الخثلان
الخثلان
من الفائدة 23 إلى 30
1 صفر 1439 عدد الزيارات 863

لطائف الفوائد 5

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ونسألك اللهم علما نافعا ينفعنا، اللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

هذا هو الدرس الخامس في هذا العام الهجري، في هذا اليوم السادس والعشرين من شهر محرم من عام ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين للهجرة.

 نبدأ أولا بالتعليق على كتاب لطائف الفوائد، وكنا قد وصلنا إلى الفائدة الثالثة والعشرين.

فائدة: في حكم تسمية البنت بملاك (سئل الشيخ محمد العثيمين – رحمه الله – عن حكم تسمية البنت بملاك، فقال: ملاك مفرد ملائك فلا يتسمى بها، كما أن في ذلك نوع موافقة لفعل الكفار في تسمية الملائكة بنات الله،﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًافهذا المعنى يدعو إلى المنع أيضا) تسمية البنت بملاك، أولا: ما معنى ملاك؟ ملاك كما ذكر الشيخ هي مفرد لملائك، من ملائكة، ملائكة مفردها ملاك، وقد اشتهر عن بعض النصارى أنهم يعبرون عن الملك بملاك، وعلى هذا فلا يتسمى بهذا الاسم؛ لأن فيه موافقة الكفار في جعل الملائكة إناثا، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًاوهذه كلها تقتضي أن التسمية بهذا الاسم أنه مكروه، لكن قد لا يصل إلى درجة التحريم، لكنه مكروه، ولذلك الشيخ قال: لا يتسمى ولم يصرح بالحكم تحريما، أو كراهة، لكن أكثر أهل العلم على أنه مكروه.

 ولكن لو افترضنا أن امرأة اسمها ملاك فهل يجوز أن نناديها بهذا الاسم، ومثل ذلك: لو افترضنا أن رجلا اسمه مثلا: عبد النبي، أو اسمه عبد المطلب، أو اسمه عبد النور، أو غير ذلك.. من الأسماء التي لا يجوز التسمي بها؟ فإذا كان لا يعرف إلا بهذا الاسم هل يجوز أن نناديه بذلك؟ نقول: يا عبد النبي ماذا تقول في كذا مثلا؟

الجواب: نعم يجوز؛ لأن هذا من باب الخبر، وباب الإخبار أوسع من الإنشاء، فلا حرج أن ننادي هذه المرأة باسم ملاك، أو ملك، أو غير ذلك من الأسماء الممنوعة.. إذا لم يغير ذلك الشخص اسمه ولم يعرف إلا به؛ لأن هذا من باب الإخبار وليس إنشاءً، ومما يدل لهذا: قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» وإنشاء اسم عبد المطلب لا يجوز؛ لأنه تعبيد لغير الله، المطلب ليس من أسماء الله، ولا من صفاته، لكن هذا من باب الإخبار، ومن ذلك أيضا: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: لما نزل قول الله - عز وجل -: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ نادى النبي – صلى الله عليه وسلم – قومه فقال: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم فإني لا أغني عنكم من عذاب الله شيئا، يا بني عبد مناف – هذا محل الشاهد – اشتروا أنفسكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب اشتري نفسك فإني لا أغني عنك من الله شيئا .. إلى آخر الحديث» وهنا النبي – عليه الصلاة والسلام – قال: يا بني عبد مناف، ولو أراد أحد أن ينشأ اسما باسم عبد مناف هل هذا يجوز؟ لا يجوز؛ لأنه تعبيد لغير الله، لكن قول النبي – عليه الصلاة والسلام – يا بني عبد مناف هذا من باب الخبر.

 فإذا مناداة الإنسان باسم لا يجوز إنشائه ابتدأ لكنه سُمي به، وعلى سبيل الخبر هذا لا بأس به، ولا يُتحرج الإنسان من هذا، ما دام أن الإنسان لا يُعرف إلا بهذا الاسم فينادى به، رجل اسمه عبد النبي لم يغير اسمه فنناديه يا عبد النبي، يا عبد المطلب، وأيضا المرأة يا ملاك، يا ملك، هذا إذا كان على سبيل الخبر فهذا كله لا بأس به؛ لأن باب الخبر أوسع من باب الإنشاء.

 وينبغي للإنسان إذا أراد أن يسمي ولده من ابن أو بنت أن يتخير أحسن الأسماء، وأن يتخير اسما له معنى واضح؛ لأن الاسم الذي ليس له معنى واضح ربما يسبب عقدة لهذا الولد من ابن أو بنت، وكم إنسان أصبح اسمه عقدة بالنسبة له، فيكون الأب قد أسأ إلى ولده باختيار اسم غير مناسب، فمن الإحسان إلى الولد أن يختار له اسما حسنا.

