الخثلان
الخثلان
من الفائدة 31 إلى 38
8 صفر 1439 عدد الزيارات 357

لطائف الفوائد 6

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علما نافعا ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس السادس في هذا العام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين، في هذا اليوم الاثنين الثالث من شهر صفر من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

 نبدأ أولا بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة الواحدة والثلاثين، ولعلنا في هذا الدرس ننتهي من الفوائد في باب العقيدة.

فائدة: حقيقة الشبهة (سئل الإمام أحمد – رحمه الله – عن الشبهة فقال: «هو الشيء الذي بين الحلال والحرام») الشبهة عرفت بعدة تعريفات ومن أحسنها ما نقله ابن نجيم عن الكمال بن همام أنه قال: «هي ما يشبه الثابت وليس بثابت في نفس الأمر» هذا هو تعريف الشبهة، فهي تشبه الشيء الثابت الواضح لكنها ليست من الأمور الثابتة في حقيقة الأمر وفي نفسها، فتكون محتملة، ولهذا الإمام أحمد لما سئل عن الشبهة قال: «هو الشيء الذي بين الحلال والحرام» ولعله أخذ هذا من حديث النعمان بن بشير – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن الحلال بَيّن، وإن الحرام بَيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه» وقال: يوشك أن يقع فيه، فإذا الشبهة هي بين الحلال والحرام، فالأقسام ثلاثة: حلال بَيّن، وحرام بَيّن، وبينهما الشبهة فهي ما بين الحلال والحرام، وذلك كالمسائل التي يختلف في حكمها العلماء فبعضهم يقول: يجوز، وبعضهم يقول: محرم، فتكون شبهة إذا لم يتضح حكمها للمستفتي بشكل واضح، وإنما اشتبه عليه الأمر نظرا للاختلاف المفتين فإنها تكون شبهة، فينبغي اتقائها وتجنبها، اتقاء الشبهات من الورع ولذلك عُرف الورع: بأنه اجتناب الشبهات خوفا من الوقوع في المحرمات، وما الفرق بين الورع والزهد؟

الورع: ترك ما يخشى ضرره في الآخرة.

بينما الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة.

أيهما أعلى مرتبة الزهد أم الورع؟

الزهد؛ لأن الزهد ترك ما لا ينفع مع أنه قد يكون مباحا لكن لا ينفع في الآخرة يزهد فيه، بينما الورع: ترك ما يخشى ضرره، فالزهد أعلى مقاما من الورع، فاتقاء الشبهات اتقاء ما كان من المشتبه هذا يعتبر من مقام الورع، وينبغي أن يعود الإنسان نفسه على اتقاء الشبهة، وأن يكون لديه الورع، فإن الإنسان تعرض له في حياته أمور بها شبهة، ينبغي أن يجعل له مبدأ في الحياة في أن يتقي هذه الشبهات؛ لأنه إذا اتقى الشبهات فقد وضع حاجزا بينه وبين الحرام، لكنه إذا تجرأ على الوقوع في الشبهات فقد كسر هذا الحاجز الذي بينه وبين الحرام فيوشك أن يقع في الحرام، ولهذا قال – عليه الصلاة والسلام – في الحديث السابق: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» يعني كأنه وقع في الحرام ومن وقع في الشبهات يعني كأنه وقع في الحرام لأنه قد أزال عنه الحاجز الذي بينه وبين الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، حمى السلطان عندما يأتي إنسان ويجعل إبله ومواشيه ترعى في المرعى الذي حول حمى السلطان، فإن هذه المواشي يوشك أن ترعى في حمى السلطان فيعاقب هذا الراعي، هكذا أيضا إذا حام الإنسان حول الحرام، وكسر الحاجز الذي بينه وبين الحرام وهو الشبهة فوقع في الشبهة فيوشك أن يقع في الحرام نفسه، ولهذا ينبغي أن يكون المسلم متقيا للشبهات، أي أمر فيه شبهة ابتعد عنه، اجعل هذا مبدأ لك في حياتك، كل ما كان فيه شبهة ابتعد عنه، هذا يجعل بينك وبين الحرام حاجزا، لكن من تجرأ على الوقوع في الشبهات هذا يوشك أن يقع في الحرام يوما من الأيام.

 فائدة: تعليم السلف أولادهم حب أبي بكر وعمر (قال مالك بن أنس: «كان صالح السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن») كان الصحابة – رضي الله عنهم – هم نقلت الشريعة، وهم الواسطة بيننا وبين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولذلك يجب تعظيمهم، ومحبتهم، فإن تعظيمهم تعظيم للشريعة، ومحبتهم هي محبة للشريعة، بينما الطعن فيهم طعن في الشريعة؛ لأنه إذا طعن في نقلت الشريعة فقد طعن في الشريعة نفسها، بل إن الطعن في الصحابة – رضي الله عنهم – طعن في رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لأنهم هم أصحابه، والطعن في الصاحب طعن في المصحوب، بل إن الطعن في الصحابة طعن في الله – عز وجل – لأن الله تعالى قد اختارهم صحابة لنبيه – صلى الله عليه وسلم – فمن طعن فيهم وفي عدالتهم فقد طعن في الله – عز وجل – إذ كيف يختار لنبيه هؤلاء، الدليل على أن الله تعالى اختارهم واصطفاهم ما جاء في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون عن دينه» رواه أحمد بسند حسن.

والله تعالى إذا اصطفى صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليكونوا صحابته، وليكونوا نقلت الشريعة، ولهذا قال أبو زرعة الرازي: «إذا رأيت الرجل يطعن في أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاعلم أنه زنديق».

 فمن علامات أهل البدع: الطعن في الصحابة، وسب الصحابة، وتنقيص الصحابة، هذه من علامات أهل البدع، والزيغ، والانحراف، قد كان السلف الصالح يعظمون الصحابة، ويغرسون في نفوس أبناءهم محبة الصحابة، كما قال الإمام مالك: «كان صالح السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمون السورة من القرآن».

إذا رأيت إنسانا يطعن في أي صحابي فهذا دليل على زيغه وانحرافه، من يطعن في أبي بكر، أو في عمر، أو عثمان، أو علي، أو يطعن في معاوية، أو يطعن في عمرو بن العاص، أو في أي صحابي من الصحابة ..فهذا دليل على زيغه، وعلى انحرافه، وعلى أنه من أهل البدع، يجب محبة الصحابة، وتعظيمهم، وتوقيرهم، وغرس محبتهم في النفوس، وألا نرضى بأن ينتقصهم أي أحد بأي وجه من وجوه الانتقاص؛ لأن انتقاصهم أو الطعن فيهم هو الطعن في شريعة الله، هم نقلت الشريعة، فإذا طعن فيهم وفي عدالتهم فقد طعن في الشريعة، ولذلك تجد أن الزنادقة، وأهل البدع، والزيغ، والانحراف لم يتجرءوا أن يطعنوا في الشريعة نفسها، فطعنوا في الصحابة لعلمهم بأنهم إذا طعنوا في الصحابة هدموا الشريعة، وهذا الأمر ينبغي لكل واحد منا يحرص على تعظيم قدر الصحابة في نفوس أولاده من بنين وبنات، وغرس محبة الصحابة في نفوس أولاده، وتوقير الصحابة، وتعظيم الصحابة تعظيما لا يصل إلى درجة الغلو، لكن نحبهم لأنهم أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولأنهم خير هذه الأمة بشهادة النبي – صلى الله عليه وسلم – ولأنهم هم نقلت الشريعة، ولأن الله تعالى اصطفاهم ليكونوا نقلت الشريعة، وليكونوا صحابة رسوله – صلى الله عليه وسلم -.  

  فائدة: الصديقون أفضل من الشهداء (قال ابن القيم – رحمه الله -: «الصديقون أفضل من الشهداء بلا نزاع، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَفقدم الصديقين على الشهداء في الذكر») الذين أنعم الله عليهم هم أربعة أقسام:

القسم الأول: الأنبياء والرسل، وهؤلاء اصطفاهم الله تعالى بنبوته ورسالته، يليهم في الأفضلية: الصديقون، والصديقون هم الذين كمل إيمانهم وتصديقهم، والصديقية مرتبة رفيعة وعالية، وهذه المرتبة مرتبة أعلى من مرتبة الشهادة، مع علو مرتبة الشهادة، الشهيد الذي باع نفسه لله – عز وجل – مرتبته عالية جدا، لكن الصديقية أعلى مرتبة من الشهادة، فهؤلاء الصديقون هم أفضل من الشهداء بالإجماع؛ لأن الله تعالى قدمهم في الذكر.

وكيف تنال الصديقية؟

تنال بكمال الإيمان، وكمال التصديق، وتحري الصدق في الأقوال، وفي الأفعال، وفي كل شيء.. كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «وإن الرجل ليصدق، ويتحرى الصدق، حتى يكتب عند الله صديقا» فإذا صدق الإنسان مع الله – عز وجل – فاستقام على شرعه وطاعته، وتحرى الصدق في أقواله، وفي أفعاله، وجميع تصرفاته، فإنه يرجى أن ينال هذه المرتبة العظيمة، يلي مرتبة الصديقين الشهداء، والمقصود بالشهداء في الآية: يعني الذين قتلوا في سبيل الله -  عز وجل – هؤلاء قد باعوا أنفسهم لله، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ فهذه أيضا مرتبة عظيمة، وقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – : «أنه ما من أحد يدخل الجنة فيتمنى أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل، ثم يرجع فيقتل، عشر مرات لما يرى من إكرام الله للشهيد» يلي الشهداء الصالحين وهم بقية المؤمنين الصالحين المستقيمين على شرع الله – عز وجل – لكنه أدنى مرتبة من الصديقين، ومن الشهداء.

 من الذين لا تأكل الأرض أجسادهم من هؤلاء الأقسام الأربعة؟

الأنبياء هذا بالإجماع، قد ورد فيه النص، وهو قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء».

وأيضا: اختلف العلماء في الصديقين والشهداء، والقول الراجح أن يقال: من شاء الله من الصديقين والشهداء، وليس جميعهم وإنما من شاء الله منهم، من شاء الله من الصديقين والشهداء، ويؤيد هذا الواقع، فإننا نجد أحيانا عندما ينبش قبر أحد أهل الخير والصلاح يوجد جسده كما دفن، رغم مضي مدة طويلة عليه، والقصص في هذا مشهورة ومتواترة، لكن هذا ليس للجميع، فقد يقتل إنسان في معركة شهيدا في سبيل الله، ثم تأكل الأرض جسده، وليس معنى ذلك أنه لم ينل الشهادة؛ لأن الصديقية درجات، والشهادة أيضا درجات، القول الراجح في هذه المسألة أن الأرض لا تأكل من شاء الله من الصديقين والشهداء، لا تأكل الأرض أجسادهم إكراما لهم، وبقية البشر تأكل الأرض أجسادهم، ولا يبقى منها إلا عجب الذنب.

 وعجب الذنب هو آخر العمود الفقري المسمى بالعصعص، وهو مادة صغيرة جدا، لا ترى بالعين المجردة، ومنها يركب الخلق يوم القيامة، سبحان الله! هذا الإنسان، هذا الجسد الذي يعيش به الإنسان في الدنيا وينعمه، يصبح ترابا، يتحلل شيئا فشيئا إلا أن يصبح مع مرور الزمن ترابا لا يبقى منه إلا عجب الذنب، نعيم القبر وعذابه يقع على الروح، فالروح هي التي تنعم أو تعذب، لكن بعد دفن الميت مباشرة يكون للروح اتصال بالجسد، فيسأل من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا النبي الذي بُعث فيكم؟ ولذلك يسمع قرع نعال المشيعين، وإنه ليسمع قرع نعالهم، فترد الروح إلى الجسد ويُمتحن، ويُسأل هذه الأسئلة، ثم بعد ذلك تصعد الروح إن كان من أهل الجنة في أعلى عليين، أو كان من أهل النار تكون في أسفل سافلين، ولذلك بعض الناس تجد أنه من شدة محبته لقريبه يكرر الزيارة لقبر قريبه، بعضهم يذهب كل أسبوع، بل بعضهم أقل من ذلك، هو يظن بهذا أنه يحسن إلى قريبه بهذه الزيارة، قريبك هذا قد أصبح ترابا الآن، تحلل لأن يصبح ترابا، قريبك ليس موجودا هنا، قريبك إن كان من أهل الجنة فهو في أعلى عليين، وإن كان من أهل النار فهو في أسفل سافلين، لذلك الأحسن إذا أردت أن تحسن إليه فادعوا له، تصدق عنه، اعتمر عنه، حج عنه، اجعل عنه صدقة جارية، أو تصدق عنه عموما، هذا هو الذي تحسن به إلى قريبك المتوفى، أما ذهابك إلى القبر فتستفيد فقط الاعتبار من زيارة القبور، لكن قريبك قد صعدت روحه، لذلك يتحلل ويصبح مع مرور الزمن ترابا، فهذا الجهد الذي يبذله في الذهاب إلى المقبرة وتردده على المقبرة نقول: إن كان قصدك الاعتبار فحسن، إن كان قصدك الإحسان لقريبك المتوفى فالأحسن من هذه أنك تجعل هذا الجهد فيما ينفعه من دعاء، أو صدقة، أو عمرة، أو حج، أو نحو ذلك.. مما ينفع الميت.      

فائدة: حقيقة الصبر وفضله(من أعظم النعم التي ينعم الله بها على الإنسان أن يوفقه للتخلق بخلق الصبر، وقد أخبر الله بأنه يحب من اتصف بهذا الخلق، فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَويقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «ما أعطي أحد عطاء خيرا ولا أوسع من الصبر» وحقيقة الصبر: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن الأفعال المحرمة، وينقسم إلى: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على المصائب التي تصيب العبد) الصبر هو من أعظم النعم التي ينعم الله تعالى بها على الإنسان، وهو أعظم عطاء يعطاه الإنسان، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -:«ما أعطي أحد عطاء خيرا ولا أوسع من الصبر» رواه مسلم، وإذا تخلق الإنسان بهذا الخلق أصبح من الصابرين، والصابرون يحبهم الله تعالى، وقد تكرر قول الله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ والصبر تزول معه الهموم والغموم، ويكون الإنسان منشرح الصدر؛ لأنه صابر، راضي بما قسم الله له، لكن ما معنى الصبر؟ إذا قيل فلان صابر، ويصبر، ما معنى الصبر؟

الصبر معناه: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن الأفعال المحرمة، يحبس نفسه، لا تجزع نفسه من الأمور الغير ملائمة له، وأيضا يحبس نفسه من أن يتكلم بكلام محرم أو غير لائق، ويحبس نفسه أيضا من أن يتصرف تصرفات محرمة، فهو قابض على نفسه، قابض على قلبه، وعلى لسانه، وعلى جوارحه، هذا معنى الصبر، وهو له علاقة بكثير من الأخلاق الفاضلة، فالصبر مثلا: عن الشهوة المحرمة يسمى عفة، والصبر عن آفات اللسان من الغيبة والنميمة ونحو ذلك.. أيضا يسمى عفة لسان، والصبر عن الجبن والخور يسمى شجاعة، والصبر على بذل المال المحبوب للنفس لإكرام الآخرين يسمى كرما، وهكذا.. تجد أن الصبر مرتبط بكثير من مكارم الأخلاق، ولذلك من اتصف بصفة الصبر تخلق بكثير من الأخلاق الفاضلة، كما ذكرت الصبر هو من أسباب انشراح الصدر، وزوال الهموم والغموم كيف ذلك؟ لأن الهموم والغموم تأتي للإنسان من أمور يخشى عواقبها في المستقبل، فإذا كان عنده قوة صبر، يقول: أنا أصبر نفسي على أي أمر يقدره الله تعالى مهما كان هذا الأمر، فأنا أصبر نفسي عليه، أي أمر يقدره الله – عز وجل – أنا أصبر نفسي عليه، فهذا مما يزيل الهموم والغموم، القلق، والغم، والهم أكثر ما يأتي للإنسان الجزوع الذي عنده جزع يخشى أن يحصل كذا، يخشى أن يحصل كذا، وليس عنده صبر، عنده قلة صبر، وقلة تحمل، فهنا تكثر عليه الهموم والغموم.

 والصبر تنقسم إلى ثلاثة أقسام: صبر على الطاعة، وصبر عن معصية، وصبر على المصائب، أفضلها وأعظمها: الصبر على الطاعة، كأن يصبر الإنسان نفسه مثلا على المحافظة على الصلوات الخمس مع الجماعة في المسجد تحتاج إلى صبر ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ربما يرتقي إلى درجة أعلى، يصبر نفسه على ألا تفوته تكبيرة الإحرام خلف الإمام، هذا يحتاج إلى صبر عظيم، يصبر نفسه مثلا على قيام الليل، قيام الليل يترك الراحة، والنوم، ويقوم ويصلي ما شاء الله هذا يحتاج إلى صبر، يصبر نفسه على الصيام، صيام النوافل وهكذا.. الصبر عن المعصية يلي الصبر على الطاعة في الأفضلية، كأن يصبر نفسه عن النظر المحرم، يصبر نفسه على الكلام المحرم، يصبر نفسه عن المعاصي؛ لأن المعاصي لها لذة، المعاصي بطبيعتها لها لذة وتحتاج إلى تصبير النفس عن هذه المعاصي، ولذلك قال بعضهم: فرق بين الحلال والحرام صبر النفس عن هواها لحظات، أما القسم الثالث فهو الصبر على المصائب التي تصيب العبد، نربط هذا القسم بالفائدة التي بعدها للسادسة والثلاثين.

فائدة: مراتب الناس حال المصيبة (الناس حال المصيبة على أربع مراتب:

الأولى: التسخط سواء بالقلب كأن يسخط على ربه، ويغتاظ مما قدره الله عليه، أو باللسان كالدعاء بالويل والثبور، أو بالجوارح كلطم الخدود، وشق الجيوب وما أشبه ذلك.. وكل هذا حرام منافي للصبر الواجب.

الثاني: الصبر فيرى أن هذا الشيء ثقيل عليه لكنه يتحمله وهو يكره وقوعه، ولكن يحميه إيمانه من السخط وهذا واجب.

الثالث: الرضا بأن يرضى الإنسان بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء، فلا يشق عليه وجودها، ولا يتحمل لها حملا ثقيلا، وهذه مستحبة وليست بواجبة على الراجح، والفرق بينها وبين المرتبة التي قبلها ظاهر؛ لأن المصيبة وعدمها سواء في الرضا عند هذا، أما التي قبلها فالمصيبة صعبة عليه، لكن صبر عليها.

الرابع: الشكر، وهو أعلى المراتب؛ وذلك بأن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة، حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته، وربما لزيادة ثوابه، وهذه كذلك مستحبة) عند وقوع المصيبة لا تخلو حال الإنسان من هذه الأحوال الأربعة:

الحال الأولى: التسخط بالقلب، أو باللسان، أو بالجوارح، بالقلب كأن يتسخط بقلبه ويغتاظ، ويعترض بقلبه على القضاء والقدر، باللسان كأن يسب، ويشتم، ويدعو بالويل والثبور، أو يأتي بعبارات فيها اعتراض على الله – عز وجل – كأن يقول: يا ربي لماذا أصاب من بين سائر الناس، ماذا فعلت يا رب حتى تصيبني بهذه المصيبة، هذا من الجزع المحرم، من كبائر الذنوب، وأيضا بالجوارح كأن يلطم خده، أو يشق جيبه، أو ينتف شعره، هذا كله من كبائر الذنوب، لما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : «ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية».

الحالة الثانية: الصبر الذي تكلمنا عنه قبل قليل، يحبس نفسه عن الجزع، وعن التشكي، وعن التسخط، وعن الأفعال المحرمة، مع أنه قد يكون غير راضي بالمصيبة، وكاره لوقوعها لكنه قابض على قلبه، ولسانه، وجوارحه، حابس لنفسه، فهذه حالة الصبر، وحكمها الوجوب.

الحالة الثالثة: الرضا، وهذه مرتبة علية رفيعة، لا يوفق لها إلا أولياء الله – عز وجل – وذلك بأن تكون حاله بعد المصيبة وقبلها سواء، تأتيه المصيبة فيعلم أنها بقضاء الله وقدره، فيرضى ويسلم، يكون راضيا، لا يكون متسخطا، وهذه المرتبة أكثر الناس لا يستطيع الوصول إليها، أن تأتي الإنسان المصيبة ويرضى هذه صعبة جدا على النفس، ولذلك القول الراجح أنها مستحبة وليست واجبة، اختار هذا جمع من المحققين من أهل العلم، ليس هناك دليل يدل على وجوبها، لكن الأدلة دلت على الثناء عليها، وعلى أهلها، هذه مرتبة الرضا هذه حكمها أنها مستحبة، ولا يوفق لها إلا قلة من البشر، وهم أولياء الله – عز وجل -.

المرتبة الرابعة: مرتبة أعلى من الرضا وهي: أن يرضى ويحمد الله ويشكره، يتشكر ويحمد الله – سبحانه وتعالى – لأن الدنيا فانية، وهذه المصائب سبب لتكفير سيئاته، ورفعة درجاته، وينال من الله صلوات ورحمة وهداية، وهو يحمد الله ويشكره مع رضاه بما قدر الله تعالى وقضى، وهذه إذا قلنا إذا مرتبة الرضا مستحبة هذه من باب أولى أن تكون مستحبة.

فعلى المسلم أن يوطن نفسه على الصبر عند وقوع المصائب، وأن يحرص على أن يرتقي إلى مرتبة الرضا والشكر، خاصة طالب العلم، وبعض الناس تجد أنه في التنظير يقدم مثل هذا الكلام وزيادة، لكن عند التطبيق يفشل في أول اختبار، فينبغي أن يوطن الإنسان نفسه، الدنيا لا تخلو من مصائب، لا تصفو هذه الدنيا لأحد ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ[البلد: 4]فيوطن نفسه من الآن على تحمل المصائب، وعدم الجزع، وعدم التسخط، وأن يكون طالب العلم قدوة للناس في هذا، في الصبر، والتحمل، بل أن يصل إلى مرتبة الرضا والشكر، والموفق من وفقه الله.   

 فائدة: فضل التوكل على الله (قال ابن القيم – رحمه الله - : «التوكل على الله من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق، وظلمهم، وعدوانهم، فإن الله حسبه أي: كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا طمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر، والبرد، والجوع، والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا») التوكل على الله من أفضل أعمال القلوب، ومن حقق كمال التوكل على الله – عز وجل – فإنه موعود بأن يكون من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – ذكر أوصاف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» فذكر لهم أربع صفات كلها ترجع إلى كمال التوكل، لا يسترقون يعني لا يطلبون من أحد أن يرقيهم وإن كان الاسترقاء جائزا لكنه لا يفعلون ذلك لكمال توكلهم على الله، ولا يكتوون لكمال توكلهم على الله وإن كان الاكتواء جائزا، ولا يتطيرون يعني لا يتشاءمون لا بزمان، ولا مكان، ولا صوت، ولا أي شيء.. لكمال توكلهم على الله، ثم ذكر الوصف الرابع الذي تفرعت منه الصفات الثلاثة السابقة وهو وعلى ربهم يتوكلون، فمن حقق كمال التوكل كان من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.

 لكن ما حقيقة التوكل؟

حقيقة التوكل صدق اعتماد القلب على الله تعالى، في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحقيق ذلك، وفعل الأسباب المأذون فيها.

 فالتوكل لا بد له من ركنين:

الركن الأول: صدق اعتماد القلب على الله.

 والثاني: فعل الأسباب.

فإذا لم يصدق في اعتماد قلبه على الله لم يكن متوكلا، وإذا صدق في اعتماد قلبه على الله لكن لم يفعل الأسباب لم يكن متوكلا.

مثال ذلك: من يبذر البذر، فلاح في مزرعته، لابد أولا أن يفعل الأسباب، يحرث الأرض، ويبذر البذر، ويسقيها، ثم يتوكل على الله، هنا يكون قد حقق التوكل في أمر دنيوي، كذلك أيضا: تحقيق التوكل على الله – عز وجل – في الأمور الدينية، وذلك بأن يصدق في اعتماد قلبه على الله – عز وجل – في تحقيق ما يريد، وأيضا في دفع الأذى، كما ذكر هنا ابن القيم قال: «فإن التوكل على الله من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق، وظلمهم، وعدوانهم» إذا كان الإنسان عنده من يؤذيه من البشر، أو يظلمه، أو يعاديه، فيتوكل على الله – عز وجل – فإن الله تعالى يكف هذا الأذى وهذا الشر عنه، يعتمد على الله – عز وجل – في ذلك، وإذا صدق في اعتماده على الله فإن الله تعالى يكفيه، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُيعني: كافيه، ولا يستطيع البشر أن يضروه إذا توكل على الله – عز وجل – ولهذا قال: «من كان الله كافيه وواقيه فلا طمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لابد منه، كالحر، والبرد، والجوع، والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا» هذه من ثمرات التوكل على الله تعالى، ولهذا قال أحد السلف: «من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى» وهذا قد روي مرفوعا لكنه لا يصح، هي مقولة لبعض السلف، والله تعالى أخبر بأنه يحب المتوكلين، هذه من أعمال القلوب التي ينبغي أن يعنى بها المسلم خاصة طالب العلم، ذكرنا قبل قليل الصبر، والآن نذكر التوكل، هذه أعمال قلبية ينبغي أن يحرص عليها المسلم، وأن يحرص على تحقيقها؛ لأن الله تعالى أخبر بأنه يحب من حققها،﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.     

فائدة: من قوة علم شيخ الإسلام (قال شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله -: «التزم أنه لا يحتج مبطل بآية، أو حديث صحيح على باطله، إلا وفي ذلك الدليل، ما يدل على نقيض قوله، نقله عنه تلميذه ابن القيم: في حادي الأرواح») الإمام ابن تيمية هذا من نعم الله تعالى على الأمة الإسلامية، إمام عظيم، كما يقول عنه إبراهيم الحربي يقول: «رأيت ابن تيمية كأن الله قد جمع له علم الأولين والآخرين» فتح الله عليه علوما عظيمة، وذب عن العقيدة السلفية، ونقد عقائد أهل البدع والانحراف، ولذلك تجد أن معظم أهل البدع اجتمعوا على معاداة هذا الإمام، وعلى بغضه، وعلى تشويه صورته، وتشويه دعوته، وسيرته، إذا رأيت من يعادي ابن تيمية فاعلم أنه مبتدع، هذا إمام عظيم من أئمة المسلمين، ومن أئمة أهل السنة، واشتهر إطلاق لقب شيخ الإسلام عليه، ولكن هذا الإطلاق كثير من أهل العلم لا يحبذه وإنما الأحسن أن يقال: الإمام؛ لأن الإمام وصف شرعي، ورد في الكتاب والسنة، بل إن الله تعالى أثنى على المؤمنين الذين يدعون به، ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا[الفرقان: 74] أما هذا اللقب شيخ الإسلام، وحجة الإسلام، وشمس الدين، وبرهان الدين، ونحو ذلك.. هذه أتت من الأعاجم لم تكن معروفة أصلا عند السلف، ولا عند القرون المفضلة، وإنما انتشرت في تلك العصور ومنها: عصر ابن تيمية – رحمه الله – وكان – رحمه الله – يكره مثل هذه الألقاب، ولهذا كان شيخنا عبد العزيز بن باز – رحمه الله – كان يقول: أبو العباس بن تيمية غالبا، وأحيانا يقول: شيخ الإسلام، ليس معنى هذا لا يجوز إطلاق لقب شيخ الإسلام، يجوز لكن الأولى لطالب العلم أن يتحرى العبارة الشرعية ما أمكن، الأفضل والأولى أن يقال: الإمام ابن تيمية، أو أبو العباس بن تيمية أحسن من إطلاق هذا اللقب، وقد كان هذا اللقب في الدولة العثمانية يطلق على المفتي الأكبر، وكان المفتي الأكبر يقال له: شيخ الإسلام، وأطلق على عدد كثير من أهل العلم، لكن اشتهر عندنا في المملكة إذا قيل: شيخ الإسلام ينصرف إلى ابن تيمية، والأمر في هذا واسع لكن الأولى أن يقال: إما أبو العباس بن تيمية، أو الإمام بن تيمية – رحمه الله تعالى – هنا يقول في هذه العبارة: «التزم أنه لا يحتج مبطل بآية، أو حديث صحيح على باطله، إلا وفي ذلك الدليل، ما يدل على نقيض قوله» سبحان الله، أي مبطل يحتج على باطله، على تقرير بدعه، أو أي باطل، يحتج بآية أو حديث يقول: إذا تأملت في هذه الآية أو في هذا الحديث ستجد فيها دليلا ينقض قول هذا المبطل، يقول: إنني التزم بهذا على أي مبطل، يحتج بآية أو حديث على أن في تلك الآية أو في ذلك الحديث ما يدل على نقيض قوله؛ لأن هذه الأدلة من الوحي القرآن كلام الله – عز وجل – وكلام رب العالمين، وأيضا السنة كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فلا يمكن أن يستدل بهما مبطل على باطله بإطلاق، لابد أن يكون في ذلك الدليل ما يدل على نقض قول ذلك المبطل، ولهذا التزم – رحمه الله – بهذا الالتزام.   

فائدة: معنى: ونفخت فيه من روحي (في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ[الحجر: 29] وقوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ ليس المقصود بالروح هنا: روح الله التي هي حياته، وهي صفة من صفاته بإجماع العلماء، وإنما المقصود روح يخلقها الله – عز وجل – وأضيفت إلى الله من باب التشريف والتكريم، فهي كناقة الله، وبيت الله، ونحو ذلك.. والله سبحانه بإجماع المسلمين، واليهود، والنصارى، ليس هو روحا وبدنا كالإنسان، بل هو أحد، صمد، لا جوف له)هذا توضيح وتفسير للآية الكريمة، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ليس المقصود من روح الله – عز وجل – التي هي حياته – جل وعلا – وهذا بالإجماع، وإنما المقصود بذلك روحا يخلقها الله تعالى، فمعنى نفخت فيه من روحي: يعني من روح خلقتها، ولكنها أضيفت إلى الله إضافة تشريف، وهي كبيت الله، وناقة الله، ونحو ذلك.. فعندما يقال: بيت الله الحرام، أو المسجد بيت الله، هذه إضافة تشريف، ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا هذه إضافة تشريف، هكذا أيضا ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِييعني من روح خلقتها، فهي من باب إضافة التشريف، وأيضا ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا يعني من روح خلقناها، فهي أيضا إضافة تشريف وليس المقصود أنها روح الله – عز وجل – التي هي حياته بالإجماع، ليس فقط بإجماع المسلمين، حتى بإجماع اليهود، والنصارى؛ لأن الله تعالى أحد، صمد، لا جوف له، ليس هو روحا وبدنا كالإنسان، تعالى الله عن ذلك، الله تعالى أحد، صمد، لا جوف له، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ - جل وعلا – فالذي يقال له روح وجسد هو المخلوق هو الإنسان، أما الله تعالى فهو الأحد، الصمد، الذي ليس كمثله شيء، ولذلك ينبغي أن تفهم هذه الآيات على وجهها الصحيح، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِييعني من روح خلقتها، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا يعني من روح خلقناها، هذا هو التفسير الذي بإجماع العلماء ليس به خلاف، والمضاف إلى الله إذا كان عينا قائمة بنفسها كالروح مثلا، وكعيسى، وجبريل، امتنع أن تكون صفة لله تعالى؛ لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره، أما إن كان المضاف إلى الله تعالى معنى لا يقوم بنفسه، ولا بغيره من المخلوقات، فيكون صفة لله، كصفة كلام الله – عز وجل – مثلا.  

وبهذا نكون قد انتهينا من الفوائد المتعلقة بباب العقيدة، والدرس القادم إن شاء الله نبدأ بالفوائد الفقهية.

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى