في الفقه كلهم، أحمد برز في الحديث والفقه وهو محدث فقيه، ومقولة بعض الناس أنه محدث وليس بفقيه هذا غير صحيح، بل هو محدث فقيه، هؤلاء الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة المتبوعة في العالم الإسلامي برزوا في الفقه، الفقه ثمرته عظيمة كما قال ابن الجوزي هنا يقول: (إنه هو من أفضل العلوم، وأربابه فاقوا الخلائق)، يقول: انظر إلى منزلة الفقهاء (وإن كان في زمن أحدهم من هو أعلم بالقرآن، أو بالحديث، أو باللغة، قال: وكما رأينا مبرزا في علم القرآن، أو في الحديث، أو في التفسير، أو في اللغة، لا يعرف مع الشيخوخة معظم أحكام الشرعهذا وإن كان قاله ابن الجوزي في زمنه، لكننا نجد هذا واضحا جليا في زمننا بسبب الشهادات والتخصص، تجد بعض طلبة العلم يتخصص في التفسير، أو في الحديث، لكنه يجهل كثيرا من المسائل الفقهية، أو في النحو، فيجهل كثيرا من المسائل الفقهية، ولذلك لابد من العناية بالفقه، ولا يتأهل طالب العلم للفتيا حتى يمر على جميع أبواب الفقه، ويضبط جميع أبواب الفقه ويتقنها، ولا يحل له أن يفتي وهو لم يمر ولم يتقن جميع أبواب الفقه، فإذا أهم علمين: علم العقيدة والفقه، وهذا لا يقلل من العلوم الأخرى هي علوم مهمة، ونافعة، ومفيدة، لكن هناك علوم لا يضر جهلها مثلا: مصطلح الحديث، لو أن طالب العلم لا يعرف شيئا في المصطلح، ولا قرأ شيئا في المصطلح، ولكنه عنيا في العقيدة، والفقه، مثلا: والحديث هل يضره جهله بأحكام المصطلح؟ ما يضره يمكن أن يعتمد على حكم الأئمة، حكم  الإمام أحمد، والترمذي، وأبو داوود، وحكم محدثين، يقول قال: العالم الفلاني هذا حديث صحيح، أو قال: ضعيف، هناك علوم يكفي منها قدر معين مثلا: أصول الفقه يكفي قدر معين، يكفي أن تعرف القواعد الأصولية ولا يلزم أنك تدخل في التفاصيل وفي خلافات المتكلمين، وقالوا وقلنا وتعريفاتهم، يكفيك منه قدر معين، كذلك النحو يكفي ما استقام به اللسان، ولا يلزم أن تعرف الخلافات بين البصريين والكوفيين لا يلزم، القراءات يكفي أن تضبط قراءة واحدة متواترة مثل: قراءة حفص، أو قراءة ورش، ما يلزم أنك تضبط القراءات السبع المتواترة كلها أبدا، ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يكون لديه فقه في الأولويات.

أذكر مرة أن بعض الأخوة عرضوا علي دورة علمية، وإذا فيها درس في المصطلح، ودرس في التفسير، ودرس في النحو، ما وجدت فيها درسا في الفقه، قلت: عندكم خلل، كيف تضعون لهم درسا في المصطلح ولا تضعون لهم درسا في الفقه، هذا فيه خلل، لابد لطالب العلم أن يكون لديه فقه للأولويات، يقدم الأهم على المهم، والعمر قصير، وحتى علم الفقه أيضا فيما هو أهم فهو مهم، فما كان متعلقا بالحياة العملية والواقع فهو أهم، وما كان مفترضا يمكن تأجيله، فمثلا: لا يلزم أنك تتعمق في أحكام مسائل الرق، يمكن أن تأخذ فقط المسائل العامة فيها؛ لأنه الآن منقرض وغير موجود، لكن لابد أن تتعمق في المسائل العملية المتصلة بالواقع، وأن يكون لديك تأصيل، وأيضا عناية بالنوازل والفقه المعاصر تجمع بين الأمرين، تضبط كلام الفقهاء السابقين ويكون لك عناية بالنوازل والقضايا المعاصرة.