 ولذلك بعض الإخوة عندما يسأل هل يجوز أن أُسمي كذا؟

أطرح عليه سؤالا ما معنى كذا، إذا قال لا أدري، إذا كنت لا تدري عن معناه كيف تسمي به؟! لابد أن يكون معناه واضحا، وأن يكون حسنا، فينبغي إذا اختيار الأسماء الحسنة هذا من الإحسان للأولاد، أن يختار الوالدان لهما أسماءً حسنة.   

 فائدة: حكم قول زارتنا البركة (سئل الشيخ محمد العثيمين – رحمه الله – ما حكم قول: زارتنا البركة، عند قدوم زائر، فأجاب – رحمه الله -: إن كان يقصد البركة المعنوية لكون الزائر من أهل العلم والفضل فيحصل بزيارته نفع فجائز، وإن كان يقصد بركة حسية فمحرم) البركة إنما تكون من الله – عز وجل – فالله هو المبارك ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ فلا يجوز أن يقال للإنسان: تبارك علينا، هذا لا يجوز، وهذه من الأخطاء الشائعة عند بعض العامة، أنه يقول: أنه تبارك علينا بزيارتنا، هذا لا يجوز، وأما إذا زاره شخص فقال: زارتنا البركة فإن كان يقصد البركة المعنوية لكون هذا الزائر من أهل الدين والصلاح، أو من أهل العلم والفضل فيحصل بزيارته نفع، وفائدة، فهذا لا بأس به، أما إذا كان يقصد بالبركة البركة الحسية فهذا لا يجوز؛ لأنه لا يجوز أن يتبرك بآثار الصالحين، وإنما الذي يتبرك به من البشر هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في حياته، وبآثاره التي بقيت بعد مماته، لكن الآن انقرضت ولا يوجد منها شيء، فالنبي – عليه الصلاة والسلام – كان الصحابة يتبركون به، يتبركون بوضوئه، يتبركون بشعره، يتبركون بآثاره، وقد كان عند أم سلمة جلجل من فضة فيه شعرات من شعر النبي – صلى الله عليه وسلم – كانوا يتبركون بها، لكن جميع آثار النبي – عليه الصلاة والسلام – لا يوجد منها شيء، وما يدعيه بعض الناس من وجود حذاء النبي – عليه الصلاة والسلام – أو وجود شعرات من النبي – عليه الصلاة والسلام – كل هذا غير صحيح، وليس عليها دليل، فإنما يفعلها بعض الناس خداعا للعامة، وتلبيسا عليهم.

 أما غير النبي – صلى الله عليه وسلم – فلا يجوز أن يتبرك به، وهذا هو الذي عليه الصحابة – رضي الله عنهم – لم يكن الصحابة يتبركون بأبي بكر الصديق، ولا بعمر بن الخطاب، ولا بعثمان بن عفان، ولا بعلي بن أبي طالب، ولا بالعشرة المبشرين بالجنة، ولا غيرهم، وهكذا التابعون بعدهم، وهكذا تابعو التابعين فلا يجوز التبرك بآثار الصالحين، هذا التبرك من البدع المحرمة ولا يجوز.

لكن بعض الناس يقصد بالبركة البركة المعنوية فإذا قصد زارتنا البركة، البركة المعنوية فهذا لا بأس، هذا المتبادر عند قول العامة عندما يأتيهم شخص من أهل الصلاح أو من أهل العلم والفضل يقولون: زارتنا البركة، يقصدون بذلك البركة المعنوية.

 أما قول: كلك بركة يا فلان ما حكمها، إنسان مثلا تَصرف تصرفا معينا، أو قال: كلاما معينا، فقال له أحد الحاضرين: كلك بركة يا فلان، هذه من الألفاظ الدارجة فما حكم هذه المقولة؟

لا بأس بها، وقد قال أسيد بن حضير: «ما هي بأول بركاتكم يا آل أبي بكر»، كلك بركة إذا تلمح أن فيه البركة، وأنه فعلا إنسان مبارك بما يراه من صلاح، والتقوى، أو العلم والفضل، أو نحو ذلك.. فهي كقول أسيد ما هي بأول بركاتكم يا آل أبي بكر، قال أسيد بن حضير هذه المقولة: «لما فقدوا عقد عائشة في إحدى الغزوات، وقف النبي – عليه الصلاة والسلام – مع الجيش فلما أرادوا الرحيل فقدت عائشة عقدها، فأمر النبي – عليه الصلاة والسلام – بأن ينتظر حتى تجد عقدها، فجعلوا يبحثون فلم يجدوه، فجعل الناس يكلمون أبا بكر كيف تحسبنا جيش بأكمله لأجل امرأة، فأتى أبي بكر لعائشة والنبي – صلى الله عليه وسلم – نائم على فخذها، وجعل يطعنها في خاصرتها تقول: حتى أجهشت بالبكاء، فكيف تحبسين النبي – عليه الصلاة والسلام – والناس، وهذا يدل على مراعاة النبي – عليه الصلاة والسلام – لخواطر أصحابه، حتى وإن كان من في الجيش امرأة وفقد شيئا ينتظر، وأيضا يدل على مكانة المرأة في الإسلام، انظر كيف أن النبي – عليه الصلاة والسلام – أقام بجيش كامل مراعاة لخاطر امرأة، هذا يدل على مكانة المرأة في الإسلام، وعظيم حقها، نفد الماء والناس ينتظرون، والجيش مقيم كلهم يبحثون عن هذا العقد ولم يجدوه، لما نفد الماء نزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركاتكم يا آل أبي بكر، فبعثوا الجمل فوجدوا العقد تحته، فتلمح أسيد بن حضير البركة، يعني يقول: كلكم يا آل أبي بكر مباركين، أي أسرة مباركة، فعائشة بهذا تسببت في نزول آية التيمم، فهذه معنى مقولته: ما هي بأول بركاتكم يا آل أبي بكر» والحديث في الصحيحين، فإذا تلمح الإنسان في آخر أن فيه بركة، وأنه رجل مبارك، فقال: كلك بركة، أو قال: أنت رجل مبارك، فهذا لا بأس به.

 وبعض الناس سبحان الله تجد أنه مبارك، تجد أن كثيرا من تصرفاته فيها بركة، يأتي لك أحيانا بمشورة جيدة، يتصرف معك تصرفا حسنا، يرشدك لرأي سديد، تتلمح فيه البركة، وبعض الناس على العكس من ذلك كأن البركة نزعت منه، تصرفاته كلها ليس فيها بركة، فإذا تلمحت في إنسان الرشد، وأن في تصرفاته وفي كلامه البركة، لا بأس أن تقول: كلك بركة يا فلان، فقولك: كلك بركة لا بأس به، أنت رجل مبارك لا بأس به، زارتنا البركة إذا كان يقصد بذلك البركة المعنوية لا بأس بها، إنما الممنوع أن يقال: تبارك علينا هذا هو الذي لا يجوز؛ لأن تبارك علينا البركة من الله – عز وجل – فلا تسند للبشر.

بعض الناس إذا زاره أحد وخرج تباركت علينا بهذه الزيارة بعض أهل العلم يرخص فيها يقول: لأن إضافة البركة للإنسان جائزة، ما هي بأول بركاتكم، والذين يقولون ذلك: لا يريدون ما يريدونه بالنسبة إلى الله، وإنما يريدون أصابتنا البركة بمجيئك، لكن الأولى ترك هذا، تباركت علينا بهذه الزيارة الأولى تركها، فلا يقال: تباركت، ولا تبارك علينا، لكن إذا كنت على سبيل الخبر كلك بركة، أو أنت مبارك، أو حتى زارتنا البركة وهو يقصد البركة المعنوية فهذا لا بأس به.     

  فائدة: حكم التسبيح بالمسبحة (التسبيح بالمسبحة لا بأس به؛ لأنها مجرد وسيلة لضبط عدد التسبيح، قال الإمام ابن تيمية – رحمه الله -: «التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز، ونحوه.. من الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه»، وقد ساق السيوطي آثارا في الجزء الذي سماه: «المنحة في السبحة» وقال: «ولم ينقل عن أحد لا من السلف، ولا من الخلف، المنع من جواز عد الذكر بالسبحة، بل كان أكثرهم يعدونه بها، ولا يرون في ذلك مكروها») التسبيح بالمسبحة بجميع أنواعها لا بأس بها، سواء كانت بالمسبحة التي في عقد الخرز، أو بالمسبحة الالكترونية الآن في بعض الجوالات، أو بعداد التسبيح، أو غير ذلك.. هذه كلها لا بأس بها؛ لأنها وسيلة لضبط العدد، ولا يقصد التعبد بها، فالذي يسبح بالمسبحة لا يقصد التعبد بهذه المسبحة، أو أنه يتعبد لله – عز وجل – بالتسبيح بهذه الطريقة، إنما غايته ومراده من التسبيح بهذه المسبحة ضبط العدد فقط، ولذلك تجد أن هذه المسبحة مثلا: على العدد الذي ورد به الشرع، تجد مثلا: أنه ثلاث وثلاثين بحيث كأنها ثلاث مرات، أو تجد أن العدد مئة بحيث يكررها مرة واحدة، فهي مجرد وسيلة لضبط العدد هذه لا بأس بها، وقد أُثر عن السلف الصالح أن منهم من كان يسبح بالنوى، ومنهم من كان يسبح بالحصى، ومنهم من كان يسبح بالعقد، وهذه كلها وسائل، وفي وقتنا الحاضر تطورت الصنعة فأصبحت المسابح تصنع بعضها من الخرز، وبعضها من البلاستيك، ومن غير ذلك.. وأيضا تطورت فأصبح هناك مسابح الكترونية، وعداد التسبيح هذه كلها لا بأس بها، ولا يقال عنها أنها بدعة؛ لأنها مجرد وسيلة لضبط عدد التسبيح، ولهذا ابن تيمية – رحمه الله – قال: «إذا أحسنت النية في هذا فهو حسن» ومراده بإحسان النية: أن لا ترتبط باعتقاد، فإن عند بعض الفرق المنحرفة هذه المسبحة ترتبط باعتقاد عندهم هذا لا يجوز، لكن إذا كانت لا ترتبط باعتقاد إنما المقصود بها ضبط عدد التسبيح فهذه لا بأس بها، والسيوطي – رحمه الله – له في هذا رسالة سماها: «المنحة في السبحة» وذكر فيها آثارا عن السلف بأنهم لا يكرهون التسبيح بالمسبحة، وقال:«إنه لم ينقل عن أحد لا من السلف، ولا من الخلف، المنع من جواز عد الذكر بالسبحة، بل كان أكثرهم يعدونه بها» هذا هو المأثور، لكن وجد في الوقت الحاضر من بعض العلماء المعاصرين من شدد في المسبحة وقال: إن التسبيح بها بدعة، وهذا كلام غير صحيح، ولا أيضا نعلم أصلا من كلام العلماء المتقدمين إنما قال بهذا من قال من العلماء المعاصرين وربما أنه أخذه من أثر روي عن ابن مسعود في هذا، ابن مسعود إنما أنكر على أولئك الذين يجتمعون ويعدون الذكر أنكر اجتماعهم بهذه الطريقة، لأنهم يجتمعون على طريقة بعض الفرق المنحرفة، فيقولون: كبروا كذا، سبحوا كذا، هللوا كذا، هو أنكر طريقتهم، وليس إنكاره لمجرد عد التسبيح، فعد التسبيح إنما هو مجرد وسيلة، عامة أهل العلم على جوازه، ومشايخنا شيخنا عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين، كلهم يرون أن المسبحة لا بأس بها – رحمهم الله تعالى جميعا – .

بل إنها أحيانا تشجع الإنسان على التسبيح، لو كان عداد التسبيح معك في السيارة، وأنت تقود السيارة تريد أن تسبح مائة تسبيحه تشجعك؛ لأن أحيانا إذا سبح الإنسان بيده ربما يخطئ في العدد، أو ربما يكون مشغولا بأمر آخر كقيادة السيارة، لكن إذا كان عنده خاتم تسبيح، أو عداد تسبيح، حتى وهو في السيارة، أو في أي مكان يستطيع أن يسبح مئة تسبيحه، أو أكثر، أو أقل، فهي مما يشجع الإنسان على التسبيح، وعلى الذكر.  

فائدة: أول البدع وقع بسبب حب المال(أول بدعة وقت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدأهم بسبب الدنيا، حين قسم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، فقال قائلهم وهو ذو الخويصرة: اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني»، فلما قفا الرجل استأذن عمر من رسول الله في قتله، فقال: دعه، فإنه يخرج من ضئضي هذا – أي: من جنسه – قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقرأته مع قرأتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»نعم أول بدعة وقعت في الإسلام هي: بدعة الخوارج.

 وكان أصل هؤلاء الخوارج هو هذا الرجل: ذو الخويصرة اليماني، في غزوة حنين، حينما قسم النبي – صلى الله عليه وسلم – الغنائم، فقام هذا الرجل: ووصف بعض الصحابة: بأنه كان حاسر الرأس، كث اللحية، ظاهر العينين، وقال: اعدل يا محمد، هذه كلمة فيها سوء أدب، كيف تقال للنبي – عليه الصلاة والسلام – ولذلك استعظم عمر بن الخطاب هذه الكلمة، حتى أن عمر رأى أن هذه الكلمة توجب القتل، كيف يقول شخص للنبي – عليه الصلاة والسلام – هذه الكلمة، إذا لم يعدل رسول الله فمن يعدل؟! ولهذا قال – عليه الصلاة والسلام -: «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، أيأمنني  الله – عز وجل – على أهل الأرض – في تبليغ رسالتي ووحيه - ولا تأمنونني، ولما استأذن عمر في قتله، قال: النبي – صلى الله عليه وسلم – دعه يا عمر، فإنه يخرج من ضئضي هذا – أي: من أصله – قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقرأته مع قرأتهم، - يعني أنهم عباد، كثيرو عبادة لكنهم - يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» وهذا هو الذي حصل، خرجوا بعد مقتل عثمان – رضي الله عنه – وأضروا بالإسلام والمسلمين كثيرا، قاتلوا عليا وحصل منهم ما حصل.

 وكان سبب ذلك: يقولون حب المال، محبة المال في نفوسهم هي الذي دفعتهم إلى هذا، مع قلة الفقه وقلة العلم، والجرأة على الدماء والأعراض، لاحظ هذه الأمور اجتمعت فيهم: حب المال، وقلة الفقه، والجرأة على الدماء وعلى الأعراض، أما حب المال فهذا ظاهر فيهم قديما وحديثا تجد أن الدنيا متمكنة في قلوبهم، هذا الرجل إنما اعترض بسبب الغنائم، اعدل يا محمد، وأيضا قلة الفقه ليس عندهم فقه يأخذون بظواهر النصوص، ولا يفقهون النصوص أبدا، بعيدون عن الفقه، عندهم جرأة على الدماء يسفكون الدماء، ويتقربون بسفك الدماء إلى الله – عز وجل – ويقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان.

 وكما قال ابن عمر: «أنهم أخذوا آيات نزلت في قتال الكفار فأنزلوها على المؤمنين» فتجد أن سفكهم للدماء إنما هو لدماء المؤمنين ويتركون الكفار، ونحن نرى هذا في الواقع المعاصر الآن الجماعات التكفيرية التي أضرت الآن بالأمة الإسلامية ضررا عظيما، هل رأيتم أنها يوما أطلقت رصاصة على اليهود، أبدا، كل قتلهم على المسلمين، كل ضررهم على المسلمين، تشويهم للمسلمين، فهذه أول بدعة وقعت، وهؤلاء يتلبسون بلباس الدين، وهم كثيرو العبادة، حتى إن الإنسان يحقر صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقرأته مع قرأتهم، ولذلك ضررهم كبير بسبب أن أمرهم قد يلتبس على بعض الناس، لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، ومع ذلك وصفهم النبي – صلى الله عليه وسلم – : «بأنهم شر الخلق والخليقة» كما في صحيح مسلم، هذا الوصف الشديد لم يوجد في غيرهم من الطوائف؛ وذلك لعظيم ضررهم، وأنتم ترون الضرر العظيم الذي قامت به هذه الطائفة، من قديم الزمان وفي وقتنا الحاضر.

 وفي وقتنا الحاضر شوهت الإسلام، وشوهت صورة المسلمين في العالم، فأصبح كثير من غير المسلمين لا يعرفون عن الإسلام ولا عن المسلمين إلا سفك الدماء، والقتل، والغلظة، والفضاضة، ونحو ذلك.. مع أن هذا الدين هو دين الرحمة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ الجرأة على الدماء هذا ظاهر، وأيضا الجرأة على الأعراض، الجرأة على الدماء الذي قتل علي بن أبي طالب، ابن ملجم لما قتله قيل له: كيف تقتل أمير المؤمنين، وأول من أسلم من الصبيان، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، قال: هذا أرجى عمل أتقرب به إلى الله – نسأل الله العافية – انظروا إلى الضلال والانحراف، كيف يبلغ بالإنسان إلى هذا المبلغ، أتقرب إلى الله بقتل هذا الخليفة الراشد، وهكذا أيضا على مر العصور تجد أن الخوارج يتقربون إلى الله بقتل المؤمنين، هذا من البلاء الذي ابتلى به بعض الناس، فهذه الطائفة من الفرق المنحرفة، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا، وأنهم على خير.

 وأما الجرأة على الأعراض فعندهم جرأة على التكفير، يكفر بسهولة، ما عنده تورع عن التكفير، مجرد أن فلان خالفه في الرأي يكفره، فعندهم التكفير بأدنى شيء، من كفر مسلما إن كان كما قال وإلا رجع الكفر عليه، حتى من وقع في الكفر ليس بالضرورة أن يكون كافرا، ليس كل من وقع في الكفر يكون كافرا، قد يكون هناك موانع تمنع من أن يكون كافرا، كأن يكون جاهلا مثلا، أو متأولا، كما في قصة الرجل الذي قال: «لبنيه إذا مت فاسحقوني، ثم ذروني في يوم حار شديد الريح،  فو الله لو قدر علي ربي ليعذبني عذابا شديدا، هذا كفر؛ لأنه شك في قدرة الله، فجمعه الله تعالى فقال: ما حملك على ذلك، قال: خشيتك يا رب، قال: قد غفرت لك» هذا وقع في الكفر لكنه لم يكفر، إذا ليس كل من وقع في الكفر يكون كافرا، فالتكفير له شروط ثقيلة لابد من إقامة الحجة، ولابد من أن يكون كفره واضحا، شروط ثقيلة ذكرها أهل العلم، يتورع المسلم من أن يكفر أحدا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يتركون ذلك إلى كبار أهل العلم بعد إقامة الحجة على ذلك الشخص، لكن الخوارج عندهم سرعة في التكفير، وجرأة على التكفير، ولذلك قاتلهم الصحابة في عهد علي بن أبي طالب، قاتل علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – الخوارج وبقوا، وجاء في بعض الروايات: أنهم سيبقون إلى زمن المسيح الدجال، فضررهم عظيم.

 المطلوب من المسلم أن يحذر من الانزلاق مع هذه الفرق المنحرفة المبتدعة، وسيأتي الكلام في الفوائد الآتية عن ذكر بعض أسباب الابتداع.     

فائدة: أسباب الابتداع (قال ابن بطة – رحمه الله -: «اعلموا إخواني أني فكرت في السبب الذي أخرج أقواما من السنة والجماعة، واضطرهم إلى البدعة والشناعة، وفتح باب البلية على أفئدتهم، وحجب نور الحق عن بصيرتهم، فوجدت ذلك من وجهين:

أحدهما: البحث والتنقير، وكثرة السؤال عما لا يغني، ولا يضر العاقل جهله، ولا ينفع المؤمن فهمه.

والثاني: مجالسة من لا تؤمن فتنته، وتفسد القلوب صحبته») أسباب الابتداع ابن بطة في كتابه: «الإبانة الكبرى» ذكر سببين من أسباب الوقوع في البدعة:

السبب الأول: كثرة البحث والتنقير،  والأسئلة عما ينبغي عدم السؤال عنها، ولا يضر جهله، فهذا التنقير والبحث فيه خطورة على دين المسلم، قد تقع شبهة في قلبه فيصعب خلاصها منه، وتؤثر عليه في دينه، وقد ينحرف ويضل بسبب ذلك.

هناك مسائل ينبغي عدم التنقير والتدقيق والتعمق فيها؛ لأنه مهما تعمق الإنسان فيها فلن يصل لنتيجة، مثل: مسائل القدر، مسائل القضاء والقدر هذه مسألة عظيمة وكبيرة هي أكبر من عقل الإنسان، ما يستطيع الإنسان أن يصل إلى عمق هذه المسألة لأنها فوق مستوى العقل البشري، ولذلك يؤمن بها على ضوء ما وردت في النصوص، ولا يتعمق فيها، ولهذا نهى السلف عن التعمق في مسائل القضاء والقدر.

 كذلك مثلا مسألة الروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي هذه مهما بحثت فلن تصل لحقيقتها؛ لأنها ليست من عالم المادة هي من عالم آخر، ولهذا قال– عز وجل -: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الأسئلة والتنقير عن أمور ينبغي عدم التعمق فيها والبحث عنها هذا قد يتسبب في انحراف الإنسان، هذا هو السبب الأول.

والسبب الثاني: المجالسة، مجالسة رفقاء السوء وهذا من أقوى الأسباب؛ لأن المجالسة لها أثر عظيم على الإنسان، ويقولون: إن الإنسان يتأثر بأكثر خمسة أشخاص يجالسهم في حياته، لابد أن يتأثر بهم، فإذا جالس الإنسان رجلا صاحب بدعة، لابد أن يتأثر ببدعته، ربما في البداية لا يتأثر، ثم بعد ذلك يتأثر تأثرا قليلا، لكنه في نهاية المطاف سوف يتأثر به، ويقع في البدعة، ولذلك أكثر من يقع في البدعة هم المجالسون لأهل البدع، ومثل ذلك في وقتنا الحاضر: مشاهدة مقاطع المبتدعة، والاستماع والإنصات إلى شبههم، وماذا يقولون، هذه قد تؤثر على الإنسان، فينبغي للمسلم أن يبتعد عن أهل البدع والأهواء، إذا وجدت شخصا يثير بدعا، يثير كذا في أمور الدين، ويثير أمور مبتدعة، وتجده بعيدا عن جادة منهج السلف، فاحذره وابتعد عنه، وإلا فإنه سيجرك من حيث لا تشعر إلى طريقته، وتتأثر ببدعته.

فائدة: خطورة البدع (عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع والسجود فنهاه، فقال: يا أبا محمد، يعذبني الله على الصلاة، قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة) هذا من فقه سعيد بن المسيب – رحمه الله – لما رأى هذا الرجل يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر الركوع والسجود، أنكر عليه، هذا الرجل يقال: هذه صلاة، كيف يعذبني الله على صلاة، قال: لا، لكن يعذبك على خلاف السنة، فالعبادات الأصل فيها المنع والحذر إلا ما ورد الدليل بمشروعيته، ليس لك أن تعبد الله بما تريد أنت، وإنما بما يريد الله.

 أصل البدع: قائم على الاستحسان العقلي، تجد عامة البدع تقوم على استحسان العقل، يستحسن الإنسان بعقله أمرا ويفعله.

 ولذلك لو أن شخصا مثلا قال: إن الله فرض خمس صلوات، وما بين الفجر والظهر وقت طويل لماذا نجعل صلاة سادسة الساعة التاسعة مثلا، تكون ست صلوات، ماذا نقول عن هذا العمل؟

نقول إنه بدعة، كيف يكون بدعة وهو صلاة؟ نقول: نعم؛ لأن الأصل الإتباع لا الابتداع، «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ فلا يعبد الإنسان الله – عز وجل – إلا بما شرع.

 فكون بعض الناس يأتي بعبادة ويقول: هذه عبادة، هذه صلاة، كيف يعذبني الله على الصلاة؟ هذا ذكر كيف يعذبني على هذا الذكر؟ نقول: لا يعذبك الله على هذه العبادة، لكن يعذبك على خلاف السنة، ولهذا عندما يتعبد الإنسان بعبادة لابد من أن يغلب على ظنه أن هذه العبادة مشروعة، وإذا شك يسأل أهل العلم، هل يجوز أن أتعبد لله – عز وجل – بهذه العبادة أم لا؟.     

فائدة: خطورة مخالطة أهل البدع (عمران بن حطان كان فقيها ومحدثا على منهج أهل السنة، وكان دميما، فرأى امرأة جميلة لكنها على مذهب الخوارج، وقال: سأتزوجها وأصرفها إلى مذهب أهل السنة، فأثرت عليه هي فصرفته إلى منهج الخوارج، وكانت تقول له: أنا وأنت في الجنة؛ لأنك أعطيت فشكرت، وأنا قد ابتليت فصبرت) عمران بن حطان كان محدثا فقيها كان من أعلام أهل السنة، لكنه رأى امرأة جميلة ففتن بها، كان رجلا فيه دمامة، فخطب هذه المرأة وكانت على مذهب الخوارج، وقال: سأتزوجها وأصرف على مذهب أهل السنة، ولكن تأثير المرأة أقوى، فهي التي صرفته إلى مذهب الخوارج، فتحول من كونه من أعلام السنة، ومن الفقهاء المحدثين، إلى كونه رأسا من رؤوس الخوارج بسبب هذه المرأة، وهذا يبين لنا خطورة مجالسة أهل البدع، وهو السبب الذي ذكرناه قبل قليل، وذكرناه عن ابن بطة، مجالسة أهل البدع هذا فيه خطورة، فهذا الرجل انظر عالم من العلماء وفقيه ومع ذلك بمجالسة لهذه المرأة تأثر وتحول إلى مذهب الخوارج.

 وهكذا أيضا إذا كانت المرأة فاسقة قد تؤثر على الزوج، كم من رجل كان صالحا تزوج امرأة ثم تغيرت أموره وأحواله، فخف تدينه، وضعفت استقامته، وربما العكس، ربما يتزوج الرجل امرأة متدينة فتؤثر عليه في أمور صلاحه واستقامته، لاشك أن الزوجة لها تأثير كبير على الزوج، ولهذا ينبغي أن يختار الرجل الزوجة الصالحة التي تعينه على أمور دينه ودنياه، فهذه القصة ذكرها الذهبي في السير، قصة عمران بن حطان، وهي قصة عظيمة فيها عبر، وأما قول هذه المرأة: أنا وأنت في الجنة، يعني أرجو أن أكون أنا وأنت في الجنة لأنك أعطيت فشكرت، يعني تزوجت امرأة جميلة، وشكرت هي ترى أنه لما تحول إلى مذهب الخوارج أنه شكر، وأنا قد ابتليت لأنها امرأة جميلة تزوجت رجلا دميما فصبرت، فصبرت عليه، لكن الشاهد من هذه القصة: خطورة مجالسة أهل البدع، وأيضا عظيم تأثير الزوجة على زوجها.

نختم بالفائدة الثلاثين: تحذير السلف من حكاية البدع (قال سفيان الثوري – رحمه الله - : «من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم» وعلق الذهبي – رحمه الله – على هذه المقولة فقال: «أكثر السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة»)ينبغي للإنسان أن يبتعد عن سماع البدع، وعن مشاهدة مقاطع المبتدعة، وإذا سمع بدعة لا يلقها على جلسائه؛ لأنها ربما تقع في نفس أحد الجالسين فتؤثر عليه، ولهذا كان السلف: ينهون عن إلقاء البدع على الجالسين، سفيان قال: «من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم» الذهبي في السير: علق على هذا قال: «أكثر السلف على هذا التحذير - أي: التحذير من إلقاء البدع على أسماع الناس؛ - لأن القلوب ضعيفة والشبه خطافة».

وبعض الناس عندما يلقي الشبهة، يلقي الشبهة قوية، والرد ضعيف، فتؤثر على الحضور، يا أتي بالشبهة وهذه الشبهة قوية، لكن الرد لا يكون في قوة الشبهة، فتؤثر على الحاضرين، ولذلك نقول: لا تلقي الشبهة أصلا، وابتعد عن مواطن الشبه، وابتعد عن المقاطع التي فيها شبه، إنما تفنيد الشبه ومناقشتها تقصر على كبار أهل العلم، لكن إنسان يخشى على نفسه، يبتعد عن المواطن التي تثار فيها الشبه، وعن أيضا التسجيلات والمقاطع التي فيها شبه، تجد بعض الشباب مولع يذهب للمقاطع التي فيها شبه، يقول: أريد أن أسمع ماذا عندهم، أو بدافع الفضول، فربما أن الشبه تقع في قلبه، وتؤثر عليه، ويبدأ في الانحراف شيئا فشيئا، كم من إنسان كان مستقيما صالحا على منهج السلف، ثم بإدمانه لسماع هذه المقاطع تأثر وانحرف إلى طريقة أهل البدع، أو حتى بعضهم – نسأل الله العافية – إلى الإلحاد، هناك موجة عند بعض الشباب عندهم موجة الإلحاد وإن كانت ليست كثيرة – ولله الحمد – ولكنها موجودة وواقعة ومن أسبابها: مجالسة الذين يثيرون الشبه، والاستماع إلى مقاطع من يثير الشبه، والشبه كثيرة، الذي سيلقي بسمعه للشبه سيجد أنها كثيرة، بل حتى في نصوص القرآن والسنة فيها متشابه ومحكم، وهذا من باب الابتلاء والاختبار، ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ولذلك إذا ألقى عليك أي إنسان شبهة فقل: هذا من المتشابه نرده للمحكم، كل من عند ربنا.

 مثلا: لو أتى شخص وقال: إن قول الله – عز وجل – في سورة هود: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ قال: هذه الآية تدل على أن أهل الجنة غير مخلدين في الجنة؛ لأن الله قال: إلا ما شاء ربك؟

 فيمكن أن يجاب بأحد الأجوبة التي ذكرها أحد العلماء، لكن جواب عام عن هذه الشبهة وعن غيرها أن يقال: هذا من المتشابه، فنرد هذا المتشابه إلى المحكم، والمحكم الوارد في النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة أن نعيم الجنة نعيم دائم لا ينقطع.

 هذا جواب تستطيع أن تجيب به عن أي شبهة تلقى عليك، تقول: غاية ما تكون هذه الشبه أنها: من المتشابه، والمتشابه يرد للمحكم، والمحكم يدل على كذا، وكذا، وكذا.

حجاب المرأة، لو أتى أحد وألقى شبها حول الحجاب، يمكن أن يجاب بأحد الأجوبة التي ذكرها أهل العلم، لكن جواب عام يقال: هذا غاية ما يكون من المتشابه، فنرده للنصوص المحكمة التي تدل على أن المرأة يجب عليها أن تتحجب عن الرجال الأجانب ...إلى آخره، وهكذا.. هذا جواب تستطيع أن تجيب به عن أي شبهة تلقى عليك، وتقول: غاية ما تقول أنت يا فلان أنه من المتشابه، فنرده للمحكم، ورد المتشابه إلى المحكم هذه طريقة الراسخين في العلم ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ما دام أنه كله من عند ربنا لا يمكن أن يختلف، ولا يمكن أن يتناقض.  

    

ونكتفي بهذا القدر في اللطائف الفوائد،، والله تعالى أعلم.

 

* * *

  • تاريخ ومكان الإلقاء: جامع الامير مشعل بن عبدالعزيز بحي الخزامى 1439/1/26هـ