هنا قال ابن الجوزي في آخر هذه الفائدة قال:(على أنه ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبيا عن باقي العلوم، فإنه لا يكون فقيها، بل يأخذ من كل علما بحظ، ثم يركز على الفقه فإنه عز الدنيا والآخرة) ينبغي أيضا أن يكون له عناية بالعلوم الأخرى يأخذ منها بحظ معين، النحو مثلا: يضبط منها ما يستقيم به اللسان، وما يكون له علاقة بالجوانب الشرعية، كذلك التفسير خاصة آيات الأحكام، كذلك الحديث، وأيضا يحفظ ما تيسير من كلام النبي – عليه الصلاة والسلام – ويعتني به، فلا يكون أجنبيا، بل حتى أيضا الثقافة العامة ينبغي لطالب العلم ينبغي أن يكون له عناية بها، وألا يكون بعيدا عنها؛ لأنها أحيانا يكون لها أثر في تصور المسألة، وتصور الحكم، ويكون له أيضا عناية بمعرفة واقع الناس خاصة من له علاقة بالفتوى، وبتوجيه الناس وإرشادهم، لابد أن يكون على علم وعلى معرفة بواقع الناس، لا يكون في واد والناس في واد آخر، فهذه الأمور ترجع إلى منهجية طالب العلم هذه مهمة جدا، لابد أن يعنى طالب العلم بضبط منهجية طلب العلم، وكل له طريقته الخاصة، لكن لابد من أن يسير على منهجية حتى يكون مؤصلا في طلبه للعلم.   

فائدة: من ادعى ما يكذبه الحس لم تسمع دعواه(قال الشيخ محمد العثيمين – رحمه الله -:«إذا كسفت الشمس بعد الغروب، وادعى أحد رؤية القمر هالا في بلد غابت الشمس فيه قبل كسوفها فإن دعواه هذه غير مقبولة، للقطع بأن الهلال لا يرى في مثل هذه الحال، فيكون المدعي متوهما إن كان ثقة، وكاذبا إن لم يكن ثقة» وقد ذكر العلماء قاعدة مفيدة في هذا: «أن من ادعى ما يكذبه الحس لم تسمع دعواه») هذه قاعدة عند أهل العلم أن من ادعى ما يكذبه الحس لم تسمع دعواه، من أتى بأشياء غير معقولة، ويكذبها الحس والواقع، فإن كلامه غير مقبول، وإن كان ثقة، وإن كان عدلا، ومثل الشيخ لهذه القاعدة بهذه المسألة وهي: ما إذا انكسفت الشمس بعد الغروب في اليوم التاسع والعشرين من الشهر القمري، ثم أتى شخص وادعى أنه رأى الهلال بعد غروب الشمس، فلا تسمع دعواه، وترد شهادته؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يُرى الهلال، والشمس قد غربت كاسفة، لا يمكن؛ لأن الهلال لم يولد بعد، كيف يراه هذا الشخص؟ ومثل ذلك أيضا: إذا غرب القمر قبل الشمس فلكيا، ثم أتى شاهد وادعى أنه رأى القمر، وهو موجود بعد غروب الشمس، هذه الدعوة يكذبها الحس، ترد شهادته؛ لأننا أخذنا حسابات القمر طيلة أيام الشهر، وطبقناها على الواقع، وجدناها صحيحة مئة بالمائة، أخذتها لأي يوم من أيام الشهر، واحد، اثنين، ثلاثة .. طبقها على الواقع تجد أن هذه الحسابات غروب القمر أنها منضبطة ودقيقة مثل حسابات غروب الشمس، فإذا أتى اليوم التاسع والعشرين وهذه الحسابات دلت على أن القمر يغرب قبل الشمس، وأتى شاهد وقال: لا أنا رأيت القمر بعد الشمس، فهنا ترد شهادته، بناءً على هذه القاعدة، وهذه مسألة هي محل خلاف بين العلماء، الحساب الفلكي هل له أثر في رد الشهادة، أم لا؟

من أهل العلم من قال أنه: ليس له أثر.

ومنهم من قال: يقبل وترد به الشهادة مطلقا، ومنه أحمد شاكر – رحمه الله -.

وهناك قول ثالث: هو قول تقي الدين ابن السبكي – رحمه الله – يقول: «إنها يقبل حساب الفلكي في رد شهادة الشهود في النفي دون الإثبات» ما معنى في النفي دون الإثبات؟

إذا قال الحساب الفلكي القطعي إن القمر لا يمكن أن يُرى، فادعى شاهد أنه رأى هلال فترد شهادته، لكن لو قال الحساب الفلكي إنه يمكن أن يُرى، وأن القمر سيغرب بعد الشمس وسيمكث مدة، لكن ما تقدم أحد برؤية الهلال، فهنا لا نعتمد على الحساب الفلكي، نعتبر الشهر ثلاثين، هذا هو معنى قولهم: يقبل الحساب الفلكي في النفي دون الإثبات.

وعندي أنه يُقبل ما كان قطعيا، وأن الحساب الفلكي القطعي معتبر في النفي دون الإثبات، هذا هو رأي ابن السبكي – رحمه الله – وهذا أيضا متفرع عن هذه القاعدة، أن ما ادعى ما يكذبه الحس لم تسمع دعواه، وهذا أيضا هو الذي عليه العمل تقريبا من تسع سنوات، وهذا هو الذي عليه العمل، لم يحصل في هذه التسع سنوات أن قبلت شهادة شهود، والحساب الفلكي القطعي قد دل على أنه لا يمكن أن يُرى الهلال.

 ويمكن أيضا أن يستفاد من هذه القاعدة حتى في غير هذا، كل من ادعى دعوى يكذبها الحس فإن دعواه لا تُسمع.

بعض من ينازع في هذه القضية قضية الحسابات الفلكية ليس عنده فهم أو تصور لها، وينازع بجهل، وهذا أشار إليه ابن السبكي لما تكلم عن هذه المسألة قال: «أن أكثر من ينازع فيها ليس عندهم تصور، ولا فهم لها» فلابد أن يكون الذي يخالف في هذه المسألة يعرف ما مقصودهم بقولهم: إن الحساب الفلكي القطعي يعتمد عليه في النفي دون الإثبات.

 ومن أراد مزيدا من الكلام حول هذه المسألة فهناك لي كتاب صدر هذا العام بعنوان: «الاستعانة بالحسابات الفلكية في إثبات الأهلة» ذُكرت فيه تفاصيل هذه المسألة، وخرجت بهذه النتيجة التي ذكرت.  

فائدة: مراتب الإدراك (مراتب الإدراك ست:

الأولى: العلم، وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما.

الثانية: الجهل البسيط، وهو عدم الإدراك بالكلية.

الثالثة: الجهل المركب، وهو إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه.

الرابعة: الوهم، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد الراجح.

الخامسة: الشك، وهو إدراك الشيء مع احتمال مساوي.

السادسة: الظن، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد المرجوح) هذه مراتب الإدراك، المرتبة الأولى: العلم وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما، وحتى يكون علما لابد من إدراكه بدليله، فإن العلم معرفة الحق بدليله، أما معرفة الحق بدون دليل فهذا ليس علما، وإنما هو تقليد، قال ابن عبد البر – رحمه الله – : «أجمع العلماء على أن المقلد ليس معدودا من العلماء».

الثانية: الجهل البسيط، وهو عدم الإدراك بالكلية، يجهل، ما يدركه، جاهل، فهو لا يدرك هذا الشيء.

الثالثة: الجهل المركب، وهو إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه، يعني يكون جاهلا بالشيء، ويجهل أنه جاهل، الجهل البسيط هو جاهل لكن يعلم أنه جاهل، أما الجاهل المركب فهو جاهل ويجهل أنه جاهل، فيسميه العلماء جهل مركب، هنا تأتي المصيبة، عندما يكون إنسان جاهل ولا يعرف أنه جاهل، أما من كان جاهلا، ويعرف أنه جاهل، فهذا يمكن أن يتعلم، يمكن يسأل، لكن المصيبة عندما يكون جاهل ويجهل أنه جاهل، فهذا كيف يتعلم؟ كيف سيسأل؟ وهو أصلا ما يعرف أنه جاهل، يجهل أنه جاهل، هذا يسميه العلماء الجهل المركب.

الرابعة: الوهم، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد الراجح، يعني أنه يدرك الشيء لكن ضده وخلافه هو الأرجح، يعني يدرك الشيء بنسبة خمسة بالمائة، عشرة بالمائة، لكن تسعين بالمائة خلاف هذا الإدراك، هذا يسمى وهم.

 وعكسه الظن، وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوحه، يغلب على ظنه مثلا: ثمانين في المائة، سبعين في المائة، تسعين في المائة، هنا يسمى ظن، أو بعضهم يسميه غلبة ظن، فغلبة الظن يقابلها الوهم.

 إذا تساوى الطرفان يسمى شك، وهو إدراك الشيء مع احتمال مساوي، يعني خمسين في المائة كذا، خمسين في المائة كذا، هذا يسمى شك، لكن لو كان تسعين بالمائة كذا، وعشرة بالمائة كذا ظن وهو غلبة ظن، لو كان عكسه وهم، فهذه المصطلحات ينبغي لطالب العلم أن يعرفها.       

 قاعدة فقهية نافعة: (من القواعد المفيدةأن الفضل إذا كان يتعلق بذات العبادة كانت مراعاته أولى من الفضل الذي يتعلق بزمانها أو مكانها، مثالها: إذا كان من عادة المسلم إخراج زكاته في رمضان اغتناما لمناسبة فضل الزمان، لكن أتاه فقير محتاج حاجة شديدة في شهر جمادى، فالأفضل تعجيل زكاته لسد حاجة هذا الفقير) هذه قاعدة مفيدة لطالب العلم وهي: أن الفضل المتعلق بذات العبادة مراعاته أولى من الفضل المتعلق بزمانها أو مكانها، ويتضح هذا بالأمثلة، المثال: الذي ذكره المؤلف شخص من عادته أنه يخرج الزكاة في رمضان، فهنا الفضل متعلق بالزمان، لكن أتاه رجل فقير، وطلب منه مساعدة، فكونه يعجل الزكاة ويساعده الآن أفضل من كونه يخرج الزكاة في رمضان؟

لأنه إذا عجل الزكاة فهذا الفضل متعلق بذات الزكاة نفسها، العبادة نفسها، بينما لو انتظر حتى يأتي شهر رمضان هذا متعلق بزمان العبادة، والفضل متعلق بذات العبادة أولى من الفضل المتعلق بزمانها.

مثال آخر: أقيمت الصلاة، ورجل حاقن، - يعني محتبس البول - فهل الأولى أن يقضي حاجته، ثم يتوضأ، ويلحق بالجماعة، ولو فاتته تكبيرة الإحرام، وفاته جزء من الجماعة، أو الأولى أن يصلي وهو حاقن؟

نقول: الأول، أن يذهب ويقضي حاجته، ثم يتوضأ، ويأتي ويلحق بالجماعة؛ لأن هذا مراعاته أولى من مراعاة زمن العبادة، وهو أنه يدرك فضل الجماعة، ويدرك تكبيرة الإحرام، ويدرك هذا الزمن الذي تقام فيه الجماعة، مراعاة ذات الصلاة نفسها وهو أن يقضي حاجته، ثم يتوضأ، ويقبل على صلاته بخشوع وحضور قلب، أولى من أن يصلي وهو حاقن، مراعاة فقط لتكبيرة الإحرام، وإدراك الجماعة من أول الصلاة.

مثال آخر: هذا رجل، لو صلى في الصف الأول لم يخشع في الصلاة؛ بسبب الضوضاء، وربما في بعض المساجد بسبب الكاميرات التي تصور، أو نحو ذلك.. لكنه لو صلى في الصف الأخير خشع في صلاته، فأيهما أفضل أن يصلي في الصف الأول مع هذه الضوضاء، أو أن يصلي في الصف الأخير مع الخشوع؟

الأولى أن يصلي في الصف الأخير مع الخشوع؛ لأن الأول له فضل متعلق بمكان العبادة، وهو الصف الأول، والثاني له فضل متعلق بذات العبادة وهو الخشوع في داخل الصلاة متعلق بذات العبادة، والفضل المتعلق بذات العبادة مراعاته أولى من الفضل المتعلق بمكان العبادة.

أيضا من الأمثلة المتعلق بالحج: الرمل هو من سنن طواف القدوم، ومعنى الرمل: الإسراع في المشي مع مقاربة الخطى، لكن إذا كان الطائف بين أمرين: إما أن يقرب من الكعبة ولا يستطيع الرمل بسبب الزحام، أو أنه يكون بعيدا عن الكعبة ويستطيع أن يرمل، فأيهما أفضل؟

أن يبتعد عن الكعبة ويطبق سنة الرمل؛ لأن الفضل المتعلق بذات العبادة، مراعاته أولى من الفضل المتعلق بمكانها، فهو لو قرب من الكعبة هنا راعى المكان، لاشك أن الطائف كلما قرب من الكعبة كلما كان أفضل، هنا راعى فضل المكان، لكن لو ابتعد فهنا راعى فضل العبادة نفسها، الطواف أتى بسنة من سنن الطواف، ومراعاة الفضل المتعلق بذات العبادة أولى مراعاة الفضل المتعلق بمكانها.

وأمثلة هذه القاعدة كثيرة، هذه قاعدة نافعة مفيدة لطالب العلم، لها فروع وأمثلة كثيرة.        

فائدة: من الأخطاء الشائعة في الوضوء (من الأخطاء الشائعة عند بعض العامة في الوضوء أنه: عند غسل اليدين يغسل الذراعين والمرفقين، ويترك غسل اليدين، وهذا الوضوء غير صحيح، ولا تصح معه الصلاة؛ لكونه قد ترك قدرا كبيرا من أعضاء الوضوء وهما: الكفان بدون غسل، وغسله لهما في أول الوضوء قبل المضمضة لا يجزئ عن غسلهما بعد غسل الوجه لعدم تحقق الترتيب الذي هو من فروض الوضوء) هذا من الأخطاء الشائعة عند بعض الناس أنه: عند الوضوء تجد أنه يغسل كفيه، ويتمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه، ثم عند غسل اليدين يغسل الذراع، والمرفق، ولا يغسل الكف، باعتبار أنه غسل الكف في أول الوضوء، وهذا يكون قد ترك قدرا كبيرا من هذا العضو، لم يغسله وهو الكفين، فلا يصح وضوءه، ولا تصح صلاته، غسله الأول هذا من سنن الوضوء، غسل الكفين في أول الوضوء من سنن الوضوء، لكن لو لم يأتي به أصلا وضوءه صحيح، لكن غسل الكفين بعد غسل الوجه أثناء غسل اليدين هذا من فروض الوضوء، وإذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – لما رأى رجل وفي قدمه قدر الظفر لم يصبه الماء، أمره أن يعيد الوضوء أو الصلاة، فكيف بمن ترك قدر الكف؟ هذا أولى بأن لا تصح صلاته، فهذه من الأخطاء الشائعة عند بعض الناس، فينبغي التنبه والتنبيه على هذه المسألة، نقول: عندما تتوضأ بعد غسل الوجه، ابدأ أولا بغسل الكفين، ثم غسل الذراع والمرفق، فعند غسل اليدين تغسل اليدان من أطراف الأصابع إلى المرفقين مع دخول المرفق في الغسل، لابد من العناية بمسألة الطهارة وعدم التساهل فيها، وأيضا في غسل هذا العضو يتساهل بعض الناس في غسل المرفق خاصة من يتوضأ وهو مستعجل، تجد أنه يضع يده تحت صنبور الماء وربما غسل كفه وذراعه لكن تجد في مرفقه بقع لم يصبها الماء، وهذا أيضا لا يصح وضوءه، وإذا لم يصح وضوءه لم تصح صلاته، النبي – عليه الصلاة والسلام – أمر رجلا أن يعيد الوضوء أو الصلاة من أجل بقعة على قدر ظفر فقط، فلذلك ينبغي للمسلم أن يرفع مستوى الاهتمام بالعبادة، الاهتمام بالوضوء، اهتمام لا يقود للوساوس، لكن اهتماما يتأكد معه من وصول الماء إلى جميع أعضاء الوضوء، فعندما يغسل يده يتأكد من أنه غسل الكف، وغسل الذراع، وغسل المرفق، يتأكد من ذلك، ويدلك يده، وهكذا أيضا عند غسل الرجلين، يتأكد من أنه غسل الرجل مع الكعبين، ولذلك النبي – عليه الصلاة والسلام – شدد في هذه المسألة لما رأى أقواما يتوضئون وقد لاحت أعقابهم لم يصبها الماء، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار» الحديث في الصحيحين، فانظر كيف توعد النبي – عليه الصلاة والسلام – بهذا الوعيد، توعد هذه الأعقاب التي لم يصبها الماء بالنار، فينبغي للمسلم أن يهتم بشأن الوضوء، ويتأكد من وصول الماء إلى جميع أعضاء الوضوء، لابد من أن يتأكد من ذلك، لكن بعض الناس يؤتى من جهة السرعة، والعجلة، وقلة الاهتمام، يسمع مثلا: الإقامة، أقيمت الصلاة فيستعجل ويبقى في مرفقه بقع لم يصبها الماء، أو في كعبه بقع لم يصبها الماء، فهذا لا يصح وضوءه ولا صلاته، وهكذا أيضا الخطاء الكبير الذي أشرنا إليه أنه لا يغسل كفه، وإنما يغسل الذراع والمرفق فهذا لا يصح وضوءه ولا تصح صلاته.

    

ونكتفي بهذا القدر في لطائف الفوائد،، ونقف عند مسألة سلس البول وما يتعلق به من أحكام.

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: 1439/2/10 - جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى